الثلاثاء 3 ذو الحجة 1439 هـ :: 14 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

الشخصية الإسلامية بين الغلو والاعتدال - المحاضرة الأولى


عناصر المادة
مقدمة عن الموضوع:
يُسر الشريعة الاسلامية وموافقتها للطبيعة البشرية:
الرفق في التمسك بالدين وأخذه شيئاً فشيئاً:
صور من التشدد والغلو في الدين:
غلو أهل الكلام والفلسفة في العقيدة:
تضخيم الأمور الجانبية على حساب الأمور الأساسية:
صور من الغلو في جانب العبادات:
الغلو في العبادات المؤدي إلى الوسواس:
صور من الغلو في جانب المعاملات:
ضرورة الرفق بأهل المعاصي تأليفاً وترغيباً لهم:
من صور الغلو: الانشغال بدعوة البعيدين وترك الأقربين:
الغلو في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
المغالاة في بعض الأخلاق يؤدي إلى أضدادها:
الغلو في الشخصيات:
خطورة اتباع المتشابهات وترك المحكمات:
التمسك بالسنة النبوية ليس غلواً ولا تطرفاً:
من الغلو إلزام الناس ببعض السنن التي يسوغ فيها الخلاف:
أسباب مظاهر التشدد والغلو في الدين:
التطرف والغلو قصير العمر:
ضرر الغلو والتشديد ليس مقتصراً على صاحبه:
التطرف في معالجة مشكلة التطرف:
الأسئلة:
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشد أن محمداً عبده ورسوله.
إخواني في الله نسأل الله -عز وجل- أن يتقبل منا ومنكم ذلك الصيام والقيام، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعيد علينا الشهر الكريم ونحن في أتم نعمة من الله تعالى أمنا وإيماناً.
كما نسأل الله -عز وجل- أن يعيد الشهر وأمة المسلمين في خير ونعمة ونصر على الأعداء بإذن الله تعالى.
مقدمة عن الموضوع:
00:01:00
 موضوعنا في هذه الليلة كما تعلمون الشخصية الإسلام بين الغلو والاعتدال.
وأصارحكم -أيها الإخوة- بأنني قد حصل في نفسي شيء من التردد، قبل عرض هذا الموضوع لما يترتب على عرضه من بعض المحاذير، ولكن لعل شيئاً من الإيضاح في خلال هذا العرض يزيل تلك المحاذير.
وبداية فإن الله تعالى يقول في محكم تنزيله:  قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ  [سورة المائدة: 77].
وقال تعالى:  يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ  [سورة النساء: 171].
فوصف اليهود والنصارى بأنهم غلاة، فإن النصارى قد غلوا في المسيح ابن مريم حتى جعلوه هو الرب، أو هو الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.
وطعن اليهود أيضاً في مريم -عليها السلام-، واتهموها بالشر والفاحشة.
وكما يقول علماؤنا فإن الغلو عند النصارى أعظم من الغلو عند اليهود، ولذلك فإنهم اتخذوا رهبانية ابتدعوها ما كتبها الله تعالى عليهم، والغلو كما قال ابن منظور -رحمه الله- في لسان العرب: "هو مجاوزة الحد" هذا هو الغلو، ومنه غلا السعر يعني: تجاوز حده، تجاوز السعر المعقول، الثمن العادي.
وإن الله تعالى جعل دينه -أيها الإخوة- وسطاً بين الغالي والجهل، ولذلك شريعة الإسلام وسط بين طرفين في العقائد والعبادات والمعاملات ومختلف الأمور، شريعة الإسلام هي الوسط  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [سورة البقرة: 143].
في جميع الأمور، ولذلك ترى أصنافاً؛ مبتدعة، والخارجين عن الدين، أحد الطرفين، وأهل السنة والجماعة هم الوسط بينهما، فالناس بين طرفين ووسط، ونحن سنتكلم اليوم عن أحد الطرفين، وهو طرف الغلو والمجاوزة، ونترك الكلام عن الطرف الآخر وهو طرف التسيّب والتفريط إلى درس قادم بحول الله وقوته، مع إقرارنا بأن وضع المسلمين اليوم هو في جانب التفريط والتساهل أكثر منه في جانب الغلو، ولكن الشر شر، والزيادة أخت النقصان في شريعة الإسلام؛ لأن الله تعالى لما حدد الوسط فإنه لا يقبل إلا هو، ومن غالى في شيء أو فرّط وتساهل في شيء فإنهما سواء، ولذلك يقول الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: "ضاع هذا الدين بين الغالي فيه والجافي عنه".
ولذلك قال الشاعر:
ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد  *** كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ
[تاريخ الإسلام للذهبي :8/633].
وقال آخر:
عليك بأوساط الأمور فإنها  *** نجاة ولا تركب ذلولاً ولا صعباً
[أدب الدنيا والدين: 101].
الذين يشددون في الأمور ويغالون في الدين، ويستلمون جانب التعسير، جهلوا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جاء بالتيسير على الأمة، وقال الله تعالى واصفاً رسوله -صلى الله عليه وسلم-:  لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ  [سورة التوبة: 128].
وهؤلاء الذين أخذوا جانب الغلو فصاروا عليه، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأصابهم من الأسباب الشرعية والقدرية ما جعل كثيراً من أمورهم تصعب وتتعسر.
ولقد نعى الإسلام على الذين يميلون إلى التبتل وفض الحياة الدنيا، ويلزمون أنفسهم، بما لم يلزمهم به الله -عز وجل- فقال جل وعلا ناعياً على أهل الكتاب:  وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا  [سورة الحديد: 27].
يُسر الشريعة الاسلامية وموافقتها للطبيعة البشرية:
00:06:42
 وهذه أيها الإخوة طائفة جليلة من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحيحة إن شاء الله تعالى في قضية طبيعة هذا الدين، وكيف أنه يسرٌ وليس بعسر، وطبيعة عبادة هذا الدين، والمداومة على الأعمال والقصد، والتيسير.
يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: إن الدين يسر ولا يشاد الدين أحد إلا غلبه 
أو  ولا يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة 
[رواه البخاري: 39].
هذا الدين يُسر والقرآن يُسر:  وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ  [سورة القمر: 17].
ولذلك في هذا الحديث أن من يشاد هذا الدين فإن الدين سيغلبه، فمن يوغل في هذا الدين بعسر، ويتكلف الأمور، ويدع الرخص، ويأخذ بالعزائم دائماً فهو مجانب للحق؛ لأنه كما قال علماؤنا: "الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطّع"، مثال: لو ترك إنسان التيمم والماء يضر به، وأخذ الماء، والتيمم مباح له، وأخذ العزيمة في موضع الرخصة، فإن هذا تنطع، وهذا الضرر الذي يلحقه ببدنه لو كان الماء يضر به هو معاقب عليه؛ لأن التنطّع في الدين محرم.
ولذلك يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:  واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُّلجة [رواه البخاري: 39]. يعني: أوقعوا العبادات في أوقات النشاط، في أول النهار، وبعد الزوال؛ لأن المبالغة في التطوع تسبب الملل، أو ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته.
مثلاً: من يصلي طول الليل، فإذا جاء الفجر نعس جداً ونام، وفوّت عليه صلاة الفجر!.
قيامه طيلة الليل وهو يعلم من حال نفسه بأنه لا يستطيع إدراك الفجر، وأنه سينام على الفريضة، هذا يعتبر متنطّع.
وفي رواية قال -صلى الله عليه وسلم-:   الدين يسر ولا يغالب الدين أحدٌ إلا غلبه  [رواه البخاري: 39].
وهذه الأحاديث إما في البخاري أو مسلم، أو مستخرجة من صحيح الجامع الصحيح.
وقال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الحسن:  إن الهدي الصالح والسمت الصالح، والاقتصاد، جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة  [رواه أحمد: 2698، وأبود داود: 4776، والطبراني في الكبير: 12608، والبيهقي في الشعب: 7645، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1993].
الهدي الصالح والسمت الصالح معروف، الاقتصاد، ما هو المقصود بالاقتصاد؟ هو ما يظنه بعض الناس في التجارة والأمور الأخرى، لا، المقصود هنا بكلمة "الاقتصاد"، يعني: القصد وهو التوسُّط.
ولذلك جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الاقتصاد من الأشياء التي تعدل جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة.، وقال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح:  إن الله لم يبعثني معنّتا ولا متعنّتا، ولكن بعثني معلّما ميسراً  [رواه مسلم: 1478].
الرفق في التمسك بالدين وأخذه شيئاً فشيئاً:  
00:10:45
 فأما المعّنت يعني الذي يشق على الناس، وأما المتعنت فهو الذي يشق على نفسه، وهو الذي يطلب التعنيت.
وقال -عليه الصلاة والسلام-:  إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته  [رواه أحمد: 5866، والبيهقي في الشعب: 3607، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1886].  
أو في رواية أخرى:  كما يحب أن تؤتى عزائمه [رواه ابن أبي شيبة في الأدب موقوفاً عن ابن عباس: 190، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1885].
وقال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الحسن:  إنكم لن تدركوا هذا الأمر بالمغالبة  [رواه البيهقي في الشعب: 576، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 2311]. 
يعني: بالشدة والقوة والعنف لن تدركوا هذا الأمر، ولن تحصلوا على مقصودكم.
وقال -عليه الصلاة والسلام-:  إن لكل شيء شرّة  يعني: شدة وارتفاع  ولكل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب فارجوه  يعني: الرجاء فيه أنه من أهل الإيمان والصلاح،  وإن أُشير عليه بالأصابع فلا تعدوه [رواه الترمذي: 2453، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 2151].  
 أشير إليه بالأصابع يعني: بالغ في العمل رياء؛ لكي يشير الناس إليه بالأصابع فأشاروا إليه فلا تعتدوا به، ولا تتخذوه قدوة، ولا تعدوه من أهل الصلاح.
وكذلك قال -صلى الله عليه وسلم-:  إن هذا الدين متين  [رواه أحمد: 13052، وقال محققه الأرنؤوط: حسن بشواهده].
يعني: صلب شديد.
أحكام الله -عز وجل- ليست أمراً في غاية السهولة والتسيّب، لا، هذا الدين متين صلبٌ شديد، فأوغلوا فيه برفق  [رواه أحمد: 13052، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 2246].
برفق يعني: من غير تكلف، أوغلوا فيه بهدوء ولطف، ولا تنتقلوا دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبدل كما قال المُناوي -رحمه الله- في شرحه في الفيض.
