الاثنين 6 رمضان 1439 هـ :: 21 مايو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

سنة التدافع والتمكين


عناصر المادة
المقدمة
بعض حكم غلبة الكفار للمسلمين
المقصود بسنة المدافعة
بعض حكم سنة التدافع
حتمية استمرار الصراع بين الحق والباطل
الصراع والتدافع بين أهل الباطل أنفسهم
بعض حكم الصراع والتدافع بين الكفار أنفسهم
نهاية الصراع بين المسلمين والكفار
أكذوبة التعايش السلمي العام
أنواع التدافع بين المسلمين والكفار
بعض صور المدافعات بين الحق والباطل في العصر الحديث
تطبيق حكم الله في الواقع
شروط التمكين والاستخلاف في الأرض
الإعداد والتربية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
المقدمة
00:00:10
فقد تحدثنا في الدرس الماضي عن "سنة المداولة"، وأن الله -تعالى- لحكم عظيمة، يداول الأيام بين الناس، وأن المداولة هي انتقال الغلبة والسيطرة والهيمنة والقوة من قوم إلى آخرين.
ومن السنن الإلهية أيضاً: "سنة التدافع"، وهي مرتبطة ب "سنة المداولة"، بالإضافة إلى "سنة الاستخلاف والتمكين"، ولها علاقة كذلك ب "سنة المداولة".
أما بالنسبة ل "سنة المداولة" التي تحدثنا عنها، فإن الله -سبحانه وتعالى- يعطي الدنيا للمؤمن والكافر، والغلبة والهيمنة هو أمر دنيوي، ولذلك قد يعطيه الله للكفار، بخلاف الجنة، فإن الله لا يعطيها لكافر، والآخرة أعدها الله -سبحانه وتعالى- للمتقين: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83]. أما العلو في الدنيا، فقد يحدث للكافر؛ لأنه أمر دنيوي.
فالبر والفاجر، والمؤمن والكافر، ينالان من الدنيا من جهة الغلبة والتحكم والسيطرة، ويكون الأمر يوم لهؤلاء، ويوم لهؤلاء، كما جرت سنة الله،والمقصود يوم لهؤلاء، يعني دهرا، قد يطول وقد يقصر.
بعض حكم غلبة الكفار للمسلمين
00:01:41
وقد جرت سنة الله -تعالى- أن تكون المواجهة بين أوليائه وأعدائه مستمرة، فيدال هؤلاء على هؤلاء تارة، وهؤلاء على هؤلاء تارة، قال ابن القيم -رحمه الله-: "إنما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه، وغلبته له، وإذائه له في بعض الأحيان، أمر لازم لا بد منه" [إغاثة اللهفان: 2/189].
لو قال قائل: لماذا تكون الدولة للكفار أو الغلبة للكفار أحياناً؟ لماذا يقهر الكفار المؤمنين؟ لماذا يتغلب الكفار على المؤمنين أحياناً؟
يقول ابن القيم -رحمه الله-: "هذه من طبيعة الدنيا" كما أن الدنيا يقول فيها حر وفيها قر، فيها أذى من جهة الجو، كذلك يكون فيها أذى من هذه الجهة، قال: "إنما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه، وغلبته له، أذاه له في بعض الأحيان أمر لازم لا بد منه، وهو كالحر الشديد، والبرد الشديد، والأمراض والهموم والغموم، فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار" [إغاثة اللهفان: 2/189].
زيف نضرية: "فوكوياما":
ف"سنة المداولة" التي شرحناها، بناءً عليها نعرف زيف ما يكتبه بعض الكفار -مثلاً- ما زعمه "فوكوياما" صاحب: "نهاية التاريخ" الذي ذكر: أنه بعد انهيار الشيوعية، وانتصار الديمقراطية الغربية، أنه هذه هي نهاية العالم، وأن -الآن- السيادة للديمقراطية الغربية إلى الأبد، وأن العالم وصل إلى قمة النضج والقوة، وقمة النبوغ، ونحو ذلك، وأن هذه الديمقراطية الغربية، هي التي ستسود، وهذه "نهاية التاريخ" ما في بعد هذا شيء يخلف.
بناءً على سنة المداولة، فإن نظرية "فوكوياما" باطلة، بعد عرضها على القرآن والسنة، وأن الله -سبحانه وتعالى- سيُعقب أشياء بعد هؤلاء، وأن التاريخ لن يقف لهم، وأن قوة الغرب دورة من دورات الزمن، وستنتهي قطعاً، والزمن لن يقف عند هذا الحد، والتاريخ لن ينته عند المشهد الموجود -الآن-، وهناك دورات قادمة، تحقيقاً لقول: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: 140].
