الأربعاء 5 جمادى الآخر 1439 هـ :: 21 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

الشخصية الإسلامية بين الغلو والاعتدال - المحاضرة الثانية


عناصر المادة
مقدمة:
أهمية الجدية في الالتزام بالإسلام:
الفرق بين التمسك السليم بالإسلام وبين الغلو فيه:
التمسك بأحكام الدين هو عين العقل والحكمة:
الالتزام البارد والاسلام المسالم:
عدم الجدية نهائياً في تطبيق أحكام الإسلام:
الحذر من آفات اللسان:
شعور المسلم الملتزم بأحكام الإسلام بالحرج:
الحمد لله رب العالمين، الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، يليق بجلاله وعظمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأن محمداً عبده ورسوله، أدّى الرسالة، وبلّغ الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
مقدمة:
00:00:32
 تكلمنا في الدرس الماضي عن الشخصية الإسلامية بين الغلو والاعتدال، وتكلمنا عن الغلو وتعريفه، وبعض أنواعه وصوره وأشكاله، ونبهنا إلى ما ينبغي الحذر منه، من هذه الصور والأشكال، وذكرنا أن مشكلة المسلمين لا تتركز اليوم بشكل رئيسي في الغلو، وإن كان الغلو موجوداً، ولكنها تتركز في شكل أساسي في حالة التسيُّب التي يعيشها المسلمون اليوم في موقفهم من هذا الدين.
حالة التساهل، وحالة الابتعاد، وحالة التفريط التي جعلت الإسلام مشوهاً أيما تشويه في واقع المسلمين اليوم، وجعلت من المسلمين خلْقاً لا يمتون إلى الإسلام إلا بصلات ضعيفة، لا يصلحون نهائياً أن يكونوا قدوات أمام الآخرين، فصار وضع المسلمين اليوم من الأشياء التي تصد عن سبيل الله.
وصار واقع المسلمين حجر عثرة أمام دخول كثير من غير المسلمين في دين الله -عز وجل-، الدين الذي نسخ الأديان، والدين الذي ختم الله به الرسالات، وهو دين الأنبياء جميعاً.
أهمية الجدية في الالتزام بالإسلام: 
00:02:15
 ولذلك سنتكلم في هذه الليلة -إن شاء الله تعالى- عن هذه المشكلة؛ عن قضية الجدية في الالتزام بالإسلام، وأرجو أن تصححوا العنوان.
سنتكلم عن قضية الجدية التي فقدها الإسلام من أبنائه في هذا العصر، الجدية التي أمر الله تعالى بها في الأخذ بالأحكام في دين الله -عز وجل-، الجدية التي أُمرنا بها في القرآن والسنة، الجدية التي أصبحت اليوم نسياً منسياً، إلا ممن عصم الله تعالى من أبناء الإسلام والمقبولين على الله تعالى بإخلاص وصدق، وسيكون محور الكلام وتفريعاته عن الجدية، وعدم الجدية في واقع الذين ينتسبون إلى الإسلام.
يعني: لن نتكلم عن المنافقين، أو عن الذين يكذبون على الله بالكلية، ولا توجد في نفوسهم أية أصول من أصول الإسلام، سنتكلم عن المشكلة التي يقع فيها كثير من المسلمين اليوم، المسلمين فعلاً، أقصد الذين ليسوا بكفار.
اعلموا أيها الإخوة وفقني الله وإياكم لطاعته، وللأخذ بدينه بقوة، أن الله أمرنا في القرآن الكريم بأمر عظيم جداً في سورة، قال الله تعالى في القرآن:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  [سورة البقرة: 209].
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً  [سورة البقرة: 208].
ما هو السلم في هذه الآية؟
السلم في هذه الآية هو الإسلام، السلم هو الإسلام، فيقول الله -عز وجل- آمراً عباده المؤمنين،  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً  [سورة البقرة: 208]، قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسيره: "يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين به، المصدقين برسله، أن يأخذوا بجميع عُرى الإسلام، وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك، فهو يأمر -عز وجل- المؤمنين أن يأخذوا بجميع عُرى الإسلام؛ لأنه يقول:  ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً  [سورة البقرة: 208]، وقيل: أن السلم هو الطاعة، وكلا المعنيين واحد، الإسلام هو طاعة الله -عز وجل-.
قال مجاهد: كافة، يعني: معنى كلمة كافة،  ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً  أي: اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر، جميع الأعمال ووجوه البر، اعملوا بها، قال ابن كثير -رحمه الله-: "ومن المفسرين من يحمل قوله تعالى:  كَآفَّةً  حال من الداخلين يعني: ادخلوا في الإسلام كلكم، يعني: كافة، ثم يقول ابن كثير -رحمه الله-: "والصحيح الأول، المعنى الأول هو الصحيح، المعنى الأول في كلمة كافة: جمع الشرائع والشعائر، التمسك بجميع الأوامر، والابتعاد عن جميع النواهي، ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً سورة البقرة، في جميع عُرى الإسلام..
ويقول -رحمه الله-: "والصحيح الأول، وهو أنهم أمروا أن يعملوا بجميع شُعب الإيمان وشرائع الإسلام"[تفسير ابن كثير: 1/565]، وهي كثيرة جداً ما استطاعوا منها، ما نستطيع أن نأخذ بها كلها، وما نستطيع أن نعمل بجميع الشرائع والشعائر كلها، ما نستطيع الدين أكبر من أن نحيط به، لذلك يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:  سددوا وقاربوا   [رواه البخاري: 6463، ومسلم: 2818]، خذ ما استطعت، يقول -عليه الصلاة والسلام-:  ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه [رواه البخاري: 7288، ومسلم: 1337].
يقول الله تعالى في محكم تنزيله:  وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ  [سورة الأعراف: 170]، لاحظ  وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ ما قال: يمسكون، قال: يُمَسَّكُونَ  في أحد القراءات: يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ   يا ترى ما معنى كلمة: يمسكون؟
ما معنى كلمة يمسكون؟ لماذا هذه الشّدة على السين،  يُمَسَّكُونَ  يقول القرطبي -رحمه الله تعالى- في تفسيره:  يُمَسَّكُونَ  فيها معنى التكرير والتكثير للتمسُّك، يعني: تمسكوا بها دائماً في جميع الحالات، كرروا هذا التمسك، وتمسكوا بها كثيراً، تمسكوا دائما  وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ  فصارت هذه اللفظة  يُمَسَّكُونَ  تدل على معنى أبلغ وأعظم وأشمل من لفظة: "يُمْسِكون"، أنا ممكن أمسك بالشيء مرة واحدة، أو أمسك به بنوع من الإمساك فيه ضعف، لكن عندما يأتي هذا اللفظ يُمَسَّكُونَ  يعني: لا بد أن أمسك بقوة وشدة، وأن أكرر هذا التمسك بشعائر الدين، وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ  إنها صيغة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة، الصورة التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابُه، الصورة يُمَسَّكُونَ  تصور لك القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة، هذه الصورة هي التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابه، الجد والقوة شيء، والتعنت، والتنطع، والغلو، والتطرف، شيء آخر.