يعني بعض الناس يرى بأنه مخطئ، وينتبه على نفسه بأنه يسير إلى الهاوية، ويسير في طريق الغواية، فيريد أن يغير من واقعه، فينتقل فجأة من طرف إلى طرف آخر، فجأة بين عشية وضحاها، هذا الانتقال يسبب انقطاع الأمر، ورجوع الإنسان إلى الطريق السيئ الذي كان يسير فيه.
لكن -أيها الإخوة- هنالك أمور يجب أن نعرفها في هذا الانتقال، فمثلاً: وأنا سأدخل في بعض تفصيلات الموضوع قبل أن آتي عليها، لكن من شروط الأحاديث لا بد من توضيح بعض القضايا.
الآن عندما نقول: لا ينتقل دفعة واحدة من الطرف الأقصى من التبدُّل.
هذه الجملة يجب أن تُفهم فهماً صحيحاً، كيف؟ لو جاء إنسان وقال لك كان يزني ويشرب الخمر، وفجأة صلى صلاة الفجر في جماعة، هل يعتبر هذا انتقالاً مذموماً من الطرف إلى الطرف؟، لا؛ لأن هذا الأمر مأمور به شرعاً، هذا واجب يجب أن يؤديه.
الصحابة -رضوان الله عليهم- لما كان الواحد منهم يسلم كان يخلع لباس الجاهلية كله فجأة، ما يكون الإنسان مسهّلاً على الناس، دعه –مثلاً- يشرب في اليوم كأساً من الخمر، وبعد ذلك يشرب في ثلاثة أيام كأساً!، لا، نطالبه بأن ينخلع من السيئات، لكن الانتقال المفاجئ: واحد يزني ويسرق ويشرب الخمر، فجأة يقوم الليل كله إلى الصباح، ويصوم كل يوم، أشياء نافلة، يختم القرآن في ثلاثة أيام، هذا الانتقال المفاجئ هو الذي يُخشى على صاحبه.
أما أن الإنسان يترك شرب الخمر وينتقل إلى الطيبات ويترك الزنا ويتزوج، هذا مطالب أن يطبقه الآن.
ترك المحرمات مطلوب من الإنسان أن يتركه الآن، لكن المبالغة في الطاعات والنوافل والانتقال فجأة إليها وإلى الذروة والنقطة العليا القصوى منها هو المقصود فأوغلوا فيه برفق [رواه أحمد: 13052، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 2246]. يعني الإنسان ما يفعله، يوغل به، يأخذ الأمور بالتدرج.
أقول هذا الكلام؛ لأن كثيراً من الناس يفهمون بأن الالتزام بأحكام الدين يعني أخذ الواجبات والتمسك بها يجب أن يتم بالتدريج، أول شيء يصلي، بعد ذلك يزكي، بعد ذلك يصوم، لا، يجب أن يلتزم تماماً بالأمر، ولكن قضية الطاعات الزائدة النافلة، صلاة الليل، قراءة القرآن، صيام النفل، هذا الذي يتدرج به الإنسان.
وقال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح:  أيها الناس عليكم بالقصد  [رواه ابن ماجه: 4241، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1760].  
والقصد كما قال في لسان العرب: هو الوسط في الأمر، الوسط من الأمور يسمى قصداً.
  وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ  [سورة النحل: 9]. يعني: تبيان السبيل الأوسط الصحيح وبيانه للناس وتوضيحه.
 أيها الناس عليكم بالقصد فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا  [رواه ابن ماجه: 4241، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 3011]. وقال -عليه الصلاة والسلام-:  خير دينكم أيسره  [رواه أحمد: 15936،وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 3309].، وقال -عليه الصلاة والسلام-:  ذروني ما تركتكم إنما هلك ما كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتمروا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه  [رواه مسلم: 1337].
وقال -عليه الصلاة والسلام-:  عليكم برخصة الله التي رخص لكم  [رواه مسلم: 1115].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:  أحب الأديان إلى الله تعالى الحنيفية السمحة  [رواه البخاري: صحيح البخاري: 1/16].
وقال:  أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل  [رواه البخاري: 6464].
وقال في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد:  استقيموا ولن تحصوا  يعني: الزموا الاستقامة ولن تحصوا يعني لا يمكن أن تأتوا على جميع شعائر الدين وتتمسكوا بها، ولو حرصتم على الاستقامة لا بد أن تقعوا بأخطاء وترتكبوا المعاصي.
يعني: الزموا الاستقامة، لكن اعلموا مع ذلك بأنكم  لن تحصوا  لن تستوعبوا شرائع الدين كاملة ولن تلتزموا بالمنهج كاملاً، فإذا علمنا بأننا لن نستطيع أن نتمسك أو نحيط بجميع الشرائع والشعائر فإنه لا بد من الاستقامة.
 واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على وضوء إلا مؤمن  [رواه ابن ماجه: 277، وصححه الألباني في المشكاة: 292].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:  يا أيها الناس إنكم لن تطيقوا كلما أمرتكم به، ولكن سددوا وقاربوا وأبشروا  [رواه أحمد: 10029، والبيهقي في السنن الكبرى: 5750، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 7871].
يعني: لو الواحد جمع الأحاديث الصحيحة كلها، وأراد أن يطبقها كلها، مستحيل، مستحيل يطبّق الأحاديث كلها، مستحيل يطبق أوامر الشريعة كلها، ما يكون له ذلك،  ولكن سددوا وقاربوا وأبشروا  لو في يوم واحد تريد أن تزور مريضاً، وتشيّع جنازة، وتصوم النفل وتقوم ذلك الليل، وتقرأ القرآن الكثير، وتُامر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدعو، وتصل الرحم، وتذهب للزيارات -مثلاً- وتنشر العلم، لا يمكن، بل إن العمر يفنى، والإنسان بقيت عليه أشياء من الدين ما طبقها.
لذلك العلماء -رحمهم الله تعالى- كانوا يحرصون على العمل، "هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل"
[ذم من لا يعمل بعلمه لابن عساكر: 38].
ولذلك روي عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- كان لا يضع حديثاً في مسنده إلا يعمل به ولو مرة واحدة.
ولذلك قال مرة عن نفسه: "احتجمتُ وأعطيتُ الحجام ديناراً؛ لأنه بلغني أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- احتجم وأعطى الحجام ديناراً". [مناقب الإمام أحمد: 246].
المقصود أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- كان يعمل، ما يضع الحديث في مسنده حتى يعمل به مرة واحدة.
إذا كان الأمر كذلك هنا يأتي التسديد والمقاربة، ونعمل من شرائع الإسلام ما نطيقه وما نقدر عليه.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: علموا ويسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت  [رواه أحمد: 2136، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1375]. 
وفي رواية لما أرسل الصحابيين قال:  يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا  [رواه البخاري: 3038، ومسلم: 1733].
وقال -عليه الصلاة السلام-:  عليكم هدياً قاصداً  [رواه أحمد: والحاكم في المستدرك: 1176، والبيهقي في الشعب: 3599، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 4086]. يعني أمراً وسطاً.
وقال:  خذوا من العبادة ما تطيقون فإن الله لا يسأم حتى تسأموا  [رواه الطبراني في الكبير: 7939، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 3217]. وقال:  قاربوا وسددوا وأبشروا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل  [رواه مسلم: 2816]. وقال -صلى الله عليه وسلم-:  ما بال أقوام  صنع الرسول -صلى الله عليه وسلم- مرة شيئاً -يعني فعل فعلاً- فرخص فيه، رخصه، فتنزّه عنه قوم من الصحابة، قالوا: لا، نحن ما نأخذ بهذه الرخصة، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فحمد الله وأثنى عليه وقال:  ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فو الله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية  [رواه البخاري: 6101].
الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: أنا أخشى الناس لله وأفعل هذا الفعل مع خشيتي لله، ما بال أقوم ممن هم دون الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الخشية يقولون: هذه الرخصة ما نريدها ولا نعمل بها، نريد نشدد على أنفسنا، ولذلك أورد الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه باباً بعنوان: "باب ما يُكره من التعمقّ والتنازع والغلو في الدين والبدع".
وقصة الصحيحين قصة الرجال الثلاثة الذين جاءوا لبيت الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عبادته، خرجوا من السؤال هذا، هذا الجواب بأن أحدهم قال: أنا أصوم ولا أفطر طول الدهر، والآخر قال: أنا أقوم الليل ولا أنام، وواحد قال: أنا لا أتزوج النساء، لما بلغ الرسول -صلى الله عليه وسل- هذا الكلام قال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني  [رواه البخاري: 5063، ومسلم: 5063].
فمن سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الإنسان ينام في الليل، ومن سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الإنسان يفطر في بعض الأيام، ومن سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الإنسان يتزوج النساء.
وقال -عليه الصلاة والسلام-: إن الله تعالى قد رضي لهذه الأمة اليُسر وكره لها العُسر  [رواه الطبراني في الكبير: 707، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1769]. 
 فقضية الغلو في الدين الرسول -صلى الله عليه وسلم- حذّر منها فقال:  إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين .
هذا الحديث له مناسبة قاله فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما هي المناسبة؟
حين وصل -صلى الله عليه وسلم- إلى المزدلفة في حجة الوداع قال لابن عباس:   هلم القط لي، أو التقط لي 
يعني: حصى، قال: "فلقطت له حصيات من حصى الخذف الذي هو أصغر من الحصى بقليل، حصى صغاراً سميت بالخذف؛ لأنه يخذف به كانوا يرمون به، إذا أراد واحد أن يعتدي على الآخر بهذا الحجر يحصبه به بين أصبعيه.
فلما وضع ابن عباس هذه الحصيات بيد الرسول صلى الله عليه وسلم قال:  نعم، بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين، وإياكم والغلو في الدين، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين  [رواه ابن ماجه: 3029، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1283].
 قال ابن تيمية -رحمه الله- وإسناده صحيح على شرط مسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة تعالى عليه-: "قوله -صلى الله عليه وسلم-:  إياكم والغلو  عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال" [اقتضاء الصراط المستقيم: 1/328].
يعني: هذا الغلو فقط ليس فقط في العقيدة، ليس في العبادة فقط، في الأعمال، في العبادات، في الأخلاق، في الدعوة، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في معاملة الناس، في عبادة الإنسان لنفسه، في أشياء كثيرة جداً يقع هذا الغلو.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:  هلك المتنطعون  [رواه مسلم: 2670].
والمتنطعون كما قال النووي -رحمة الله تعالى عليه-: "أي المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم".
[شرح النووي على مسلم: 16/220].
وفي أقوال لبعض العلماء: "هم الغالون في خوضهم فيما لا يعنيهم".
