الجمعة 10 رمضان 1439 هـ :: 25 مايو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

يا عباد الله اثبتوا


عناصر المادة
انتفاش الباطل وفرضية مواجهته:
مقاصد الكفار من ممارسة الضغوط على المسلمين:
عدم الاستجابة لضغوطات الكفار:
بعض صور التغيرات المذمومة:
وسائل الثبات على الحق:
الثبات أمام الإغراءات:
الثبات أمام التخويف:
الثبات في الفتوى:
الثبات على السنة:
إعداد جيل يحمل الراية بعد رحيل الجيل السابق:
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة أيتها الأخوات: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وبعد:
انتفاش الباطل وفرضية مواجهته:
00:00:27
 فإن مواجهة الباطل في هذا الزمان فرض عظيم.
إنه باطل قد أرغى وأزبد، إنه باطل قد انتفش وارعد، إنه باطل قد هيمن وطغى، ولا بد لأبناء الإسلام من المواجهة.
فهذا أوان الثبات أمام الطغيان، وهذا وقت المسارعة في طاعة الرحمن.
الباطل له صولات وجولات، وله جنود وآلات، الباطل له طرق وله وسائل.
الباطل لا بد أن نتعرف كيف نثبت أمامه، وما هي وسائله وطرقه، وهذا موضوع طويل، وسيكون لنا فيه وقفتان -إن شاء الله- في هذا الدرس والذي يليه -بمشيئة الله، الثبات أمام أهل الباطل وطرق الباطل وأهل التلبيس والتدليس.
لماذا نجد عدد من الناس لا يثبتون؟ لماذا نجدهم يتغيرون؟ لماذا نجد الإيمان يتزعزع؟ لماذا نجد العقيدة تهتز؟ لماذا نجد الالتزام أحكام الإسلام يتغير عند البعض؟ لماذا يضعفون؟ لماذا يفترون؟ لماذا ينتكسون؟ لماذا يتقهقرون؟ وإلى الوراء يرجعون وفي الهاوية ينحدر؟ لماذا؟ لماذا هذا التغيير؟
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن بين يدي الساعة فتناً كأنها قطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ثم يمسي كافراً، ويمسي مؤمناً، ثم يصبح كافراً، يبيع أقوام خلاقهم بعرض من الدنيا يسير  [رواه الإمام أحمد: 18404، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 810].
قال الحسن: "والله لقد رأيناهم صوراً ولا عقول، أجساماً ولا أحلام، فراش نار وذبان طمع، يغدون بدرهمين، ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز" [مسند أحمد: 30/354].
 بين يدي الساعة  يعني: قدامها من أشراطها، فتن عظام، ومحن جسام، ولا ندري لعلنا نقبل عليها، نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يصرفها عنا، ولكن إذا لقيتموها فاثبتوا، كقطع الليل المظلم  كقطعة من الليل المظلم في سواده من شدتها، وعدم تبين أمرها كما قال الشراح.
إذًا، هناك التباسات، هناك خفاء، هناك ظلمة، هناك عدم وضوح، تحير، اضطراب.
 يصبح الرجل  في هذه الفتن متقلباً قد تذبذب قوله، وتنوع فعله، ونقض عهده، وخان أمانته، صار المعروف عنده منكراً، والمنكر عنده معروفاً، والسنة عنده بدعة، والبدعة عنده سنة، بل ربما يصبح الكفر إيماناً والإيمان كفراً.
 يبيع دينه بعرض من الدنيا  بقليل من حطامها.
مقاصد الكفار من ممارسة الضغوط على المسلمين:
00:04:16
 يا أيها الإخوان: ألسنا الآن في ضغوط من الأعداء؟ أليسوا في ضغوطهم علينا يمهدون لتغيير منهجنا وديننا بهذه الضغوط، والألة العسكرية الضخمة؟
إن هذا الضغط الذي يريدون من ورائه إثنائنا عن تمسكنا بالحق، وعدولنا عن اتباع منهج الله -سبحانه وتعالى-، إنهم يريدون التغيير، حتى القرآن يريدون تغيره، حتى سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-.
والعجب العجاب: أن بعض الكفار قد صرحوا، عضو في البرلمان البريطاني يصرح الآن أن زعماء الكفار يريدون إعادة كتابة القرآن.
قضية كبيرة جداً، إنهم يريدون التغيير، المسألة خطيرة، المخطط ضخم، يريدون إحداث التغيير.
عدم الاستجابة لضغوطات الكفار:
00:05:11
 ونحن مسلمون لنا مبادئنا وديننا وشرعتنا ومنهاجنا:  لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا  [المائدة: 48]، لا يمكن أن نحيد عنها.
القضية الآن قضية معرفة الخطط، وكيف نثبت أمام هذا الباطل؟ كيف نثبت أمام التغيرات التي يريدون إحداثها؟
إننا لا بد أن نقاوم هذا التغير -يا عباد الله-.
المسألة مسألة مفاصلة لا بد من أول الطريق أن نعلنها صريحة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  [الكافرون: 1 - 6].
أعلنها محمد بن عبد الله صريحة مدوية بأمر الله: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ  [الأنعام: 56].
لقد مارسوا عليه ضغوطاً، والكفار يضغطون في كل زمن، في كل وقت يستطيعون فيه إحداث ضغط على أهل الإسلام يفعلون ذلك، مارسوا عليه أنواعاً من الضغط، وقالوا له: اطرد الفقراء من عندك، كيف تريدنا أن نجلس مع هؤلاء الأعبد؟ قال الله: وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ  [الأنعام: 52].
لا تستجب لمطالب الكفار، القضية خطيرة، لا استجابة لمطالب الكفار، لا يمكن لا يمكن أن نتراجع أمامهم: وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ  [الأنعام: 52].
قال الله عن نوح لما أحدث قومه نفس هذا المنهج بالضبط: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [المؤمنون: 114 - 115].
هكذا إذا يجب أن يكون الرفض لدعوات الهالكين، وعدم الاستجابة لهؤلاء الكافرين، وأن لا نظلم أنفسنا ولا نظلم غيرنا.
إنهم يريدون منا أن نكتم الحق، وأن نغيره.
ويجب علينا أن نعلنه، وأن نثبت عليه:  إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ  [البقرة: 159].
هؤلاء اليوم الذين يريدون أن يغيروا في ديننا، في كتابنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وفي أحكام شريعتنا، في ولائنا للمؤمنين، وبرائنا من المشركين، وجهادنا في سبيل الله.
لقد حاولوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- من قبل، وقال الله -تعالى-:  وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ  [الإسراء: 73 - 75] لو فعلت هذا، لو ركنت إليهم شيئاً قليلاً:  إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء: 75].
بعض صور التغيرات المذمومة:
00:08:21
 أيها الإخوة: لماذا نجد هذه التغيرات وهذه التقهقرات موجودة عند العدد من المسلمين والمسلمات مع الأسف؟
ترك للعبادات، ترك للواجبات، فعل للمحرمات، تغير في الأسلوب، تغير في الطريقة، تغير المنهج، لين مع أهل الباطل، ترك لأشياء من الإسلام، الإعراض عن أحكام من الدين، التساهل في أحكام من الشريعة، لماذا غيرت يا أخي؟ لماذا تراجعت؟ هل درست المسألة لو أنه على مستوى مسألة فقهية مثلاً، قال: أنا كنت مثلاً الآن أنا أرى أن هذا التصوير الفوتوغرافي لا بأس به؟ لماذا تفعل هذا الآن؟ هل أنت كنت من قبل ترى تحريمه عن دراسة والآن عملت دراسة أخرى واستجدت لك أشياء، أم أن المسألة اتباع الهوى؟ لماذا كنت تقول من أول: الدش مثلاً محرم والآن صرت تركبه عندك لماذا؟ هل القضية نتيجة مراجعة فقهية مثلاً؟ دراسات مستجدة من قبلك لنصوص الشريعة، وقواعد الشريعة مثلاً؟ أم أن المسألة اتباع هوى؟ بينوا لنا الآن، نريد أن نعرف لماذا هذه التراجعات؟ حتى في بعض الأحكام متعلقة ببعض العبادات، ما كان لا يجوز عنده صار يجوز الآن، لماذا جوزته الآن؟ هل صارت دراسة جديدة؟ هل أنت مثل الشافعي رحل إلى مصر فرأى علماء آخرين، وأحاديث لم يسمع بها فأخذ بها، واعتمدها، وقال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد، لماذا تغيرون؟ ما هي الأسباب؟ ولماذا التغيير دائما يكون إلى الأخف، ما شاء الله؟ لماذا؟
هناك أمور فعلاً محيرة، من أول مفاصلة للكفار، وعدم الركوع أمامهم، وعدم التراجع، الآن نرجع نريد نمد الجسور والصلات لماذا؟ على مستوى قضايا عقدية تراجعات، على مستوى قضايا فقهية تراجعات، على مستوى الإيمان يوجد تراجعات، لماذا هذه التراجعات؟ لماذا يحدث التغيير لدينا في مستوى الالتزام في بيوتنا، في زوجاتنا، في أولادنا، في طريقتنا للحياة؟ لماذا يحدث هذا التراجع؟
وسائل الثبات على الحق:
00:10:48
 يا إخوان: نحن إذا كنا لم نثبت أمام أمور يسيرة، الآن الكفار يضغطون لأمور أعظم، وتغيرات أكبر، فإذا ما ثبتنا في الأشياء اليسيرة فكيف سنثبت في الأشياء الأكبر؟ القضية خطيرة والله، القضية لها ما ورائها.