إن الجد والقوة والصرامة لا تتنافى مع اليسر، لا تنافي اليسر، ولكنها تنافي التميع، لاحظ هذه اللفظة التميع، ولا تنافي سعة الأفق، التمسك بالدين لا ينافي سعة الأفق، ولكنها تنافي الاستهتار، وكذلك لا تنافي مراعاة الواقع، أن تغمض عينيك عن الواقع الذي حولك، لا، ولكنها تنافي أن يكون الواقع هو الحكم على شريعة الله، الجد والقوة شيء، والتعنُّت والتنطُّع والغلو والتطرُّف شيء آخر.
الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر الذي جاءت به الشريعة، ولكنها تنافي التميع، ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار، وكذلك لا تنافي مراعاة الواقع، ولكنها تنافي أن يكون الواقع هو الحكم على شريعة الله، وهنا في هذه النقطة نلتقي مع الدرس الماضي.
الدرس الماضي تكلمنا عن الغلو والتطرف، وتكلمنا عن أشكالهما، أو بعض الأشكال.
الفرق بين التمسك السليم بالإسلام وبين الغلو فيه:
00:10:54
 هنا يجب أن نفرق بين التمسك والقوة بأخذ الدين، وبين التنطع والتطرف والتزمُّت.
 بعض الناس اليوم، بل كثير منهم، يعتبرون أن الأخذ بشعائر الدين، الفرائض والسنن، والمستحبات والعض على سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالنواجذ يعتبرونه تطرفاً وتزمتاً، ويقول لك: لماذا هذا التطرف؟ لماذا تأخذ الدين بالمقلوب، أو الدنيا بالمقلوب، كما يقولون، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
يكفي أن نعلم من خطورة هذا القول أنه يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله تعالى.
لماذا؟ هل هناك أحد تمسك بهذا الدين أكثر من الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ لا، الرسول -صلى الله عليه وسلم- تمسك بهذه الدين، بالأوامر والنواهي، تمسك بالأوامر واجتنب النواهي، وأخذ بالفرائض، وعمل بالسنن والمستحبات، لو قلنا بأن هذا الفعل تطرف حكمنا على الرسول -صلى الله عليه وسلم-بالتزمُّت والتطرف، هذا الحكم كفر بالله العظيم؛ لأننا اتهمنا رسوله بأنه متطرف.
وهذه قضية خطيرة يقع فيها كثير من المسلمين اليوم، يتهمون الذين يطيعون الله تعالى سراً وجهراً، ويلتزمون بأحكام الإسلام دقيقها وعظيمها، صغيرها وكبيرها بأنهم متطرفون:  كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا  [سورة الكهف: 5]
التمسك بأحكام الدين هو عين العقل والحكمة:
00:12:46
 إن التمسك بأحكام الدين هو عين العقل والحكمة، وما سوى ذلك إما إفراط، وإما تفريط.
إذا سألت: ما هو الغلو والتطرف؟
أقول لك: انظر إلى الخوارج، وماذا فعل الخوارج في صدر الإسلام؟ هذه صورة حقيقية من أشكال التطرُّف والتزمُّت والغلو.
يقول الله تعالى في سورة الطارق واصفاً هذا القرآن، هذا الدين:  إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْل * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [سورة الطارق: 14]  إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْل سورة الطارق، فاصل بين الحق والباطل، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْل * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ  ليس بهزل.
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "يعني بل هو حق وجد" [تفسير ابن كثير: 8/376].
وقال الألوسي -رحمه الله تعالى-: يعني مقطوع به،  إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْل * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ  [سورة الطارق: 14]، مقطوع به، وقال: "ليس في شيء منه شائبة هزل، بل كله جد محض، وقال: "فاصل بين الحق والباطل، قد بلغ الغاية في ذلك حتى كأنه نفس الفصل".  وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ  قال الشوكاني: "لم ينزل باللعب" [فتح القدير للشوكاني: 5/511].
وقال صديق حسن خان في فتح البيان في هذه الآية:  إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْل * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ   أي: "يجب أن يكون مهيباً للصدور، يجب أن يكون هذا الدين، هذه الأحكام لها هيبة في صدورنا، له هيبة، ولها احترام، ولها تعظيم في نفوس المسلمين" [فتح البيان: 15/181]، وقال الله -عز وجل- مخاطباً بني إسرائيل في أكثر من موضع:  خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ  وهو أمر لنا نحن أيضاً معشر المسلمين،  خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ما قال: خذوا ما أتيناكم فقط،  خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ  بقوة هذه الألفاظ التي لا يفقهها كثير من المسلمين اليوم، خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  [سورة الأعراف: 171].
قال ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى-: "يعني خذوا ما أتيناكم من فرائضنا، وما ألزمناكم به من أحكام كتابنا فاقبلوه، اعملوا باجتهاد منكم، في أدائه من غير تقصير ولا تواني ، اعملوا باجتهاد وجد في أدائه من غير تقصير ولا توانٍ"، هذا مقصود خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ [تفسير الطبري: 13/217].
وقال الله -جل وعل-:  خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ  هذه الآية تعني: لا تتخاذلوا لا تتهاونوا، لا تتراجعوا في الميثاق الذي أخذه الله عليكم،  خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ  ، وقال -جل وعلا-:  فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ  [سورة الزخرف: 44].
لاحظ هذه الكلمة:  فَاسْتَمْسِكْ  ليس فأمسك،  فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ  [سورة الزخرف: 43]، بماذا توحي لك هذه اللفظة؟ وماذا تفهم من لفظة: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ  يقول -رحمة الله علينا وعليه- في الظلال: "اثبت على ما أنت فيه، وسر في طريقك، لا تحفل بما كان منهم،  فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  [سورة الزخرف: 43]، اطمئن إنك تسير في طريق صحيح، اطمئن بما أنك تسير في طريق صحيح" [في ظلال القرآن: 5/3190]، إذا استمسك بما أوحي إليك،  فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ  يعني: سنُسأل عن أحكام هذا الدين، وعن هذا التمسك بها، سنسأل عنه، وسوف تسألون يوم القيامة. إن شريعة الله أغلى وأبقى من أن يُضحى بجزء منها مقابل متاع دنيوي.
قضية الاستمساك واقع كثير من المسلمين اليوم ينافيها خرافات عجيبة، إنهم لا يستمسكون إنهم مفلتون، إنهم يدعون، إنهم ينبذون، إنهم يتركون، إنهم يبتعدون، الذين يتنازلون عن شيء من الدين من أجل متاع دنيوي هذه الكلمة، هذه القضية فتنة، فتنة، ولذلك يقول الله عز وجل:  وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ  [سورة المائدة: 49].