وقال بعض العلماء: "هم المتعنتون في السؤال عن عويص المسائل التي يندر وقوعها"
يسألون عن مسائل نادراً ما تقع، قبل أن تقع أشياء افتراضية، وقيل: "هم الموسوسون في العبادة".
وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحبه الجليل معاذ حين صلى بالناس فأطال حتى شكاه أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له:  أفتان أنت يا معاذ  وغضب على إمام مرة غضباً شديداً لم يغضب مثله وقال:  إن منكم منفرين، فمن أمّ بالناس فليتجوز، فإن خلفه الكبير والضعيف وذا الحاجة  [رواه أحمد: 14190، وقال محققه الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين].
صور من التشدد والغلو في الدين:
00:25:15
 فإن جئنا -أيها الإخوة- للجوانب التي يقع فيها التشدد وأردنا أن نعرف أمثلة من هذا التشدد من هذه الجوانب:
فمثلا إذا جئنا إلى جانب العقائد، العقيدة.
من الناس من يكلف نفسه عناء البحث عن أمور ومسائل لا طائل لها، أمور لا تزيد الناس إيماناً، ولا تزيدهم إقبالاً على الله -عز وجل-، يتعمقون فيها ويبحثون، ولم يبحثها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا الصحابة، وليس بذلك من مصلحة شرعية في البحث فيها، كالرد على المبتدعة وغيرهم، فيصبح البحث في هذه الجزئيات في العقيدة التي لم تذكر في القرآن والسنة، ولم يُذكر تفصيلاً لها، ولا البحث فيها فيه رد على المبتدعة، أو مصلحة شرعية أخرى، البحث فيها من التكلّف الذي نُهينا عنه، ولو كان فيها خيراً لبينت لنا، فيجب أن نسكت عن ما سكت عنه السلف، ويكفينا ما كفاهم، ويسعنا ما يسعهم، هذه مسألة أساسية عندما يدرس الإنسان العقيدة، ولقد أخل علماء الكلام أنفسهم في متاهات وترهات من البحث هم في غنى عنها، فوقعوا في الجدل الذي نُهينا عنه، والرسول -صلى الله عليه وسلم- قال:  ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل  [رواه أحمد: 22164،والترمذي: 3253، والحاكم في المستدرك: 3674، والبيهقي في الشعب: 8080، وصححه الالباني في المشكاة: 180].
غلو أهل الكلام والفلسفة في العقيدة:
00:27:06
 الجدل: السفسطة، وعلم الكلام، والفلسفة، من الأمور التي وقع فها بعض علماء الكلام عندما أرادوا أن يدرسوا العقيدة فتوغلوا فيها مطبقين على نصوص القرآن والسنة قواعد علم الكلام والمنطق اليوناني، والفلسفة، فقال قائلهم بعد أن قطع سنين طويلة في البحث، ووصل إلى لا شيء قال:
نهاية إقدام العقول عقال *** وغاية سعي العالمين ظلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا  *** وغاية دنيانا أذاً ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا  *** سوى أن جمعنا بين قيل وقالوا
[درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية: 1/160].
ما استفدنا من البحث في النهاية في قواعد علم الكلام والفلسفة إلا تجميع الأقوال، وقال فلان وقال فلان.
فإذن، نموذج من نماذج الغلو في العقيدة دراسة العقيدة على ضوء علم الكلام والفلسفة.
نأخذ نصوص القرآن والسنة على ظاهرها، ونؤمن بها كما آمن بها السلف على القواعد المعروفة من غير تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تأويل باطل.
كذلك -أيها الإخوة- من صور التكلف في العقيدة، ما يحدث أحياناً من مبالغة بعض الناس بالسؤال عن عقائد الناس وشكهم في الآخرين، وناس ظاهرهم السلام، لم يُعرفوا ببدعة، ولم يتكلموا ببدعة، هؤلاء الناس أساساً من أهل السنة والجماعة، عامة هؤلاء الناس عقيدتهم الأساس هي سلامة العقيدة، أنهم على عقيدة أهل السنة والجماعة إلا من تبين زيغه وضلاله وفساد عقيدته أو بدعته فعند ذلك نشك في أمره.
لكن واحد ما تبين منه شيء، بعض الناس يشككون في عقائد الناس الآخرين.
يقول لك: يا أخي هذا فلان ما أعرف عنه شيء، ربما يكون جهمي، ربما يكون خارجياً، يمكن يكون أشعرياً، يمكن يكون كذا، والرجل ظاهره السلامة، ما تبين منه شيء!، ويصل بهم الأمر إلى أنهم لا يصلون خلف إنسان حتى يسألوا عن عقيدته ويختبروه، وحصل هذا في بعض العصور السالفة؛ قدموا إماماً ظاهره السلامة وليس معروفاً بالبدع، قالوا: نريد نمتحنك في مسائل العقيدة واحدة تلو واحدة، في القرآن، في مسائل الصفات، فإذا نجحت في الإجابة صلينا وراءك، إذا أخطأت ما نصلي وراءك، هذا التعمق الزائد في اختبار الناس وامتحانهم وليس ثمة سبب وجيه أو مصلحة شرعية تدعو إلى اختباره، هو من نوع التعمق والتكلف في الدين، الذي نهينا عنه.
تضخيم الأمور الجانبية على حساب الأمور الأساسية:
00:30:17
 كذلك المبالغة في تضخيم الأمور الجانبية على حساب الأمور الأساسية في العقيدة، أو إدخال قضايا لا علاقة لها بالاعتقاد ضمن الأشياء، وتجعل هذه الأشياء التي لا علاقة لها بالاعتقاد من الأشياء التي يوالى فيها ويعادى فيها ويكّفر مخالفها، مثلاً: مسائل في الكون، أشياء كونية، مثلاً: كروية الأرض، دوران الأرض، أشياء من هذا القبيل، أشياء كونية، أين يقع الكوكب الفلاني، وهل المجموعة كذا كوكب، المجموعة الشمسية أين تقع في الكون وكذا؟ فتجعل هذه الأمور من ضمن أمور العقيدة، ويوالى عليها ويعادى عليها، هذا من الضلال وهذا من التكلف والتعمق والغلو أن تجعل هذه الأشياء من العقيدة وهي سُكت عنها في القرآن والسنة.
وتجد عند بعض الناس الذين يهتمون بقضايا الإعجاز العلمي، بعض الناس يغالون في قضايا الإعجاز العلمي حتى يجعلوا الحقائق العلمية التي يكتشفها العلماء من ضمن بنود العقيدة التي يجب الإيمان بها، لا، هذه الاكتشافات والمخترعات والأشياء الكونية ليست من الأمور التي يجب علينا الإيمان بها، ووردت في القرآن والسنة مأمورة مقترنة بالأمر بالإيمان بها، كلا، وتجد أن جهد هؤلاء الناس وجل وقتهم مركز، مصروف لبعض المسائل الفلكية أو الطبيعية هل الأرضية كروية أم غير كروية؟ هل هي ثابتة أم غير ثابته؟ هل المطر ينزل من السماء أم أنه يخرج من البحر؟
معرفة هذه الأمور والاطلاع عليها وما توصل إليها العلماء طيب، لكن أن تُجعل هذه الأمور من صلب العقيدة الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، ويوالى عليها، ويُعادى عليها، وتُترك تلك الأمور، تجد غالب الناس الذين يضخمون هذه القضايا الفلكية -مثلاً- ما عندهم إلمام بإيمان بتوحيد الأسماء والصفات، ولا بتوحيد الألوهية، بل إنهم غالباً ما يدندنون حول توحيد الربوبية، وهذه الأشياء الفلكية الموجودة.
وإنما يجب أن يوضَح للناس -أيها الإخوة- توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، مع توحيد الربوبية، وأن لا يُغلّب جانب على جانب، يجب أن تُعرض العقيدة صحيحة، كما عرضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الناس، وكما جاء بها القرآن.
صور من الغلو في جانب العبادات:
00:33:10
 فإذا جئنا إلى جانب العبادات فنجد أن الناس في مجال العبادات كثير منهم واقع في الغلو، لذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- حذر من هذا الجانب، فلما قيل له أن هذه زينب عقدت حبلاً وتمسك بالحبل هذا ، سأل عن ربط هذا الحبل، فقيل له: حتى تمسك به إذا قامت بالليل حتى إذا تعب بدنها وأوشكت على السقوط يكون دعمها، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا وأمر بقطع الحبل، لأن هذا تعذيب الجسد ليس من الإسلام، الإنسان يصلي من الليل ركعة، ثلاث، خمس، سبع، تسع، إحدى عشرة، ويطيل فيها، إذا تعب خلاص يستريح، ليس مطالباً أن يخر مغشياً عليه من طول العبادة، لا.
ويصوم ما شاء الله له أن يصوم، ولكن ليس مطالباً أن يصوم يومياً بحيث أنه يسقط في النهاية، ولونه مصفر وعينيه غائرتان وقد أصابه المرض وفقد دماً إلى آخره، الله -عز وجل- من رحمته ما شرع لنا هذه العبادة ليعذبنا بها، لا.
ولما غالى بعض الصحابة في أمر من أمور العبادة وهو الصيام، فواصلوا، صاروا يواصلون يعني إذا جاء المغرب ما يفطر يواصل لليوم الثاني، ماذا فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- واصل هو، فقيل له: إنك تواصل، قال: إنما يطعمني ربي ويسقيني، مع أنه بين لهم العلة لكنهم واصلوا، فواصل هو يومين أو ليلتين وراء بعض وهو مواصل.
ففي رواية البخاري قال: لو تأخر الهلال لزدتكم  كالمنكّل لهم" يعني: كالمعنّت لهم، ثم إن الهلال ثبت فأفطر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال:  لو تأخر الهلال لزدتكم  [رواه البخاري: 7299، ومسلم: 1103].
لواصلت الزيادة لماذا؟
يقول -عليه الصلاة والسلام- في رواية أنس في البخاري رواية أخرى: ولو مُد لي في الشهر لواصلتُ وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم  [رواه البخاري: 7241، ومسلم: 1104].
نحن ما أُمرنا بالوصال في الصيام، والإنسان يواصل بعد المغرب يكمل الليل ويصوم لليوم الثاني، وقال صلى الله الله عليه وسلم:  لو أن الهلال تأخر لواصلت وصالاً أجبرت فيه المتعمقين على أن يدعوا تعمقهم  [رواه البخاري: 7241، ومسلم: 1104].
ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- في قيام الليل:  ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد   [رواه البخاري: 1150].