 يا عباد الله فاثبتوا  هذا العنوان، أثبتوا.
بأي شيء نثبت؟
بالإيمان: يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ  [إبراهيم: 27] هذا الإيمان الذي يثبت الله به المؤمنين إيمان القلب التام الذي يستلزم أعمال الجوارح، ويثمرها، فيثبتهم الله في الحياة الدنيا عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند ورود الشهوات بالإرادة اللازمة، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة.
لماذا نرى الآن تراجعات على المستوى الأخلاقي يا جماعة؟ لماذا كان بعض النساء تضع عباءتها فوق رأسها صارت فوق الكتف؟ كانت واسعة صارت ضيقة، كان الحجاب سميكاً صار شفافاً؟ كان خالياً من الزينة صار مزيناً؟ لماذا؟ كانت ترى الانفراد بالسائق وحدها ولا يمكن تركب معه والآن تركب وحدها؟ لماذا؟ لماذا يحدث حتى على مستوى الأدوات التي تستعمل في الألحان مثلاً لماذا كان ما لا يجوز سماعه في السابق صار سماعه الآن؟ ما الذي تغير؟ لماذا؟ لماذا يحدث هذا عندنا، في داخلنا وفي ما حولنا؟ لماذا هذه التراجعات؟
ثم يقول واحد: كان من قبل الذي ما عنده أصلاً شاشة هذا متدين، الآن الذي صار عنده قنوات مما حولنا وحوالينا هذا الآن متدين، والذي صار عنده ديجتل رسيفر؟ لماذا المسألة صار فيها الآن نزول وكلما مرت فيها فترة رأينا تغيراً عند البعض؟ ماذا حدث؟ والله الآن الأمور تغيرت، والأمور تغيرت، وصار لا بد أن نتفاعل مع هذه المستجدات، ما هي هذه المستجدات؟ لا تغير علينا ديننا؟ لماذا؟ كنتم راضين بأحكام أهل العلم، وكانت فتاوى ابن باز وابن عثيمين فوق رؤوسكم وأنتم تعملون بها، ثم تقولون: الآن ظهر مشايخ جدد، وأراء جديدة ماذا؟ كم سنة مر عليها مئات السنين؟ ثم تقولون: الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، هذا كان من أول، طيب والآن ماذا حدث؟ ماذا حدث؟ ما هو الجديد في الموضوع؟
ولذلك عندما تجد بعض الناس يغيرون الآن على أحكام الفقه والشريعة، يريدون بعث أقوال جديدة، شاذة، ضعيفة مرجوحة، قال بها واحد، سبحان الله، قال بها واحد، لماذا تريدون أن تنسفوا الآن ما استقر عند الناس من أحكام؟ عرف الناس علماء بلدهم وتابعوهم، الذين قدموا لهم الفقه بالأدلة الصحيحة، لماذا الآن تريدون الإعراض عنهم وتقولون: تلك أمة مضت، راح، الشيخ مات، سبحان الله، وهل الذي أخذت بقوله الآن أعلم منه؟ أجب إن كنت صادقاً مع نفسك أجب، هل هو أعلم من الأول؟ متى يترك الإنسان الحكم الأول؟ أليس لأنه ظهر له بطلانه مثلاً؟ أليس لأنه قد ظهر له أن الحكم الجديد أدلته أقوى، أو هو مقلد فظهر أدلته أقوى من العالم الأول؟ وهو يعلم بأنه ليس أقوى من العالم الأول؟ فلماذا؟ لماذا إذًا التراجع عن فتاوى العلماء التي كانت تاجاً فوق الرؤوس؟ لماذا؟
أيها الإخوة: إن قضية الثبات الآن، ومسألة مقاومة التغيير الذي يراد إحداثه في الأحكام، وما كان حراماً من قبل صار جائزاً الآن قضية خطيرة، سواءً على مستوى يتعلق بالعقيدة أو بالفقه أو بأمور أخرى من وسائل الدعوة أو غيرها.
نحن نحتاج إلى ثبات: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ  [آل عمران: 8] إن هذا الزيغ الذي يقع للبعض والله العظيم إنه نتيجة اتباع الهوى، لا قضية رؤية شرعية جديدة، وأدلة تم العثور عليها الآن، وأشياء فهمت الآن، تراجعات تحت الضغوط.
قال الله -تعالى-:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ  [آل عمران: 102]، أمر الله بالثبات حتى الممات.
وكذلك فإنك ترى حتى على مستوى التدين تقهقرات، واحد كان مستقيماً يصلي في المسجد صار تاركاً للصلوات في المسجد، واحد كان بعيداً عن المحرمات صار يغشى المحرمات.
هناك تراخ في أخذ الدين، الأخ اطلع على فيلم وفيلمين، وموقع إنترنت إباحي، انتهى سقط، راح، ولى، تغير، لماذا؟
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ  [الأنفال: 45] الأعداء يغيرون علينا بسلاح الشبهات، وبسلاح الشهوات، وبسلاح المعركة الذي يسفك الدماء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ  [الأنفال: 45].
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك  فقلت: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال:  نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء  حديث صحيح [رواه الترمذي: 2140، وأحمد: 12107، وقال محققو المسند: "إسناده قوي على شرط مسلم"].
ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول:  يا مصرف القلوب ثبت قلبي على طاعتك  [رواه أحمد: 9420، وقال محققو المسند: "صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف"].
الثبات أمام الإغراءات:
00:17:20
 أيها الإخوة: إذا تأملنا واقع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو بمكة تحت ضغوط الأعداء كان صلباً في الحق، ما غير ولا بدل، وهكذا أصحابه لا مساومات ولا تنازلات، ألم يساوموه:  وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ  [القلم: 9]؟ ما داهن.
أصحابه كانوا يتخطفون من حوله، وكان بعضهم يقتل، وبعضهم يسجن، وبعضهم يعذب، وبعضهم يشوه سمعته، وبعضهم ينفى من البلد، وبعضهم تصادر أمواله، وهو مع ذلك لا يتغير، هو ثابت على دين الله، لما جاء الكفار إلى عمه أبي طالب يقولون له: إن ابن أخيك سفه آلهتنا وأحلامنا، وسب، وفعل.. وفعل..، نريد أن تفعل شيئاً؟ جاء أبو طالب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن أذاهم؟ فحلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببصره إلى السماء، فقال: ترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم، قال: والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحد من هذه الشمس شعلة من نار؟ فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط، ارجعوا راشدين" [رواه أبو يعلى: 6804، وصححه ابن حجر: والألباني في السلسلة الصحيحة: 92].