قضية أن يفتنوك عن بعض كل ما أنزل الله إليك هذه مفروغ منها، واضحة، لكن بعض المسلمين يلتبس عليه ، يلتبس عليه التنازل عن شيء من شعائر الدين، وشرائعه وأحكامه، ويبرر لنفسه قضية التنازل عن بعض الأحكام من أجل بعض المصالح التي يزعم أنها مصالح وليست كذلك، إذ أن المصلحة أيها الإخوة هي التمسك بالدين، هذه هي المصلحة الوحيدة. وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ  [سورة المائدة: 49]، الذين يتنازلون عن شيء من الدين من أجل متاع دنيوي، هذا الكلام فتنة ينبغي الحذر منه، مثلاً في الواقع العملي الآن، في بعض الوظائف في بعض البلدان يقول لك: لو حلقتَ لحيتك نوظفك فوراً، حالاً الآن، ولو لبست الزي الفلاني -زي الكفار- الآن نعينك في الوظيفة، لو رضيت أن تجدول أعمال الربا وتعمل بحسابات الربا الآن نعينك مديراً في البنك الفلاني، أمام الإغراءات المادية تغرق النفوس، ويبدأ العد العكسي في التنازل، يبدأ العد العكسي في التراجع، ويبدأ هذا الرجل الذي وقع في ضائقة ما، أو يغريه المنصب الفلاني في وظيفة ما أن يبدأ في التنازل، والإفراط، والتفريط في بعض أحكام الدين لأجل حصول على متاع دنيوي، وينسى قول الله تعالى:  وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ [سورة المائدة: 49].
إن شريعة الله أغلى وأنقى من أن يضحى بجزء منها من أجل شيء من متاع الدنيا، لكن هذا على مستوى كثير من المسلمين، بل بعض من ظاهره الالتزام يفرطون في قضايا كبيرة، فتراهم في أعمالهم مثلاً، يرضون بالاجتماع بالنساء، والكلام مع السكرتيرات مثلاً، هذا واقع في كثير من بلاد المسلمين، يريد أن يعيش، يقول لك: أريد أن أعيش، أريد أن أكسب لقمة العيش.
أيها الإخوة: كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به  [رواه أحمد: 14441،والترمذي: 614، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره: 1729]. دراهم قليلة من طريق الحلال أضمن وأبرك من آلاف مؤلفة من الدنانير والدراهم التي تأتي من الطريق الحرام، المال الذي يأتيك من جراء التنازل عن بعض أحكام الدين لا بركة فيه، ممحوق، حرام، كثير من الناس لا يفهمون هذا؛ لأنهم يتعاملون بلغة الأرقام فقط، نريد من عقول المسلمين أن تتفتح شيئا ما على هذه القضية أن التمسك بأحكام الدين واجب، لا يجوز التفريط بأحكام الدين من أجل المال، لأجل الجاه والمنصب، هذه قضية خطيرة، وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ  [سورة المائدة: 49].
انظروا، سمّاها الله فتنة، وقال الله في آية أخرى:  وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ  [سورة البقرة: 217]، سماها الله فتنة،  وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ [سورة المائدة: 49]، ما قال: أن يحولوك،  أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ   سماها فتنة، انظر إلى هذه اللفظة كيف تضمنت معنى التحويل، ومعنى الفتنة في نفس الوقت،  أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ ، إما أن تُطبق شريعة الله كاملة، أو فتنة يجب أن يحذر منها.
يجب الاستمساك بالصغيرة والكبيرة من أحكام الدين، الإسلام ليس التزام بالمظاهر فقط، ولا التزام ببعض الأخلاقيات فقط، وليس التزام ببعض الشعائر التعبدية كالصلاة مثلاً فقط، انظر إلى قول الله تعالى، كثير من الآيات تحتاج منا إلى تأمل وتفكير وقراءة التفسير، هذا كتاب أُحكمت آياته، فيه تفصيل لكل شيء،  مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ  [سورة الأنعام: 49]
 لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ  [سورة البقرة: 177].
لما نزلت قضية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى جهة الكعبة تأثر بعض المسلمين بكلام اليهود، وصارت هناك بلبلة، يقول الله -عز وجل-:  لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ   
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في التفسير: "ليس بلزوم التوجه إلى جهة من المشرق إلى المغرب بر ولا طاعة، يعني: عملية التوجه نفسها، تحول من هذه الجهة إلى هذه الجهة ليس فيها بر ولا طاعة، أقصد قضية المكان، يعني هذا المكان فيه بر وطاعة، وذلك المكان نظيف، لا، وإنما يقول ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "ليس في لزوم إلى جهة من المشرق إلى المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن من أمر الله وشرعه" [تفسير ابن كثير: 1/485].
إذا صار من أمر الله وشرعه، صار التوجه طاعة، إذا ما كان من أمر الله وشرعه فليس بتوجه ولا طاعة، كما قال الله تعالى في الآية الأخرى:  لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ  [سورة الحـج: 37]، هذه الأضاحي، الله -عز وجل- غني عن اللحم، وعن هذه الأشياء التي في الأضاحي، غني عنها، لكن ماذا يريد الله تعالى من تشريع الأضحية للمسلم؟  يَنَالُهُ التَّقْوَى  [سورة الحـج: 37]، الغرض: التقوى، الغرض اختبار الطاعة، الغرض تزكية النفس، الغرض حمل النفس على التصدق، وعلى إعطاء هذا اللحم، وتوزيعه، الغرض منه الذبح لله تعالى، الغرض منه إنهار الدم طاعة لله -عز وجل-، هذه الأغراض هي التي تدل على التقوى، وتبعث التقوى، القضية ليست بالمظاهر فقط، مظاهر ومخابر، ظواهر وبواطن، الإسلام عام، الذين يفرقون بين هذه الأشياء يقول لك: ظاهر أو باطن فقط، ظاهر فقط أو باطن فقط، أناس ما فطنوا شريعة الله، يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، أن تصلوا فقط ولا تعملوا الأعمال الخيرية ، البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله.
 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ  [سورة الحجرات: 15]، إذن الإسلام صلاة، وزكاة، وصيام، وجهاد، وطاعات، وأعمال بر، وصدقات، ودعوة، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وتمسُّك بالسنن، واحترام الظاهر في الإسلام، والباطن، وتنقية النفس من الشوائب، الإخلاص، أشياء كثيرة جداً هذا هو الإسلام الحقيقي، هذا الإسلام الصحيح، ليس هو الدين المحرف والمشوه الذي بث عبر قنوات كثيرة حتى يصل إلى أدمغة تشبعت وتعفنت بهذه الصورة المشوهة فخرجت نماذج تصد عن سبيل الله، وتبغيها عوجا.
 إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  انظر لهذا المنافق، ويقولون:  وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا  [سورة النساء: 150- 151].
يريدون أن يفرقون بين الله ورسوله، يقولون:  نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  هذه نريدها، هذه نقبل بها، هذه نحن مستعدون لتطبيقها، وهذه لا، هذه لسنا على استعداد للتطبيق، ولا نريد، يفرقون، يأخذون من الإسلام ما تهواه أنفسهم، يأخذون من الإسلام الأشياء السهلة اليسيرة التي ليس فيها مجاهدة نفس، هذه التي اليوم شاطرين فيها، والكلام عن ذلك، هكذا صار الالتزام بالإسلام الآن للأسف.
هناك قصة في مسند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، وفيها شاهد على ما نقوله نحن الآن.