الغلو في العبادات المؤدي إلى الوسواس:
00:36:13
 من ضمن الأشياء الغلو في العبادة أيضاً الوسواس، فإن من الناس من يشك في وضوئه مثلاً، يتوضأ وينتهي من الوضوء يشك في نفسه، هل أحدث أو ما أحدث، هل نزل مني شيء أم لم ينزل، هل غسلت رجلي أو ما غسلت رجلي،  وسواس غير مبني على دليل، يعني ما عنده دليل قطعي، رأى بنفسه نزول النجاسة ، أو عرف وتيقن بأن الريح خرجت، أو أنه رأى رجله يابسة وبقية الأعضاء ابتلت عرقاً؛ لأنه ما غسل، لا، وسواس، غسلت، ما غسلت، خرج منه شيء، ما خرج، يعيد وضوئه مرة ثانية، فيشك مرة أخرى بعد نهاية العبادة، فيعيده مرة ثالثة، فيشك مرة أخرى، فيجلس يعيد في الوضوء حتى تفوته الجماعة، وربما تفوته الصلاة!.
هذا مرض الوسواس، ونفس الشيء في الصلاة، يصلي أحدهم يكبر تكبيرة الإحرام ويقرأ الفاتحة ثم يشك، هل كبر تكبيرة الإحرام أو ما كبر؟ فيقطع الصلاة ويكبر مرة أخرى، هل قرأت الفاتحة أو ما قرأت، يعيد الركعة ويقرأ الفاتحة، ويأتي بركعة جديدة، يقرأ الفاتحة من جديد، مع أنه غير متأكد، ما ثبت عنده أنه ما قرأ الفاتحة، أو شك شكاً قوياً، لا، لمجرد هاجس من الشيطان يلغي ما فات.
فهذه الوسوسة من الأمور التي تعتبر من أنواع الغلو في العبادة.
ولابن قدامة رحمه الله تعالى كلام جيد، أو كتاب في ذم الوسوسة، ولابن القيم رحمة الله تعالى عليه في إغاثة اللهفان توسع أيضاً في هذا المرض، وكيفية علاجه.
صور من الغلو في جانب المعاملات:
00:38:13
 نأتي إلى جانب المعاملات، قد يقسو الإنسان على نفسه أحياناً، ويمنعها ما أحل الله لها، وينسى أن لنفسه عليه حقاً، فيمنع نفسه من طيبات مأكولات ومشروبات حلال، يمنع نفسه من اللحم، لماذا؟ يقول: أريد أن أشدد على نفسي، هذا المنع من اللحم غلو ومحرم:  قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [سورة الأعراف: 32].
فإذن، كما يقول بعض العلماء: تحريم الطعام الحلال مثل أكل الطعام الحرام.
إذا اعتقدتَ أن اللحم مثلاً الضأن حرام عليك هو يساوي بالضبط أكل لحم الخنزير، ولو اعتقدت بأن شرب العصير المباح حرام عليك فهو مساوي تماماً لشرب الخمر؛ لأنك تحرم وتحلل بغير ما أنزل الله، وقضية التحريم والتحليل هي من الأمور المختصة بالشارع، لا يجوز للإنسان أن يحرم من عند نفسه، ويبلغ الأمر الذروة في الغلو عندما يُلزم الإنسان غيره بهذا التشدد الذي أوجبه على نفسه، فيحرّم على أهله مثلاً أكل اللحم يقول: خلاص ما نبغى لحم، ما نأكل في البيت اللحم، لماذا؟ تشدد، ما كفاه فقط أن ألزم نفسه، أو شدد على نفسه يريد أن يلزم غيره بهذا، هذه القضية خطيرة لأنك ما شرعت لنفسك فقط، وإنما جلست تشرع للناس غيرك.
وكذلك من يشدد على نفسه بأمور حتى لو كانت مباحة، مثلاً واحد يصوم يوماً ويفطر يوماً هذا أمر مباح جميل، إذا شاهد الناس لا يصومون صوم النفل قال: الله المستعان فسد الزمان، الناس لا يصومون يوماً ويفطرون يوماً كيف الناس؟ إيمانهم خربان، هو يصوم الاثنين والخميس، يرى الناس لا يصومون، ينكر عليهم كيف ما تصومون؟ حرام يعني كيف ما تصومون؟ فيشدد على الناس في أمر في الشرع فيه سعة، ما ألزم الله الناس بالصيام الاثنين والخميس، أنت تبغى تصوم طيب ولك أجر عظيم في هذا، لكن لا تلزم الناس بشيء، فبعض الناس يلزمون أنفسهم بأمر محرم ويلزمون غيرهم به، وبعض الناس يلزمون أنفسهم بأمر مباح ويصل بهم الأمر حتى في النذر يقول: علي نذر أن أفعل كذا، هذا ليس فيه إشكالاً، لكن لا يجوز له أن يلزم غيره.
مثلاً: رجل يصوم الاثنين والخميس ما يجوز أن يلزم زوجته بصيام الاثنين والخميس، هو يدعوها ويرغبها ويعطيها الأحاديث في هذا الجانب، لكن ما يجوز له أن يلزمها.
كذلك في قضايا التعامل، حيث ما حللت من أرض الله تجد قوماً مقطّبي الجباه، عابسين مكفهري الوجوه لا يتبسمون هذه صفات لبعض الناس، يرون أن الالتزام بالإسلام يعني أن الواحد يكفهّر، ويُرى العبوس على نفسه، والموت وآخره، ولا بد أن نظل دائماً في حزن وضيق، ونظل دائماً في تعبيس ومقطبي الجباه، كيف حالنا هذا والموت قريب؟ يظن بأن حياته يجب أن تقضى كلها هكذا! الرسول صلى الله عليه وسلم يا أخي يعرف بأن الموت قريب، ويعرف أن الآخرة آتية،  وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا  [سورة الحـج:7].
لكن مع ذلك كان يتبسم، وكان يتضاحك، وكان بشوشاً وأسارير وجهه منطلقة.
إذن، هذه الطريق غير صحيحة، ولذلك جُعل التبسُّم في وجه أخيك  صدقة  [رواه الترمذي: 1956، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 891]. ما عندك مال تتصدق، تبسم في وجه أخيك صدقة، كأنك تصدقت، والرسول -صلى الله عليه وسلم- حث المسلمين على أن يكون أحدهم طلق الوجه، يعني: متبسماً، وأخبر بأن النار قد وكلت بكل غليظ جواد متكبر على الناس لا يريهم إلا الشدة والعبوس.
ضرورة الرفق بأهل المعاصي تأليفاً وترغيباً لهم:
00:43:25
 كذلك هذه المسالة بعض الناس يتبسم أحياناً لكنه إذا رأى أهل الفسق، وأهل المعصية يقطّب في وجوههم ويعبس، ولا يريهم إلا كل غلظة وجفاء، يقول لك: هذا من أهل المعاصي، هذا فاسق، ما يتبسم في وجهه ولا ألتفت له، إما أني أدير قفاي، أو أعبّس في وجهه لماذا؟ هل دعوت الرجل مرات عديدة حتى وصلت إلى مرحلة اليأس فصار هذا الهجران منك نوع من العتاب والتعزير؟ لا، هكذا مجرد أن يجد واحداً من أصحاب المعاصي يقطّب في وجهه؟ لماذا؟ ليس هذا هو الإسلام، بل إن هذا التشدد في معاملة الفسّاق والمخطئين وهم أحوج الناس إلى العطف واللُّطف واللّين لتأليف قلوبهم على الخير والصلاح، فيه أثر كبير من آثار التنفير وإبعاد الناس عن جادة الحق.
هؤلاء الناس -يا أخي- مخطئون، وبعضهم فيهم خير ويريدون أن يتوبوا، وهم مقبلون على الله -عز وجل-، إذا أريتهم هذه الشدة، أليس هذا من أسباب تنفيرهم؟ نعم، فلذلك لا بد أن نحسن معاملة الناس، فإن الإحسان في معاملتهم حتى الفسقة، وحتى أهل المعاصي ونحن ندعوهم نحسن معاملتهم؛ لأننا بإحسان المعاملة نستخرج بإذن الله الخير الكامن في نفوسهم، فما من إنسان إلا وفيه جانب من الخير غطت عليه حُجُب المعاصي والظلمات.
فبمعاملتك الحسنة تستغرب جانب الخير من نفوسهم، وهذا الأسلوب التربوي القائم على العطف على المذنبين، وعدم تقنيطهم من رحمة الله هو جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول للناس لما أوتي بشارب خمر شرب مراراً عديدة، فسبّه بعض الصحابة وبعضهم لعنه، وبعضهم قال له: قاتلك ما أكثر ما يؤتى بك، قال لهم:  لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم  [رواه أحمد: 4168، وقال محققه الألباني حسن بشواهده].
لا تقل له ليس له توبة، لا يقبل الله منك، بعد ما فعلت كل هذا الفعل يا أيها الفاجر، يا أيها الفاسق، يا أيها العاصي، تريد أن تتوب؟ ليس لك أمل، لا، هذا فيه إعانة للشيطان، لا يوجد أمل في التوبة، إذن سأستمر بالمعاصي إذا  كان الله ما يقبل مني لم أحرم نفسي من اللذات ويستمر في لهوه وفجوره!.
في سبيل معاملة الناس ودعوتهم التشديد الذي يكون في غير مكانه وزمانه، كأن يكون مع قوم حديثي عهد بالإسلام أو حديثي عهد بتوبة، ناس الآن التزموا بالإسلام في هذه اللحظات في هذه الأيام التزموا بالإسلام، أو عمل عملاً تاب منه، حديث عهد بتوبة، هذا التشديد عليه وإلزامه بجميع شعائر الدين وشرائعه دفعة واحدة مخالف للمصلحة الكاملة في طريقة الدعوة إلى الله عز وجل، فبإلزامه بجميع الشعائر دفعة واحدة والتشديد عليه، تأتي إلى واحد عاصي تقول له: أنت معك معاصي كثيرة، أنت لا بد أن تقوم الآن في كل ليلة، ولا بد أن تصوم كل يوم حتى يقبل الله منك التوبة، لا، خذه برفق ولين ولطف وعطف حتى توصله إلى مراتب إيمانية عالية، فيصبح هو الذي يسألك بعد ذلك، ما هي النوافل في الصيام؟ ما هي النوافل في قراءة القرآن؟ في الصبر؟ في الصلاة؟ ما هي النوافل في الحج والعمرة؟ ما هي حتى أستطيع أن أفعل حتى أكفر عن ذنوبي، ما هي أبواب الخير؟ كيف أكسب الحسنات؟ ما هي طرق كسب الثواب؟ عندما يقبل وأنت تعطيه جرعات تلو جرعات بحسب الحكمة، ومعرفتك بحاله، هذا الذي يجعله يستمر في طريق الخير، فلا ينبغي التركيز على الجزئيات قبل الكليات، لا، ناس الآن عرفوا الله، أعطهم الأصول، علّمهم الأساسيات، وانتقل بعد ذلك معهم بتدرج وحكمة في الجزئيات، لا تغالِ فتعطيهم دفعة واحدة من هذا الطرف، ولا تغل في الطرف الآخر هذه السنن لا علمهم إياها، لا، علمهم الدين كاملاً، مثل الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما أرسل معاذاً خطوات، أول شيء يشهدون أن لا إله إلا الله قال:  فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم الصلوات، فإن أطاعوك لذلك أخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد لفقرائهم  [رواه أحمد: 2071، وأبو داود: 1584، والنسائي في الكبرى: 2313، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 1412]. 
