الجمعة 8 شوّال 1439 هـ :: 22 يونيو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

كيف تتعامل مع والديك ؟


عناصر المادة
وجوب بر الوالدين وفضل ذلك:
قصص رائعة في بر الوالدين:
فوائد وثمرات بر الوالدين:
وسائل بر الوالدين:
التحذير من عقوق الوالدين:
بعض صور عقوق الوالدين:
بدعة عيد الأم:
ضابط عقوق الوالدين:
ضوابط شرعية في بر الوالدين الكافرين:
حق الوالدين في مال الابن:
أقوال العلماء في أخذ الأب من مال الابن:
نفقة الابن على الوالدين:
شروط أخذ الأب من مال ابنه:
حكم مطالبة الابن أباه بالدين:
شروط النفقة على الوالدين:
حكم سفر الابن للجهاد بدون إذن والديه:
سفر الابن لطلب الرزق:
سفر الابن لطلب العلم:
سفر الابن سفراً لا يؤمن فيه الهلاك:
موقف الابن إذا منعه والده من الطاعات:
أقسام طاعة الوالدين:
حكم طاعة الوالدين في ترك الواجبات:
حكم طاعة الوالدين في ترك المستحبات:
حكم طاعة الوالدين في المشتبهات:
حكم طاعة الوالدين في المباحات:
التعارض بين بر الأب وبر الأم:
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الذين ساروا على هديه.
أما بعد:
فإن موضوع الوالدين موضوع عظيم جداً ينبغي على المسلم أن يهتم به، وأن يعيره الاهتمام الكبير.
والله -عز وجل- قد أمر وحكم وقضى ونهى عن العقوق، حكم بالبر ونهى عن العقوق، فكان لزاماً علينا طاعته سبحانه وتعالى.
"التعامل مع الوالدين أدبا وفقها" هذا هو موضوعنا، فهناك آداب للتعامل مع الوالدين، وهناك أحكام فقهية تتعلق بهذا الأمر.
وجوب بر الوالدين وفضل ذلك:
00:01:00
 جاء في القرآن الكريم آيات في وجوب بر الوالدين، وعظيم فضل البر، فقال عز وجل:  وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: 23]، كما قال في الآية الأخرى:  وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  [النساء: 36]، وقال: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا  [الإسراء: 23].
فأمر بالقول الحسن، والفعل الحسن بعدما نهى عن القول السيء والفعل السيء، فقال:  فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ  وهي أدنى كلمة تدل على التضجر والاستثقال، أو تقال للاستقذار لما شمه الإنسان.
ولو علم ربك كلمة أدنى منها لذكرها محذرا منها.
فلا يؤذى الوالدان ولو بأقل القليل، ولا يسمعهما كلاما سيئاً  وَلاَ تَنْهَرْهُمَا  لا تزجرهما بالكلام، ولا تنفض يدك في وجهيهما تبرما،  وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا  [الإسراء: 23]، لا تسميهما باسميهما، ولا تكنيهما، وإنما تقول: يا أبي أو يا ابتِ ويا أمي، وكذلك تقول: لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ، وهو وقل العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ.
وقد بين عز وجل الباعث على البر تهيجا للنفوس، فقال تعالى:  وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ  [لقمان: 14].
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلا ونهارا، ليذكر الولد بإحسانه المتقدم إليه، كما قال تعالى:   وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا  [الإسراء: 24]، ولهذا قال:  أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ  [لقمان: 14]، أي: فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء" [تفسير القرآن العظيم: 6/301].
لقد امتدح عبده يحيى بأنه كان تقيا:  وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا  [مريم: 14]، فكان مسارعاً لطاعتهما عليه الصلاة والسلام، لم يكن مستكبراً لا عن طاعة ربه، ولا عن طاعة والديه.
وحدثنا عن بر إسماعيل بأبيه، وأن الله لما أوحى لإبراهيم أن يذبح ولده إسماعيل استجاب الولد، وأذعن لأمر الله، وتواضع للأب، وقال:  افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ  [الصافات: 102 - 105].
هذا الولد الصالح البار قام يساعد أباه في بناء البيت العتيق، وقاما ببناء الكعبة معاً:  وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  [البقرة: 127].
وكذلك تحلق أولاد يعقوب حوله عند موته وهو يوصيهم:  أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  [البقرة: 133]. وحتى في القرآن ضرب لنا المثل بالبنتين الصالحتين اللتين خرجتا تسعيان على أبيهما الكبير العاجز عن الغنم، وهما تذودان الغنم عن الرعاة الأجانب حتى لا تختلط بغنم أولئك القوم، تقفان حتى يفرغان الناس من السقيا فتسقيها، فيسر الله لهما موسى، هاتان البارتان يسر الله لهما نبياً كريماً يسقي لهما، ويتزوج إحداهما، ويكفيهما مؤنة العمل، ويقوم هو بالسقيا، عشر سنين،  إن نبي الله إذا قال فعل  ثمانية أو عشرة؟ عشرة، قضى أتم الأجلين، أوفاهما وأكملهما [المصنف لابن أبي شيبة: 6/335].
ومن السنة النبوية قال عليه الصلاة والسلام لما سأله عبد الله بن مسعود: أي العمل أفضل؟ قال:  الصلاة في وقتها ، قال: ثم أي؟ قال:  بر الوالدين ، قال: ثم أي؟ قال:  الجهاد في سبيل الله  [رواه البخاري: 527، ومسلم: 85].
معنى ذلك: أن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله.
بل الخروج سعيا على الوالدين والعمل لأجل الإنفاق على الوالدين، وتحصيل ما ينفق عليهما، ويسد حاجتهما هو نوع من الجهاد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:  إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله  والحديث صحيح [رواه الطبراني في الكبير: 282، وقال: "صحيح لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 1692].
لا يمكن واحد يجزي أباه حقه إلا أن يجده مملوكا فيعتقه كما قال عليه الصلاة والسلام [مسلم: 1510].
وهناك شخص نموذج من البشر دعا عليه محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، ودعا جبريل وأمن النبي -عليه الصلاة والسلام-:  رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه ، من هو هذا؟ قال:  من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة  [رواه مسلم: 2551].
 رغم أنفه  ذل، وحل به الخزي، والتصق أنفه بالتراب، رغما عنه.
وهذا دليل على حقارة هذا الإنسان.
إن بر الوالد والوالدة باب عظيم من أبواب الجنة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام:  الوالد أوسط أبواب الجنة  [رواه الترمذي: 1900، وابن ماجه: 2089، وأحمد: 27528، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 910] يعني: خير الأبواب، وأعلاها، هناك أبواب للجنة.
وجعل الله رضاه في رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين مالم يأمرا بمعصية، وقال عليه الصلاة والسلام يوصي معاوية بن جاهمة بوالدته يقول له:  الزمها فإن الجنة تحت رجليها  [رواه النسائي: 3104، ]،  الزم رجلها فثم الجنة  حديثان كلاهما حسن [رواه ابن ماجه: 2781، وحسنه الألباني في الإرواء: 1199]، وعند الرجل، الرجل ماذا يعني الزم رجليها، أو رجلها، يعني: تواضع، ما قال: رأسها، قال: رجلها، يعني: تواضع للوالدة، وأن الجنة عند رجلها، وأن الجنة لا تنال إلا برضاها.
ولذلك -أيها الإخوة- يجب أن تكون معاملتنا لوالدينا أعظم من معاملتنا لأصحابنا، لماذا؟
لأن الله قال عن الوالدين: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ  [الإسراء: 24].
وقال عن الأصحاب:  وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  [الشعراء: 215].
أيهما أعظم:  وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  [الشعراء: 215]؟ وإلا   وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ  [الإسراء: 24]؟ أيهما أبلغ وأعظم؟
 وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ  [الإسراء: 24] معناها: لا بد أن تعامل والديك أعظم من معاملتك لأصحابك المتدينين؛ لأن الله قال: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  [الشعراء: 215]، وقال عن الوالدين:  وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ  [الإسراء: 24].
وكذلك قال عليه الصلاة والسلام لما قال الرجل: "من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال:  أمك  قال: ثم من؟ قال:  ثم أمك  قال: ثم من؟ قال:  ثم أمك  قال: ثم من؟ قال:  ثم أبوك  [رواه البخاري: 5971، ومسلم: 2548].
إذًا، الصحبة، المعاملة الحسنة تكون للوالدين مقدمة على الإخوان والأصحاب.
قصص رائعة في بر الوالدين:
00:08:53
 كيف كان بر الوالدين عند الصحابة؟ كيف كان عند السلف؟
كان شيئاً عظيماً، كان عروة بن الزبير يقول في سجوده: "اللهم اغفر للزبير بن العوام، وأسماء بنت أبي بكر" في سجوده يدعو لوالديه [مصنف عبد الرزاق: 2/449، ومصنف ابن أبي شيبة: 2/199، وشعب الإيمان: /297].
كان هناك رجل من التابعين هو خير التابعين أويس القرني، النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر عنه أنه خير التابعين، وذكر من أسباب ذلك  له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره  والحديث في صحيح مسلم: 2542].
يقول محمد بن المنكدر: "بت أغمز رجل أمي وبات أخي يصلي ليلته فما تسرني ليلته بليلتي" [الزهد، ص: 72] لو قال: بادلني، لا أبادله، ولا يسرني أن أقوم الليل وأمي تحتاج إلى أن أغمز رجلها لأجل الألم.
كان زين العابدين من سادات التابعين كان كثير البر بأمه حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، قال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليها عينها فأكون قد عققتها [وفيات الأعيان: 3/268].
عبد الله بن عون نادته أمه فأجابها، فارتفع صوته فوق صوتها فأعتق رقبتين [صفة الصفوة: 2/184].
أبو يوسف الفقيه الذي تتلمذ على يد أبي حنيفة، وانتفع بأبي حنيفة جداً جداً، كان يقول: "اللهم اغفر لأبوي ولأبي حنيفة".
طلق بن حبيب كان يقبل رأس أمه، وكان لا يمشي فوق ظهر بيت وهي تحته إجلالاً لها [بر الوالدين ، للحافظ الطرطوشي، ص: 78].