هذا الحديث عن بشير بن الخصاصية قال: "أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبايعه فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله وأن أقيم الصلاة، وأن أوتي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام ، وأن أصوم رمضان وأن أجاهد في سبيل الله، شروط البيعة هذه، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتين فو الله ما أطيقهما، الجهاد والصدقة، يقول: أنا أشياء ما أوافق عليها، لكن هناك ثنتين من الذي ذكرتها أنا ما أستطيع الجهاد والصدقة ما أستطيع أن أجود بنفسي ومالي، وأبذل نفسي ومالي ما أستطيع.
بايعني على هذه الباقي على الأشياء السالفة، واترك لي هذه القضيتين فقط، ما أستطيع أن أعملها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة؟ [رواه أحمد: 21952، وقال محققه الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين]، كيف تدخل الجنة لا جهاد ولا صدقة، قلت: "يا رسول الله، أبايعك عليهن كلهن، أبايعك عليهن كلهن" هذا الحديث الذي ذكرته في إسناده مجهول، ولكن فيه عِبرة، يعني: فيه شاهد عندما نقوله نحن الآن، أو متنه صحيح، هذا المتن فيه مبدأ صحيح، ما يمكن أن يبايع الإنسان ربه على أشياء في الإسلام ويقول: يا رب لا أبايعك على الباقي، أنا مستعد أصلي لك وأصوم لك وأحج وأزكي، ولكن ما عندي استعداد أني أجاهد في سبيل الله، ولا عندي استعداد أن أبذل من وقتي في سبيل الله، ولا عندي استعداد آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأُجابه الأذى وأصبر على ما ألقى من الناس!، وما عندي استعداد ألحق كل سنّة وأطبقها!، هذا حال المسلمين اليوم.
لا بد أن يكون التزامنا بالإسلام التزاماً كاملاً، التزام تصورات، التزام عبادات، التزام أعمال الخير كلها، الإيمان شعب كثيرة، هذه التشعبات في الإيمان ما ذُكرت هكذا؛ لكي نأخذ الشعب الفلانية، ونترك الشعب الفلانية،  أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ  [سورة البقرة: 85].
يجب أن يكون التزامنا بالإسلام التزام تصورات، التزام عبادات التزام أخلاقيات، التزام أعمال البر، التزام شُعب الإيمان، التزام الصلاة من أعمال الخير.
ولذلك تجد كثيراً من المسلمين اليوم ما يلتزمون، هناك نقص، عدم جدية في تكوين التصورات والالتزام بها، كيف تتكون التصورات؟ كل واحد يكون تصوراته، ما هي الطريقة؟ كيف يكون الإنسان تصوراته، كيف؟
بالعلم الشرعي يكون الإنسان تصوراته عن الدين، انظروا في حالنا الآن كيف؟، ما هي مقدار الجدية في حرصنا على طلب العلم الذي نكون به تصورات صحيحة عن الإسلام؟، ما مدى الجدية في هذا الأمر؟ ما مدى الجدية في الحرص على طلب العلم؟ أنا ما أقصد الدقائق الفقهية وحفظ الأسانيد لا، العلم، العلم بكتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- إجمالاً، ما مدى الحرص على أن يعد من هذا المنهج الصافي؟، ما مدى الجدية في هذه القضية؟، كثير من الأشياء التي في آذاننا عبارة عن مسموعات، مسموعات وأشياء ترسخت منذ الصغر، وألف وعادة، وأشياء شاهدنا عليها آبائنا، أليس كذلك؟.
وبعض الناس من يزيد عن هذا المقدار، يسمع بعض الأشرطة، وقراءة بعض الكتيبات، فقط، هذا هو المقدار العلمي الموجود عند بعض المسلمين اليوم، حتى المخلصين منهم، أشياء ترسبّت في الذهن منذ الصغر، ودرسناه في بعض المناهج الدراسية في المدارس، أشياء وجدنا عليها آبائنا، إلف وعادة، وطبائع، تقاليد موجودة، وبعض المسموعات أطراف من الكلام، وإن زدنا بعض الأشرطة وبعض الكتيبات هذه القضية.
هل يصلح هذا؟، أسألكم بالله العظيم هل هذه جدية في طلب العلم الذي يؤدي إلى تكوين التصورات التي تبنى عليها الأعمال، والعبادات والمواقف في الحاجات؟، هل هذه جدية؟، أين الجدية في طلب العلم؟ أين الجدية في الإقبال على الكتاب والسنة، وفتح كتب السلف، وحضور حلقات العلم، وتكوين مجالس الذكر وحلقات العلم، ودعوة الناس إليها، أين الجدية في هذا الأمر؟
إنها مسؤولية على ظهر وعاتق كل واحد منا، أن يتعلم، يقبل على العلم، هناك نوع من التساهل والتفريط الكبير في هذه القضية، ليس هناك دافع وليس هناك حافز للقراءة وطلب العلم، والسؤال وملازمة الأخيار والتعلم منها، والاقتداء بهم، ما في ، ضعفت الهمم والفتور، والانشغال دائماً بمتاع الحياة الدنيا، ونحن مطالبون، فرض عين، ما هو قضية لو قام بها البعض سقط عن الباقي، فرض على كل واحد أن يتعلم من الكتاب والسنة ما يقيم به عباداته وتصوراته، قضية مسؤولية.
أيضاً الاستمساك بالدين كيف يحدث، ما أعطيك محاضرة في هذه الإجابة عن هذا السؤال، أعطيك آية بل جزء من آية، جزء من آية أجيب على الطريقة التي تجعلك جدي في الأخذ بهذا الدين، ومستمسك، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ  [سورة البقرة: 256].
الالتزام البارد والاسلام المسالم:
00:36:53
 دعونا ننتقل إلى جانب آخر من الجوانب التي يظهر فيها عدم الجدية في الالتزام بالإسلام.