حتى علماء المسلمين، وحتى الذين أرخوا للإسلام، ما فعلوا مثل ما فعل هذا الرجل، بل إنهم كانوا يعرفون بقدر الله الذي أجراه، وسننه الكونية والدنيوية، في الواقع، في الأفراد، وفي المجتمعات، وما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، كانوا يعلمون أن هذه الدورات مستمرة في البشر، ولذلك ما تكلموا عن مصيبة سقوط الأندلس، كيف كانوا في القوة، وكيف أصبحوا، قال الشاعر:
 
لكل شيء إذا ما تم نقصان *** فلا يُغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول *** من سره زمن ساءته أزمان
هذا قوله: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: 140].
دول، يعني مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء، الغلبة تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء.
 
أين الملوك ذوي التيجان من يمن *** وأين منهم أكاليلل وتيجان؟
وأين ما شاده شداد في إرم *** وأين ما ساسه في الفرس ساسان؟
وأين ما حازه قارون من ذهب *** وأين عاد وشداد وقحطان؟
وهذه الدار لا تبقي على أحد *** ولا يدوم على حال لها شان
والله -سبحانه وتعالى- أرى المسلمين بعد استضعافهم في مكة نصراً عظيماً في بدر، وبعد هزيمة أحد نصراً عظيماً في معارك متعددة، انتهت بفتح مكة.
أرى الله المسلمين قيام دولتهم في الأندلس ثمانية قرون، ثمانمائة سنة.
بعد سقوط دولة المسلمين إلى الآن ما مضى ثمانمائة؟.
فهذه المدة التي كانت لهم في الأندلس، ثم بعد ذلك استولت النصارى على دولة المسلمين.
 
فيوم لنا ويوم علينا *** ويوم نُساء ويوم نُسر
والقضية ليست خبط عشواء، بل هي حكم إلهية: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران: 140]. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 141]وليستخرج الله ما في النفوس، وليحدث ما يكون من العطاء والتقديم لهذا الدين، وكذلك من الجبن والتخاذل والنفاق والقعود.
المقصود بسنة المدافعة
00:07:34
من السنن الإلهية العظيمة المرتبطة أيضاً بالموضوع: "سنة المدافعة".
وما المراد منها؟
التدافع، دفع هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء، معناها: أن هنالك صراع، بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الإسلام والكفر.
بل هناك صراعات حتى بين الأمم الكافرة نفسها، وقد يقع صراعات بين المسلمين أنفسهم.
استمرار الصراع بين البشر:
فسنة الصراع بين البشر، إلهية ثابتة، منذ أن خلق الله البشر، حتى قال ابن خلدون: "اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله" قال: "وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل" [مقدمة ابن خلدون، ص: 145]. فالذي يحلم بأن ينتهي الصراع من العالم تماماً، هذا يعيش في وهم، لا حقيقة له.
والوقت الوحيد الذي سيكون فيه سلام عالمي كامل، هو زمن عيسى -عليه السلام-، بعد ما يقتل الدجال، وبعد هلاك يأجوج ومأجوج، يعيش المسلمون في الأرض مدة معينة، هي قصيرة بالنسبة لعمر الأرض، يكون فيها سلم كامل، وبعد ذلك يقبض الله أرواح المؤمنين، ويبقى شرار الخلق، وبعد ذلك من الناس من يبقى على الكفر إلى أن تقوم الساعة.
بعض حكم سنة التدافع
00:09:14
دلت سنن الله -تعالى- على هذا التدافع في الأرض، كما قال سبحانه: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 251]. وقال ربنا: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: 39 - 40].
بين الله -تعالى- الحكمة من هذه السنة، وهي: حفظ الدين من الانهيار، وحفظ الدنيا من الفساد، فقال: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة: 251]. فلولا هذا التدافع، إذا غلب الكفار ستستمر غلبتهم، لن يدفعهم أحد، لن يجاهدهم أحد، لن يغلبهم أحد، ولذلك بين أن الحكمة من التدافع، نفي إطباق الفساد على الأرض.