مسعر بن كدام له أم عابدة، لكن يحمل لها اللبد إلى المسجد، يبسطه، يصلي عليه، يتقدمه هو لمقدمة المسجد، يصلي ثم يقعد ويجتمع الناس فيحدث، شيخ عالم، مسعر معروف، ثم بعد ذلك ينتهي المجلس الحديث يقوم، فيطوي لبدة أمه ويرافقها إلى البيت [ينظر: صفة الصفوة: 2/110].
حيوة بن شريح من كبار العلماء كان يقعد في حلقة الدرس يعلم الناس، في وسط الحلقة أمه تقول: يا حيوة قم ألق الشعير للدجاج، فيقوم ويقطع الدرس، الشيخ العالم الكبير المحدث حيوة يقوم يقطع الدرس وهو يدرس الطلاب عنده أناس مجتمعين كثيرين، يقوم ويضع الشعير للدجاج ويرجع يكمل الدرس، وهكذا..
الوالدة حقها عظيم، بأي شيء يجزيها الإنسان؟
أصلاً لو أن هؤلاء الذين يحملون أمهاتهم تراهم أحياناً في الحج يأتون من أماكن بعيدة هذا الحمل هل يجزيها عن حملها الذي حملته لما كان في بطنها؟
يقول ابن أبي بردة: سمعت أبي يحدث أنه شهد ابن عمر ورجل يماني يطوف بالبيت قد حمل أمه وراء ظهره، يقول:
إني لها بعيرها المذلل *** إن أذعرت ركابها لم أذعر
فقال: يا ابن عمر: أتراني جزيتها؟ قال: لا ولا بزفرة واحدة  إسناده صحيح [رواه البخاري في الأدب المفرد: 11].
وفي رواية يقول:
الله أكبر في ذو الجلال الأكبر *** هل ترى جازيتها يا بن عمر؟
قال: لا ولو بطلقة واحدة.
الأم عند الولادة لها طلقات وطلق، قال: ولا بطلقة واحدة ولكن أحسن، والله يثيبك عن القليل كثيراً.
هناك رجلان صالحان كانا في الطواف، فإذا أعرابي معه أمه يحملها على ظهره، وهو يرتجز ويقول:
أنا لا أزال مطيتها لا أنفر *** وإذا الركائب ذعرت لا أذعر
وما حملتني ووضعتني أكثر لبيك اللهم لبيك، فقال أحدهما للآخر: تعال بنا ندخل في الطواف لعل الرحمة تنزل فتعمنا، لأجل هذا المشهد الذي رأياه.
قالوا في بر الوالدة: حملها عند ضعفها، في التعريف.
والإنسان قد يرى أحياناً أبواباً من الخير فيأتيها، ويغفل عن بر الوالدين، وربما يعاني الوالد والوالدة نفسياً من غياب هذا الولد -ولو كان صالحاً- عنهما، وكان أمية رجل أدرك الجاهلية والإسلام وله ابن اسمه: كلاب، فاستعمل عمر كلاباً على الأيلة، وأرسله إلى هناك أميراً عليها، كان رجلاً أميناً صاحب دين فاستعمله عمر، هذا الرجل أمية اشتاق إلى الولد، فمن الحنين أنشد يقول:
لمن شيخان قد نشدا كلابا *** كتاب الله لو عقل الكتابا
أناديه فيعرض في إباء *** فلا وأبي كلاب ما أصابا
إذا سجعت حمامة بطين واد *** إلى بيضاتها ادعوا كلابا
تركت أباك مرعشة يداه *** وأمك ما تصيغ لها شرابا
فإنك والتماس الأجر بعدي *** كباغي الماء يلتمس السرابا
أنشدها عمر فرق له، وأرسل خلف كلاب ليأتي من الأيلة، فقدم وسأله عمر ماذا كان يفعل بأبيه؟ ولماذا يقول هذه الأبيات؟ فقال: إنه كان يحلب له، فقال عمر لكلاب: احلب لبنا، فحلب واختفى، أخفاه ثم استدعى الأب، فجاء أمية، فساقه عمر قدم له الإناء، فقال الأب: إني لأشم راحة يدي كلاب، فبكى عمر، وقال: هذا كلاب، وخرج فضمه إليه، وقال: جاهد في أبويك، وعفاه. ابن عبد البر يقول عن الخبر: إنه صحيح.
لماذا كان الصحابة يقولون للنبي -عليه الصلاة والسلام-: فداك أبي وأمي؟ لو كان عندهم شيء أغلى من أمور الدنيا لقالوه، لكن ما عندهم.
لقد ضربوا لنا أمثلة رائعة، ابن عمر مع عمر، ابن عمرو مع عمرو بن العاص، عائشة مع أبيها، جابر مع أبيه، سعد بن عبادة ولده قيس، علي وابناه الحسن والحسين، والزبير وابنه عبد الله، العباس وعبد الله بن عباس، وهناك أمثلة كثيرة جداً من واقع الصحابة -رضوان الله عليهم-.
فوائد وثمرات بر الوالدين:
00:14:44
 إن سأل سائل فقال: ما هي فوائد بر الوالدين؟ وما هي فوائد النتيجة الطيبة التي تترتب على بر الوالدين؟
نريد أن نتحمس لأجل أن نعمل بهذا الأدب العظيم وهو بر الوالدين؛ لأن الإنسان إذا عرف النتائج الطيبة تشجع للقضية:
أولا: هو من أسباب إجابة الدعاء، لما جاء في قصة أصحاب الغار، وكيف أن واحداً منهم كان له أبوان شيخان كبيران يسعى عليهما، وقدمهما على أولاده، وهم يصيحون طيلة الوقت حتى استيقظا والداه فشربا قبل أولاده، وفرج شيئاً ما عنهم بسبب هذا [رواه البخاري: 2215، ومسلم: 2743].
ثانيا: بر الوالدين يكفر الكبائر، والدليل على ذلك: أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إني أصبت بذنب عظيماً فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أم؟ قال: لا، قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال:  فبرها  حديث صحيح [رواه الترمذي: 1904، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 2504].
وهذا الرجل لما أذنب الذنب العظيم والكبيرة ماذا رأى له النبي -صلى الله عليه وسلم- لتكفيرها؟ بر الوالدة.
وجاء رجل لابن عباس قال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال:  أمك حية؟ قال: لا، قال: تب إلى الله -عز وجل- وتقرب إليه ما استطعت ، فذهب، قال الراوي: فسألت ابن عباس، لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله -عز وجل- من بر الوالدة) [رواه البخاري في الأدب المفرد: 4، وإسناده على شرط الشيخين، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 3].
وعن عائشة أيضا: أن امرأة كانت تعمل السحر بدومة الجندل، قدمت المدينة تسأل عن توبتها، قال: فرأيتها تبكي لم تجد النبي -صلى الله عليه وسلم- فيشفيها، حتى قالت: إني لأرحمها، فسألت أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم يومئذ متوافرون، المرأة جاءت تسأل عن توبة والنبي -عليه الصلاة والسلام- مات، حزنت أنها ما أدركته، جاءت تسأل الصحابة: إني كنت أعمل بالسحر كيف التوبة؟ فما دروا ماذا يقولون، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلم إلا إنهم قالوا: لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكان يكفيانك" جود إسناده ابن كثير -رحمه الله تعالى-.
ثالثا: بر الوالدين سبب البركة وزيادة الرزق، أليس من صلة الرحم؟  ومن أحب أن ينسأ له في أثره، يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه  [رواه مسلم: 5986].
رابعاً: ثم -يا إخوان-: من بر أباه وأمه بره أبناؤه، ومن عقهما عقه أولاده، وهكذا.. قال ثابت البناني: رأيت رجلاً يضرب أباه في موضع، فقيل له: ما هذا ؟ فقال: الأب خلوا عنه، فإني كنت أضرب أبي في هذا الموضع، فابتليت بابني يضربني في هذا الموضع [غذاء الألباب: 1/373].
 بروا آباءكم تبركم أبناؤكم  [رواه الطبراني في الأوسط: 1002، والحاكم في المستدرك: 7259، وقال الألباني: "ضعيف جدا" كما في ضعيف الترغيب والترهيب: 1480].
خامسا: ثم رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين.
وسائل بر الوالدين:
00:17:57
 فيقول الآن قائل: إذا عرفنا الأمر وأدلته وفوائده فنريد أن نعمل في بر الوالدين، فما هي صور البر؟ كيف نبر فعلاً؟
البر قولي وبدني، ومالي، فيه رفق ومحبة، وتجنب غليظ القول، وعدم رفع الصوت، فضلاً عن السب والشم واللعن، المناداة بأحب الألفاظ، وليس بالاسم المجرد، تقبيل اليد والرأس، الإنفاق عليهما، تعليمهما ما يحتاجان إليه في أمور دينهما ودنياهما، وطاعتهما فيما أمر في غير معصية الله، إدخال السرور عليهما، لو أغضبت والدك، أو والدتك، وما أكثر ما يقع، كيف تكفر؟ لو أغضبتهما كيف تكفر؟
تكفر بحديث:  ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما  [رواه أبو داود: 2528، والنسائي: 4163، وابن ماجه: 2782، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 2281] هذه الكفارة، لازم تعمل شيئاً تضحكهما كما أنك أبكيتهما، وتجعل السرور يدخل عليهما كما جعلت الحزن يدخل عليهما.
لا تتقدم عليه في المشي إلا لضرورة كظلام وخوف ونحوه، فلما مات عمر بن ذر قال أبوه: اللهم إني قد غفرت له ما قصر فيه من واجب حقي، فاغفر له ما قصر فيه من واجب حقك، قيل له: كيف كانت عشرته معك؟ قال: ما مشي معي قط في ليل إلا كان أمامي، ولا مشى معي في نهار إلا كان ورائي، ولا ارتقى سقفاً إلا كنت تحته، ولا ارتقى سقفاً كنت تحته [ينظر: التعازي، لأبي الحسن المعروف بالمدائني، ص: 87].
لا يستقبح البول والنجاسة التي تخرج من هذا، وهذه عند كبر، والإصابة بمرض السلس، وعدم القدرة في التحكم في البول ثم يساعدهما في الوضوء، كل هذا أخذاً من قوله تعالى:  وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  [الإسراء: 23].
لا يحد النظر إليهما، قال بعضهم: "ما بر أباه من سدد النظر إليه"، يسدد النظر إلى أبيه ليس من البر.