كثير من المسلمين اليوم يريد أن يعيش إسلاماً بارداً، إسلاماً في درجة الصفر، تحت الصفر أو في درجة التجمد، يعني: لا يريد إسلاماً يحرّك ويدفع للعمل، يريد إسلاماً هيناً سهلاً خفيفاً، ظريفاً، يعني: على الماشي، يريد إسلاماً سهلاً، يقول لك: ما أبغى تعقيدات، ولا الدخول في متاهات، ولا أريد أن أدخل نفسي في المشاكل، هل هذا الإسلام هو الذي جاء؟ هل هذا النوع من الإسلام -إن صحت التسمية ولم تصح مطلقاً- هو الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، هل هذا هو الدين؟ هل هذه هي الطريقة؟ هل هذه هي البرودة التي كانت، هي السمة لتمسك الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة بالدين؟
يريدون التزاماً بارداً، التزاماً بجزئيات، التزاماً بأشياء لا تكلف النفس، هو يمشي معك، مستعد أن يسير معك خطوات، لكن إذا وصل إلى مرحلة معينة في الطريق ووجد أن الوضع يتطلب منه بذلاً وتضحية قال لك: هنا أنا أقف، أنا حدي لهنا، أنا ما أكمل بعد، ليه؟ قال لك: يا أخي طاقتي، طاقتي، طيب ، هاتوا واحداً من الصحابة قال بهذا الكلام أو عمل به، كانوا حريصين على تبليغ الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لو ما عرفوا إلا جملاً بسيطة من الإسلام، إسلام بدون حركة، إسلام بدون تضحية، إسلام بدون بذل الجهد، إسلام بدون بذل الأموال، إسلام بدون بذل الوقت، ما يسمى إسلام، ما يسمى هذا تمسك بالدين، هذا تفريط، تساهل، تسيب، هذا ينافي الجدية، هؤلاء الناس الذين يقولون بهذه المقولة أو ينتهجونها منهجا اتخذوا دين الله لهواً ولعباً، إذا كان هؤلاء هم ليسوا الذين اتخذوا دين الله لهواً ولعباً، إذاً فمن الذي اتخذ دينه لهواً ولعباً؟
اتخذوا دينه لهواً ولعباً، الأشياء السهلة نأخذ، أنا مستعد أخذ الصلاة ما تكلفني أي شيء، والصيام ريجيم، الصوم صحة، الحج أيضاً رحلة سياحية، والباقي صعب، والله صعب، كيف تريدني أتمسك وأعاكس التيار، وفيها إيذاء ، وفيها مشاكل وفيها تضحيات وتريدني أن أنفق من  أموالي، أنا وقتي للعمل، أنا وقتي لبيتي، أنا ما عندي استعداد أعطي وقتاً في سبيل الله، ما عندي استعداد أذهب وأدعو الناس، ما عندي استعداد أقرأ وأطلب العلم معك وألتزم بهذا، ماذا تريد؟ ماذا تريد، ما هو نوع الدين الذي تريد أن تتمسك به؟
هذه المسألة أيها الإخوة من مسائل المؤمن الحقيقية، أنك تجد كثيراً من المسلمين اليوم ظاهرهم الالتزام، هذا هو منهجهم، وهذه هي طريقة تفكيرهم بأخذ الدين، أبعد ما يكون عن الجدية.
تعال مثلاً إلى قضايا الأخلاق، تجده يصلي ويصوم ويزكي ، بل قد تكون معاملته للناس في الظاهر حسنة، أو لفئة معينة من الناس حسنة، لكنه حرباً على إخوانه الآخرين، يوالي بعض المسلمين ويعادي البقية، قد يوالي ويحسن إلى من يصاحبهم، لكنه إذا رجع في البيت انقلب حرباً وأفعى على زوجته وأولاده، يسيئ معاملتهم ويضربهم، وينكل بهم، هذه قضية الأخلاقيات، ما في جدية للتمسك بالأخلاق.
بعضها ما تمسك بها أبداً، وبعضهم يتمسك بها على نطاق أصدقاء، وأصحاب الجلسة، إذا رجع إلى بيته، إذا خالط ناساً آخرين وهو في العمل أخلاق سيئة جداً، كذب وغيبة ونميمة وبهتان وضرب وشتم ولعن، أين الجدية بالتمسك بالأخلاق؟ أين الجدية بالتمسك بالأخلاق، هل هذا إلا تسيب وابتعاد عن منهج الله تعالى، وعن منهج أهل السنة والجماعة في الأخلاق.
تعال إلى قضية، وسأتكلم عن بعض جوانب الأخلاق بعد قليل، تعال إلى قضية الفردية، والأنانية التي تمثل جانباً واضحاً في عدم الجدية والالتزام بأحكام الإسلام في واقع بعض الأفراد اليوم، يقول لك: أنا أريد أعيش لوحدي، لا أريد أن ألزم نفسي مع إخوان صالحين، دعني لوحدي، أنا مستعد أني أتعلم لوحدي، وأفضل لوحدي، ألم يقل الله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا  [البقرة: 104]، هل قال مرة واحدة: يا أيها المؤمن، أو يا أيها المسلم؟
ما كانت الخطابات كلها في الشريعة، التشريعات الأخلاقيات والعبادات والتصورات مصدرة لهذا المقطع، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا  إذن، لماذا أنت تحكم على نفسك بالانزواء في زاوية من زوايا النسيان والفردية البغيضة والأنانية وترفض أن تشارك إخوانك في الله همومهم وآلامهم وجهودهم وتدلي بدلوك في خدمة الإسلام والمسلمين لماذا؟
ستجد أنه يريد أن يعيش لوحده، ثم يتزوج وينعزل في بيته، ويدفن نفسه ويموت، يموت فعلاً، الذي لا يعيش في جو صالح ينمي فيه الإيمان ويزيد فيه العلم والتقوى، هذا يحكم على نفسه بالانتحار، هذا يعيش بين بيته ووظيفته فقط، هذا هو حظه من الحياة، الذي يعيش لنفسه صغيراً ويموت صغيراً، والذي يعيش لغيره يعيش كبيراً ويموت كبيراً.
تعال معي إلى جانب آخر من الجوانب، قضية المظهر، كثير من المسلمين ما عندهم الجدية في الالتزام أحكام الإسلام في المظهر ، مظهره مثل مظهر الكافر، يعني: إذا رأيت مسلماً وكافراً ما تفرق بينهم، ما تفرق، يعني: مع عدم المؤاخذة مع احترامي لكم جميعاً، يعني مثلاً: احترام سنن الفطرة، سنن الفطرة، الفطرة اللحية، اللحية، وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة، وتقليم الأظفار وغسل البراجم، والنظافة والغسل، والاستنشاق، هذه قضايا التي تخدم المظهر، وتجعل مظهر الإنسان المسلم نظيفاً متميزاً عن بقية بني البشر، هذه المسألة انظر إليها اليوم.
عنوان القضية ما تفرق بين المسلم والكافر انعدم التمييز، هذه أيها الإخوة مسالة التمييز مهمة جداً، قضية التميز بالعقيدة، والمظهر والأخلاق، والعلم، تميز، يجب أن يتميز الخبيث من الطيب، وليس أن يختلط بعضه ببعض، الآن انظر إلى بعض أشكال المسلمين ما تفرق بينه وبين الكافر أبداً حتى ينطق وتعرف بأنه مسلم من كلامه، لكن مظهره العام يعني: الشكل الخارجي ما يدل، أليس هذا من التفريط بالالتزام بأحكام الإسلام؟ أين الجدية في تحويل المظهر إلى مظهر إسلامي؟
تعال معي إلى جانب آخر، خذ مثلاً قضايا السنن بعض الناس يقول لك: أنا ألتزم بالفرائض فقط، الأشياء المفروضة علي ألتزم بها، أما تقول لي: أن أطبق السنن، وأسوي أشياء مستحبة ما عندي استعداد، أنا حدي فقط عند الفرائض، أطلب الفرائض وانتهينا، انتهينا خلاص هل هذه جدية في أخذ الدين؟، هل هذا تطبيق لقوله تعالى:  خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ  [سورة الأعراف: 171]، هل هذا التطبيق بقوله:  فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ  [سورة الزخرف: 43].
هل هذا التطبيق بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ  [سورة الأعراف: 170]، يمسكون بالصغيرة والكبيرة؟ لا طبعاً.
وبعضهم يفرط تفريط يعرف السنة، لكن يفرط، يقول لك: هذه السنن في الصلوات وتحريك الأصبع وكذلك تسوية الصفوف، والسواك والأشياء هذه والثوب هذه قضايا من السنن ما عندي استعداد أنني ألتزم بها ولا عندي استعداد أن أتخذها منهجاً، ولا عندي استعداد أن أتعب عقلي في البحث عنها، وجهدي وهذا يكفيني مشاكل أخرى، ما أريد السنن هذه ما أطبق، ولا أريد هذه أشياء جانبيه وتافهة.