فالتدافع من حكمته الإلهية: أن لا يعم الفساد الأرض، فتتعطل منافعها، وتبطل مصالحها، حتى أماكن العبادة ستهدم، ستزال، لولا سنة التدافع ما بقي لله في الأرض بيت عبادة، لا صوامع، وهي معابد النصارى الصغار للرهبان، ولا البيع، وهي أماكن عبادة هؤلاء الكبيرة، والصلوات، كنائس اليهود، والمساجد، معروفة.
ما هو الممدوح من الصوامع والبيع والصلوات؟
الجواب: الممدوح منها الذي من أجله سن الله المدافعة، للحفاظ عليها، هي: الصوامع والبيع والصلوات قبل التحريف.
فقبل تحريف التوراة والإنجيل، كانت الصوامع والبيع والصلوات، مثل المساجد، يذكر اسم الله فيها، ويوحد، ويُعبد وحده لا شريك له، كما كان الموحدون من أتباع موسى وعيسى -عليهما السلام-، فكانوا هم المسلمون في الأرض.
فإذاً، لولا المدافعة كان هذه الأماكن للعبادة هُدمت وذهبت.
نحن نشهد اليوم في الشام على سبيل المثال، وما يفعله كذلك اليهود في فلسطين: تهديم للمساجد بمنائرها ومآذنها، وجدرانها، واقتحامها وتدنيسها وتخريبها، وإلقاء مصاحفها، ونحو ذلك؛ هذا بدون مدافعة، كان سيعم الأرض، فلا يبقى لله مسجد، ولا مصحف يقرأ فيه، ولا أذان يُرفع.
إذاً، التدافع سيحصل من ورائه حماية لهذه الأشياء، فتُستنقذ وتبقى، ويُعاد إعمار ما خرُب منها، ويُبنى المزيد، ويُنفى عنها الدنس، ويُدرأ عنها العدو، قال السعدي -رحمه الله- في تفسيره: "أي لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار، وتكالب الكفار، لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها، وإقامتهم شعائر الكفر، ومنعهم من عبادة الله، وإظهار دينه، ولذلك ختم الله الآية بقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[البقرة: 251].[انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص: 108].
حيث لم يجعل أهل الباطل ينفردون بالناس، بل قيض لهم من أهل الحق من يقاومهم، ويواجههم، ويدفعهم، ويغلبهم.
وهذا يجعل الحق في النهاية يدمغ الباطل فإذا هو زاهق، قال ابن عباس ومجاهد في الآية: "لو لا دفع الله بجنود المسلمين وسراياهم ومرابطيهم لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين وخرّبوا البلاد والمساجد" [الكشف والبيان عن تفسير القرآن: 2/224].
حتمية استمرار الصراع بين الحق والباطل
00:14:55
وهذه الآيات والسنن الإلهية: دليل على أن هذا الصراع حتمي، باق في الأرض، وأن لله شهداء، مسلسلهم سيستمر، ولولا التدافع ما كان ليسقط هؤلاء الشهداء، فيقوموا عند الله بأحسن مقام.
الذين يؤثرون السلام، والخوف من عناء المدافعة مع أهل الباطل، لن يسلموا من المشقة والعناء، بل سيقعون فيما هو أكبر من ذلك؛ لأن الكفار إذا تمكنوا واستولوا، حتى هؤلاء الذين يريدون السلامة والراحة، لن يستريحوا؛ لأن الأعداء سيستولون على كل شيء، فلن يتركوا لمريدي الراحة أهلاً، ولا مالاً، ولا بيتاً، ولا نفساً، ولذلك القعود لا يُنجي.
ورغبة بعض الناس في الابتعاد عن هذا الموضوع، ويقولون: نحن نريد السلامة! مالنا ولهذه الأشياء! اتركونا نعيش بسلام؟! فنقول: هم لن يتركونا، أعداؤنا لن يتركونا، أعداء الله يريدون أن يهيمنوا، ويسيطروا على كل شيء.
وهذا التدافع قد يكون بين أهل الحق وأهل الباطل كما حصل في معركة بدر في صراع التوحيد ضد الوثنية، وفي واقعة الأحزاب في مواجهة المسلمين لليهود والمشركين، وفي اليرموك في مواجهة أهل الإسلام للصليبيين، وفي القادسية في مواجهة أهل الإسلام للمجوس عباد النار، وفي حطين أمام الصليبيين، وفي عين جالوت أمام التتر والوثنيين، وهكذا..