عرضت عليه الإغراءات، الآن التراجعات تحصل أمام الإغراءات وأمام الضغوط، أمام ما يفرح وأمام ما يخيف، تراجعات وتغيرات عند استلام مناصب، عند وقوع ثروة بيد، عند مخالطة أشخاص من علية القوم، عند سفريات، عند... عند...، تغيرات تراجعات، النبي -صلى الله عليه وسلم- عاشر الكبار والصغار، وصناديد قريش، وضعفاء قريش، والجبابرة، وما تغير، ولا غير، ولا بدل صلى الله عليه وسلم، قالوا له: تريد مالاً نجمع لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريش مالاً؟ إن كنت تريد النساء نختار أجمل النساء نزوجك إياها؟ إن كنت تريد شرفاً سودناك علينا فلا نقطع أمراً دونك؟ إن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا؟ النبي -عليه الصلاة والسلام- رفض، رفض وقال للرجل: أفرغت؟  قال: نعم، فقال:  حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  [فصلت: 1- 2] حتى بلغ  فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ  [فصلت: 13]، قال عتبة: حسبك"، يكفي، موعظة ، شيء مخيف، تهديد ووعيد، قال عتبة: "حسبك ما عندك غير هذا؟" قال: لا  [رواه الحاكم: 3002، وصححه ووافقه الذهبي، والألباني في صحيح السيرة: 1/160].
من أخطر أنواع الإغراءات -أيها الإخوة- التي تعرض على أصحاب الحق: الإغراءات التي تنطوي على تحقيق شيء مما يريده أهل الحق من تقديم دعوتهم، يدس أهل الإغراء من خلالها تنازلات لكي يقدمها أهل الحق عند شيء مما يقولونه أو يفعلونه، المشركون أرادوا استدراج النبي -صلى الله عليه وسلم- بإظهار الموافقة له على بعض ما يقول مقابل أن يستجيب لهم، واحدة بواحدة، هذه سياسة خطوة خطوة، خطوة منهم وخطوة منه حتى يحدث التقاء في منتصف الطريق، رفض، طلبوا منه الإنظار لمدة سنة حتى يبقوا على آلهتهم ثم يسلموا بعد ذلك، رفض، قال ابن عباس: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معصوماً، ولكن هذا:  وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً  [الإسراء: 74]، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا لا يركن أحد منهم إلى المشركين في أحكام الله وشرائعه" [الجامع لأحكام القرآن: 10/300].
 وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ  [الإسراء: 74] ثبتناك على الحق لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً  [الإسراء: 74]، إذًا الإنسان مفتقر إلى تثبيت الله له، محتاج إلى أن يكون ربه معه، وأن يؤيده، وفيها تذكير لمنة الله على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
الثبات أمام التخويف:
00:22:38
 إن الباطل يخوف، يرهب، عندهم إرهاب، ما الذي نواجهه به؟
تذكر عظمة الله -تعالى-، قال أبو الحسن الباجي تلميذ العز بن عبد السلام: "طلع شيخنا عز الدين مرة إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة، فشاهد العسكر بين يديه، ومجلس المملكة، وما السلطان فيه يوم العيد من الأبهة، وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصرية، وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان، فالتفت الشيخ إلى السلطان، العز يقول للسلطان: يا أيوب، بالاسم المجرد، يا أيوب ما حجتك عند الله إذا قال لك: يا أيوب ألم نبوء لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟ فقال السلطان: هل جرى هذا؟ عندنا خمور تباع؟ الاستغشام، قال: نعم، الحانة الفلانية تباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، يناديه بأعلى صوته والعساكر واقفون فقال السلطان: يا سيدي هذا ما أنا عملته، هذا من زمان أبي، فقال: أنت من الذين يقولون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: 22]؟ فرسم السلطان، أصدر مرسوماً بإبطال تلك الحانة.
يقول الباجي: فسألت الشيخ لما جاء من عند السلطان وقد شاع هذا الخبر: يا سيدي كيف الحال؟ قال: يا بني رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه، فقلت: يا سيدي أما خفته؟ فقال: والله يا بني استحضرت هيبة الله -تعالى- فصار السلطان قدامي كالقط.
لماذا لما أوتي بالمظلوم المفترى عليه يطلب منه أن يكتب استرحاماً قال: إن أصبعي السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة لا يمكن أن يكتب حرفاً يقر به حكم طاغية؟ "إن سجنت بحق فأنا أقبل حكم الحق، وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل.
إن قصص الأولين التمعن فيها يضفي على النفس ظلالاً من الثبات: وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ  [هود: 120]، نثبت قلبك بسير الأنبياء السابقين، نقصها عليك لتثبت، "وتصبر كما صبر أولوا العزم، فإن النفوس تأنس بالاقتداء" الواحد إذا رأى معه آخر على الطريق فرح، استبشر، اطمأنت نفسه، كلما زادوا ازداد ثباتاً، ولذلك من الذي ثبت معك؟ فلان وفلا وفلان وفلان؟ وسير وقصص، وهكذا يتأسى، "ويتأيد الحق بذكر شواهده، وكثرة من قام به [ابن سعدي في التفسير، ص: 392].
معرفة قيمة الحياة الدنيا هي التي تجعلنا نثبت أمام انتفاش الباطل، ومهما كان قوياً، ومهما كان مخيفاً ومرعباً مهولاً، فإن معرفة حقيقة الدنيا هو الذي يجعلنا لا نكترث، اسمع الكلام؛ لأن الأعداء الآن ربما يريدون أن يرونا أسلحة ما رآها البشر من قبل، وأن يحدثوا في الحروب كوارث غير معهودة من قبل، وأن يكون لقصدهم ونيرانهم دوي لم يسمع به من قبل، حتى ترهب النفوس هذا.
لكن اسمع كيف يكون موقف المواجهة: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى  [طـه: 71]، ماذا كان الجواب؟
 قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا  [طـه: 72]، وقسماً بالله الذي فطرنا، وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا  [طـه: 72]، إذًا هذه القضية.
فإذا سمعت بالكفار يريدون إحداث موجات من الرعب في المسلمين نتيجة قصف وإحراق وتدمير، ونتيجة أسلحة فتاكة، تطغى على الأسماع، وتطم على الأبصار، وتهيمن الأخبار على العقول، وتجعل الناس يخافون ويرهبون، ويركعون ويستسلمون، فاعلم بأن القضية تعالج بمعرفة قيمة هذه الحياة الدنيا، ملعونة ملعون ما فيها ، [رواه الترمذي: 2322، وابن ماجه: 4112، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 2797] لا تساوي عند الله جناح بعوضة،  فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا  [طـه: 72]، اسمها: دنيا؛ لأنها دنية.
ولذلك إذا سمعت قذف القنابل، وسمعت الأوصاف التي تخبرك عن رهبة الحرب، فتذكر علامات القيام، إذا الشمس كورت، إذا النجوم انكدرت، إذا السماء انشقت، إذا الجبال سيرت، إذا البحار سجرت.
تذكر الأهوال هذه تنسيك كل القنابل هذه، إيش هذه؟ إيش يعني عشرة آلاف كيلو؟ عشرة طن إيش يعني؟ إذا البحار سجرت:  إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا  [الزلزلة: 1] إذا رجوا عشرة كيلو متر مربع بقنبلة فإن الله يرج الأرض كلها يوم القيامة:  إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا  [الواقعة: 4 - 6] نحن نريد الآن أن نعرف كيف نثبت أمام هذا الطغيان.
معرفة قيمة الدنيا، وتذكر الآخرة، وتذكر عظمة الله.