مرحلية حتى يتقبلوا شرائع الدين كلها.
من صور الغلو: الانشغال بدعوة البعيدين وترك الأقربين:
00:49:00
 كذلك من أنواع الغلو التي تقع في الدعوة إلى الله -عز وجل- أن كثيراً من الصالحين والدعاة إلى الله تعالى يشتغلون بدعوة البعداء وينسون الأقرباء، يعني تجد الواحد منشغلاً مع الناس الذين في آخر المدينة، والبعيدين، وهذا شيء طيب، لا نقول لا، أدع من شئت من هم بجوارك في الوظيفة، في الدكان، لكن يا أخي عليك حقوق، إخوانك، تجد الواحد ذاهب مع عيال الناس، وأخذ وعطاء، لكنك إذا نظرت إلى حال أهله، أمه، أبيه، إخوانه، أخواته في البيت، عمه، خاله، جيرانه، ليس مهتماً بهؤلاء الناس كلهم، لماذا؟ يجب أن لا تنسى هؤلاء:  وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا  [سورة طـه: 132]،  قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [سورة التحريم: 6].
لا بد من النوازل، مثلاً إذا جئت إلى قضية طلب العلم بعض الناس يأخذون العلم الدنيوي على حساب العلم الشرعي، فيدرس الفيزياء والكيمياء وأنواع الهندسة، لكنه لا يفهم شيئاً في أمور الشريعة، كل الأمر هذا ينفع المسلمين، لازم يركز، يا أخي ركز لكن الله -عز وجل- فرض عليك أن تتعلم أشياء من الدين تقيم بها الصلاة والزكاة والطهارة والعبادات، لا بد أن تتعلمها لابد.
كذلك مثلاً تجد أناس منغمسين في الكتب، ولكنهم لا يعون شيئا عن واقعهم وما يدور حولهم، ويقول لك: أنا أطلب العلم الشرعي! طرح اسم شخص في المجلس، فقال واحد من الناس: هذا ماسوني من الماسونية، فقال رجل من هؤلاء الناس المشتغلين بالكتب فقط: هذا نعرف قبيلته، هذا من القبيلة الفلانية، كيف يكون ماسونياً؟
فلا بد -أيها الإخوة- أن يكون الإنسان متوازناً في طلب العلم الشرعي، والوعي بالواقع، الله -عز وجل- قال:  وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ  [سورة الأنعام: 55].
يعني: لا بد، الله -عز وجل- أنزل القرآن هذا حتى يبين للناس حتى سبيل المجرمين، فلا بد تبين فرقهم، وكيف يضللون الناس، وكيف ترد هذه الأشياء، يكون الإنسان عنده علم في الواقع، وعي بالواقع الذي يدور حوله.
كذلك إذا جئت مثلاً إلى قضية الأخوة، لاحظوا -أيها الإخوة- أننا الآن نتكلم على جانب الغلو، ما نتكلم على جانب التفريط والتساهل، الغلو مثلاً تجد الإنسان مع إخوانه دائماً ومتمسك ويعرف، لكنه أحياناً تصل به قضية هذه الأخوة إلى مجالسة إخوانه لا للتعلم ولا للاستفادة ولا للارتقاء في حياته الإيمانية، ولكن لتضييع الوقت؛ ولأنه يهوى هؤلاء، يحبهم ويميل إليهم نفسياً، ولذلك يحب أن يجلس معهم، يعني اجتماع مؤانسة والتقاء وتقارب طباع، لا اجتماع إيمان وعلم ومدارسة لكتاب الله، أو تعاون على البر والتقوى.
ويدخل الواحد في قضية الأخوة، يقول: هذه الإخوة، وهذا يؤدي إلى إفساد القلب، وتضييع الوقت، وتزيُّن بعضهم لبعض، تتحول الأمور والعلاقات في النهاية إلى مجاملات ومدح، كل واحد يمدح الثاني، تصير القضية منصرفة عن الغرض الأساسي من الأخوة، وموالاة الثناء، وتتحول إلى خلطة أكثر من الحاجة، فقد يكون الواحد جالساً مع إخوانه والمؤذن أذن للصلاة يقول: أنا جالس مع هؤلاء الشباب، مع إخواني، غير صحيح، جاء وقت الصلاة تذهب إلى المسجد، جاء وقت تخلو فيه لربك في الليل تذهب وتخلو به بالليل وليس معنى الأخوة مداومة الالتقاء والاجتماع والمخالطة والعشرة، لا، يجب أن يكون هناك توازن؛ لأنها تتحول في النهاية إلى شهوة ينقطع فيها الإنسان عن المقصود، ويتحول إلى إعجاب بشكل الإنسان وكلامه، وتجاذبات غير مشروعة من نتائج هذه المخالطات التي يعتبرها البعض من باب الأخوة.
الغلو في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
00:54:30
 إذا جئت على مستوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -مثلاً- فإنك تجد أن بعض الناس عندهم غلو لدرجة أنه قد ينهى عن منكر، ولكن يأتي بمنكر أكبر منه، ولذلك قال العلماء: لا يجوز للإنسان أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر إلا إذا كان عالماً فيما يأمر، عالماً فيما ينهى، عاملاً بما يأمر، عاملاً بما يأمر، رفيقاً بما يأمر رفيقاً بما ينهى"، لا بد أن يجتمع العلم والعمل والرفق".
ولذلك تكلم الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه العظيم أعلام الموقعين، أو إعلام الموقعين، عن مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكلم قال: " فإنكار المنكر أربع درجات ; الأولى : أن يزول ويخلفه ضده ، الثانية : أن يقل وإن لم يزل بجملته ، الثالثة : أن يخلفه ما هو مثله ، الرابعة : أن يخلفه ما هو شر منه ; فالدرجتان الأوليان مشروعتان ، والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة ". [إعلام الموقعين عن رب العالمين: 3/12].
لما مر ابن تيمية -رحمه الله تعالى- على جماعة من الفجار يشربون الخمر، قال بعض تلامذته: ننهاهم، قال: "لا دعوهم يشربون الخمر إلى أن يشبعوا؛ لأنهم إذا أفاقوا - هؤلاء الكفرة - قتلوا المسلمين واعتدوا عليهم"
[إعلام الموقعين عن رب العالمين: 3/13]‏.
فإذن، من الغلو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن نهيك عن المنكر يؤدي إلى منكر أكبر منه، أو تأمر بالمعروف يوقعك بمنكر أكبر من هذا المعروف الذي تأمر به.
المغالاة في بعض الأخلاق يؤدي إلى أضدادها:
00:56:11
 إذا اتيت إلى جانب الأخلاق أيضاً قد يكون المغالاة في بعض الأخلاق يؤدي إلى سلبيات.
فمثلاً التواضع إذا غاليت فيه جداً ينقلب إلى كبر، الغضب إذا غاليت فيه، أصل الصفة والخصلة الحميدة: الغضب الله، إذا غاليت فيه قد ينقلب إلى تعدي وظلم، الحرص، الحرص شيء طيب، إذا غاليت فيه قد يؤدي إلى الشح والبخل والشرف والتطلّع لما في أيدي الناس، الشجاعة خصلة محمودة إذا غاليت فيها تنقلب إلى تهور، الغيرة أمر محمود، لكنك إذا غاليت في الغيرة تنقلب إلى سوء ظن، واتهام للنيات، وعداء للقلب.
الغلو في الشخصيات:
00:57:04
 كذلك من قضايا الغلو: الغلو في الشخصيات، يعني الواحد يضع شخصية من الشخصيات محل الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فكان كلما قال هذا الشخص شيئاً فعله بغير تردد، وبغير سؤال عن الدليل ولا معرفة، ولا تبين لما يقول هذا الرجل، وهل هو مخالفة للحق، وإذا نهى عن أمر اتبعوه بدون تبين لدليل أو ما يقصده هل هو مخالف للشرع أو لا، نحن نعرف الحق، يقول أحد السلف: اعرف الحق تعرف أهله، ولكن معرفة الرجال لا توصل دائماً لمعرفة الحق، لا بد من معرفة الحق أولاً؛ لأن الرجال يعصون، تقع منهم أهواء وشهوات وعصيان، كثير من البشر إلا من المعصومين من الأنبياء، فإذا اتبعت بغير علم وغاليت فيه، وقلدته فإن هذا يوصلك إلى أن طبع هذا الشخص موضع التشريع فهو الذي يشرع لك، فلذلك ينبغي أن توزن أقوال الرجال بموازين القرآن والسنة، القرآن والسنة فوق الرجال، وليس أقوال الرجال فوق القرآن والسنة، القرآن والسنة تحكم على أقوال الرجال، وليست أقوال الرجال حاكمة على نصوص القرآن والسنة، ولذلك هناك نوع من الفراغ الآخر في قضية مثلاً التعصب المذهبي، هذا التعصب الذميم الذي يجعل الإنسان يأخذ بقول فلان من العلماء من الناس مهما كانت العلة، يأخذه بغير تردد ومن غير معرفة للدليل ولا تبيّن، قد يكون فيه إمام آخر أو عالم آخر قوله أصوب من هذا، وربما أن هذا العالم خفي عليه الدليل، وربما خفي عليه صحة الدليل، وربما غاب عن باله طريقة الاستنباط الصحيح من الدليل.