الصراع والتدافع بين أهل الباطل أنفسهم
00:17:06
هل يقع تدافع وصراع بين أهل الباطل أنفسهم؟
الجواب:
بطبيعة الحال والواقع: نعم.
لماذا؟ أليسوا كفاراً؟
نقول: لأجل التنافس على الدنيا، والجاه، والسلطان، وبسط السيطرة، والنفوذ، ولذلك وقع بين الكفار أنفسهم في القديم والحديث صراعات كثيرة، وحروب عظيمة، كالحرب العالمية الأولى والثانية، وغيرها. فالصراع بين الكفار في هذه الحالة ليس صراعاً من جنس مواجهة الحق للباطل، والإسلام للكفر، لكنه صراعاً على الدنيا.
ولو حدث بينهم قاتل ديني كالقتال بين طوائف النصارى أنفسهم، أو قتال النصارى لليهود، ونحو ذلك، كما حصل لبخت نصر لما تسلط على يهود بيت المقدس، وعلى بني إسرائيل لما انحرفوا، فأذاقهم الله عذاب الخزي في الحياة الدنيا.
على أية حال: ما يحدث بين الكفار من القتال، هذا الصراع الذي حدث بين الإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية الرومانية -على سبيل المثال- صراع على النفوذ، وقد يكون قتالاً بين أهل الأديان الباطل، كما قد يتقاتل الوثنيون مع أهل الكتاب، ولما قويت بريطانيا قامت ألمانيا، وصار بينهما تدافع، ولما قويت أمريكا صار بينها وبين روسيا تدافع، وهكذا..
بعض حكم الصراع والتدافع بين الكفار أنفسهم
00:19:03
فمن وراء ذلك حكم أيضاً قد يكون منها فائدة للمسلمين بتقاتل الكفار فيما بينهم، وهذه السنة، وهي المدافعة بين الكفار أنفسهم، والتقاتل بين الكفار أنفسهم، هي سنة إلهية خاصة من سنة التدافع العامة.
هذه السنة الإلهية الخاصة مذكورة في القرآن: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ [الحشر: 14] يمكن تدل بعمومها على قتال يحدث بين اليهود أنفسهم.
تدافع أو قتال، مواجهات، قال الله -تعالى-: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: 129]
معنى: نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا:
فما معنى: نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا؟ يعني نسلط بعض الظلمة على بعض، فيقتلونهم، ويقع لهم إهانة من بعضهم لبعض، وإذلال من بعضهم لبعض، وسيطرة وتغلب من بعضهم على بعض.
لماذا؟ عقاب: بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا فيسلط الله ظالماً على ظالم، فيفتك به، ويقتله، ويأخذ ماله، ويحتل بلده، ونحو ذلك، فإذاً، المدافعات بين الظلمة والكفار أنفسهم، هي سنة إلهية أيضاً، لماذا؟ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. من الحكم من روائها: قد يكون فيه فوائد للمسلمين؛ لأن الله إذا أشغل الكفار بعضهم ببعض، حصل من وراء ذلك نجاة، أو قوة لأهل الإسلام.
وقد يُضعف الله بعض الكفار بضرب بعضهم ببعض، فيكونون جميعاً غنيمة للمسلمين، وهذا له أمثلة في التاريخ، قال ابن زيد -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: 129] معناه: "نسلط بعض الظلمة على بعض، فيهلكه ويذله" [الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 7/85]. قال ابن كثير: "لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شر أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب؛ لفسدت الأرض، وأهلك القوي الضعيف" [تفسير القرآن العظيم: 5/435]. فلو ترك الله القوي من البشر يأكل الضعيف، ولم يكن للضعيف عودة، لاستمر الأقوى، وهلك الأضعف إلى الأبد.
بعض حكم التدافع بين المسلمين والكفار:
التدافع بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ما هي الحكمة من ورائه؟ ويكشف عن ماذا؟
الجواب: هذا مسلسل أذن الله ببدئه من يوم أن خلق آدم، وقال له: يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه: 117]وما زال الشيطان يكيد لآدم، حتى أُهبط إلى الدنيا، وانتقل ميدان الصراع إلى الأرض: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة: 36] يعني: آدم وذريته أعداء لإبليس وذريته.
ومن المعلوم: أن العدو يجد ويجتهد في إيصال الضرر إلى عدوه، وإيقاع الشر به بكل طريق، وأن يحرمه الخير بجميع الوسائل، ولن تنته هذه المعركة إلا بقيام الساعة.