ثم الإنسان لا بد أن يثبت لأنه قد يتعلق به غيره، لذلك الذين ثبتوا في قضية خلق القرآن مثل البويطي -رحمه الله- صاحب الشافعي لما امتحنه والي مصر في محنة خلق القرآن ولم يجب، وكان الوالي حسب الرأي فيه، قال له: قل فيما بيني وبينك، ما توصل للخليفة أنا وإياك على انفراد، قال: إنه يقتدي بي مائة ألف، يعني: أنا الآن إذا قلت كلمة باطل انسحبت على مائة ألف، فأمر به فحمل إلى بغداد لما رآه مصراً أرسله إلى الخليفة، فقال: لئن دخلت عليه لأصدقنه ولأموتن في حديدي هذا، القيود، حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن، يعني: الثبات على الحق قوم في حديدهم.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية": قال وهب: أوتي رجل من أهل زمانه إلى ملك كان يفتي للناس على أكل لحم الخنزير، يجبر الناس يأكلون لحم الخنزير، فأعظم الناس مكانه، وهالهم أمره، فقال : الآن الناس تعلقوا بهذا الرجل العالم، الذي أوتي به إلى الملك الذي يفتن الناس على أكل لحم الخنزير، فقال له صاحب شرطة الملك سراً بينه وبينه: أيها العالم اذبح جدياً مما يحل لك أكله، ثم ادفعه إلي حتى أصنعه لك على حدة، أنا أطبخ لك الجدي هذا اللحم الحلال، أنا أطبخه لك على حدة، فإذا دعا الملك بلحم الخنزير، أمرت به لحم الجدي هذا فوضع بين يديك فتأكل منه حلالاً، ويرى الملك والناس أنك إنما أكلت لحم الخنزير، فذبح ذلك العالم جدياً ثم دفعه إلى صاحب الشرطة، فصنعه له، وأمر الطباخين إذا أمر الملك بأن يقدم إلى هذا العالم لحم الخنزير أن يضعوا بين يديه لحم هذا الجدي، واجتمع الناس لينظروا أمر هذا العالم، هل يأكل أم لا؟ وقالوا: إن أكل أكلنا، وإن امتنع امتنعنا، فجاء الملك، فدعا لهم بلحوم الخنازير، فوضعت بين أيديهم، ووضع بين يدي ذلك العالم لحم ذلك الجدي الحلال المذكى، فألهم الله ذلك العالم، فألقى في روعه وفكره، فقال: هب أني أكلت لحم الجدي الذي أعلم حله أنا، فماذا أصنع بمن لا يعلم، والناس إنما ينتظرون أكلي ليقتدوا بي وهم لا يعلمون أني أكلت لحم الخنزير، فيأكلون اقتداءً بي، لا يعلمون إلا إني أكلت لحم الخنزير، فيأكلون اقتداءً بي فأكون ممن يحمل أوزارهم يوم القيامة، لا أفعل والله إن قتلت وحرقت بالنار، وأبى أن يأكل، فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه، ويوميء  إليه ويأمره بأكله، أي إنما هو لحم الجدي، فأبى أن يأكله، ثم أمره الملك أن يأكل فأبى، فألحوا عليه فأبى، فأمر الملك صاحب الشرطة بقتله، فلما ذهبوا به ليقتلوه، قال له صاحب الشرطة: ما منعك أن تأكل من اللحم الذي ذكيته أنت؟ قد علمت أنه هو؟ أليس كذلك؟ قال: قد علمت أنه هو، ولكن خفت أن يتأسى الناس بي وهم إنما ينتظرون أكلي منه ولا يعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنزير، وكذلك كل من أريد على أكله فيما يأتي من الزمان يقول: قد أكله فلان، فأكون فتنة لهم، فقتل رحمه الله.
قال ابن كثير: فينبغي للعالم أن يحذر المعايب، ويجتنب المحذورات، فإنه زلته وناقصته منظورة، يقتدي بها الجاهل.
وقال معاذ بن جبل: اتقوا زيغة الحكيم.
وقال غيره: "اتقوا زلة العالم فإنه إذا زل زل بزلته عالَم" [البداية والنهاية: 9/321].
الثبات في الفتوى:
00:34:09
 ولذلك -يا أيها الإخوة والأخوات- إذا استقر عندنا من كلام العلماء الثقات أن الأمر الفلاني محرم، مثلاً: أفتى العلماء في الفرق بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري، وقالوا: التأمين التجاري ميسر محرم، وبينوا الفرق بينه وبين التأمين التعاوني.
بدأ يطلع ناس يقولون: التأمين حلال بأنواعه، من هؤلاء الجدد؟ من هؤلاء؟ من هم بالنسبة للعلماء الآخرين؟ نكرات، أقزام.
وإذا قال علماؤنا: إنه لا يجوز للمرأة أن تقود السيارة مثلاً، وإن ذلك يترتب عليه الفتن الفلانية، والمفاسد الفلانية، والمحرمات الفلانية.
فجاء الآن واحد، بعضهم يريد أن يؤيد القضية من هؤلاء؟
أقزام، تتزاحم تحت أقدام العلماء الكبار.
ويعني: لو مات العالم يعني انتهت صلاحية فتواه أم ماذا؟ ولذلك هؤلاء الذين يريدون أن يضلوا الناس اليوم باتباع الهوى.
ويأتي الجهال ويقولون: في واحد أفتى، في واحد أفتى هو هذا الذي سينفعك عند الله أنه في وأحد أفتى؟ يعني: تأخذ ما وافق هواك لأنه في واحد أفتى؟
هذه قضية عدم الثبات في الأحكام الفقهية الآن، الفتاوى، المصيبة الكبيرة الآن التي نزلت في الناس، طلع واحد أفتى، مرحباً، أفتى أيش يعني؟ ماذا يعني أفتى؟ يعني إذا كان العلماء الثقات قد خالفوه، أو هو خالفهم يعني، فماذا يعني إذا أفتى فلان، يعني: متساهل، زل، إذا كان عالم زل، خالف الثقات.
ونسأل الله أن لا نرى هذا، وإلا المصائب العظيمة، ولذلك فكر، فكر أجيال المسلمين ستنشأ على ماذا، ربما يقول الجيل الذي مضى عرف أشياء من الحق، لكن ربما يطلع جيل في المستقبل ما يستمع إلا لهؤلاء الأقزام، أنصاف المشايخ.
وكذلك فإن الإنسان أحياناً يثبت بسبب واحد أقل منه، وليس بسبب واحد أكبر منه، ممكن يثبتك واحد أكبر منك، وهذا كثير، تثبت بسبب عالم، بسبب داعية، بسبب رجل قوي الإيمان، صاحب عبادة، غيرة على الدين، تثبت بوصيته، بكلامه، بنصيحته، بمؤاخاته، بمصاحبته، لكن أحياناً واحد أقل منك ربما يعطيك درساً يثبتك به، قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة منذ وقت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها، قال: يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيداً، وإن عشت عشت حميدا، فقوى قلبي [البداية والنهاية: 10/366].
من الذي ثبت أحمد هنا في القصة؟
أعرابي.
قال عبد الله بن الإمام أحمد: "كنت كثيراً أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم، فقلت: يا أبت من أبو الهيثم؟ قال: لما أخرجت للسياط لما أخرجت للضرب من السجن، سيأخذوني للتعذيب إذا أنا بشاب يجذب ثوبي من ورائي، ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا أبو الهيثم العيار اللص الطرار، يعني: أنا حرامي، طرار، عيار، لص، مكتوب في ديوان الخليفة: أني ضربت 18 ألف سوط بالتفاريق، يعني: تعلم أنا جرائمي الكثيرة أنا عدد السياط التي ضربوني عليها مفرقة 18 ألف سوط، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين.
حرامية زمان غير حرامية الآن، يا أحمد إني أصبر على الضرب وأنا على الباطل أفلا تصبر عليه وأنت على الحق؟
ثم تعظيم النصوص، الارتباط بالكتاب والسنة من أهم الأشياء في التثبيت؛ لأنه لو زاغ فلان، وزاغ فلان، عندك نصوص، عندك آيات وأحاديث، إذا فهمتها صح على تفسير السلف أنت على خير عظيم جداً جداً، ولذلك قال: ((كتاب الله وسنتي، تمسك بهما، عضوا عليها بالنواجذ الكتاب والسنة.
احفظ يا أخي ما استطعت من نصوص الكتاب والسنة، عندك آيات وأحاديث، لو واحد جاء يلعب عليك بفتوى باطلة عندك آيات وأحاديث، المهم أن تفهم كما فهمها السلف.