فلماذا إذن التعصب؟ هذا من الغلو في الرجال، لذلك من الخطأ الكبير أن تؤخذ مؤلفات هؤلاء الناس وتوضع كأنها دستور يصار عليه، ويمشي الناس عليه، ويتركون الكتاب والسنة، يقولون: هذا فلان فاهم وعالم وكبير، هو أفقه منا وقرأ القرآن والسنة قبلنا، وأخذ الخلاصات والقواعد من القرآن والسنة ووضعها في هذا الكتاب، فإذن نحن نؤلف أنفسنا ونصير على هذا، خطأ، تعبدك الله -يا أخي المسلم- بنصوص القرآن والسنة باتباع الدليل، لم يتعبدك بأقوال الرجال إلا في حالة اضطرارية؛ أن يكون رجلاً عامياً لا يعرف في العلم ولا حسن السؤال عن الدليل، حالة اضطرارية، لكن ليست هي الأصل.
خطورة اتباع المتشابهات وترك المحكمات: 
01:00:17
 من مظاهر الغلو مثلاً: اتباع المتشابهات، وترك المحكمات.
أخرج ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعاً: كيف رأي ابن عمر في الحرورية؟ الخوارج، قال: يراهم شرار خلق الله، إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين". [الاعتصام للشاطبي: 2/692].
الخوارج -أيها الإخوة- ظهروا في تاريخ المسلمين، وخروجهم ظاهرة تستحق من الإنسان الواعي الدراسة والتمحيص لاستخراج النصوص، وما هي السبل التي ضل بها هؤلاء الناس، والخوارج عموماً قائمتهم تعتمد على الغلو، والتشدد والتنطع، هذا أساس رأى الخوارج، لذلك ينبغي على الإنسان أن يدرس إذا استطاع حركة الخوارج كيف نشأت؟ كيف تطورت؟ ما هي مبادئهم؟ كيف وصل بهم حالهم هذا؟ حتى يحذر أن يسلك الطريق.
فمثلاً هؤلاء الخوارج من القضايا التي يفعلوها قضية التكفير، وغلَو في التكفير جداً حتى كفّروا كل من ليس على طريقتهم، واعتبروا بأن هؤلاء الناس وهؤلاء المجتمعات كلها كافرة، هي حلال الدم والمال، ينهبون منها ما يشاؤون ويدعون ما يشاؤون.
لما تأتي وتناقش بعض هؤلاء، وقد حصل لي أن ناقشت واحداً من هؤلاء، فقلت له: ما هو دليل تكفيركم له؟
قال: لا يجوز أن يزني وهو مؤمن، الدليل حديث صحيح: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن  [رواه البخاري: 2475، ومسلم: 57]. معناه: ليس مؤمن، إذن الزاني كافر، والسارق كافر، وشارب الخمر كافر بزعمه!.
الإيمان -أيها الإخوة- درجات، وهناك فرق بين الإيمان والإسلام، وقضية عام وخاص، ومطلق ومقيد، ليس الآن وقت شرح هذه المسألة، لكن انظر إلى هذا الغلو، أخذ حديثاً واحداً بظاهره الذي فهمه منه، انتهى  لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن  إذا ليس بمؤمن، إذن كافر، استنباط، استنتاج، هذا معنى الحديث!.
مثلاً في قضية التحكيم، قالوا لابن عباس: إن الحكم إلا لله، كيف نرضى بالتحكيم بين علي ومعاوية؟، لا نرضى بالتحكيم، الذي يرضى بالتحكيم كافر، فالذي حكم بين الشيخين بين علي ومعاوية كافر، وعلي كافر، ومعاوية كافر؛ لأنهم رضوا بالتحكيم، سألهم ابن عباس ما هي أدلتكم: قالوا: قال الله تعالى:  إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ  [سورة الأنعام: 57].، يعني: الحكم لا يكون إلا لله، أي حاكم يحكم بأي شيء إذن هو مخالف لله، إذن هو كافر!، والذي يرضى بحكمه كافر!، ابن عباس ناقشهم، الفرق بين الحكم والتشريع، قال: ألم يقل الله تعالى:  فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا   [سورة النساء: 35]. إلى آخر النقاش الطويل الذي رجع بسببه قرابة ثمانية آلاف من الخوارج من أصل اثنى عشر ألفاً وبقي منهم أربعة آلاف على أحد الأقوال.
هؤلاء الناس يعملون ببعض النصوص ويتركون بعضها من الغلو، ساحوا في الأرض ليفسدوا فيها.
مروا على رجل من الصحابة اعتزل الفتنة، لا يقاتل لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وعنده مصحف يقرأ فيه، أتوا عليه قالوا: يا فلان أنت من صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- تعرف حديثاً عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نستفيد قال: نعم، قالو: ما هو؟ قال: قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل   قالوا: أنت تقول عنا أننا نحن نسير بالفتنة، وأننا مقصودين بهذا الحديث وكذا، أخذوه وأراقوا دمه، قتلوا الصحابي، وكان بجانبه امرأة وعندها وليدها، أخذوا الأم وبقروا بطنها وقتلوها وقتلوا الوليد، ثم مروا وهم يمشون في الطريق على بستان، وكانوا جياعاً، همّ بعضهم أن يأكل من أشجار البستان فقال بعضهم لبعض: لا، انتظروا، هذا بستان صاحبه من أهل الذمة، والرسول-صلى الله عليه وسلم- أوصانا بأهل الذمة خيراً، لا يجوز نعتدي عليه، ولا يجوز نقترب منه، لا بد أن نفاوض الرجل، لا نجوز أن نعتدي عليه!.
جاءوا إليه يفاوضوه تبيعنا كذا من التمر، وأنت من أهل الذمة والرسول-صلى الله عليه وسلم- وصانا بك.
 هذا هو الغلو والجنوح وضرب بنصوص القرآن والسنة بعضها ببعض، وتحريف الكلم عن مواضعه.
ولذلك كان من سيما هؤلاء الناس التحليق، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((سيماهم التحليق)) [رواه البخاري: 7562]. أنهم دائما يحلقون رؤوسهم.
لذلك تكلم أهل العلم في حلق الإنسان رأسه إلا في حج وعمرة، أو إذا اضطر لذلك، مثلاً يكون قملٌ في الرأس أو شيء يضطر لحلق رأسه؛ لأن التحليق دائماً تشبه بهذه الصفة من صفات الخوارج.
التمسك بالسنة النبوية ليس غلواً ولا تطرفاً:
01:06:06
 كذلك نأتي على قضايا لا بد من التنبيه لها، أمور ليست من الغلو يظنها البعض أنها من الغلو وهي ليست من الغلو، هناك بعض الكتّاب عندما تعرض لقضية التطرف والغلو انزلق في متاهات عجيبة لا ينبغي للمسلم أن ينزلق فيها، فمثلاً: هذا أحدهم يصور شيئاً من الأشياء على أنه غلو وتطرف، ولكن إذا نظر فيه العاقل البصير المنصف يجد أنه من أحكام الله ورسوله، يقول في كتابه: اشتغال عدد من هؤلاء -يقصد المغالين بزعمه-، بكثير من المسائل الجزئية، بالأمور الفرعية عن القضايا الكبرى التي تتعلق بقضية الأمة وهويتها ومصيرها، فنرى كثيراً منهم يقيم الدنيا ويقعدها من أجل حلق اللحية أو الأخذ منها، أو إسبال الثوب، أو تحريك الإصبع في التشهد، أو اقتناء الصور الفوتوغرافية، أو نحو ذلك من المسائل التي طال الخلاف فيها .
هو يرى بزعمه أن قضية حلق اللحية وإسبال الثوب من الأشياء التي فيها جدل وأقوال، يمكن يجوز، ناس يقولون بالجواز وناس يقولون بعدم الجواز، لذلك لا ينبغي أن نلزم الناس وأن ندعوا الناس إلى هذه الأشياء، وأن نبينها، ولكن ندع هذه الأمور بجانب وننشغل الآن في قضايا المسلمين الأساسية، أحوال المسلمين، وجهلهم والجهاد، إلى آخره.
طيب يا أخي، الرسول -صلى الله عليه وسلم- ألم يكن عندما يذهب للغزوات كان في نفس الوقت يأمر صحابته بالتزام السنة؟ هل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أن انتهت الغزوات تماماً وانتهى عام الوفود وانتهى فتح مكة وانتهت غزوة حنين ودانت الجزيرة العربية، بعد ذلك قال للناس:  حفّوا الشوارب واعفوا اللحى وخالفوا المجوس  [رواه البخاري: 5893، ومسلم: 259].
هل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعدما انتهت المعارك والغزوات وهذه الأمور العظيمة بعدما انتهى وخلص كل شيء جاء للناس وقال لهم:  ما تحت الكعبين من الإزار في النار  [رواه أحمد: 20168، والنسائي في الكبرى: 9628، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 3]. هل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فعل هذا، بعد ما انتهت الأمور العظيمة ودعوة القبائل وعام الوفود، بعدها قال: أكثر عليكم في السواك والسواك والسواك.
أم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يمزج الأمور بعضها ببعض، وكان يعلّم الناس الإسلام كاملاً، كبيره وصغيره، جليله ودقيقه، ما هو منهج الدعوة إذن؟ أن يعلم الناس الإسلام كاملاً، يعرض الإسلام على الناس كاملاً، لكن بالتدرج، فإذا صلى الإنسان يدعوه إلى بقية أركان الإسلام، ثم ندعوه إلى إطلاق لحيته، وإلى تقصير ثوبه حسب ما جاء في السنة، مع إيراد الأدلة له، ونعطيه النوافل مع الفرائض، نقول له: أيضاً بجانب الفرائض هناك نوافل وهناك سنن رواتب وهناك سنن غير رواتب، وهناك صلاة الضحى، نبين، يجب أن نعرض الإسلام كاملاً، أما أننا مدة عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أربعين سنة ما نتكلم إلا في قضايا الجهاد، وقضايا الجهل الذي يقع في المسلمين، وقضايا الإمامة والخلافة، إلى آخر ذلك، لماذا؟ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما فعل هذا، عرض الإسلام كاملاً، لكن عندما تدعو شخصاً تدعوه بالتدرج، كن حكيماً، لا تبدأ باللحية وهو تارك للصلاة، لكن إذا صلّى ما في ما يمنع أبداً من أنك تقول حكم الله في اللحية، وهذه قضية من الضلال الذي حصل في تفكير كثير من المسلمين اليوم.
هذا أحدهم يقول في كتاب له، ما أذكر اسم الكتاب واسم الشخص؛ لأنه لا يهمنا الأسماء بقدر ما تهمنا الأفكار نفسها، وليس من منهج أهل السنة والجماعة تجريح الشخصيات، يقول يتكلم عن الغلو ثم يقول: مثل ذلك يقال لمن يتبنى الآراء المتشددة في الغناء والموسيقى والرسوم والتصوير مما يخالف اجتهادي شخصياً، هو يقول، أو يخالف اجتهاد عدد من علماء العصر البارزين، لكنه يتفق مع عدد من علماء المسلمين المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين.