يا أخي لو كانت تافهة، لماذا يتعب الرسول -صلى الله عليه وسلم- نفسه لبيانها للمسلمين؟ ولماذا تنقل الأحاديث ويحرص الصحابة على نقلها للتابعين والتابعين على نقلها لتابع التابعين، ويحرص الإمام البخاري ومسلم وغيرهما على تدوينها في كتب الحديث ليه؟ حتى نأتي نحن في الأخير بهذا القرن ونقول: والله قضايا السنن هذه مسألة تافهة، وجانبية ولا ينبغي أن نشغل أنفسنا بها، ولا أن ندعوا الناس إليها، وخلينا في المهم، كيف؟ هل نمكن أن نقول هذه الأشياء غير مهمة؟ أنا أخشى أن يكون هذا الكلام يؤدي في النهاية إلى الكفر، لأن فيه عدم اعتراف، فيه جحود، فيه جحد، جحد لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فيه عصيان لمن قال:  عليكم بسنتي  فيه عصيان لمن قال:  صلوا كما رأيتموني أصلي  [رواه البخاري: 631].
فيه عصيان لقول الله تعالى:  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  [سورة الأحزاب: 21].
هذه الأسوة الحسنة فقط للفرائض والأشياء المهمة، وبقية السنن على جنب، وغير مهمة وما نطبق!.
نحن لا ننكر الأولويات، ونقول: أن في الدعوة إلى الله عز وجل الموعظة، الأسوة ، الموعظة الحسنة تقتضي التجرد مع الناس وبذل معهم بالفرائض، والنوافل مهمة والسنن، لكن يجب أن يكون في منهجنا من تصوراتنا الإيمان بهذه السنن، والدعوة إليها عاجلا أم آجلاً يجب أن يأتي الوقت الذي ندعوا إليها، لو سكت الآن عن شخص لأن حاله لا تسمح بأن تجعله يلتزم بالسنة لا بد أن تضع في ذهنك بأنه سيأتي الوقت إن شاء الله الذي تكلمه عن هذه القضية وتدعوه إليها لابد.
أما أن نحذفها ونلغيها من التصورات، هذا خلاف الكتاب والسنة، ومشاقة لله ورسوله.
عدم الجدية نهائياً في تطبيق أحكام الإسلام:
00:50:19
 تعال معي إلى جانب آخر، قضية الجوانب الاجتماعية تحس بتصرف كثير من المسلمين عدم الجدية نهائياً في تطبيق أحكام الإسلام في الجوانب الاجتماعية، مثلاً: انظر إلى المناسبات التي يحضرها، والزواجات التي يدعى إليها ويجيب، والملابس مثلاً، ماذا يحدث في هذه المناسبات والزيجات؟، بعضها تحدث فيها أشياء منكرة، من الأغاني والموسيقى ومصافحة الرجال، والنساء ، والاختلاط، والتعري، والتكشف، أشياء يعني: منكرات حرام ما يجوز، ومع ذلك تجد من المسلمين من يحضر المناسبات هذه والأعراس ويشارك إما عملياً، أو وجدانياً، أو يسكت عن هذه القضايا، ويتفرج، ويقف موقف المتفرج.
أين الجدية في تطبيق أحكام الإسلام في هذه القضايا الاجتماعية، أين؟ الزوج مثلا مع زوجته، كثير من الأزواج لا يلتفتون إلى ملابس زوجته، كيف طلعت تطلع، طيب، جزء من بدنها مكشوف، قد تخرج متعطرة، قد يكون حجاب الوجه خفيفاً شفافاً، وهذه أدوات الزينة والتجميل ، معلنة بها سافرة، ما يمكن ولا يلقي أدنى بال، ما عليه، كأنه هذا ما هو مسؤول عنها، الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول:  إن الله سائل كل رع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيع  [رواه النسائي في الكبرى:9129، وصححه الألباني في السلسلة:1636].
 وبعضهم  يقول: أنا ما علي من زوجتي وأولادي يخرجون كيفما يخرجون أنا علي من نفسي.
كيف يا أخ كيف؟، كيف ترضى لنفسك يعني أن تسلك هذا السلوك، وتسير في هذا الطريق، وتقتنع في هذه القناعة التافهة، والخدعة الإبليسية تنطوي عليك كيف؟ كيف يكون هذا؟ ما نفهم نريد أحياناً أن نفهم أن هؤلاء الناس مسلمين أم لا، ما نستطيع أن نفهم، لأن فيه تناقض، نعيش في عالم التناقضات، تمر في حياة الناس هؤلاء وتتحول إلى قضايا اخرى مثلاً.
التضحية بالمال، بعض الناس مستعد يضحي بأشياء، وإذا وصل إلى قضية التضحية بالمال، قضية التضحية بالمال يقف ما عنده استعداد أن يضحي بالمال، يبخل بما أتاه الله تعالى، وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا  [سورة الإسراء: 100]،  مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ [سورة محمد: 38] يبخل على نفسه، يفرحون بما بخلوا به، هذا الانكماش والانقضاض والتراجع عند الحاجة للتبرع بالمال يعبر عن التساهل في قضية الالتزام بأحكام الإسلام في الدعم المالي للمسلمين، في شتى قطاعاتهم وأمورهم.
قضية التضحية بالوقت أشرنا إليه، يتطلب منك الواقع الحالي للمسلمين أن تبذل من وقتك جهداً كبيراً في تعليم نفسك وتثقيفها، وتربيتها، ومخالطة الأخيار والدخول في أوساط الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يأخذ وقتاً، لا شك انه يأخذ وقتاً، بعض الناس ما عنده استعداد أن يبذل من هذا الوقت، أبداً، قضية منتهية ما دام يرى أن نفسه صحيح يقول: ما علي من الباقين، انتهينا، ما يجد وقتاً.
قضية الوقت نفسها، قضية الوقت، من مظاهر عدم الجدية في الالتزام بأحكام الإسلام في واقع بعض المسلمين اليوم وخصوصاً الشباب منهم، أن أوقاتهم تطير وتذهب هباءً منثوراً، تذهب سدىً، إذا جلست تحاسب لواحد، وتتذكر معه ماذا فعل في الأوقات الماضية، وكيف مر اليوم وكيف مر البارحة؟، وكيف مر الذي قبل؟، وكيف مر؟ تجد أن الأيام والساعات تنقضي، لا استفادة ولا حرص على تعلم شيء، إنما مجرد هدوء بال وطمأنينة، ونوم، وانشغال بجميع أنواع الترحيب والتسالي التي يزعمون أنها بريئة.
وقال الشافعي -رحمه الله-: "صحبت الصوفية  فلم أنتفع منهم إلا بكلمتين؛ الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية"[مدارج السالكين لابن القيم: 3/124].
الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، الوقت هو الحياة، لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع  [رواه الطبراني في الكبير: 111، والبيهقي في الشعب: 1648، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 7300].