الإمام أحمد لما ذهب به للنقاش مع المبتدعة يقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله حتى أقول به؟ هات دليلاً؟ القرآن مخلوق أعطني دليلاً؟ هات دليلاً؟ وفي المناقشات يرجع أحمد يقول: هاتوا دليلاً من الكتاب والسنة؟ بالنقاش مع ابن أبي دؤاد، ثم أحمد يقول: هاتوا من الكتاب والسنة، حتى ابن أبي دؤاد زل زلة خطيرة ، قال: أنت لا تقول إلا بالكتاب والسنة؟ إيش ما عندك غير الكتاب والسنة وبعدين؟ قال: وهل يقوم الإسلام إلا بهما؟
الثبات على السنة:
00:40:42
 من الأمور الخطيرة أيضا: أن ما كان يراه البعض بدعة، وينافح من أجل إبطاله، ويفاصل أهل البدعة، صار بعض الناس يقول عنه الآن: إنه اختلاف في وجهات النظر، اسمع الكلام الآن حتى تعرف الآن قضية التغيرات يعني، أهل الباطل، أو كيف يروج للباطل، قضية أنه الشيء الذي كان ينظر عليه أنه بدعة وخطير، صار يقال: هذا اختلاف في وجهات النظر، في أسس تهتز، العقائد، الأمور المتعلقة بالتوحيد والشرك، صارت خلاف في وجهات النظر، ومسالة اجتهادية، ومثل ما هو موجود مذاهب فقهية أيضا هذه، يعني: أنت تتوقع ممكن يعني يروج نكاح المتعة على عامة المسلمين، ممكن الآن، الآن إعلام أهل البدعة يروج لنكاح المتعة، ويروج لكثير من الباطل، وقنوات فضائية تشتغل، وشيء ما كان بالعربي صار بالعربي.
ويخرج أهل البدعة هؤلاء من أهل الرفض وأهل التصوف على القنوات، والعامة تستمع، ولأنه لا توجد قاعدة ولا خلفية علمية الناس تبدأ تقتنع، ولذلك لا تستغرب إذا صار انتقال تغير عند الناس يعني، بعضهم الشيء الذي كان يراه بدعة ممكن يراه الآن يعني جائزة، مقبولة، وممكن يعني يقول: والله نكاح المتعة أحسن من الزنا هذا يعني حل، قضية العهر العالمي والفساد الأخلاقي المنتشر، نكاح المتعة، ممكن يروج، ممكن على العامة، وجيل وراء جيل، تتغير الأمور، ولذلك خذ القصة هذه من عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- مع أبي موسى الأشعري، جاء أبو موسى إلى عبد الله بن مسعود ما وجده خرج بعد، قال أصحابه: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: لا، فجلس حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمراً أنكرته، وقع في قلبي أنه في غلط، ولم أر والحمد لله إلا خيراً، لكن يعني في الظاهر عندي إحساس أنه فيه خطأ لكن الظاهر أنه كلام طيب، قال: ما هو؟ قال: رأيت في المسجد قوماً حلق جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، فيقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ ابن مسعود يقول لأبي موسى، قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك، وانتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم يعني شيئا؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالو: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم وأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شئياً، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- متوافرون، وهذه ثيابه لم تبلى، وآنيته لم تكسر، والذي نفسه بيده إنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد -صلى الله عليه وسلم-، أو مفتتحوا باب ضلالة"، واحدة من الثنتين، قالو: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، وضعنا قائداً، يقودنا، سبحوا مائة نسبح مائة، لكي لا نفتر، لكي لا نكسل، لكي لا ننصرف بعد الصلاة، هذا واحد يلزمنا، ويشجعنا، ويقودنا، يكبر مائة، قال: وكم مريد للخير لن يصيبه؟ إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حدثنا أن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمر بن سلمة: رأينا عامة تلك الحلق يطاعنون يوم النهروان مع الخوارج، يعني: هؤلاء أهل البدع هذه صاروا في جيش الخوارج.
إعداد جيل يحمل الراية بعد رحيل الجيل السابق:
00:46:00
 من الأمور المهمة -أيها الإخوة- في مواجهة الباطل وللثبات، وحتى لا تحدث عندنا تغيرات: أن تكون هناك تربية يسلم فيها الجيل المتقدم للجيل الذي بعده الراية بمبادئ وأسس وثوابت في العقيدة والأحكام، والأخلاق والآداب والشريعة، تربية تنتقل من جيل إلى جيل، من الآباء إلى الأبناء، إلى الأحفاد، وهكذا من جيل الشيوخ إلى جيل الشباب إلى الأطفال، وهكذا لا بد يكون عندنا تربية مؤسسة عبر الأجيال وإلا الأجيال ستتغير، وهي أمانة في أعناقنا، لازم ننقل الحق للجيل الذي بعدنا.
إذا أردنا أن نقاوم التغير، لو واحد قال: الآن والله نحن نرى الأمور في تغيرات خطيرة، في تنازلات خطيرة في تراجعات خطيرة، ما كان حراماً صار حلالاً، وما كان بدعة صار سنة، وما كان باطلاً صار حقاً، نقول: لا زم ننقل للأجيال التربية للأجيال القادمة، جيلاً بعد جيل، ولذلك لو صار النقل هذا صحيح عن طريق التربية تأمن من الانحرافات، قال أبو حمزة: قلت لرياح أبي المثنى: أليس قد رأيت يعني ابن مسعود؟ قال: بل، وحججت مع عمر ثلاث حجات، وأنا رجل، قال: فإذا رأيت علقمة -طبعا علقمة تلميذ عبد الله بن مسعود- فإذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله أشبه الناس به هدياً وسمتاً، وإذا رأيت إبراهيم النخعي، وهو من تلاميذ علقمة، فلا يضرك أن لا ترى علقمة أشبه الناس به سمتاً وهدياً، شوف لاحظ الانتقال، يعني: عبد الله بن مسعود لما نقل العلم والأسس والثوابت والدين لتلميذه علقمة، الذي شاف علقمة كأنه رأى ابن مسعود، والذي رأى إبراهيم النخعي تلميذ علقمة كأنه رأى علقمة.
إذًا، هناك تربية تنتقل عبر الأجيال، إذا هناك تعليم وهذه الضمانة لعدم حدوث التحريف والتغير.
أيها الإخوة: إننا نحتاج إلى تثبيت والله، وإن الله -تعالى- يثبت المؤمنين في المعارك في السلم والحرب: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ  [الأنفال: 12].
يجب أن نقاوم التغيرات، يجب أن نقاوم الباطل، يجب أن نقاوم الإغراءات كما تقدم، هذه الإغراءات التي تجعل الواحد يتخلى عن المبادئ، يغريه بمنصب، يغريه بمال، يغريه بمكانة، يكون له شيء من هذه السمعة، فيتغير، تتغير نفسه، يقول ابن القيم -رحمه الله-: ولقد ناظرت بعض علماء النصارى فلما تبين له الحق بهت، فقلت له: أنا وهو خاليين، ما معنا أحد: ما يمنعك الآن؟ يعني: يا أيها القسيس النصراني ما يمنعك الآن من اتباع الحق؟ فقال لي: إذا قدمت على هؤلاء الحمير، يقول ابن القيم هكذا لفظه، يعني هو يصف اتباعه بالحمير، يقول: إذا قدمت على هؤلاء الحمير فرشوا لنا البسط تحت حوافر دابتي، وحكموني في أموالهم ونسائهم، ولم يعصوني فيما آمرهم به، وأنا لا أعرف صنعة، ولا أحفظ قرآناً، ولا نحواً ولا فقهاً، فلو أسلمت لدرت في الأسواق أتكفف الناس، فمن الذي يطيب نفساً بهذا؟
إذًا ما الذي منع القسيس من الإسلام؟ ما الذي منعه من الإسلام؟
منصبه بين قومه، الدنيا، المكانة بين قومه النصارى، وهو عارف أنهم على الباطل، ويقول: حمير، فقلت له يعني ابن القيم: هذا لا يكون، كيف تظن بالله أنك إذا أثرت رضاه على هواك يخزيك، ويذلك، ويحوجك، ولو فرضنا أن ذلك أصابك، فما ظفرت به من الحق والنجاة من النار ومن سخط الله وغضبه فيه أتم العوض عما فاتك [ينظر: هداية الحيارى: 2/439].
يا أخي لو فرضنا أنك عشت بقية حياتك فقيراً، وراح المنصب، وراح المال، وراح الجاه، وراح التضخيم والتعظيم، الذي ستناله من النجاة من النار أعظم من هذا متاع الدنيا الزائل، يعني: أصلاً متاع الدنيا مهما كان كثيراً فإنه قليل، قال الله -تعالى-:  قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ  [النساء: 77]، لو ملايين الملايين قليل؛ لأنه زال.