يعني أن الموسيقى والغناء والتصوير أشياء هناك من قال بالإباحة فيها، وهناك من قال بتحريمها، فما يجوز أن نتبنى هذه الآراء المتشددة، ونلزم الناس بها؟ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  [سورة النور: 16].
يعني الموسيقى والغناء حكمها ليس واضحاً في الشرع لدرجة أن يختلف فيها العلماء؟ وكل ما كتبه العلماء؛ ابن القيم وغيره في قضية الغناء والمعازف والموسيقى هي مسالة غير واضحة لدرجة أننا نعتقد أن إلزام الناس وعدم الاستماع لها هو تشدد وغلو؟ انظر كيف يفهم الناس قضية الغلو والتطرف؟
ثم يقول: والواقع أن كثيراً مما ينكر على من يسميهم المتطرفين قد يعتبر من التشدد والتنطع يعني هذه الأشياء تعتبر تشدد وتنطع، لها أصل في فقهنا وتراثنا، يعني يقول: أن بعض الأشياء التي عندهم فيها أصل شرعي، وليس كل الأشياء التي عندهم لها أصل شرعي، يقول: كتقصير الثوب إلى ما فوق الكعبين والامتناع من مصافحة النساء وغيره.
طيب يا أخي تقصير الثوب إلى ما فوق الكعبين ومصافحة النساء أليست من الأحكام الواضحة في القرآن والسنة؟، هل يصلح أن نطلق على من يمتنع من مصافحة النساء ويلتزم بسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويبقى ثوبه إلى فوق الكعبين، يعتبر متشدد ومتطرف؟، هذا غير صحيح.
ثم يقول في موضع آخر: ومثل ذلك قضية تقصير الثوب الذي التزمه كثير من الشباب المتدين رغم ما جر من متاعب أسرية واجتماعية بدعوى أن لبس الثوب إذا زاد على الكعبين حرام، ومثل قضية التطرف تقصير الثوب، برغم المشاكل التي صارت؛ أسرية واجتماعية نتخلى عن هذه القضية، كيف يكون هذا؟
كيف يدعى بأن سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- غلو وتطرف، الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان ثوبه لمنتصف ساقيه، ما يجوز عن الرسول، يعني: هذه خطيرة قوية؛ لأننا سنتهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- في النهاية بأنه مغالٍ ومتطرف، والرسول -صلى الله عليه وسلم- هكذا كان ثوبه، لكن في الجانب المقابل لا نغالي ونقول للناس يجب أن تكون ثيابكم إلى منتصف السيقان، لا؛ لماذا؟ لأن الأمر فيه فُسحة، والرسول -صلى الله عليه وسلم- رخص بأن يكون طول الثوب إلى الكعبين، مادام أنه رخّص في هذا وحرم أن يجاوز الكعبين، مادام أنه رخص فيما فوق الكعبين فلا يجوز لنا أن ننكر على من جعل ثوبه إلى فوق الكعب بقليل.
ما يجوز؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين أن هذا مباح، ولذلك من كان يواجه مشاكل كبيرة مثلاً، أو يريد أن يدخل في الناس ويرى بأنه باجتهاده، أن الثوب إلى الكعبين مساعدة له، نقول له: نعم أصبت، ما نخطئه، ما نستطيع أن نخطئه، لكن أيضاً ما نلزم الناس أن تكون ثيابهم دائماً قصيرة إلى الركبة، يريد يلتزم نصف الساق يلتزم، إلى أدنى من ذلك يفعل، لكن بشرط أن لا يجاوز الكعبين.
كذلك هناك نصوص كثيرة من هؤلاء الكتاب الذين يكتبون تجد في كتاباتهم الغث والسموم، بل تجد أن كثيراً منها تخرب أكثر مما تبني، يقول أحدهم: ناقشني بعضهم في مسألة وضع اليدين على الصدر، وكأنه يجعلها قضية المسلمين الأولى، هي ليست قضية المسلمين الأولى، لكن يجب أن نضع اليدين على الصدر سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة، ثبت عنهم هذا، ما نقول بأنها مسألة بسيطة ونتركها ما نناقش فيها أحداً أبداً، ولا نتناقش فيها أبداً، غير صحيح، لكن ما نجعل كل مجلس نتناقش في مسائل العلم نناقش مسألة وضع اليدين على الصدر، لكن لازم نناقش فيها ونسأل فيها العلماء، لازم نحرص على سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-،  صلوا كما رأيتموني أصلي  [رواه البخاري: 631]. لكن لا نقول أنها قضية أهم من الجهاد، وهي أهم من الحكم، لا، لكن يجب أن نبحث عنها ونلتزم بها، ونناقش فيها بالقدر الذي لا يكون فيه تعدياً على النقاش في بقية الأشياء المهمة.
ثم يقول واحد من هؤلاء الذي يعيش في الهموم يقول: فنظرت إلى ذلك الشاب وهو كميش الثوب، بهذا المنظر المحتقر، احتقار بالجملة لسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
ويقول أحدهم: رأيت هذه المرأة تخرج وعلى رأسها مثل الخيمة السوداء، لا ترى منها شيء، على سبيل التهكم والاستهزاء، متى كان التزام الحجاب للمرأة المسلمة وعدم إبداء شيء من زينتها وعورتها، متى كان يصح أن يعتبر تشدداً وتزلفاً وتطرفاً؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولذلك يقول أحد الدعاة: عندما صار كلام على قضية الرجوع إلى القرآن والسنة هي رجعية، ويجب أن ننبذ الرجعية ونأخذ بالتقدمية، فقال بصيغة المستهزئ بأقوال، اللهم إن كان المتمسك بالقرآن والسنة رجعياً فأحيني رجعياً وأمتني رجعياً واحشرني بزمرة الرجعيين، انظر كيف يطلقون على من تمسك بالكتاب والسنة أنه رجعي أو متخلف، التمسك بالكتاب والسنة.
من الغلو إلزام الناس ببعض السنن التي يسوغ فيها الخلاف:
01:17:34
 كذلك أمور يستحسن تركها، أو أمور يظن الناس أنها سنة وهي ليست كذلك، ما دام دخلنا في قضية التطبيق وقضية السنن نأخذ لكم مثالاً: قضية إلزاق القدم بالقدم في الصلاة، هذه المسألة من السنن، السنة إلزاق القدم بالقدم، والمنكب بالمنكب ورص الصفوف، لكن لو أتيت تريد أن تلزق قدمك بواحد وهو يبتعد عنك، أنت بدلاً من أن تقترب منه بكليتك تقرب رجلك فقط، يبعد رجلك وأنت تقرب رجلك حتى تنفتح أرجلك انفتاحاً غير طبيعياً! هذا الفعل هل هو من السنة؟ ما هو من السنة؛ لأنك لو تفتح أرجلك من تحت كم تبقي بين منكبك ومنكبه، تبقي مسافة ما سويت فقط ألزقت إصبعاً بإصبع، فقط هذا الذي فعلتَه، والباقي الذي فوق؟.
ولذلك إذا واحد جاهل، دخلت في الصلاة ألزقت بالقدم ابتعد، دعه لا تشد عليه؛ لأنك لو شديت عليه تنفره من سنة رص الصفوف كلها، وإذا رآك آت للمسجد وأنت في الصف راح الطرف الثاني يقول ما أريد هذا يصلي جنبي، هذا معقدني، وهذا، لكن أيها الأخوة يجب أن نعلم الناس السنة، نقول: السنة إلزاق القدم بالقدوم والمنكب بالمنكب، ما في أذى لو ألزقت قدمه بقدمه، بعض الناس من شعورهم بالجو الجاهلي الذي يعيشونه مثل البالون، منتفش ما يريد أحداً يقترب بجانبه ولا يلمس منه شيئاً، إذا لمسته اعتبرها إهانة، واعتبرها لعباً، لذلك تجده يأخذ مساحة في الصف، هذا يريد يستريح، الراحة يا أخي في اتباع السنة.
مثلاً: بعض المظاهر قد يظنها الناس من السنة وماهي من السنة، توحي للآخرين بأنك متشدد أو متزمّت، ينبغي أن تتركها، إذا شعرتَ بأنك تنفر الناس، مثلاً وضع اليدين على النحر، ليس على الصدر، على النحر، الآن السنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في وضع اليدين أنه كان يضعهما على الصدر، والصدر والحمد لله متسع -يعني من العنق إلى فوق السرة- كل هذا صدر، وضعتها هنا، أو هنا، أو هنا، كلها صحيح.
 من الذي قال وضع اليدين على النحر؟ قال به جماعة، ورد عن علي بن أبي طالب في تفسير قوله تعالى:  فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ  [الكوثر: 2]. أن  انْحَرْ  معناها: وضع اليدين على النحر، لكنه تفسير مرجوح،  انْحَرْ معناها: إراقة دم الأضحية، والذبح لله تعالى، وورد عن الفضيل بن عياض أنه فسّر الحديث بوضع اليدين على النحر.
لو أنت وضعت اليدين على النحر، هذه العملية أمام بعض الناس يقول: هذا سيخنق نفسه؟، قد يكون فيها تنفير لذلك ليس من المناسب ولا من المستحسن أن تضع يديك على النحر؛ خصوصاً أنه ما ثبت في السنة، الذي ثبت وضع اليدين على الصدر، والمعلوم بأن الصدر مختلف عن النحر، وفي اللغة الصدر لا يدخل فيه العنق، هذا الغالب، فوضع اليدين على الصدر هذا تضع هكذا. "أو كما اختار الامام اسحاق بن راهويه بين الثديين"
[مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه: 9/4851].
وضع اليدين على الصدر من السنة، لو قال الناس: هذا تشديد، قل لهم: ليس لكم علاقة، أنا أتكلم الآن عن السنن التي يظنها الناس سنناً وليست بسنن، لكن لو كانت سنناً فقال الناس مثلاً: يا فلان لا تحرك الأصبع في التشهد ما هذا اللعب؟ قل لهم: أنتم وشأنكم أنا أطبق سنة النبي-صلى الله عليه وسلم-، أنا أحرك إصبعي في التشهد، قالوا لك: اللحية يا أخي هذه سنة لماذا؟ هذه ليست من السنة، أو هذا الثوب ما يكون هكذا؟ تقول لهم: لا أطيعكم، حتى لو اتهمتموني بالتطرُّف والتشدد والتزمُّت لا أطيع.