نهاية الصراع بين المسلمين والكفار
00:23:16
ما هو آخر صراع على الأرض بين أهل الإسلام وأهل الكفر؟
فتح بيت المقدس، إهلاك الدجال، وهزيمة اليهود من جهة، ومعركة مرج دابق، وهزيمة مليون نصراني، مع فتح القسطنطينية من جهة أخرى، ثم فناء المشركين -يأجوج ومأجوج- الوثنيين، أو الكفرة، بآفة من الله -تعالى-.
هذا نهاية الصراع بين أهل الإسلام وأهل الكفر في الأرض، بعد هذه المواجهات الكبرى التي يسميها العلماء: الملاحم الكبرى، بعد الملاحم ما في معارك، ولا مواجهات بين أهل الإسلام وأهل الكفر.
فإذاً، لو قال واحد: نهاية المعارك بين المسلمين والكفار؟
نهاية المعارك بين المسلمين والكفار، هي الملاحم الكبرى.
الشيطان مستمر، وعداوته مستمرة، وأهل الحق وأهل الباطل العداوة بينهما مستمرة، معنى ذلك: أن المواجهات والمعارك مستمرة.
وقال الله -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام- موضحاً هذه المسألة: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 4].
وعن صفية بنت حيي أنها قالت: "لم يكن من ولد أبي وعمي أحد أحب إليهما مني، لم ألقهما قط مع ولد لهما أهش إليهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله قباء نزل قرية بني عمرو بن عوف، غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا فاترين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إلي واحد منهما، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: تعرفه بعينه وصفته؟ فقال: نعم والله، قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: "عداوته والله ما بقيت" [دلائل النبوة: 2/533].
ولذلك قال ورقة بن نوفل للرسول -صلى الله عليه وسلم-: "يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أو مُخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزرا" [رواه البخاري: 3]والله -عز وجل- أصدق القائلين، ومن أصدق من الله قيلا، قال لنا: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة: 217]. فإذاً، أن تضع الحرب أوزارها بين المسلمين والكفار، ما يمكن، ستستمر إلى الملاحم الكبرى.
وأهل الباطل لن يتركوا أهل الحق في حالهم، وأهل الحق لن يتركوا الدعوة إلى الحق والجهاد في سبيل الله، وقد قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة: 120].
أكذوبة التعايش السلمي العام
00:27:50
إذاً، أنشودة التعايش السلمي العام في الأرض، مكذوبة، باطلة، بحسب السنن الإلهية، والآيات والأدلة الشرعية، غير ممكنة، مستحيلة.
والترويج لها؟
يُراد منه تخلي المؤمنين عن الحق، إبعاد المؤمنين عن المواجهة، تنازل المؤمنين عن حقوقهم ودينهم ومقدساتهم، التبعية، وحصول الموالاة الكاملة للكفار، الذوبان للمسلمين، هذا المقصود من وراء الترويج لقضية التعايش السلمي العام، فلا يمكن أن يوضع القرآن مع الكتب المحرفة بين دفتي كتاب واحد أبداً.
والله -تعالى- قال لنا في حقيقتهم: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: 118].
فكيف سنتعايش مع قوم قال الله فيهم هذا؟ وقال أيضاً: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [التوبة: 10]؟ كيف يمكن التعايش، مع قوم قال الله عنهم: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 105]؟ كيف يمكن التعايش، مع قوم قال الله عنهم: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ [البقرة: 109]؟
فإذاً، لا يمكن المسالمة مع هؤلاء مسالمة تامة، قد تعقد هدنة مؤقتة، قد يكون هناك عهد، كما ذكر الله في العهود بين المسلمين وغيرهم، لمصالح معينة يراها المسلمون لمصحلتهم، يعقدون هدنة، لكن مؤقتة، ولذلك نص كثير من الفقهاء على أنه لا يمكن أن تكون مدة أي هدنة أو صلح بين المسلمين والكفار أكثر من عشر سنين، قالوا: هذا هو الحد الأعلى.
أحقد الكفار على الإسلام وأهله:
ثم إن أهل الكفر أنواع، فهؤلاء المشركون الباطنية أحقد من على وجه الأرض على الإسلام وأهله.
وهناك من الملاحدة، وهناك من أهل الكتاب، وهناك من الوثنيين.
وبعضهم أشد عداوة للمسلمين من بعض.