ثم يدعو لهما أحياءً وأمواتاً، والله -عز وجل- قال في كتابه مرشداً لها:  وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا  [الإسراء: 24]، وقال نوح: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ  [نوح: 28].
إذا احتاج للطعام تطعمه، والكسوة تكسوه.
كلاهما  صَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا  [لقمان: 15].
إذا احتاجا إلى الخدمة تخدمهما، إذا دعواك تجيبهما فوراً، إذا أمرك بأمر تطيعهما ما لم يكن معصية.
الكلام لين بدون عنف، ترضى لهما ما ترضى لنفسك.
تنفذ عهدهما، تكرم صديقهما، تستغفر لهما.
بر الوالدين مراتب، أنت الآن لو حضرك طعام لذيذ فأرسلت أحداً يدعو أباك لحضور الطعام أنت بار، وأعظم منه أن تذهب أنت بنفسك لتدعو أباك، أنت ممكن تقول للخادم أو للعامل: اسكب الماء على يد أبي للتنظيف، لكن لو سكبت أنت بنفسك بدلاً من الخادم فهذا أبلغ في البر.
هل بر الوالدين مقتصر على حياتهما؟
نحن نعلم هؤلاء الذين عندهم عقوق، ومات الأب، وماتت الأم هل يمكن أن يتدارك ما فات؟ وما هي أنواع البر التي تصل الأبوين بعد الموت؟
أعظمها على الإطلاق: الدعاء، وأعظم الدعاء للوالدين الدعاء بالمغفرة والدعاء بالرحمة، في القرآن: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ  [نوح: 28]، وأيضا  رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا  [الإسراء: 24].
إذاً، أعظم شيء الدعاء، الدعاء للوالدين بأي شيء -يا إخوان-؟
المغفرة والرحمة، المغفرة والرحمة.
 إن الله -عز وجل- ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب أن لي هذا؟ فيقول: باستغفار ولدك لك  حديث صحيح [رواه أحمد: 10609، وصححه الألباني في الصحيحة: 1598].
والصدقة عن الوالدين تصل؟
نعم، إن رجلاً قال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: إن أمي توفيت هل ينفعها إن تصدقت عنها؟ قال:  نعم ، قال: "فإن لي مخرافاً" يعني: بستاناً، يخرف الثمر فيه يجنى "فأشهدك أني قد تصدقت به عنها" [راوه البخاري: 2770]، قال رجل للنبي -عليه الصلاة والسلام-: "إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها، ولي أجر؟ قال:  نعم  [رواه البخاري: 1388، ومسلم: 1004] فتصدق عنها.
صلة أصدقاء الوالدين والإحسان إليهم، لقوله عليه الصلاة والسلام:   إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي  الأب [رواه مسلم: 2552].
ولذلك كان عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- مرة راكباً على حماره في الطريق ورأى رجلاً من الأعراب في الطريق فسلم عليه عبدالله بن عمر، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال له ابن دينار: أصلحك الله إنه من الأعراب، وإنهم يرضون باليسير، ما يحتاج كل هذا، قال عبد الله: إن أبا هذا، ليس هذا، إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:  إن أبر البر صلة أهل ود أبيه، وإن هذا كان ود لعمر  [رواه مسلم: 2552] أبو هذا، صديق من أهل مودة عمر، ولذلك فعل لأجل هذه الأشياء.
وقال عليه الصلاة والسلام:   من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده  [رواه أبو يعلى: 5669، وابن حبان: 432، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: 433].
-طبعاً- لو كان له وصية يجب إنفاذها، يجب تطبيقها.
أما العقوق فتداركه ليس بالأمر الهين، سئل النووي -رحمه الله-: إذا كان الإنسان عاقاً لوالديه وماتا ساخطين عليه فما طريقه إلى إزالة ذلك وإسقاط مطالبتهما له في الآخرة؟
فأجاب: أما مطالبتهما له في الآخرة فلا طريق إلى إبطالها، ولكن ينبغي له بعد الندم على ذلك أن يكثر من الاستغفار لهما، والدعاء، وأن يتصدق عنهما إن أمكن، وأن يكرم من كانا يحبان إكرامه من صديق لهما، ونحوه، وأن يصل رحمهما، وأن يقضي دينهما، أو ما تيسر له من ذلك.
-طيب- الحج عن الوالدين، كذلك، العمرة عن الوالدين، كذلك، ولو كانا حيين عاجزين لم يحج الفريضة جاز الحج عنهما، وكذلك العمرة.
قارن بين مسألة العقوق من عق والديه وماتا ساخطين عليه، وبين من يموت أبوه وأمه راضيين عنه، قال لي أحدهم، وهو حزين عزيته في أمه، قال: لكن الذي يخفف عني أن أمي ماتت بين يدي، أنا أحملها، وهي تقول: أموت وأنا راضية عنك، وتشهدت وماتت.
التحذير من عقوق الوالدين:
00:25:43
 وإيذاء الوالدين -أيها الإخوة- وعقوقهما أمر سيِّئ جداً ذكره الله في كتابه، الله ذكر العقوق، ذكر صورة شنيعة: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي  ينكر البعث،  وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [الأحقاف: 17 - 18].
هذا نعت عاق الوالدين وهما يجتهدان له في النصيحة ويدعوانه إلى الله، فلا يزيده ذلك إلا عقوقاً ونفوراً وعتواً وتمرداً وتمادياً في الجهل، وما قصة ولد نوح عنا ببعيدة:  وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ  [هود: 41 - 43]، إلا من رحم، الأبوة الملهوفة، تهتف بالولد الشارد، ولكن البنوة العاقة والفتوة المغرورة تأبى هذا، والأبوة المدركة ترسل النداء الأخير لا عاصم اليوم من أمر الله، الوالد يبعث النداء، والمغرور يأبى إجابة الدعاء، والموجة تحسم الموقف، ولما هدأت العاصفة، وسكن الهول استيقظت لهفة الوالد المفجوع:  رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي  فجاء الرد، بأن الأهل عند الله ليسوا قرابة الدم واللحم، وإنما هي قرابة العقيدة:  إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  انقطعت العلاقات لأجل التوحيد والشرك.
لقد حرم الله العقوق، وجعله من أكبر الكبائر:  إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات   [رواه البخاري: 2408، ومسلم: 593].
لا ينظر الله إلى العاق يوم القيامة، كما جاء في الحديث الصحيح: وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق بوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى  [رواه أحمد: 6180، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"].
وفي رواية:  لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والديوث والرجلة من النساء .
وفي رواية: ثلاثة لا يقبل الله -عز وجل- منهم صرفاً ولا عدلاً: عاق ومنان ومكذب بالقدر  إسناده حسن.
جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت رمضان؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة -ونصب أصبعيه- ما لم يعق والديه  [رواه أحمد: 39/523].
وفي الحديث: ملعون من عق والديه  [رواه الطبراني في الأوسط: 8497، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 2516].
هذا الجزاء في الآخرة، هل هناك شيء في الدنيا يطبق عقوبة على عاق الوالدين، ماذا نفعل له؟ هناك واحد متمرد، عاق والديه وأصر على العقوق، وارتفعت القضية إلى القاضي ماذا يفعل القاضي؟
قال العلماء: أما جزاؤه في الدنيا فهو من باب التعزير، ويختلف قدره باختلاف حاله وحال فاعله، فإن تعدى على أبويه أو أحدهما بالشتم أو الضرب مثلاً عزراه أو عزره الإمام بطلبهما، والقاضي نائب عن الإمام إن كانا مشتومين أو مضروبين معاً، أو بطلب من كان منهما معتدياً عليه بذلك، لو اشتكت الأم على الولد للقاضي يعزره إذا ثبت عليه العقوق بالشتم أو الضرب، أو غيره، يعزره القاضي، فإن عفا المشتوم أو المضروب كان ولي الأمر بعد عفوه على خياره في فعل الأصلح من التعزير تقويماً والصفح عنه عفواً، فإن تعافوا عن الشتم والضرب قبل الترافع إلى الإمام سقط التعزير، لكن التعزير كيف يكون؟ واحد عاق رفع أمره على القاضي ماذا يفعل فيه القاضي؟
ويكون تعزيره بالحبس على حسب الذنب والهفوة، أو بالضرب أو التأنيب بالكلام العنيف، أو بغير ذلك مما به ينزجر ويرتدع.
وممكن يكتب لمرجعه في العمل القضية، يعزر بما يردعه.
بعض صور عقوق الوالدين:
00:30:52
 وبعض الناس مع الأسف يطيع زوجته، ويعق أمه، ويبر صديقه، ويجفو أباه، وهذا الذي يجاهر بالسوء والفحشاء لأبويه، يقهر وينهر، ويرفع الصوت، ويحتد مع أبويه في الكلام، ويصفق الأبواب، ويرفض الخدمة، ولا يجلب الأغراض لهما، وربما يقاطع أبويه لأمور دنيوية، ولا يكلم أباه، ولا يكلم أمه، أبوه رفض يشتري له سيارة لا يتكلم مع أبيه، رفض أن يسمح له بالخروج للعب بالنادي قاطع أمه، مهمل في الدراسة، قال: ممنوع الخروج الأسبوع هذا لأجل الدراسة، لا يكلمه، وربما يتأفف، وربما يقول: أراحنا الله منك وأخذ عمرك، وعجل بزوالك يا شيبة النحس، ويا عجوز الويل.
وحاله وحال أبيه كقول الشاعر:
أريد حياته ويريد موتي
والأب ربما يتمنى أنه لم يولد له هذا الولد، وأنه لو كان عقيما ًكان أحسن.
كان هناك شاب مكب على اللهو واللعب لا يفيق عنه، وكان له والد صاحب دين، كان كثيراً ما يعظ هذا الابن ويقول: يا بني احذر هفوات الشباب وعثراته فإن لله نقمات ماهي من الظالمين ببعيد، وكلما ازداد عليه بالنصيحة ازداد ذاك بالعقوق وجار على أبيه، وفي يوم من الأيام ينصحه على حسب العادة وإذا بالولد يمد يده على أبيه، ويضربه، فحلف الأب بالله مجتهداً ليأتين بيت الله الحرام، ويتعلق بأستار الكعبة، ويدعو  على ولده، فخرج حتى أتى بيت الله الحرم، ومسك بأستار الكعبة، وقال:
يَا مَنْ إِلَيْهِ أَتَى الْحُجَّاجُ قَدْ قَطَعُوا *** عُرْضَ الْمَهَامِهِ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعْدِ
إِنِّي أَتَيْتُكَ يَا مَنْ لا يُخَيِّبُ مَنْ *** يَدْعُوهُ مُبْتَهِلا بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ
هَذَا مُنَازِلٌ –الولد- لا يَرْتَدُّ عَنْ عُقَقِي *** فَخُذْ بِحَقِّي يَا رَحْمَانُ مِنْ وَلَدِي
وشِلَّ مِنْهُ بِحَوْلٍ مِنْكَ جَانِبَهُ *** يَا مَنْ تَقَدَّسَ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَلِدِ
ما استتم كلامه حتى يبس شق الولد الأيمن [التوابين، ص: 143].