لما تكون هناك تربية -أيها الإخوة- المشكلة الآن يوجد عندنا مشكلة حقيقية، يوجد عدد كثير من الناس قاعدته الشرعية ضعيفة، يعني: كم كتابا قرأ؟ ماذا قرأ في التفسير؟ ماذا قرأ في الحديث؟ على كم عالم طلب العلم؟ كم شرحاً من الشروح حضر ؟ كم درساً من دروس التربية حضر؟ كم صار له في عالم الدعوة ؟ كم صار له في عالم طلب العلم؟ كم سنة هو ممارس للعبادات؟ يعني: الواحد إذا كان صاحب قاعدة قوية في العلم والعبادة يثبت، لكن إذا كانت القاعدة ضعيفة، يعني، تقول له: كم درساً حضرت؟ ماذا قرأت؟ بعض الكتب من هنا، وماذا سمعت متفرقات؟ نتف متفرقات، وكم صار لك في الدعوة؟ قال: والله ما فكرت أني أدعو، ولو فكرت أني أدعو ما مارست هذا أصلاً.
إذاً لا توجد قاعدة ثابتة، كيف يثبت الإنسان؟
كعب بن مالك -رضي الله عنه- لما تربى مع النبي -عليه الصلاة والسلام- لما جاء في فتنة إغراء ثبت، الرجل ثبت رضي الله عنه، يعني بالرغم من المقاطعة خمسين ليلة كاملة لا أحد يكلمه، وزوجتك تخرج من عندك، وممنوع من الاتصال من الآخرين، ولقاء الآخرين، ومحادثة الآخرين، جاءه في خضم الفتنة خطاب من ملك غسان، تعرف معنى ملك غسان يرسل رسالة لواحد، يقول: "الحق بنا نواسك" تعال إلينا "لم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة"، عندنا لك مكان، نحن نكرمك، عندنا تصير عزيزاً، إذا أصحابك تخلوا عنك تعال إلينا، كعب بن مالك ما تردد لما قرأ الخطاب، قال: هذا أيضاَ من البلاء، "فتيممت بها التنور فسجرتها" [رواه البخاري: 4418، ومسلم: 2769].
إذًا، أحرق الخطاب، يمكن لو واحد آخر من الناس كان قال: والله إيه صح يقاطعوني إخواني في الله، يقاطعوني، هذه فرصة يقول لي: تعال، ونكاية فيهم سأذهب.
إذًا، عندنا المسألة مهمة لما يوجد إيمان في القلب، وعبادة، ودين، وتربية، الواحد يكون بعيداً عن الفتن بإذن الله، استعان المعتمد بن عباد بيوسف بن تاشفين، المعتمد بن عباد كان النصارى سيغيرون عليه، استعان بواحد أقوى منه من المسلمين ومن المغرب يأتي إليه لينصره، يوسف بن تاشفين على قتال الفرنج في الأندلس، لكن جاء ناس للمعتمد بن عباد وهو أمير البلد، قالوا له: يوسف بن تاشفين أقوى منك، إذا جاء الآن ينصرك يمكن ينقلب عليك ويخرجك من الملك والإمارة، ويضم بلدك إلى بلاده، فماذا قال؟ لئن أرعى الجمال لابن تاشفين أحب إلي من أن أرعى الخنازير للفونسو، هذه كانت كلمة ذهبت مثلاً، وراحت في كتب التاريخ، ويمكن هذا الرجل ما يوجد له أعظم من هذه الكلمة، لو تبحث في الكتب، "لئن أرعى الجمال" لو صرت عبداً عند ابن تاشفين، هذا مسلم، لو صرت راعي جمل، أرعى الجمال عنده أحسن من أن أرعى الخنازير عند الفونسو، أنا لو استعنت بالنصراني على أخي المسلم ماذا سيحدث؟ غدا النصراني يستعملني عبداً عنده.
لما نذكر قضية الاضطهاد وأثرها في ترك الحق والتنازل، فإننا نتذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه:  كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه  [رواه البخاري: 3612].
يقول صاحب شرطة المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب: "ما رأيت أحداً لم يداخل السلطان، ولا خالط الملوك، كان أثبت قلباً من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب" [سير أعلام النبلاء: 11/240]، هو لا يرانا شيئاً، نحن نضربه، ووضعنا عليه البساط، ودسنا عليه، ونزل الدم، وكاد أن يموت، ضربوه بالسياط، صفان من الجلادين، ما كان يراهم شيئاً.
لما جيء بأحد المشايخ إلى خورشيد باشا الماسوني التركي الذي أعدم خمسين من المسلمين كانوا يطالبون بتحكيم الشريعة، وعلقهم على أعواد المشانق، جاؤوا بهذا الشيخ أمام خورشيد باشا، وليس باشا ولا شيء، فقال خورشيد وهو ينظر إلى الأجساد المعلقة تتأرجح في الهواء: وهل أنت أيضاً تدعو إلى تطبيق الشريعة يا شيخ؟ فأجابه وهو ينظر إلى أجساد إخوانه الذين أكرمهم الله بالشهادة: اعلم يا خورشيد أنه لو كان لي ألف روح لما ترددت أن أجعلها كلها فداءً للإسلام، واسمع مني جيداً يا خورشيد، إنني لا أخشى حكمكم بإعدامي، فقد هيأت نفسي بشوق عظيم للذهاب إلى الآخرة لألحق بإخواني الذين سبقوني إلى أعواد المشانق لينالوا الشهادة في سبيل الله.
ربما نذكر أيضاً قضية الترهيب بالزوجة والأولاد، وأخذ الأولاد، ولكن يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ  [إبراهيم: 27]، والإنسان المسلم ربما يزيغ أحياناً لأنه إمعة، هل تعرفون ما معنى إمعة؟
يقول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "لا يكون أحدكم إمعة قالوا: وما الإمعة؟ قال: يقول أنا مع الناس إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطنن أحدكم نفسه على أنه إن كفر الناس لا يكفر" [رواه الطبراني في الكبير: 8765، هكذا يقول ابن مسعود: "ليوطنن أحدكم نفسه على أنه إن كفر الناس لا يكفر".
قيل لخالد بن الوليد وقد أسلم متأخراً: أين كان عقلك يا خالد فلم تر النور؟ نور النبوة، ما رأيت نور النبوة يا خالد بن الوليد جلست ست سنين؟ ست سنين ما أسلمت ضاعت عليك؟ هذا أين؟ في المدينة، وثلاثة عشر سنة في مكة، قال: كان أمامنا رجال كنا نرى أحلامهم كالجبال، لاحظ المشكلة، يقول: كان عندنا ناس نحن نراهم على مستوى عال، وفي الحقيقة أنه على مستوى النعال، نعال من النعال، هذا يعني من هو؟ يعني أبو جهل وأضرابه يعني، يعني هو خالد يقول: ما الذي صدني عن الدين؟ لماذا أنا ثلاثة عشر سنة في مكة وست سنوات في المدينة؟ عشرون سنة ما أسلمت؟ لأني كنت أرى ناساً أمامي أحلامهم كالجبال، إنهم أناس كبار، ولذلك لا يكون الإنسان إمعة إذا انتكس انتكس، وإذا ضل فلان ضل وراءه.
بعض الناس حججهم واهية: يا فلان أنت لماذا انتكست؟ أعطنا الصراحة؟ قال: والله أنا شفت من بعض الملتزمين تصرفات سيئة جداً، وقلت: إذا هذا هو الدين بلاش.
ولماذا؟ ما عندك الكتاب والسنة يا أخي؟ افتح الكتاب والسنة انظر هذا من الدين أو ليس من الدين؟ انظر التصرفات من الدين أو ليست من الدين، فبعض الناس هكذا يعلق نفسه على فلان وعلى فلان، إذا فلان أحسن أحسن، إذا فلان ضل ضل، وإذا فلان خالف الكتاب والسنة قال: هذا هو الدين، ولماذا يعني؟ الحق يعرف بالرجال وإلا الرجال يعرفون بالحق؟
الرجال يعرفون بالحق، الحق هو الثابت، والرجال يتغيرون ويذهبون ويجيئون.
ولذلك فإننا لا بد أن نثبت، وأن لا يكون لضلال فلان، وخطأ فلان، وزيغ فلان، وتصرفات فلان المنافية للأدب والأخلاق، والذوق، أو الدين، أنه هي بناءً عليها نثبت أو لا نثبت، غلط، لا تعلق التزامك بفلان ولا بفلان، علقه بالكتاب والسنة، يعني موتوا على ما مات عليه، هكذا المسألة إذًا ثبات إلى النهاية.