فإذا قلت لي: من أحقد من على وجه الأرض ضد الإسلام وأهله؟
فأقول لك: الباطنية، هؤلاء القرامطة أحقد ناس على المسلمين على وجه الأرض، أحقد من أهل الكتاب بلا ريب ولا شك.
ومن تأمل أعمالهم عبر التاريخ الإسلامي لوجد هذا مطابقاً للواقع.
أحقد ناس الذين اقتحموا بيت الله الحرام، وقتلوا الحجاج، ودفنوا ماء زمزم، وتركوا الناس يموتون من العطش، وألقوا الجثث على سطح الكعبة، وسال الميزاب دماً، هؤلاء أحقد ناس على أهل الإسلام.
هل يمكن المسالمة مع هؤلاء؟
فإذا كان دين بعضهم الوقيعة في ديننا، وفي أصحاب نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وفي كتابنا، وفي أحاديث الوحي، كيف تتصور أن ناس يدينون بهذا يكون بينهم وبين أهل الإسلام مسالمة تامة؟ ما يمكن.
أنواع التدافع بين المسلمين والكفار
00:31:36
التدافع بين أهل الإيمان والكفر، لا يقتصر على جانب واحد، وهو الاقتتال بالسيف أو بالسلاح، بل إن المواجهة والمدافعة في أمور كثيرة، فقد تكون هناك مدافعة اقتصادية، قد تكون هناك مدافعة إعلامية، قد تكون هناك مدافعة أيضاً باللسان والقلم، وتكون هناك مدافعات اجتماعية، ونحو ذلك.
فالمدافعات أنواع، وليست مدافعات بالسنان فقط، وهذا واضح الآن، فهناك مدافعات عبر الشبكة، وهناك مدافعات عبر القنوات، هذه ما يصح أن تسقط، هذه من أوجه المدافعة العظيمة، يعني: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ [الحـج: 40].
سواء دفع هؤلاء بهؤلاء بالسلاح، دفع هؤلاء وهؤلاء بالقلم، دفع هؤلاء بهؤلاء في الخطابة، في المناظرة، دفع هؤلاء بهؤلاء في الاقتصاد والإعلام، ونحو ذلك.
هذه مدافعات، كلها مدافعات، كلها تحت سنة المدافعة المستمرة التي لا يمكن أن تتوقف.
فبيان الحق، وإزالة الشبهات، والرد على الباطل، هذه لا تتوقف.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة المنكر، مدافعة لا تتوقف.
بيان سبيل المؤمنين، وطريق الحق والسنة، وكشف الباطل والبدعة، وسبيل المجرمين، مدافعة لا تتوقف.
الصبر على الحق، والصبر أمام كيد الأعداء، وأذى العدو، مدافعة لا تتوقف.
وقمة ذلك: الجهاد والقتال في سبيل الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة".
-تأمل- ابن تيمية قال عن التدافع الجهاد بالصناعة "فيجب بغاية ما يمكنه" هذا من كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- [المستدرك على مجموع الفتاوى، ص: 170].
كلام مهم جداً في بيان أوجه المدافعة بين أهل الحق وأهل الباطل.
بعض صور المدافعات بين الحق والباطل في العصر الحديث
00:34:15
فيوجد اليوم مدافعات على الشبكة بالبرمجيات، المدافعة بالبرمجيات الآن من أقوى صور المدافعة.
مدافعة إعلامية، بالمناظرة التلفزيونية، من أقوى صور المدافعة.
الردود، بالمقالات والبيان والكشف، هذه من أقوى صور المدافعة.
تحدث أنواع من المقاطعات الاقتصادية لأهل البدعة، أو لأهل الكفر، هي من أنواع المدافعة.
قريش قاطعت بني عبد المطلب، لا يبيعون منهم، ولا يشترون منهم، ولا يزوجونهم، ولا يتزوجون منهم.
يعني فعلوا مقاطعة اجتماعية، ومقاطعة اقتصادية، فحاصروهم، وجوعهم.
فإذاً، المدافعات أنواع، ومن عرف هذا انكشفت له أمور كثيرة، وذكر الأمثلة يطول، لكن المسلم إذا استحضر أنه الآن تحت السنن الإلهية تحدث كل هذه الأشياء، ومن أراد فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومن شاء أن يتقدم ومن شاء أن يتأخر، من شاء أن يبذل ومن شاء أن يقعد، من شاء أن يعمل، ومن شاء أن يكسل، خلاص الآن تتبين الحقيقة، على ضوء السنن الإلهية، فسر ما يحدث، من عمل ومن خمول، ومن إقدام، ومن إحجام وتولي.