وهذا ينهب مال أبيه، وهذا يطرد أباه من البيت، وهذا يمنع عنه النفقة، وهذا يرفسه، وهذا يطالب الحجر على أبيه، وهذا يقول لأبيه: خلاص أخذت حقك يكفي من الدنيا يكفيك تموت أحسن! ملك الزمان! سئمتك الحياة! خلاص! يكفي ما أخذت!
يذكر أن أباً كان له ولداً يضربه فيقول: دعوة والد، لقد ضربت أبي في مثل هذا الموضع!
 ثلاث دعوات مستجابات -يا إخوان- لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده [رواه أبو داود: 1536، والترمذي: 1905، وابن ماجه: 3862، وأحمد: 8581].
فليحذر الأبناء من دعوة الآباء والأمهات، قد تكون ساعة إجابة وحينئذٍ لا ينفع الندم.
وبعضهم يتكبر على أبويه لأنه صاحب شهادة جامعية وهما أميان، وعندما جاء مع بعض أصحابه الذين يدرسون معه في الخارج خجل أن يقول لهم هذا القروي أبي، قال: هذا الخادم عندنا في البيت! ينظف البيت!
ماذا تتصورون لو علم أبوه بذلك ؟
هو لا يستحي أن يقول لزملائه في المجلس يشير إلى أبيه الطاعن في السن خفيف السمع، يقول: هذا اكس باير، هو جاي من الخارج متعلم إنجليزي يقول: هذا اكس باير، يعني: الشايب انتهت صلاحيته، كلمة بالإنجليزي معناها انتهت صلاحيته.
يأخذ المال من أحد أبويه يقول: أعطني قرضاً أنا أرجعه لك، ثم لا يرده، ويغافل أمه ويخدعها المسكينة، يستلف منها على أنه سلف ثم لا يرده، واحد استلف من أمه عشرين ألف ما رجعها، وآخر أخذ من والده اثنى عشر ألفاً وما رجعها، لما طالبت الأم الأول قال: أنت ساكنة معي في البيت ثلاث سنين تأكلين وتشربين، اعتبري العشرين الألف إيجار حق ثلاث سنوات، مالك شيء.
وبعض الابناء لا يلبون احتياج أباءهم ولو طلب منه شيئاً جلس يتهدد ويتوعد.
وبنت تقول لأمها: إذا طلبتِ مني شيئاً زيادة لا أدخل بيتك ولا أسمح لك تدخلي بيتي، خلاص.
قال لي شخص يعمل في الإسعاف في الهلال الأحمر: طلبنا مرة إلى أحد البيوت، بيت كبر عظيم، دخلناه، قادنا الذي فتح لنا وقال: تعالوا ورائي، يوجد هنا حالة مرضية، أخذنا إلى غرفة صغيرة موجودة في البيت، يقول: نظنها مخزن، أو غرفة غسالة ونشافة، فتح وجدنا شايباً على سرير، غرفة منتنة قذرة، رائحتها عفنة، وهذا عليه، وعرفنا بعد ذلك أنه أبوه، قال: شوفوه عالجوه، وانظروا وضعه، هذا إذا مات علينا تصير مشكلة، قالوا: هذا البيت الكبير ما وسع هذا الأب، ما أعطاه، ضاق البيت الكبير عن هذا الأب، هذا الموجود.
واحد ذهب قال لزوجته: اركبي معي، قالت: وين توديني؟ قال: اركبي بس، وأخذها المحكمة. أيش في؟ قال: أبغى أسجل لك البيت باسمك، عنده قصر كبير، قالت: ما يحتاج هذا أنا وعيالي لن نختلف، قال: لا، نسجله باسمك أحسن، سجل، أفرغ البيت باسم زوجته، ما مر على الزوج عشرة أيام واختاره الله ومات، أول ما مات جاؤوا الأولاد، قالوا لأمهم: تعرفين البيت هذا كبير علينا وما في داعي كل هذا، ونبغى نبيعه ونأخذ لك بيتاً صغيراً ،وهذا البيت ما نحتاجه، قالت في نفسها: الله يرحم الشايب زوجي هذا رحمة الله عليه، فعلاً حسب للمستقبل، قالت لهم: الآن فترة العدة وتعرفون أن العدة يجب على الزوجة تعتد في بيت الزوج، خلوا لي البيت عشرة أيام، بعدين إذا انتهت العدة تعالوا إلي، اليوم العاشر على الحد جاؤوا وقالوا لها: موضوع البيت، قالت: أي موضوع البيت؟، شوفوا الورقة هذه، هذه صورة الصك عندي عشرة صور وعندي الأصل في مكان غير البيت هذا، هذا البيت سجله أبوكم يا عاقين باسمي قبل وفاته رحمه الله، هو يعلم هذه الخلفة التي رأى أثرها قبل أن يموت، وحسب حسابكم ، كل واحد يأخذ عفشه ويطلع ، ما أحد له حق في البيت، أخذ كل واحد حقه وطلع مدحوراً مقبوحاً منبوحاً، هذا من قلة الوفاء، وهذا شيء من الأمثلة الكثيرة تحدث في هذا الزمان.
وآخرون أبوهم عنده عمارة، وهم يريدون أخذ العمارة، وأبوهم صار يخرف في آخر عمره، وصار يفقد الذاكرة أحياناً،  قالوا له: أنت تحب البر، فرح ظن أولاده في النهاية سيعملون له رحلة فهو يطالبهم من زمان وهم يرفضون بحجة أنهم مشغولون،أخذوه للبر إلى مكان بعيد في الصحراء نصبوا الخيمة، وجلسوا إلى أن الرجل هذا جاءت له الحالة المعروفة التي يغيب فيها عن عقله، ويدخل في حالة الخرف هذه، قال أخوهم هذا واحد منهم قال: أنتم تقدموا وأنا سآتي وراءكم، ولما أطمأن أن الأب هذا لن يعود إلى عقله بسرعة ترك أباه ومشى، بقي الأب هذا مرمي بالصحراء وحده، قدر الله أن يعود إلى عقله قبل أن يموت، قام يمشي في الصحراء هائماً على وجهه لا يدري أين يذهب، ، لكن قدر الله أن يصل إلى الطريق الرئيسي بعد مدة ليبصر به راعي سيارة فأركبه معه، في الطريق بدأ الأب يستوعب، يعود إليه عقله، وصاحب السيارة يقول له: أين تريد؟، قال: أوصلني إلى البلدة الفلانية، أول ما وصل قال له راعي المكتب العقاري: ترى عيالك قالوا أنك تريد بيع العمارة ،أخذ صك العمارة وراح إلى ملجأ العجزة، دخل على مدير الملجأ قال: اسمع أنا ما عاد لي مكان خارج الملجأ هذا ضاقت علي الدنيا، وحدثه بالقصة: أولادي كذا كذا، هذه العمارة، وقف على الملجأ، ومن الآن فصاعدا سأسكن فيه أنا والذي معي نستفيد من إيراد هذه العمارة، خلاص، هكذا..
نتيجة العقوق التي يفعلها هؤلاء وهم من المسلمين موجودين بين المسلمين هكذا يفعلوا.
وربما ما يقدر الولد هذا أنه ربما يسقى بنفس الكأس، وأن تكون أشد قسوة.
 هذا عاق كان يجر أباه برجله إلى الباب، فكان له ولد أعق منه، يجره برجله إلى الشارع، فيقول: حسبك ما كنت أجر أبي إلا إلى الباب، فقال الزائد: صدقة مني عليك، أنا إلى الشارع، أنت كنت تجر أباك إلى الباب، أنا أجرك إلى الشارع صدقة.
أراد أب أن يذهب بأبيه إلى غار ليتخلص منه لأن زوجته تقول: خلاص طفْشْنا الشايب هذا! هذا وسخ علينا البيت ونجاساته في كل مكان! شيله! وقلعه خلاص وإلا ما أجلس معك! أخذ أباه يوديه إلى كهف! إلى مغارة! وقال لولده حفيد الجد: هات لحاف لجدك! الولد كان ذكي، فجاء شق اللحاف نصفين، وأخذه! انتبه الأب قال: أنت لماذا جبت نصف الحاف؟! قال: أنا مخبي لك النصف الثاني في المستقبل!
في بعض حالات العقوق يكون زواج الابن هو السبب، فما أن تزوجه أمه حتى ينقلب رأساً على عقب، بعد أن كان يبر بأمه، ويتفقد احتياجاته أصبح الآن بعيداً عنها لا يخدمها، لا يستمع لنصحها، لا يسأل عن حاجتها لا يتفقدها، خلاص انشغل بالزوجة أخذت عليه حياته، فتشعر الأم بفراغ كبير من جهة الولد، وتزداد غيرة، وتحس أن الزوجة أخذت ولدها عنها بالكلية، وربما تأتي زوجة الابن إلى أم زوجها في زيارة خاطفة، واضحة مجاملة، يعني خمس دقائق، وتكلم زوجها من بيت أمه، تقول: خذ خذ كلم أمك، وسلم عليها، يعني: ما عنده وقت يروح هو، أرسل مندوبة، خمس دقائق مجاملة، وخلصنا.
وبعض الابناء ينشغلون باللهو مع أصدقاء السوء والسفر إلى خارج البلاد، وينفقون أموالهم على متعهم ولذاتهم الشخصية، وإذا احتاج الأم أو الأب للنفقة تذمروا، أنت الآن تضيع الآلاف المؤلفة في السفريات المحرمة، لما يأتي أبوك يقول: اعطني خمس مائة! تقول: ما عندي! ما عندي خلص الراتب!