وكذلك فإن بعض الناس أوتوا من قبل زوجاتهم وأبناءهم ضغطوا عليهم، ما كان يريد أن يضع الدش في البيت، أدخلوا الدش على البيت، ما كان يريد المنكر الفلاني، المنكر الفلاني فعله، ما كان يريد أن يذهب المكان المحرم الفلاني، ذهب المكان الفلاني، لماذا؟ الزوجة ضغطت علينا، الأولاد طالبوا، الأولاد ألحوا، ما ثبت أمام الفتنة: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ  [التغابن: 14]، يجب الحذر من هؤلاء؛ لأنهم قد يوردوه المهالك.
وكذلك من الأسباب: الانفتاح على أوساط خارجية، بعض الناس لما ذهبوا للخارج لما سافر، والآن انفتح الناس على الخارج بدون سفر ، الإنترنت والقنوات الفضائية تنقلك إلى الخارج وأنت في بيتك تصبح تعيش في الخارج؛ لأنك ترى كل ما يفعله هؤلاء، وتسمع ما يفعلونه، فأنت تعيش في الخارج في الحقيقة، ولذلك أثرت المسألة على الناس، كثير منهم زلوا، ما ثبتوا، غيروا، ذهبوا إلى تلك البلدان، واحد كان معنا في هذا المسجد يا جماعة هنا، قبل أكثر من عشر سنين، مواظب على الدروس، يحضر، لكن لما سافر إلى الخارج أصبح من كبار الدعاة إلى البدعة في الجامعة التي يدرس فيها؛ لأنه تأثر بواحد من دعاة البدعة هناك فاستولى عليه، وكلمه، وأعجب به، وأخذ ما عنده، وتلقف ما عنده، وصار يدعو.
إذًا، مسألة إننا إذا غيرنا المكان تأثرنا وتراجعنا عن التمسك بالحق الذي نعرفه، ولماذا يعني هل لأنه ظهر لنا حق شيء آخر أعظم منه؟ لا، ولكن ضعف وتراجع.
وأحياناً ما تكون الضغوط الخارجية سبباً، الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- أول ما نزل في العيينة، وأميرها عثمان بن معمر نصره وأواه وانتشرت الدعوة، وحل العدل والأمان، وتسامع الناس بالأخبار، وجاء أنصار الشيخ وصارت العيينة مركزاً علمياً عظيماً، لكن متولي الأحساء ، ضغط على أمير العيينة وهدده، وأرعد وأزبد، وصارت القضية الآن قطع أشياء ومعونات وأرزاق، في النهاية اضطر الرجل، واعتذر لمحمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-وطلب منه أن يخرج من البلد.
وهكذا تحت ضغط خارجي اضطر الشيخ محمد بن عب الوهاب -رحمه الله- للخروج من العيينة.
لكن هل الشيخ تنازل؟ وقال: ما الذي يغضبهم مني؟ إذا كانت القضية القباب والأضرحة أترك أنا الدعوة إلى هدم القباب والأضرحة؟ هل تنازل الشيخ؟
لا، بحث عن موطن آخر ينتقل إليه بالدعوة، وهكذا كان حظ الدرعية الحظ الوافر العظيم؛ لأنها استقبلت الشيخ -رحمه الله-، وأيدته بالرغم من كل الضغوط، ولذلك الدرعية جاء إبراهيم باشا وهدمها على أهلها، وقتل وحرق، وأتى بالشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، شارح كتاب التوحيد "تيسير العزيز الحميد"، وربطه، وقيده، وأمر بضرب الموسيقى أمامه إغاظة له، ثم قتله، وهدمت الدرعية، وأكثر من مرة من هؤلاء أعداء الدعوة، ضغوط خارجية.
فالقضية الآن هل يثبت الإنسان أو لا يثبت؟ هل تراجع أمام المبادئ وقال: لكي تسلم الأبنية نتراجع، نتخلى عن الدعوة؟
من المواقف العظيمة التي تسجل في التاريخ: أن هذا الأمير المسلم لما رفض تسليم الرجل المسلم، وذهبت إمرته وذهبت رئاسته لكن لأنه يطبق حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-:  المسلم أخو المسلم لا يُسلمه  ،  ولا يظلمه  [رواه البخاري: 6951]، وستبقى القضية مكتوبة في التاريخ، موقف، أنه ثبت، وبالرغم من الضغوط لم يتراجع.
وبعض الناس -أيها الإخوة- قد لا يثبتون على المبادئ لأنهم يشككون فيها ،وسناتي على هذه القضية في الطرق.
بعضهم قد يخيل إليه أو يلبس عليه أن هذا تشدد، لا تغطي وجهك، لماذا؟ هذا تشدد، لا كذا، لا تلتزم بالحكم الفلاني، لماذا؟ لأن هذا تشدد، هذه حنبلية، هذه وهابية، وهكذا..
وأحياناً ما يكون التعصب للقبيلة والجماعة هي السبب في قضية عدم الثبات على الحق، ولذلك جاء عن عمير بن طلحة عن أبيه أنه جاء إلى اليمامة فقال: أين مسيلمة؟ جاءه، قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم، قال: من يأتيك؟ قال: رجل، قال: في نور أم في ظلمة؟ قال: في ظلمة، قال: أشهد أنك كذاب، وأن محمدا صادق"، ولكن لاحظ "لكن" هذه "ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر" [إمتاع الأسماع: 14/529].
وهذا الأعرابي الجلف اتبع مسيلمة، مع أنه رأى النبي -عليه الصلاة والسلام-، قال: كذاب ربيعة مسيلمة أحب إلينا من صادق مضر النبي -عليه الصلاة والسلام- لماذا؟ هذا من قبيلتنا، وذاك ليس من قبيلتنا.
لا بد -أيها الإخوة- في قضية الثبات أن نتذكر جيداً أنه مهما كانت التهديدات، فإن الإنسان إذا ثبت يكتب عند الله من الثابتين.
أيها الإخوة: مهما كانت التهديدات لا تراجع، كلام مهم جداً في هذه الأيام التي يطغى فيها الأعداء، الآن وقت التهديد والضغط للتغير، لكن لا تراجع عن الحق، ولا يمكن أن نغير، ولا بد أن تكون عندنا مقاومة وممانعة لنفشل خطتهم، أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- لما مات النبي -عليه الصلاة والسلام- ارتدت العرب، وهؤلاء خرجوا من الدين، وهؤلاء منعوا الزكاة، وصارت فوضى، ما ثبت إلا أهل مكة والمدينة والطائف فقط، يعني: أكثر العرب ارتدوا، يعني: صارت كارثة عظيمة، وأبو بكر الآن رأس المسلمين، ماذا يفعلون الآن؟ وهو يقول: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله، لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها" [رواه مسلم: 20] ثبت أبو بكر الصديق، ما هاله الأمر.
لما ارتد العرب، وكان جيش أسامة على وشك أن يذهب لما مات النبي -عليه الصلاة والسلام- عقد اللواء لأسامة، جهز جيش أسامة، الصحابة قالوا: تغيرت الأوضاع يا أبا بكر نحتاج جيش أسامة يحمي المدينة؟ يعني: العرب الآن لو هجموا على المدينة من يدافع عنها؟ جيش أسامة نحتاجه، قال: لا، لا، لا توجد ضغوط خارجية؟ وفيه عدوان متوقع؟ قالوا له: جيش أسامة جهز في وقت السلامة، الآن اختلف الوضع، قال: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة لأجهزن جيش أسامة، أمر الحرس أن يحرسوا المدينة من بقي، وجهز، وصار جيش أسامة، وانطلق جيش أسامة، العرب ارتعبوا قالوا: إذا كان هذا أخرج الجيش في هذا الوقت، معناه عنده أمثال أمثاله، فبقوا في أماكنهم، وما أغاروا على المدينة.
 مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ  [الأحزاب: 23]، وهكذا كان أنس بن النضر ثابتا على الحق، ثمانون ضربة وطعنة ورمية في جسده، ومستمر حتى تخرق الجسد، يمر بالمسلمين ويقول: ألقوا أسلحتكم ما تنتظرون قالوا؟ قتل رسول الله، قال: ما تصنعون بالحياة بعده قوموا موتوا على ما مات عليه [رواه البخاري: 2805].