نتيجة المدافعة: يحدث للمسلمين تمكين واستخلاف، وهي سنة أخرى من السنن الإلهية التي تتم على الأرض.
سنة الاستخلاف وأهميتها:
ومعنى: الاستخلاف: النصر والتمكين للمؤمنين على الأرض: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 55].
وهذه أوعاده تعالى الصادقة قد شُوهد تأويلها، وحصولها في الواقع، فإن من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، استخلفه الله في الأرض، ونصره ومكنه، ولا يزال هذا إلى قيام الساعة، إذا قام المؤمنون بالدين، وتمسكوا بحبل الله المتين، فإن الله -عز وجل- يؤيدهم ويعينهم، ويديلهم، ويسلطهم، ويمكنهم.
وسنة الاستخلاف والتمكين، سنة عظيمة جداً؛ لأنه ينبي عليها قيام دين الله في الأرض، وحكم القرآن والسنة للواقع، وتطبيق الأحكام الإلهية بين البشر، لماذا أنزل الله الكتاب؟
ليحكم في الأرض.
تطبيق حكم الله في الواقع
00:37:38
فسنة الاستخلاف والتمكين ينبي عليها: تحقيق الحكم الشرعي، وإقامة حكم الله -تعالى-.
والأمة إذا وصلت إلى تمكين وإلى قوة، فأقاموا كتاب الله، حصل المقصود من إنزال الكتاب، وإرسال الرسل، ليقيم الله الدين في الأرض.
ارتباط سنة الاستخلاف والتمكين بالعودة الصادقة للدين:
وقد جاءت النصوص الشرعية تبين الارتباط الوثيق بين الاستخلاف والتمكين، وبين العودة الصادقة للدين.
فمع كون المداولة سنة إلهية إلا أن الله أخبرنا أن العاقبة للمتقين، وأخبرنا أن النصر للمؤمنين: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: 171- 173]. وهذه بشارة عظيمة لمن كان من جند الله، فاستقامت أحواله، وقام لله، والله ناصر من نصره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: 7]وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: 40]قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128] يعني: الهيمنة لهم، والغلبة لهم، وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: 140] فتكون تارة للمؤمنين، معنى ذلك: أنه سيكون فيها تمكين لهم.
ومعنى: أن الله -سبحانه وتعالى- يداولها بين الناس، أنها ستكون في بعض الأحيان لأهل الإيمان، "وكذلك الرسل تُبتلى ثم تكون لهم العاقبة" [رواه البخاري: 2804، ومسلم: 4707] كما قال هرقل لأبي سفيان.
شروط التمكين والاستخلاف في الأرض
00:39:26
لكن هذا التمكين والاستخلاف لا بد له من شروط، حتى يزول الخوف، ويحل الأمن، لا بد من شروط، حتى يزول الفقر، ويحل الغنى، لا بد من شروط: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ [النور: 55].
حتى يزول الضعف، وتحل القوة لأهل الإسلام: كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور: 56].
الإيمان والعمل الصالح:
أولاً: الإيمان بالله، والعمل الصالح: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [النور: 55].
ثانياً: التوحيد، وإخلاص العبادة لله: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا. وهذا بمعنى الأول؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة، سواءً كانت صلاة، صياماً، زكاة، حجاً، ذبحاً، براً، صلةً، أمراً بمعروف، نهياً عن منكر، جهاداً، إحساناً، ذكراً، تلاوةً، وهكذا.
محاربة الشرك والبدع:
ثالثاً: من شروط التمكين المهمة التي لا يريد بعض الإسلاميين، من يقولون عن أنفسهم أنهم إسلاميون اليوم، القيام بها: محاربة الشرك والبدع.
بعض الذين يسلكون اليوم مسالك غير مرضية، ويسمون أنفسهم: إسلاميين، لا يريدون محاربة الشرك والبدعة، مع أن محاربة الشرك والبدعة من شروط الاستخلاف والتمكين؛ في الآية المتقدمة في الاستخلاف والتمكين قال: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًالا يُشْرِكُونَ ولا يرضون عن شرك ولا يبقونه، بل يحاربونه.
فإذا تُرك الشرك في البلد، فلا يمكن لذلك المجتمع أن ينتصر، ولا يُمكن الله هؤلاء؛ لأنهم لم يستكملوا ويستوفوا شروط النصر.