وربما يلقي إليه بالفتات اليسير، والأم تبكي، ومن المعاناة ربما تدعو على نفسها، وعلى البطن الذي حمل الولد، وعلى الثدي الذي أرضع الولد، والولد هذا راتبه كبير، ومع ذلك لا يعطي أباه، يجعله واقفاً كالشحاذ على الباب.
اعترضت أم على ابنها في استعمال المخدرات، قال: هاتِ فلوساً، ورفضت إعطاءه، تعرف أنه سيشتري بها مخدرات، قام وأخذ السكين وجالس يطعن فيها حتى ظنها ماتت أخذ النقود وهرب، الأم صاحت وجاء الجيران والشرطة وأمسكوا بالابن الجاني، وكان المنظر المؤثر أمام القاضي في المحكمة تتوسل إليه أن لا يوقع العقاب بالولد!
بدعة عيد الأم:
00:43:16
 لكن يعني لو قال واحد: لماذا ما نصلح القضية هذه بعيد الأم، عيد لطيف؟
فنقول: هذا العيد الذي اخترعه الكفار وأحدثوه لما رأوا الأمومة المنسية، وأرادوا أن يذكروا أبناءهم وبناتهم المهملين بآبائهم وأمهاتهم هل يحتاجه المسلمون؟
المسلم كل يوم يقبل رأس أبيه وأمه، ويستأذنهما في الدخول والخروج، وهذاك يجي يوم في السنة يرمي عليها هدية ويمشي، اخترعوه لقلة الوفاء، يعصي أحدهم أمه السنة كلها ثم يأتيها يوماً في السنة بصندوق من الحلوى، وضعوا آباءهم وأمهاتهم في المصحات ودور الرعاية، يفتخر الأب أمام الآخرين أن ابنه يزوره في الشهر مرة، هذا عند الكفار، ويقول: إذا ما استطاع يتصل علي في التلفون!
وأحدهم توسلت أمه أن يؤويها عنده، في النهاية وافق بشرط أن تعمل خادمة تجلب الأغراض من السوق إلى المنزل بالأجرة، ويخصم عليها السكن، وإذا زاد عليها يأخذ.
ضابط عقوق الوالدين:
00:44:27
 العقوق -أيها الإخوة- نريد أن نعرف ما هو ضابط العقوق؟ ما هو تعريف العقوق؟
العقوق: كل فعل يتأذى به الوالد الأب والأم تأذيا ليس بالهين.
والعقوق: أن يؤذي الولد أحد أبويه بما لو فعله مع غير أبويه كان من جملة الصغائر، فيكون في حق الأبوين من الكبائر.
أنت الآن لو قطبت في وجه صديقك، عبست في وجه صديقك قد لا يكون حراماً، أليس كذلك؟ لكن لو فعلت العبوس هذا في وجه أبيك أو أمك لعد ذلك عقوقاً.
ضوابط شرعية في بر الوالدين الكافرين:
00:45:25
 البر واجب ولو كان الأب مشركاً كافراً، وكذلك الأم مشركة كافرة، ضرب ربنا في القرآن أمثلة: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم: 41 -  42].
تأدب معه في الكلام وأتى له بهذه اللفظة الرقيقة: يا أبت، استعطافاً له، وقال:  يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ  [مريم: 43]، ما قال: أنا أعلم منك وأنت جاهل، ثم بين له بالحجة والدليل:  لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا  [مريم: 42].
أنا وإن كنت أصغر منك، وأنا من صلبك لكن الله أطلعني على علم لا تعلمه أنت، ولم يقل له: يا جاهل.
وأبدى الشفقة على أبيه، والخوف عليه، قال:  يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن  [مريم: 45]، ولم يقل: من الجبار، شوف لاحظ إبراهيم ما قال: إني أخاف إني يمسك عذاب من القوي العزيز الجبار، وإنما قال:  إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن  [مريم: 45]، يعني: حتى الأسماء الحسنى ينتقي منها ما يناسب الحال، وهذا أبوه العنيد يقول:  قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا  [مريم: 46]، وهو يقول: سلام عليك) يعني: قابله بغاية الأدب مع أن ذاك قابله بغاية الصلافة، والجبروت والعناد، سلام عليك، يعني: لا ينالك مني مكروهاً ولا أذى لحرمة الأبوة، وسأسل الله أن يهديك.
وماذا قال الله:  وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا  ومع ذلك قال:  وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا  [لقمان: 15].
سعد بن أبي وقاص لما نزلت الآية نزلت فيه، حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله أوصاك بوالديك، وأنا أمك فأنا آمرك بهذا، أن ترجع عن دينك، فمكثت ثلاثاً حتى أغشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له: عمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله هذه الآية:  وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي  [لقمان: 15]، وفيها:  وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا  [لقمان: 15].
ما يمكن يقدم رضا أمه على العقيدة والدين إطلاقاً، "لو كان لك مائة نفس لخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني".
أبو هريرة كانت أمه مشركة، دعاها مرة إلى الإسلام، فوقعت في النبي -صلى الله عليه وسلم-، ذهب  يبكي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يا رسول إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك، قال: فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة؟ فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: اللهم اهد أم أبي هريرة ، أبو هريرة من اليقين بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مستجاب الدعوة ، قال: فخرجت مستبشراً بدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، مغلق، فسمعت أمي خشف قدمي، صوتهما، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، وفتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا أبكي من الفرح، وكان قبلها جاء يبكي من الحزن، فقلت: يا رسول الله أبشر فإن الله قد استجاب دعوتك، وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيراً، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده الصالحين المؤمنين، ويحببهم إلينا؟، قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  اللهم حبب عبيدك هذا  -يعني أبا هريرة- وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين)) يقول أبو هريرة: فما خلق مؤمن -ما هو رافضي ولا باطني- فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني" [رواه مسلم: 2491].
أسماء جاءت تستفتي النبي -صلى الله عليه وسلم- في أي شيء؟ أمها مشركة جاءت من مكة راغبة في صلتها؟ خشيت أسماء إذا وصلت أمها أن تكون قد أخطأت في عقيدة الولاء والبراء، فجاءت تستفتي، ولو أمها، لكنها جاءت تستفتي، تقول: قدمت علي أمي وهي مشركة وهي راغبة في صلتي، أفأصل أمي؟ قال:  نعم، صلي أمك  [رواه البخاري: 2620، ومسلم: 1003]،  لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ  [الممتحنة: 8]، الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه.
وبعض العلماء فهموا وجوب النفقة على الأبوين الكافرين، حتى الأبوين الكافرين لهما نفقة، ويجتنب غليظ القول معهما، ويناديهما بالكلام الطيب، ولا يتبرم بهما، مع أنهما كافران.
أما الاستغفار لهما بعد الممات ممنوع؛ لأن الله قال: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى  [التوبة: 113].
الآن عندنا في المجتمع مع انتشار الفجور -والعياذ بالله- هناك أباء فجرة وأمهات فاجرات، عصاة، المعاصي دخلت، دخلت على الكثيرين، حتى الآباء والأمهات ممكن واحد يقول: أمي تعمل بالسحر والكهنة، عندها ثلاث عمارات، بنتها من أجرة السحر والكهنة.
والذي أبوه مرتد يسب الدين في الصباح وفي المساء ويسخر من أهل الدين، وبالأحكام الشرعية، أبوه قد يسكر، ممكن يجيب أدوات السكر إلى البيت ماذا  يفعل؟ هذا ماذا يفعل مع أبيه، أو مع أمه في هذه الحالة؟
يقول الإمام أحمد -رحمه الله-: يأمر أبويه بالمعروف وينهاهما عن المنكر إذا رأى أباه على أمر يكرهه، يكلمه بغير عنف ولا إساءة، ولا يغلظ له بالكلام، وإلا تركه، إذا ما استجاب خلاص يتركه ويدعو له، ليس الأب كالأجنبي، هذه كلمة الإمام أحمد، وليس الأب كالأجنبي، قال: إذا كان أبواه يبيعان الخمر لم يأكل من طعامهم وخرج عنهم.
سال رجل أبا عبد الله: إن أباه له كرم، يعني: أشجار عنب، يريد أن يعاونه على بيعها، قال: إن علمت أنه يبيعها ممن يعصرها خمراً فلا تعاونه، يقول: هذه لو اشتغلت -والعياذ بالله- أمه في أمور الدعارة يبلغ عنها؟
الجواب : يبلغ عنها، وتقوم البنت بوعظ أمها الزانية، وتصبر على ما تلاقيه منها نتيجة لذلك، وإن هددتها بأنها ستغضب عليها ولو دعت عليها صباح مساء  لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق  [رواه أحمد: 1095، والطبراني: 381، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم"]، ولا يقبل الله هذا الدعاء؛ لأنه اعتداء، والله لا يحب المعتدين، ولا يقبل دعاء المعتدين.
الآن لو رأى أباه يضرب أمه يتدخل وإلا لا؟
يتدخل.
التدخل هذا ممكن يكون فيه استعمال قوة مع أبيه، يستعمل القوة؟
نعم، يدفع بالأسهل فالأسهل، ولو أدى ذلك إلى استعمال القوة.
حق الوالدين في مال الابن:
00:53:05
 بعض المسائل الفقهية، ما هو حق الوالدين في المال؟
مال الولد حلال للأب، وأطيب ما أكل الوالد من مال ولده؛ لأن ولده من كسبه كما قال عليه الصلاة والسلام:  إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم  حديث حسن صحيح [رواه الترمذي: 1358، وابن ماجه: 2290، وأحمد: 25296، ].
ولما جاء رجل يقول للنبي -عليه الصلاة والسلام-: إن أبي يريد أن يجتاح مالي؟ قال:  أنت ومالك لأبيك  [رواه ابن ماجه: 2291]، هم أخذوا منها وجوب الخدمة على الولد للوالدين، من قوله:  أنت ، يعني: مالك لأبيك واضح، لكن ماذا يعني  أنت لأبيك ؟ يعني: تخدمه، تقوم عليه.
أقوال العلماء في أخذ الأب من مال الابن:
00:53:43
 وأقوال العلماء في مسألة أخذ الأب من مال الابن:
القول الأول: قالوا يد الوالد مبسوطة في مال ولده يأخذ منه ما شاء، سواء أذن الولد أم لا، مالم يكن على وجه السرف والسفه، يعني: يضيع المال في المعاصي، والتافهات.