لو كان الإنسان يصلي بجماعة -يعني إماماً مثلاً- قدموه للإمامة، ومذهبهم على شيء قد لا يكون من السنة لكنه غير محرم، ليس حراماً، هل يترك السنة لتأليف قلوبهم؟
مثلاً: دخل إمام رجل في جماعة من الشافعية، الشافعية في مذهبهم أنهم يجهرون بالبسملة دائماً، فقدموه للصلاة، وهو إذا لم يجهر بالبسملة سيعتبرون صلاته ناقصة، وربما يعيدون الصلاة، ويتلمسون عليه مشاكل، وإذا جهر بالبسملة في هذه المرة ما خالف السنة، كما جهر عمر بدعاء الاستفتاح، وكما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة حتى يعلم الناس، فالآن إذا قدموك للإمامة وكل هؤلاء الناس الذين في المسجد من الشافعية يجهرون ويعتبرون الصلاة ناقصة بعدم الجهر، فلا بأس أن تجهر وتخالف السنة، تجهر لكن ما تقع في البدعة ولا في المحرم، تجهر تأليفاً لقلوبهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية الفقيه الأصولي الواعي بواقعه يقول: "مراعاة الائتلاف هو الحق، فيجهر بالبسملة لمصلحة راجحة، ويسوغ ترك الأفضل لتأليف القلوب" الأفضل عدم الجهر، "لكن يسوغ ترك الأفضل لتأليف القلوب، كما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- بناء البيت على قواعد إبراهيم خشية تنفير قريش"
[بمجموع الفتاوى: 22/436].
الأفضل أن يبني الكعبة على بناء إبراهيم، ويدخل فيه ستة أذرع ويرفع بابين، باب يدخل منه الناس وباب منه يخرجون، لكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ترك هذا؛ تأليفاً للقلوب، والناس حديثو عهد بجاهلية.
كما يقول -رحمه الله-: "وفي وصل الوتر وغيره مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز -يعني فصل الوتر مع الشفع تسليمة واحدة، "مما فيه العدول عن الأفضل للجائز مراعاة للائتلاف، أو لتعريف السنة وأمثال ذلك، هذا شيء مطلوب" وقال: "الفعل الواحد يُستحب فعله تارة ويُترك أخرى بحسب المصالح، فلو جهر بالبسملة من يرى المخافتة بها لأجل تأليف قلوب المأمومين خلفه، أو خافت بها من يرى الجهر فحسن" [مختصر الفتاوى المصرية: 52] ".
لاحظ كيف هذه الجماعة الناس كلهم وأنت إذا جهرت ألفت بين قلوبهم، ما وقعت في محرم، ولا وقعت في بدعة، وإنما تركت السنة مرة لتأليف القلوب، فلذلك المسألة هذه طيبة، وفعلها طيب.
أسباب مظاهر التشدد والغلو في الدين:
01:25:04
 أما أسباب التشدد والغلو فيرجع إلى الطبيعة الأخلاقية المتشددة لبعض الناس، يكون ورثه عن أبيه أو أمه، أو تربى عليها في البيت، أو يكون راجعاً إلى ضيق العقل، وضيق المدارك، أو الجهل بالدين، أو ردة الفعل ضد الفساد المنتشر بالانفتاح على الدنيا.
يعني بعض الناس قد يظن أن التوسع بالماديات والناس غارقون في هذه الأشياء، يقولون كردة فعل نحن نحرم هذه الأشياء الطيبة على أنفسنا حتى نوجد تياراً آخر يواجه التيار المادي! ليس صحيحاً، أنت أوجد التيار الوسط والناس سيلتزمون به.
التطرف والغلو قصير العمر:
01:25:48
 كذلك من عيوب التطرف والغلو أنه قصير العمر لا يستمر، إذا ألزم واحد نفسه بالصيام المتواصل والقيام المتواصل، ما يستطيع أن يكمل بهذا المشوار، ولا بد أن ينقطع في الطريق، ينقطع وربما ينتكس ويرجع أتعس من الأول.
ومن نتائج التشدد أن الإنسان إذا شدد على نفسه؛ من صور التشدد مثلاً قضية طريقة القراءة، بعض الناس يأتي يجود القرآن بالتجويد، يقوم يتحذلق في إخراجه للحروف، ويتقعر في إخراجها، ويأتي بأشياء تشتكي منها المسامع، يزعم بأن هذا تجويد وأن هذا تحقيق للحروف.
قال السخاوي -رحمه الله تعالى- في نونيته:
لاَ تَحْسَبِ التَّجْوِيدَ مَداًّ مُفْرِطاً *** أَوْ مَدَّ مَا لاَ مَدَّ فِيهِ لِوَانِ
أَوْ أَنْ تُشَدِّدَ بَعْدَ مَدٍّ هَمْزَةً *** أَوْ أَنْ تَلُوكَ الْحَرْفَ كَالسَّكْرَانِ
أَوْ أَنْ تَفُوهَ بِكلْمةٍ مُتَهَوِّعاً *** فَيَفِرُ سَامِعُهَا مِنَ الْغَثَيَانِ
لِلْحَرْفِ مِيزَانٌ فَلاَ تَكُ طَاغِياً *** فِيه وَلاَ تَكُ مُخْسِرَ الْمِيزَانِ
[جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي: 662].
فلا تتفوه بكلمة متهوع متقعر الذي يسمعك يريد أن ينفر منك وأنت في الصلاة، التجويد تجويد، ومعرفة الحروف والوقوف أشياء مطلوبة، لكن من غير تقعر وتحذلق، وهذا تجده من بعض الناس، تجده يفتح فمه ويأتي بحركات وأصوات غريبة يزعم بأنه يطبّق قواعد التجويد.
ضرر الغلو والتشديد ليس مقتصراً على صاحبه:
01:27:51
 هذا التشديد ليس ضرره فقط على الإنسان، وإنما ضرره أيضاً على الناس؛ لأن هذا الغلو وهذا التشدد يجعل الناس ينفرون من الدين، ينفرون منك وينفرون من الدين الذي أنت عليه من خطئه وصوابه، يترك الخطأ ويترك الصواب.
هناك محاذير ختام الموضوع، محاذير أذكرها قبل أن ننتهي من الموضوع، أن المشكلة عند الناس في هذا العصر كما ذكرنا أن التساهل أكثر من التشدد، إذ قستَ نسبة المتشددين بجانب المتساهلين تجد أكثر العالم اليوم متساهلين، ولا يعني أننا نتكلم عن القضية الآن أن هذا هو الأساس الذي تكلمنا عليه، لا، هذا موضوع هو مقدمة لمواضيع أخرى في قضية التوسط والوسطية سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
ولا بد ان نتطرق في المستقبل بحول الله وقوته إلى قضية التساهل والتفريط الحاصل من الناس الآن، وكيف يجب أن يعالج. فلا يفهم من عرض الموضوع هذا أن الأصل في واقع الناس الآن هو الغلو والتشدد، لكن ليس في الكثرة، الكثرة الآن في التساهل، كذلك لا يُفهم من عرض الموضع أن الإسلام دين السماحة واليُسر لدرجة أن ما فيه أي نوع من أنواع الشدة، لا، ألم يقل الله تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً  [سورة التوبة: 123]، وألم يقل الله تعالى في قضية الحدود:  وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  [سورة النور: 2]. ومشروعية التعزيرات وإقامة الحدود فيه دليل على أن الإسلام دين فيه حزم، وفيه قوة، وفيه شدة، ولكن على من يستحقها.
التطرف في معالجة مشكلة التطرف:
01:30:01
 وكذلك ختاماً من التطرف والغلو: التطرف في معالجة مشكلة التطرف.
بعض الناس يضخم قضية التطرف فهماً بحيث يشعرك فعلاً أنه كل الناس متطرفين، يقول: أي واحد متدين متطرف، هذا المتدين متطرف يعني: فعله هذا متطرف، وقد عقد الأستاذ محمد قطب جزاه الله خيراً في آخر كتابه واقعنا المعاصر الفصل قبل الأخير موضوع عن التطرف ينبغي أن يراجع ويقرأ؛ لأن فيه فوائد كثيرة.
هذا ختام قضية الكلام عن مسألة الغلو.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يلهمنا رشدنا، وأن يبصّرنا بالحق، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
الأسئلة:
01:30:54
 يقول السؤال: امرأة تتضرر بالحمل جداً، وزوجها يحب الأولاد، يعني هي إذا حملت تصل إلى درجة الهلاك، وزوجها يحب الأولاد جداً، ولذلك ليس مستعداً أن يعزل ولا أن يعزل وليس مستعداً أن يدع الجماع ولا يسمح لها أن تأخذ حبوب منع الحمل، فكان السؤال: هل يجوز لها أن تأخذ حبوب منع الحمل بدون علمه؟ فكان الجواب: مما تحصل من أقوال العلماء ما ملخصه: أنها تأخذ الحبوب وتخبره بأكلها، حتى لا يصير في تغير وإذا ما صار حمل يعتبر هذا قضاء وقدر، يعني تأخذ السبب، ولكنه إذا منعها فإنه يجوز أن تطلب الطلاق، يعني ما تتحمل، يقول الشيخ ابن عثيمين: إذا كان الحق مثلما ذكرت السائلة أنه تصل لدرجة الهلاك إذا حملت، فيجوز أن تطلب منه الطلاق إذا رفض أن يقبل أن تأخذ الحبوب، ولكن تأخذ وتعلمه وإذا امتنع فعند ذلك يجوز لها أن تطلب الطلاق؛ لأنها لا تتحمل؛ لأن الإنسان أساساً لا يجوز أن يأخذ مضراً بنفسه حتى لو أمره أبوه أو شيخه أو زوجه، ما يجوز أن يفعل أشياء تقضي عليه، تسبب له الهلاك، وهذه حالات نادرة وإلا فالأصل أن الولادات طبيعية أو فيها مشقة ولكنها متحملة.
يقول السؤال: ما حكم إعطاء كفارة يمين نقداً؟
الشيخ ابن عثيمين: لا يجوز إخراج كفارة اليمين نقداً، بل أن تُخرج بحسب ما يرى طعاماً أو كسوة.
يقول السؤال: رجل جعل غيره سترة؟ يعني: واحد بحث عن سترة في المسجد ما وجد، وجد واحداً يصلي أو جالس قام صلى بعده؟
ومشروع أن يتخذ غيره من ظهر غيره سترة.
فكان السؤال: هل يلزم  الشخص القاعد أن يكمل قعوده بحيث يكمل الشخص الذي وراءه وإلا ممكن ينصرف أثناء صلاة هذاك الرجل؟
قول الشيخ ابن عثيمين: لا يلزمه أن يجلس.
وصلى الله على نبينا محمد.