إذن، هذه الأوقات تذهب منا سدىً، وتضيع بشتى أنواع الإضاعة، نوم وتفريط، وتسالي، وجلوس في البيت واسترخاء، وبعضهم يضيعها بأنواع القنوات التافهة، والألعاب، ويهبون بعضهم في رحلات، يعني: يذهب بالأيام ما فيها شيء من ذكر الله -عز وجل-، ولا شيء، يذهب طعوس في البر ، هذه يا إخواني قضية خطيرة، يعني: وقتك يذهب ماذا أعددت للغد؟، ماذا أعددت ليوم القيام؟، بماذا ستستقبل الله تعالى؟، بأي وجه تلقى الله ؟، لا بد أن تستغل كل الدقائق في أعمال الطاعات، والإنسان المسلم كما عبّر بعض الخبراء لا يملك نفسه ووقته، بل هو وقف لله تعالى، وقف لله تعالى، وقف، وقف نفسه وماله لله تعالى.
تعالوا إلى قضايا فروض الكفاية مثلاً، تجد بعض الناس يقول: فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، تجد صلاة الكسوف والخسوف مثلاً في الفضائل هذه تجد ما في اهتمام ، ليس هناك جدية بأن يقولوا: هناك من  المسلمين كثير يصلون في المساجد، لا داعي نحن نصلي، هناك من يسد عنا، مع اعترافنا بأن لم تأثم في تركك لهذه القضية، لكن إذا صار هذا مظهر عندك، منهج، أن فروض الكفاية هذه مانع نفسك منها، هذا يدل على خطورة، على شيء خطير في النفس أنك زاهد في الأجر، زاهد في هذه الصلوات في الكسوف والعيد ، على من قال: بأنها فرض كفاية، وتاركها للناس الآخرين، يعني: أنك ما شاء الله عندك أشياء أخرى وتارك الصلاة هذه لمجموعة من الناس هم الذين يؤدونها، فروض الكفاية.
الحذر من آفات اللسان:
00:58:36
 تعالوا إلى قضايا أخرى مثلاً، هذه آفات اللسان، هل نحن جادون فعلاً في الأخذ بأحكام الإسلام في اللسان؟
إذا نظرتَ في واقع كثير من المسلمين تجد مثلاً، يعني: نذكر مثالاً من الأمثلة: قضية الكذب، الكذب التي هي شائعة يعني: ليس في أوساط عموم الناس وعامتهم وغوغائهم أنما تفرعت وللأسف إلى بعض أوساط الملتزمين بالإسلام.
الكذب، الكذب نعم الكذب، كيف؟ الغيبة النميمة، ولذلك جاء في الحديث الصحيح الموقوف عن عبد الله وسعد -رضي الله عنهما-: "المؤمن يتبع على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب"
الآن تجد بعض المسلمين -مع الأسف- يكذبون، يكذبون، إما أن يختلق قصصاً وأشياءً ما حصلت ويأتي بها على أنها حصلت، أو يتهم غيره زوراً وبهتاناً بأشياء بريء منها.
هذه القضايا قضية الغيبة والإفك والبهتان التي ذكرها الله في كتابه من الآفات التي تسربت للأسف إلى أوساط بعض الملتزمين، طبعاً لما نقول كلمة ملتزمين يعني: مجازاً، ما هو ملتزم حقيقة، يعني: إذا رأيت واحداً من الملتحين ومقصر الثوب، وجزاك الله خيراً لكنه يكذب، ما تسميه ملتزماً، بل ربما يكون هذا أسوأ من بعض من لا يلتزم ببعض الأحكام الظاهرية الإسلامية، كذاب يا أخي كذاب، تجد بهتاناً وكذباً وغيبة ونميمة، وافتراءات على إخوانه المسلمين الآخرين، وكذباً وافتراءات على جماعات وأفراد أهل السنة والجماعة، وعلى إخوانهم من المسلمين الآخرين، يكذب عليهم يفتري عليهم، يرميهم بأفظع التهم وأسوأ الألفاظ، وأنواع السباب والشتام، ويقول: فلان فيه وفيه، يا أخي الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، والإفك: أن تقول فيه ما بلغك عنه، من الناس الآخرين، والبهتان: أن تقول فيه ما ليس فيه، هذه الأشياء بعض المسلمين أو الإسلاميين تقع منهم، ويقع منهم إفك، وكذب وغيبة وبهتتان، هذه الغيبة المحرمة وهذا الإفك اجتمع فيه الغيبة والنميمة وسوء الظن، الإفك الذي هو: أن تقول فيه ما بلغك عنه، هذا اجتمع فيه بالإفك، الغيبة والنميمة وسوء الظن، أما البهتان فقد اجتمع فيه الغيبة والكذب، أشنع الأنواع.
وبعض الناس يقول: أنا أكذب لمصلحة الدعوة إلى الله، لمصلحة...، كلام فاضي، كلام فاضي يا جماعة، كلام فاضي، ما في شيء اسمه لمصلحة الإسلام، أين المصلحة؟، الكذب ولو لأحد، يعني محدد في أشياء، الكذب في الحرب على أعداء الإسلام، كذب رجل على زوجته، الكذب للإصلاح بين الناس، من أجل منع وقوع شقاق بين رجل والزوجة، التناغم بالكذب، بين الناس أن تقول وقع عليك الكلام هذا تريد أن تصلح بينهما، هذا الكلام، لكنه يقول: انا أكذب لمصلحة، أين المصلحة؟
فتجد قضايا الكذب والكلام على الآخرين، والتجريح، والطعن والبهتان للإخوان المسلمين الآخرين، والأفراد والجماعات التي هي من أهل السنة والجماعة، ما صاروا أهل بدع وفجور وزندقة، ما صاروا، فقدت الجدية فيمن يلوك لسانه هذه القضايا، قضايا، هذا الرجل الذي يكذب خصوصاً إذا كان يقتدى، أو من حوله من الناس يعرفون أنه يكذب وأنه يقول خلاف الحق، خاصة، هذا الرجل بحد ذاته قدوة سيئة جداً لمن حوله، وسيتعلم الصغير من الكبير، سيتعلم الصغير من الكبير، سيتعلم التابع من المتبوع، سيتعلم المقتدي ممن يقتدي منه، سيتعلم، سيتعلم بالقدوة، لو لم يتعلم بالكلام والأمر المباح.
يجب أن يكون من صفات الجدية الالتزام، أن يكون التزامنا لله تعالى فقط، أن يكون التزامنا من أجل الله وفي سبيل الله، وفي ذات الله فقط، وليس التزامنا من أجل إرضاء شخص أو جماعة أو هيئة كلا  وألف كلا، الالتزام من أجل إرضاء شخص أو جماعة أو هيئة هذا ما هو بالالتزام الصحيح، هذا انحراف في الالتزام عن هدفه الأصلي، وتغيراً التي يجب أن تكون لله تعالى، ولذلك تجد معظم الأخطاء التي تحدث لبعض من يسمون بالملتزمين من جراء أنه التزم تقليداً، أو سيراً عميانياً، أو من أجل إرضاء فلان وفلان من الناس، لذلك يقع منه، الكذب، ويقع؛ لأنه يرى أن من مصلحة فلان ومصلحة المجموعة هذه من مصلحتها أن يكذب، لو كان التزامه من أجل الله وفي سبيل الله وفي ذات الله ما كذب، لكن لأنه فقط متأثر بشخص معين، ولذلك تجده يستحل الكذب من أجله وأجله، لو كان ملتزماً من أجل الله تعالى ما استحل الكذب، على سبيل المثال الكذب، وإلا هناك أشياء أخرى غيره، يجب أن تكون العلاقة مع الله عز وجل مباشرة، لو كان الالتزام في ذات الله، سنتحلل من صفات كثيرة، ونطِّهر أنفسنا من أوصاف ذميمة، ملتصقة بنا.