مسألة الثبات ولو ذهب القائد، الثبات ولو ذهب العالم، الثبات ولو ذهب الداعية لا بد أن نثبت لا بد أن نستمر، ونقاوم التغير، الصحابة قاوموا التغير، حاول بعض الخلفاء أن يغير ماذا حصل؟ عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة، يعني: هذه بدعة جديدة صلاة العيد قبل أو الخطبة؟ الصلاة قبل، جاء مروان وغير، قال: الخطبة قبل، لماذا ؟ لأن الناس لا يجلسون له يسمعون كلامه، إذا صلى قبل، الناس ينصرفون، جعل الخطبة قبل، قام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، قال: قد ترك ما هنالك، مروان يقول: علمك هذا قديم، هذا ولى، قال أبو سعيد الصحابي: أما هذا فقد قضى ما عليه، أدى الواجب، إنكار المنكر، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:  من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان  [رواه مسلم: 49].
وهكذا لما خرج مروان وهو أمير المدينة في ذلك الوقت لصلاة العيد، وجعل المنبر، وأراد أن يرتقيه ليخطب قبل الصلاة جاءه الصحابي جذبه بثوبه، فشد الثوب وارتفع معانداً وخطب قبل الصلاة، قال له الصحابي أبو سعيد الخدري: "غيرتم والله"، مقاومة التغير مهمة جداً، "غيرتم والله، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم؟" [رواه البخاري: 956]، علمك هذا الأول خلاص، صلاحيته انتهت، مفعوله راح، فقلت: "ما أعلم والله خير مما لا أعلم"، ما أعلم من السنة خير مما لا أعلم من البدع التي أنت جئت بها.
وموقف آخر من عائذ بن عمر من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لما دخل على عبد الله بن زياد ونصحه، قال له:  إن شر الرعاء الحطمة  الذي يحطمون الناس، ويظلمون الناس، ويشتدون على الناس،  فإياك أن تكون منهم ، هذا الأمير الظالم قال: "اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-" يعني أنت لست من الصفوة، والمقدمين، أنت من النخالة، من الناس السقط، من سقط الناس، قال: "وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم" [رواه مسلم: 1830].
فهكذا إذا كان الموقف في مقاومة التغير، هكذا كان الثبات في مقاومة التغير، وهكذا كان أهل السنة يثبتون، يقول بعض أهل العلم: "عرضت على السيف خمس مرات لا يقال لي: ارجع عن دينك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك" [تاريخ الإسلام: 33/35] لا يقال: اترك الذي أنت عليه، يقال: اسكت عنا، لا تتكلم علينا فقط.
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما ذهب لمقابلة قازان ذلك الظالم، قال له ابن تيمية للملك: أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذن على ما بلغنا فغزوت بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدك كانا كافرين وما غزوا بلاد الإسلام، وأنت الآن تدعي أنك مسلم ثم تأتي إلينا وتغدر، وتقتل، وتسلب؟ فدعاه قازان إلى الطعام، فأكلوا إلا ابن تيمية، قيل له: ألا تأكل؟ قال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام المسلمين، وطبختم من أشجار الناس، وقازان يصغي لما يقول شاخص إليه لا يعرض عنه، وإن قازان من شدة ما أوقع في قلبه من هيبة ابن تيمية الشيخ قال: من هذا الشيخ؟ إني لم أر مثله، ولا أوقع من حديث في قلبي؟ فأخبر عنه، فطلب قازان من ابن تيمية الدعاء، ادع لنا يا شيخ؟ ادع لنا معك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: اللهم إن كان عبدك هذا إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا، وليكون الدين كله لله فانصره وأيده ومكنه البلاد والعباد، وإن قام رياءً وسمعة وطلباً للدنيا ولتكون كلمته هي العليا، وليذل الإسلام وأهله فاخذله وزلزله ودمره، واقطع دابره، وقازان يؤمن، وجميع الحاضرين يؤمنون، قال الشيخ الذي كان مع الوفد: فجعلنا نجمع ثيابنا خوفاً من أن تتلوث بدم ابن تيمية، يعني: الآن نتوقع في أي لحظة أن تطير رقبته، لما رجعوا من عند قازان قالوا لابن تيمية: كدت والله أن تهلكنا، وتهلك نفسك والله لا نصحبك بعد هذا، ما هذا التهور ؟ قال شيخ الإسلام: وأنا والله لا أصحبكم، قالوا: فانطلقنا من طريق وانطلق من طريق، فتسامع الناس وأهل دمشق بموقف شيخ الإسلام، وكيف أرهب قازان، فخرجوا لاستقباله إلى الطريق، يعني خرجوا من البلد لاستقبال شيخ الإسلام في نحو من ثلاث مائة فارس، وفد خرجوا، أما نحن فخرج علينا جماعة من اللصوص فشلحونا[ينظر: البداية النهاية: 14/102].
ولما استدعي الشيخ عبد الحميد الجزائري من قبل المندوب الفرنسي في بلاد الشام أيام الاستعمار أو الاستخراب في ذلك الوقت، قال له الفرنسي: إما أن تقلع عن تلقين تلاميذك هذه الأفكار، وإلا أرسلت جنوداً لإغلاق المسجد الذي تنفث فيه هذه السموم ضدنا؟ فقال الشيخ عبد الحميد: إنك لا تستطيع ذلك، فاستشاط الفرنسي غضباً، وقال: وكيف لا أستطيع؟
قال الشيخ: إذا كنت في عرس علمت المحتفلين، وإذا كنت في مأتم وعظت المعزين، وإن جلست في قطار علمت المسافرين، وإن دخلت السجن أرشدت المسجونين، وإن قتلتموني أهلبت مشاعر المواطنين، وخير لك أن لا تتعرض للأمة في دينها ولغتها.
أيها الإخوة: عدم الرضوخ للتغير الأجنبي، مقاومة ما يريده الأعداء إحداثه، هذه القضية الكبيرة التي ندندن حولها، ونريد أن نرفض التغير السلبي.
يوجد تغير إيجابي ، تغير إلى الأحسن، تغير إلى الأفضل، تغير إلى الحق، أخذ بأسباب القوة، أخذ بطريقة في النظام أحسن، هذه من  الحكمة ضالة المؤمن  [رواه الترمذي: 2687، وابن ماجه: 4169].
لكن غيروا ثوابت الدين، لا يمكن، احذفوا أشياء من الدين، لا يمكن، احذفوا  أبواباً من الفقه لا يمكن، ما في تغير ولا تبديل أبداً.
لا بد من الثبات على الحق، وأن تكون القضية دائما وأبداً أن تكون المسألة دعاء لله -سبحانه وتعالى- باستمرار، هذا الدعاء الذي يثبت الله به:  إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ [الأنفال: 11]، ما هي الفائدة العظيمة؟
ثبات القلب أصل ثبات البدن، لاحظ  وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ  [الأنفال: 11].
 وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  [البقرة: 250].
وهكذا علمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك الدعاء العظيم:  اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك  [رواه مسلم: 2654].
وهكذا علم شداد بن أوس حديثاً عظيماً، فقال لشداد:  إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة فاكنز هذه الكلمات: اللهم إني أسالك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وأسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسالك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب  حديث صحيح [رواه الطبراني في الكبير: 7135، وهو في السلسلة الصحيحة للألباني: 3228].
 اللهم إني أسالك الثبات في الأمر  أي: الدوام على الإسلام، ولزوم الاستقامة.
ولما تأتي الفتن -يا إخوان- والله أعلم بما سيأتي، ونسأل الله أن يصرفها عنا، لكن كل شيء ممكن، فتن كبيرة، فتن صغيرة، فتن تطم، فتن مفزعة، فتن تدع الحليم حيراناً، فتن لا تدع أحداً إلا لطمته لطمة، مثل فتنة الدهيماء، وفتنة الدجال، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين عن الدجال: إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة  يعني طريقا بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا  الحديث [رواه مسلم: 2937].
 يا عباد الله فاثبتوا  هذه هي الوصية، هذه هي الوصية الآن  يا عباد الله فاثبتوا .
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يثبتنا في القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه جواد كريم، سميع عليم، تواب حكيم.
وصلى الله عليه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.