القول الثاني: وهم الجمهور قالوا: لا يأخذ من مال الولد إلا عند الحاجة.
نفقة الابن على الوالدين:
00:54:19
 النفقة كيف؟
واجبة للأبوين المحتاجين.
لو كانت الأم متزوجة هل يجب على الابن أن ينفق عليها؟
لا؛ لأن عندها الزوج ينفق، لكن لو كان ليس لها نفقة يجب عليه أن ينفق عليها.
لا يحق للابن أن يمنع أمه من الزواج، ترى انتبهوا ممكن يكون بعض الناس عندهم عادات مخالفة للشريعة فيمنع أمه من الزواج إذا طلقها أبوه أو مات، وربما يعيرها إذا تزوجت، وهذا حرام لا يجوز، أليس من شرع الله أن تتزوج بعد انقضاء العدة؟ فلماذا يمنعها؟
حديث: يا رسول الله إن لي مالا وولدا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي؟ قال:   أنت ومالك لأبيك  يدل على وجوب إعطاء الأب.
علق الخطابي -رحمه الله- على حديث:   إن أبي اجتاح مالي  قال: يشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده ماله إنما هو بسبب النفقة، يعني: الأب محتاج للنفقة عليه، وإنما مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير لا يسعه عفو ماله، يعني مال الولد، والفضل منه، إلا أن يجتاح أصله ويأتي عليه، فلم يعذره النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يرخص له في ترك النفقة، وقال له: أنت ومالك لوالدك، على معنى أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة كما يأخذ من مال نفسه، وإذا لم يكن لك مال، وكان لك كسب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، يعني: لو الأب محتاج الولد ما عنده، الأب قال: أنا بيتي كبير وعندي زوجتان وعندي أولاد وعندي فواتير كهرباء، فواتير تلفون، وعندي أجرة الخادمة والسائق، وهذا مصروفي، الابن عنده يعني دخل لكن محدود، يكفيه فقط هو، لكن الابن يستطيع أن يعمل، يستطيع أن يعمل عملاً إضافياً ويصرف على الأب، هل يلزم الولد أن يعمل عملاً ويصرف عليه، ينفق على الأب؟
الجواب: نعم، يلزمه ذلك، قال: فأما أن يكون أراد به إباحة ماله واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه لا على هذا الوجه فلا أعلم أحداً من الفقهاء ذهب إليه -والله أعلم-.
إذًا، أخذ الأب من مال الابن بسبب ماذا؟ بسبب النفقة.
وقال شيخ الإسلامابن تيمية -رحمه الله-: وقوله عليه الصلاة والسلام:   أنت ومالك لأبيك  وأمثال ذلك مما جاءت به اللام للإباحة، يعني: يباح لك تأخذ منه، ما هو اللام للملك، ولذلك يقول ابن القيم: واللام في الحديث ليست للملك قطعاً، ومن يقول: هي للإباحة أسعد بالحديث، وإلا تعطلت فائدته ودلالته.
شروط أخذ الأب من مال ابنه:
00:57:09
 فإذا قلت: هل هناك شروط لأخذ الأب من مال ولده ؟
قال ابن قدامة: فصل ولأب أن يأخذ من مال أبيه ما شاء، وأن يتملكه، مع حاجة الأب إلى ما يأخذه وإلى عدمها، وهذا رأي الحنابلة، صغيراً أو كبيراً بشرطين:
أحدهما: أن لا يجحف بالابن، ولا يضر به، ولا يأخذ شيئاً تعلقت به حاجته.
الثاني: أن لا يأخذ من مال ولده فيعطيه الآخر، نص عليه أحمد.
فإذاً ما هي الشروط؟
أولاً: أن يكون فاضلاً عن حاجة الولد، يعني: ما يجوز الأب يقول للولد: اطلع من بيتك خليك في الشارع، هات سيارتك واذهب على رجلك مسافة ساعتين تصل إلى مكان العمل، هات ملابسك ويتركك عارياً، لا يجوز، الابن يحتاج لأولاده وزوجته مبلغاً معيناً، ما فضل عن حاجة الولد وحاجة زوجته وأولاده للأب أن يأخذ منه لا ضرر ولا ضرار.
وكذلك من الشروط: أن لا يأخذ من ولد ويعطي للولد الآخر.
الآن الأب واجب عليه أن يعدل في العطية لأولاده من ماله هو؟ بلى، فإذًا من باب أولى ما يأخذ من ولد ويعطي للثاني، من باب أولى، وهذا يوغر صدور الأولاد على بعض.
وكذلك: أن لا يكون في مرض موت أحدهما، وكذلك أن لا يكون الأب كافراً والابن مسلماً، إذا كان الأب كافراً ما يمكن في مال الولد، الإسلام يعلو ولا يعلى، كما قال العلماء.
وكذلك: أن يتملك عيناً موجودة، فلا يتملك دين ابنه، فالابن يمكن يسلف ناساً، الأب ما يأتي يقول: أنا تملكت الدين الذي لك عند فلان، لا.
فينبغي أن يكون إذا عيناً موجودة.
فإذًا -يا إخوان- بعض العلماء قالوا: الأب يأخذ على حسب الضرورة والحاجة.
وبعضهم قال: حتى بغير حاجة، لكن من الشروط أن يكون فاضلاً عن نفقة الولد، وما تقدم من الشروط أيضاً.
حكم مطالبة الابن أباه بالدين:
00:59:21
 هل الابن ممكن يطالب الأب بالدين، يعني: أب استلف من ابنه، ممكن الابن يطالب أباه بالدين يقول: اقترضت مني أعد إلي؟
ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي أن له ذلك؛ لأنه دين ثابت، فجاز بالمطالبة به كغيره.
وأما الحنابلة قال ابن قدامة -رحمه الله-: ليس للولد مطالبة أبيه بدين عليه، وهو مقتضى قول سفيان بن عيينة، واحتجوا بحديث: أنت ومال لأبيك .
لكن الآن لو فرضنا أنه يريد أن يطالبه فلا يكون في رفع دعوى عند المحاكم، وإنما يقول: يا أبت أنا أحتاج إلى المال الذي اقترضته مني إذا أمكن، إذا أمكن يعني، بكل لطف يعني، أن يطالب به بطلف، يعني حتى عن القول بالمطالبة ما هو معنى أن يرفع عليه دعاوى ويشهر به، ويؤذيه، ويلاحقه في بيته والأماكن التي يذهب إليها.
لذلك أيضاً لا تقطع يد الأب فيما أخذ من الولد ولو بغير علم الولد، وهذا أجمعوا عليه، سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل عجز الكسب ولا له شيء وله زوجة وأولاد ماذا بالنسبة لولده الميسر الذي عنده زوجة وأولاد؟
فقال: على الولد الميسر أن ينفق على أبيه وزوجة أبيه، يعني: حتى الابن مكلف يعطي أباه نفقته ونفقة زوجته التي ليست أمه، وعلى إخوته الصغار ولو كانوا من أم ثانية، وإن لم يفعل ذلك كان عاقاً لأبيه، أليس موسراً؟ أليس الولد موسراً؟ إذا لم يفعل ذلك كان عاقاً لأبيه، قاطعاً لرحمه، مستحقاً للعقوبة، لعقوبة الله -تعالى- في الدنيا والآخرة.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية في رجل له ولد وطلب منه ما يمونه؟
قال: إذا كان موسراً وأبوه محتاج فعليه أن يعطيه تمام كفايته، وكذلك إخوته إذا كانوا عاجزين عن الكسب فعليه أن ينفق عليهم إذا كان قادراً على ذلك، ولأبيه أن يأخذ من ماله ما يحتاجه بغير إذن الابن، وليس للابن منعه.
إذًا، أجمع العلماء على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد.
شروط النفقة على الوالدين:
01:01:45
 ما هي شروط وجوب الإنفاق؟
أولاً: أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب يستغنون به.
وثانياً: أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم فاضلاً عن نفقة نفسه.
ثالثا: أن يكون المنفق وارثاً.
الآن لو كان الأب قادراً على العمل ، الأب ما عنده مال، لكن الأب ما زال فيه قوة، هل يقال للأب: لا تطلب من ولدك، ما يجوز تطلب من ولدك وروح اشتغل، أو يجب على الابن أن ينفق على أبيه إذا كان الأب ما عنده مال ولو كان الأب قادراً على العمل؟
الجواب: يجب أن ينفق على أبيه ولو كان الأب قادراً على العمل.
قال ابن قدامة -رحمه الله-: ولا يشترط في وجوب نفقة الوالدين نقص الخلقة، ولا نقص الأحكام، قال: وظاهر كلام الخرقي فإنه أوجب نفقته مطلقاً إذا كانوا فقراء، وله ما ينفق عليهم.
فإذًا، لو كان الأب ليس عنده مال ولو كان قادراً على العمل يجب على الابن أن ينفق عليه، لكن لو كان له عقارات تكفيه، الأب عنده عقارات تكفيه هل يجب على الابن أن ينفق عليه؟
لا يجب عليه.
حكم سفر الابن للجهاد بدون إذن والديه:
01:03:14
 وكذلك فإن من أحكام بر الوالدين: قضية السفر للجهاد، صرح الحديث الصحيح بوجوب إذن الوالدين للجهاد، جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستأذنه في الجهاد، قال:  أحي والداك؟  قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد  [رواه البخاري: 3004، ومسلم: 2549].
وفي حديث أقبل رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله؟ قال:  فهل من والديك أحدهما حي؟  قال: نعم بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله؟  قال: نعم، قال:   ارجع إلى والديك وأحسن صحبتهما  [رواه مسلم: 6].
قال النووي -رحمه الله-: هذا كله دليل لعظيم فضيلة برهما، وأنه آكد من الجهاد، وفيه حجة لما قاله العلماء إنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين، أو بإذن المسلم منهما، فإن كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي ومن وافقه.
وسألت شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- قلت يا شيخ إذا كان أبوه كافراً تاركاً للصلاة، إذا كان تاركاً للصلاة بالكلية؟ قال: هذا مرتد ماله إذن، ولا يستأذنه، وإذا كانت أمه مسلمة تصلي يجب عليه أن يستأذن أمه.