شعور المسلم الملتزم بأحكام الإسلام بالحرج:
01:06:30
 ومن الأشكال عدم الجدية في أخذ الدين مثلا: شعور المسلم الملتزم بأحكام الدين بالحرج، وهو يعرف نفسه، أو يشعر بالحرج والأنظار مصوبة إليه، يعني: أمام الآخرين من غير الملتزمين تجده يشعر كأنه مسوي شيء خطأ، كأنه مذنب، فإذا حاول أن يتوارى من القوم، يتوارى من القوم يعني: من سوء ما ينظرون إليه، ما فيه عزة، ما في عزة في إظهار الدين، تجده ينطوي على نفسه ويهرب، ما عنده جرأة أن يصارح الناس بالإسلام، ولا بأحكام الدين، ولا عنده جرأة أن يعلنها صريحة مدوية على مسامع الناس، وعلى مجتمعاته، ما هو المانع أن يقوم الواحد منا ويقول : يا جماعة حكم الله في المسألة الفلانية كذا، الدليل كذا من الكتاب والسنة، قال العلماء كذا.
لماذا نتوارى ونستخدم كأنه الواحد يعيش في العهد المكي؟، الأوضاع ليست سيئة للدرجة التي يجب عليك أن تستخفي بإسلامك، لماذا تستخفي بإسلامك؟ لماذا لا تعلن إسلامك؟، لماذا لا يكون عندك استعداد،الصبر على المحنة وعلى الأذى في سبيل الله؟ لماذا نريد إسلاماً بغير التبعات وإسلاماً بغير التضحيات، وإسلاماً بدون أذى وكلام الناس؟، يعني بعض النفسيات تريد إسلاماً غير منتقد، ما عنده استعداد يتعرض للانتقادات، فإذا وجهت إليه سهام الانتقاد أطرق برأسه خجلاً من حاله، وتوارى من القوم وذهب.
لماذا يا أخي؟، لماذا يا إخواني التزامنا، أحكام الله عز وجل تصبح مسالة يخجل منها، ويتوارى من إظهارها، أحكام الدين تصبح يعني: مسألة مخزية؟ ، أعلن شخصيتك يا أخي، أعلن شخصيتك الإسلامية أمام الناس، إن في إعلانك:  فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ  [سورة الحجر: 94]، أعلن شخصيتك أمام الناس، صدقني سيحترمونك أكثر مما تتوقع.
إذا أنت الآن شعرت بالاستياء والذلة تأكد أن الناس سيزدادون لك احتقاراً، لكن عندما تصدع بالحق وتجابه الناس سيحترمونك، وستفرض نفسك عليهم، وستقدم لهم نموذجاً ممتازاً وقدوة .
أيها الإخوة: الكلام عام للرجال والنساء ، حتى بالنسبة للمرأة تتحجب حتى لو قال عنها أقرباؤها ما قالوا، ما تصافح أقربائها من الرجال غير المحارم، حتى لو قالوا لها ما قالوا، يجب الصمود، يجب أن نكون جديين في إظهار الدين، في إظهار شعائر الدين وشرائع الدين.
أيضاً من قضايا عدم الجدية والأخذ بالدين أن بعض المسلمين لا يتأثرون ولا يحيون ولا يعيشون مع واقع إخوانه المسلمين في جهات أخرى من العالم، فهو لا يشعر بأي صلة تربط بينه وبينهم، هو يعيش منطوٍ على نفسه في واقعه، ولا يريد أن يوجع رأسه ويشغل فكره بمشاكل إخوانه المسلمين في العالم، أهل السنة والجماعة يد واحدة، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
أين الوقوف مع إخواننا من أهل السنة والجماعة  على الإسلام لو حتى بالدعاء لهم في ظهر الغيب، وحتى بالدعاء، فقط بالدعاء، أن تشغل نفسك على قلب المشاركة الأخوية، أن تشعر نفسك بأن تعايش ظروفهم، وتشاركهم همومهم وآلامهم.
كذلك قضايا تتعلق أحياناً بعدم تطهير النفس مثل العُجب، الغرور، تزكية النفس، فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى  [سورة النجم: 32]، فتجد واحداً يمدح نفسه في المجالس العامة، ويكيل لنفسه المديح والثناء، ويعظم ويفخم في نفسه، وبأفعاله، هذا من الجدية بالالتزام بأحكام الإسلام التي تنص على تحريم الرياء، والمفاخرة وتزكية النفس وتحريم العجب والغرور.
إذن، القضية بصفة عامة، وبشكل عام: أن دين الله -عز وجل- متين، دين متين، يحتاج منا إلى قوة، يحتاج إلى صرامة، يحتاج إلى جدية نفتقدها في كثير من الأحيان، هذه الشخصية المهلهلة المشوهة، هي شخصية لا يريدها الله -عز وجل- ولا يرضى عنها، إن الله يريد منا أن نكون شخصيات مسلمة ملتزمة جادة بالتمسك بشعائر الإسلام، يريد الله منا أن نكون أناساً ملتزمين بأحكام الإسلام ظاهراً وباطناً، يريد الله منا أفراداً وجماعات عاملين للإسلام، مجاهدين في سبيل الله بالنفس، والمال، والوقت والجهد والسهر والتعب والنصر ، يريد الله منا أن نكون من الصابرين على ، الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس.
يريد الله منا أن يكون ظاهرنا كباطننا، يريد الله منا أن كون إخوة متحابين، متخلقين بأخلاق الإسلام، يريد الله منا أن نتعلم الجدية في تعلم الإسلام، يريد الله منا أن نكون تصورات سليمة قائمة على أساس صحيح من العلم الشرعي، من علم الكتاب والسنة، يريد الله منا أن نكون أناساً متأثرين بواقعنا، نعيش واقعنا ونشارك إخواننا في أنحاء العالم الإسلام الهموم والآلام، يريد الله منا أن نكون يداً واحدة على الباطل، يريد الله منا أن نجتمع ونكون شوكة في حلوق الأعداء،  وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ  [سورة آل عمران: 103].
يريد الله منا أن نستمسك بهذا الشرع ، ويريد الله منا أن نكون متيقظين حذرين ممن يريدون أن يفتنونا عن بعض ما أنزل الله إلينا، هذه كلمات أيها الإخوة: أسأل الله عز وجل أن تكون نافعة لنا، كلنا فينا عيوب  وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ  [سورة يوسف: 53].
لكن قليلاً من الحياء من الله -عز وجل- والجدية، والقوة في أخذ الدين.
أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، وحبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، وصلى الله على نبينا محمد.