الصبر والتقوى::
رابعا: الصبر -ولا شك- من شروط التمكين: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا [الأعراف: 137]. قوله: بِمَا صَبَرُوا يبين أن التمكين الذي حصل لهم إنما هو بالصبر.
خامسا: التقوى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف: 96].
فهذه ثمرتها، تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وتترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
استمرار الإعداد:
سادسا: هذا التمكين الوصول إلى القمة ممكن، لكن ماذا بعد ذلك، لا بد من المحافظة على التمكين، وإلا يهرب النصر، ويزول التمكين، فمن الأسباب: استمرار الإعداد: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال: 60].
فالاستمرار في إعداد القوة، وتقوية المسلمين، وهذا الكلام ما استطعناه، وهذا الكلام شامل للديني والدنيوي، والعلمي، والفقهي، والنفسي، والسلاح، والسلوك، والمال، والإعلام، وغير ذلك، أَعِدُّوا: لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍقُوَّةٍ نكرة في سياق الأمر تفيد العموم، قال تعالى: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ [الأنفال: 60] تنفق وقتاً، جهداً، عقلاً وتفكيراً وتدبيراً ورأياً ومشورةً، تنفق لساناً، طاقة كلامية، تنفق طاقة كتابية، تنفق طاقة شعرية نثرية خطابية، تنفق مما أعطاك الله من قوة التدبير، هذه البرمجيات من قوة العقل: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [الأنفال: 60].
فأسباب التمكين منها معنوي ومنها مادي، ولا شك أن إعداد الأمة، وتربية الأفراد الربانيين، والقادة الربانيين، طلبة العلم الربانيين، الدعاة الربانيين، القدوات الربانيين، هذا من أعظم أسباب التمكين، ومن أعظم أسباب النصر؛ لأن النصر لا يأتي من فراغ، لا بد من ناس يقومون بالأمر، ويتبعهم باقي الناس، والنبي -عليه الصلاة والسلام- اجتهد في هذا غاية الاجتهاد في مكة والمدينة.
الإعداد والتربية
00:44:39
وهذا الإعداد والتربية لهؤلاء يجلب التمكين، يعقوب ربى يوسف، ويوسف عمل بطاعة الله، فتمكن ومُكن: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: 56] مكن لبني إسرائيل بتربية موسى لهم، هؤلاء الذرية، الشباب الصغار: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس: 83]
كذلك: الاستعانة بالله، والصبر، مكن الله لداود بعد طالوت وقتل داود جالوت: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ [البقرة: 251]وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص: 20]وهكذا آتى الله داود وسليمان من أسباب القوة ما آتاهما، ومكن لذي القرنين: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: 84] أمددناه بكل ما يحتاج، مال، جند، سلاح، يسرنا له أسبابها، فصارت في يده، يغزو ولا يُغزى، فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: 85] استعمل الأسباب في نشر دين الله: قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الكهف: 95] فاستولى على البلاد مشارقها ومغاربها، وطافها فاتحاً في سبيل الله، مكن الله لمحمد -صلى الله عليه وسلم- ولأصحابه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة: 54].
مكن الله للمسلمين في القديم والحديث، فتحوا بلدانا، أسقطوا دولا، استولوا على عروش، أخذوا أموال أكابر أهل الأرض، صارت فيئاً للمسلمين.
لكن لما تمكنوا ماذا فعلوا؟
وهذا ممكن يستفيد منه هؤلاء المسلمون في البلاد العربية، إذا أورثهم الله أرضاً أو دياراً أو بلاداً، وحكمهم فيها، ومكنهم منها، وسلطهم عليها، ماذا يجب أن يفعلوا؟
قال الله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج: 41].
هذا الأمر بالمعروف، وهذا النهي عن المنكر، وهذه إقامة الصلاة، وهذا إقامة الدين، وهذا نشر التوحيد، وهذا محاربة الشرك، وهذا الأخذ بأسباب القوة، وهذا الصبر، هذا ما يلزم.
ووعي الدرس اليوم في خضم التغيرات التي يتعرض لها العالم العربي، والإسلامي، والعالم أجمع.
إن وعي موضوع الاستخلاف والتمكين بشروطه في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الأمة؛ في غاية الأهمية؛ لأن هناك أياماً سيكون لها ما بعدها.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعجل بنصر أهل الإسلام، وأن يُذل أهل الشرك، وأن ينصر عباده الموحدين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.