هذا كله إذا لم يحضر الصف ويتعين القتال، لكن إذا التقى الصفان واستنفر الإمام الناس للخروج، العدو داهم البلد ما عاد فيه استئذان للأبوين يخرج للدفاع والجهاد، يخرج للجهاد.
ما معنى الإذن؟ لأن بعض الأبناء يريد الجهاد فيلح على والديه حتى يزهقان، ويطفشان منه، ويقولان له: بس روح، خلاص.
يقول: إيه أنا الآن رايح، قال: وافقوا، ماذا قال العلماء؟
قال الإمام أحمد -رحمه الله-: إن أذنت لك من غير أن يكون في قلبها حرج أو كراهة وإلا فلا تغزو.
ولأن بر الوالدين فرض عين، وأنا واقف باب الحرم جاء واحد يقول لابن عثيمين: يا شيخ أنا بروح أجاهد، هل لا زم إذن أبوي؟ قال: نعم، قال: أليس الجهاد فرض عين؟ قال الشيخ ابن عثيمين: أليس بر الوالدين فرض عين؟
ولا ننسى قبل ذلك أن أهل الأعراف قيل فيهم ناس خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم وأمهاتهم ماتوا في الجهاد فمنعهم القتل في سبيل الله من دخول أيش؟ النار، ومنعهم عقوق آبائهم من دخول الجنة، فوقفوا على الجبل بين الجنة والنار، هذا جبل الأعراف.
سفر الابن لطلب الرزق:
01:06:28
 ماذا بالنسبة للسفر لطلب الرزق؟
إذا كان في سفره مصلحة في الإنفاق على نفسه وعياله، لا يمكن تحصيلها في البلد، يعني: دور على وظيفة في البلد ما وجد أبداً، مطلقاً، وعنده زوجة وأولاد، جاء يريد يسافر لطلب الرزق في بلد آخر، أبوه قال: لا ما تسافر، فعند ذلك لا تجب طاعتهما، هذا المضطر لا بأس، ويمكث فقط قدر الحاجة.
أما إذا وجد في البلد عند أبويه ما يغنيه لا يجوز الخروج بغير إذن أبويه.
فلو قال: هنا أجد آلافاً، وهناك أجد ملايين، فنقول: الآلاف تكفيك وإلا لا؟ إذا كانت تكفيه لا يجوز أن يسافر إلى الملايين، وإنما يبقى عند أبويه.
سفر الابن لطلب العلم:
01:07:29
 ماذا بالنسبة للسفر لطلب العلم؟
طلب العلم الذي لا يتحصل إلا بالسفر وهو يحتاجه، لاحظ هذين الشرطين، طلب العلم الذي لا يتحصل إلا بالسفر وهو يحتاجه يخرج يغير طاعتهما.
أما إذا كان ممكن يحصله في البلد، الآن مثلاً في كتب، في أشرطة، في هاتف، ممكن الإنسان يسأل.
إذًا، لا بد تدقق في قضية لا يمكن تحصيله في البلد.
سفر الابن سفراً لا يؤمن فيه الهلاك:
01:08:01
 قال النووي: وقد قال الشيخ الإمام محمد بن عبد السلام -رحمه الله-: وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما شق عليهما من توقع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه، أو عضو من أعضائه.
إذًا، كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك، انتبه معي هذا الضابط مهم في قضية أسفار الولد بغير إذن الوالدين، كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك، ويشد فيه الخطر، لا يحل للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه، لماذا؟ لأنهما سيخشيان ويشفقان ، ويتضرران ويقلقان عليه إذا خرج.
إذا كان السفر لا يشتد فيه الخطر؟
يحل له الخروج إذا لم يضيعهما.
إذا كان له حاجة، والسفر غير خطير والأبوان عندهما ما يكفيهما، وعندهما من يخدمهما، والسفر غير خطير ما هو سفر الجهاد مثلاُ، فيجوز له الخروج بغير إذنهما كما ذكر في بدائع الصنائع.
موقف الابن إذا منعه والده من الطاعات:
01:09:24
 ماذا بالنسبة لمنع الوالدين بعض أولادهما من الطاعات؟ واحد يريد يحفظ قرآناً؟ قال له: لا، يدرس في مسجد؟ قال: لا، يصير إماماً؟ قال: لا، يريد يصحب الأخيار؟ قال: لا، ما هو الموقف؟
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- سأله سائل فقال: إنني أشتغل منذ عدة سنوات في تحفيظ القرآن الكريم في مكان بعيد عن المدينة التي يسكن فيها والداي ولهذا يطلبان مني أن أترك التدريس وأعمل مع أحد إخواني الذين يسكنون عندهما وأنا متردد في هذا الأمر؛ لأنني أخشى أن أترك التدريس فيضيع الطلاب، وينسوا ما حفظوه من القرآن الكريم، فما تنصحونني جزاكم الله خيرا؟
فأجاب -رحمه الله-: ننصحك بالاستمرار في تحفيظ القرآن الكريم، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:  خيركم من تعلم القرآن وعلمه  [أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 5027].
ولما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين.
-طبعا- ما في سفر خطير هنا، ولا تلزمك طاعة والديك في ترك ذلك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:  إنما الطاعة في المعروف  [رواه البخاري: 7145، ومسلم: 1840]، ويشرع لك الاعتذار إليهما بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، وبالله التوفيق.
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- إذا أمرني والدي بأن أترك أصحاباً طيبين وزملاء أخياراً، وألا أسافر معهم لأقضي عمرة، مع العلم بأني في طريقي إلى الالتزام فهل تجب علي طاعتهما في هذه الحالة؟
فأجاب هذا سؤال يعرض لكثير من الشباب الآن: ليس عليك طاعتهم في معصية الله، ولا فيما يضرك، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:  إنما الطاعة في المعروف ، وقوله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فالذي ينهاك عن صحبة الأخيار لا تطعه لا الوالدان ولا غيرهما، ولا تطع أحداً في مصاحبة الأشرار أيضاً، لكن تخاطب والديك بالكلام الطيب، وبالتي هي أحسن كأن تقول: يا والدي كذا، ويا أمي كذا، هؤلاء طيبون، وهؤلاء أستفيد منهم، وأنتفع بهم، ويلين قلبي معهم، وأتعلم العلم، واستفيد، فترد عليهم بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، لا بالعنف والشدة، وإذا منعوك فلا تخبرهم بأنك تتبع الأخيار، وتتصل بهم، اكتم الأمر، ولا تخبرهم بأنك ذهبت مع أولئك إذا كانوا لا يرضون بذلك، لكن عليك أن لا تطيعهم إلا بالطاعة والمعروف، وإذا أمروك بمصاحبة الأشرار أو أمروك بالتدخين أو بشرب الخمر، أو بالزنا، أو بغير ذلك.
-طبعا- لا تستغربوا لأن فيه أباء من الفسق ممكن يقول لولده: أنت لماذا ما تعرفت على بنت إلى الآن ؟ ويقول للبنت: أنت لماذا تتحجبين عند الخروج، يشد الحجاب عليها وهي في الشارع؟ هذه حال بعض البنات المساكين، مسكينة، والأب يشد في الحجاب في الشارع، يريد أن تذهب وتتعرف وتختلط، يزعل إذا ما اختلطت بالرجال الأجانب، من الفسق والفجور -والعياذ بالله-، قال: فلا تطعهم ولا غيرهم في ذلك للحديثين المذكورين آنفاً، وبالله التوفيق.
فإذًا، عرفنا الآن ما هي الفتوى في قضية منع الولد من مصاحبة الأخيار، ومن حضور حلق العلم وتحفيظ القرآن، ورحلة العمرة، إلى آخره..، قال بعض العلماء: فإن كان في بلده من يفيده، يعني هذا العلم، فلا يخرج إلا بإذنهما.
أجاز بعض العلماء للطالب المؤهل الذي عنده أهلية، وعنده قدرة على أن يصبح مفتياً مثلاً، أو مجتهداً ولا يستطيع تحصيل درجة الفتوى ودرجة الاجتهاد إلا بالسفر من البلد أن يخرج بغير إذنهما إذا كان السفر غير خطير، وكان عندهما ما يكفيانهما، ويقومان عليهما بالخدمة.
أقسام طاعة الوالدين:
01:13:35
 فلنقسم الموضوع إلى طاعة الوالدين إلى ترك الواجب وفعل المحرم وفي المباحات، وفي ترك المستحبات وفعل المكروه.
حكم طاعة الوالدين في ترك الواجبات:
01:13:46
 أما بالنسبة لترك الواجبات، فقد روى البخاري عن الحسن قال: منعته أمه عن العشاء في جماعة شفقة عليه فلا يطعها؛ لأن صلاة العشاء هذه في المسجد جماعة من الواجبات.
وكذلك فإن الأوزاعي -رحمه الله- سئل عن رجل تمنعه أمه من الخروج إلى الجمعة والجماعة؟ قال: ليطع ربه، وليعص أمه. إذًا، لا يجوز طاعة الوالدين في ترك واجب.
ممكن يكون أحياناً الأب والأم في الخارج، في بلاد الكفر، في بلاد لا يستطاع إقامة شعائر الدين فيها، الولد كبر ممكن ينفصل عن الأبوين، ممكن يستقل بنفسه، عنده قدرة على الوظيفة، قال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- في هذه المسألة: الواجب على المسلم أن يحذر الإقامة في بلد يدعوه إلى ما حرم الله، أو يلزمه بذلك من ترك الصلاة، أو حلق اللحى، أو إتيان الفواحش، مثل الزنا والخمور، فيجب عليه ترك هذه البلاد والهجرة منها؛ لأنها بلاد سوء فلا يجوز الإقامة فيها أبداً، بل يجب أن يهاجر منها، وإن خالف وعصى والديه؛ لأن طاعة الله مقدمة، وطاعة الوالدين إنما تكون في المعروف، فكل بلد لا يستطيع إظهار دينه فيه، أو يجبر على المعاصي فيه يجب أن يهاجر منه.
ما حكم منع الأب ولده من الفريضة؟
قال ابن مفلح الحنبلي -رحمه الله-: لا يجوز لوالد منع ولده من حج الواجب، ولا تحليله منه، يقول: أتحلل وارجع، أطلع من الحج، لا يجوز، ولا يجوز للولد طاعته فيه.
وقال ابن قدامة: ليس للوالد منع ولده من الحج الواجب ولا تحليله من إحرامه.
سألت الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- قلت له: يا شيخ هذا شاب يسألني ويقول: إن أباه هدده قال: لو ذهبت إلى الحج وحج الفريضة لأعاقبنك بعد رجوعك، وأضربك ضرباً مبرحاً، وهدده وتوعده بالعقوبة الشديدة لو راح؟
فقال الشيخ -رحمه الله-: العقاب ظني يذهب ويكفيه الله شره.
حكم طاعة الوالدين في ترك المستحبات:
01:16:05
 طاعة الوالدين في ترك المستحبات، المستحبات متعددة في سنن راتبة، في صلوات نافلة أخرى، في صيام نفل، في حج نفل، ما هو الحكم في هذه القضية؟
أما السنة الراتبة مثل حضور الجماعات في المساجد، وركعتي الفجر، والوتر، وما أشبه ذلك، فإن دعواه لحاجتهما المرة تلو المرة فليطعهما، يعني: مرة دعواه يصلي سنة راتبة، يقطع ويطيع، لكن لو قال: ممنوع تصلي السنن الرواتب، أبداً، فلا يلزمهما طاعتهما، قال الطرطوشي -رحمه الله-: وأما إن كان ذلك على الدوام واللزوم فلا طاعة لهما فيه؛ لأن فيها إماتة لشعائر الإسلام.
وسئل الإمام أحمد عن رجل يصوم التطوع فسأله أبواه أو أحدهما أن يفطر، قال: يروى عن الحسن أنه قال - الإمام أحمد كان يفتي بأقوال التابعين كثيراً-: يفطر وله  أجر البر، وأجر الصوم، وقال: إذا أمره أبواه ألا يصلي إلا المكتوبة، فهذه حالة أخرى، قال: يداريهما ويصلي، قال الشيخ تقي الدين: ففي الصيام كره الابتداء فيه إذا نهاه، واستحب الخروج منه، وأما الصلاة فقال: يداريهما ويصلي.
الخروج من الصلاة أثناء الصلاة؟
يقطع الصلاة، لحديث جريج كان يصلي صلاة نافلة مرة نادته أمه، إذا كان في نهاية الصلاة أنهاها بسرعة وأجاب والدته، لكن إذا كان في أول الصلاة، وخشي أن أمه تغضب، نادته مرة وثنيتن وثلاثاً، هو في أول الصلاة يقطع صلاة النافلة ويجيبها لحديث جريج [رواه البخاري: 1206، ومسلم: 2550].
بالجملة منع الولد من المستحبات عموماً، كالسنن النوافل، وحلق الرأس في الحج والعمرة، ليس لهما حق في ذلك، ولا يلزم طاعتهما مع المداراة، قال الطرطوشي في بر الوالدين: لا طاعة لهما في ترك سنة راتبة، وترك ركعتي الفجر والوتر، إذا سألاه ذلك على الدوام.
حكم طاعة الوالدين في المشتبهات:
01:18:34
 وأما فعل المشتبهات، قد يكون أبوه عنده كسب شبهة، فيه شبهة، الابن يأكل منه؟
قال العلماء: الأولى أن يتورع ويداريهما فإن أكل أو أخذ فلا حرج عليه إن شاء الله، فإن كان تركه لأكل الطعام، وتركه لأخذ المال مؤثراً فيهم، يعني الأب كسبه مشبوه، الابن لو امتنع الأب يتأثر ويترك الكسب المشبوه، يجب على الابن الامتناع والترك حتى يجعل الأب يترك المشبوه، لكن لو كان لا يترك ويأمر ولده بالأكل، قال بعض العلماء: يأكل، الآن المشبوه ممكن ينتج من ماذا؟ اختلاط الحلال بالحرام، أبوه الفلوس في البنك يأخذ ربا، ويخلط بالإيجارات طبعا العقارات، فدخل أبيه مدخول، وفيه حرام وحلال، متداخل، والآن يعطيه نفقة، ويعطيه مال من هذا، ويقول: كل من طعامي هذا، فما يفعل؟
بعض العلماء قال: لا يجوز.
بعضهم قال: إذا زاد الحرام على الثلث لا يجوز.
بعضهم قال: إن كان الأكثر الحرام لا يجوز.
بعضهم قال: جائز مطلقاً، لعله هو الأقوى في المذهب لكن يكره، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته.
المسألة هذه الإمام أحمد -رحمه الله- تردد فيها ورفض أن يفتي، وقال: ما أحسن أن يداريهم، يعني ما يأكل ويحاول أن يداريهم، قال السفاريني -رحمه الله-: الذي استقر عليه المذهب عدم الحرمة، بل يكره ذلك الذي هو الكسب المختلط هذا، الحلال والحرام دخل، الابن يأكل، قال: الذي استقر عليه المذهب عدم الحرمة، بل يكره ذلك، وقوة الكراهة فيه وضعفها بحسب كثرة الحرام أو قلته.
إذا كان الولد له كسب مستقل فليأكل من كسبه، وإذا كان لا كسب له يأكل من كسب أبيه.
إذا كان الكسب كله حرام؟ إذا كان الولد محتاجاً ليس له نفقة إلا من مال أبيه يأخذ وليس عليه إثم، لكن لا يتوسع كما قال علماؤنا ، يأخذ الكفاية فقط، وإذا علم الحرام بعينه يجتنبهن ويأخذ من الآخر.
قد يقول لك: هذا توه آخذه من حرام رشوة، جاء بالرشوة وجاي على البيت وقال: خذ يا ولد، الابن إذا عرف أن هذا بعينه الحرام لا يأخذه، يأخذ من مال آخر.
حكم طاعة الوالدين في المباحات:
01:21:32
 طاعة الوالدين في المباحات ما حكمها؟
يعني: قال: يا ولد لازم تأكل هذا النوع من الأكل، لازم تتزوج هذه المرأة، فلا يجب طاعة في هذه الحالة، ولا التزوج ممن لا يرغب، وإذا كان الواحد لا يجب عليه أن يطيع في أكلة تنغصه ساعة فكيف يجب عليه أن يطيع في الزواج من امرأة لا يريد له أن تنغص عمره كله؟ قال الإمام أحمد -رحمه الله-: إن كان الرجل يخاف على نفسه ووالداه يمنعانه من التزوج فليس لهما ذلك، لو قال: يا ولد ما في زواج إلا بعد التخرج، والولد يستطيع أن يتزوج الآن قبل التخرج، والولد يخشى على نفسه من الحرام لا يلزمه طاعة أبويه، قال الشيخ تقي الدين: ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد ، وإذا امتنع لا يكون عاقاً .
  إذا قال له: يا ولد طلق زوجتك، ليه؟ قلت لها: اعطني الحذاء ما جابت، طلق المرأة؟
الآن المسألة هذه مسألة الطلاق عموماً أمر بطلاق الزوجة، خلاصتها، إذا كان الأب عدلاً وكانت المرأة فيها سوء في الدين أو الخلق فيلزمه طاعة أبيه، وعمر أمر ولده بطلاق زوجته، وأمره عليه الصلاة والسلام أن يطيع أباه عمر، لأن عمر عدلاً، ما عنده هوى في القضية هذه، لكن إذا كان الأب صاحب هوى والزوجة صاحبة دين حسن وخلق حسن لا يلزم بالطلاق.
وإذا أمه أصرت عليه يطلق زوجته للغيرة، والزوجة حسنة الدين والخلق، ابن تيمية يقول: هذه من جنس هاروت وماروت في السعي في التفريق بين الزوجين ما يطعهما، لا يحل له أن يطلقها لقول أمه، بل عليه أن يبر أمه، وليس له تطليق امرأته من ذريتها، هذا بالنسبة لقضية طلاق الزوجة، وسئل ابن تيمية عن امرأة وزوجها متفقين، وأمها تريد أن يطلق فلم تطاوعها، فهل عليها إثم في دعاء أمها عليها؟ قالت: يا بنت تطلقي من زوجك، اطلبي الخلع، نكدي عليه إلى أن يطلقك، فابن تيمية -رحمه الله- قال: إذا كانت الأم تريد التفريق بينها وبين زوجها فهي من جنس هاروت وماروت لا طاعة لها في ذلك، ولو دعت عليها، اللهم إلا إذا كان مجتمعين على معصية، أو يكون أمره للبنت بمعصية الله، فالأم تتدخل تريد أن تطلق البنت لأن زوجها يأمرها بالمعصية.
وقد يأمرانه بالخروج لشراء منكر، الإمام أحمد في رواية الحارث في رجل تسأله أمه أن يشتري لها ملحفة للخروج، قالت: روح اشتر لي عباية، قال: إن كان خروجها في باب من أبواب البر كعيادة مريض أو قرابة لأمر واجب لا بأس، وإن كان في غير ذلك فلا يعينها على الخروج.
سئل الإمام أحمد سؤالاً لطيفاً: أب يقول لولده: تعال ادخل علي الغرفة، والغرفة مفروشة حرير، فقال: يلف البساط من تحت رجليه ويدخل، يلف البساط، ما يطأ على بساط الحرير ويدخل.
وأفتى الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- بعدم جواز طاعة الوالدين في حلق اللحية.
التعارض بين بر الأب وبر الأم:
01:25:32
 إذا تعارض بر الأب مع بر الأم ماذا يفعل؟
يحاول التوفيق بشتى الوسائل.
إذا قالت أمه: لا تبر أباك، أبوك طلقني لو زرته أدعو عليك إلى قيام الساعة، يزوره ويخفي الزيارة، الأب قال للابن: لو زرت أمك وخالك وجدك وجدتك أغضب عليك إلى قيام الساعة، يزورهم ويخفي أمر الزيارة.
إذا كان لا يستطيع الإنفاق إلا على الأب أو الأم، المال قليل عند الولد يقدم من؟
يقدم الأم.
إذا أراد أن يحج الفريضة، أبوه وأمه ماتوا من غير حج الفريضة يقدم الحج عن الأم، وهكذا في هذه المسألة.
الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- قال: لا نرى أن يتوكل لأمه على أبيه، يعني في المحاكم، لو أمه قالت: وكلتك في المحكمة تترافع ضد أبيك تطلب نفقة أو كذا، فيقول: لا نرى أن يتوكل لأمه ولو كانت أمه مظلومة، ولكن يشير على أبيه في دفع الضرر.
إذًا، لا يتوكل عنها في المحاكم.