السبت 12 محرّم 1440 هـ :: 22 سبتمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

رسالة إلى الجندي المسلم


عناصر المادة
أهمية الجندي المسلم:
غايات الجهاد ومقاصده وأهدافه:
صفات الجندي المسلم:
آداب الجندي المسلم:
نماذج رائعة من المجاهدين الأوائل:
نصائح هامة للجنود المرابطين في الجبهات:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار عن دربه، واهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، صلى الله عليه صلاة تامة كاملة بما علمنا وما أرشدنا.
وكان لنا قدوة صلى الله عليه وسلم، كان إماما ًمجاهداً، ونبياً مرسلاً، ومعلما ًقدوة، وأبا ًحنوناً، وزوجاً مشفقاً، وقائداً ربانياً، ومعلماً وهادياً، صلى الله عليه وسلم.
هذا النبي الأميّ الذي بعثه الله على حين فترة من الرسل، لما نظر الله إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب فأرسل هذا الرسول النبي الأمي كي يفتح الله به قلوبا ًغلفاً، وآذاناً صماً، وأعيناً عميا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها.
أيها الإخوة: عنوان المحاضرة: "رسالة إلى الجندي المسلم".
أهمية الجندي المسلم:
00:02:00
 الجندي المسلم الذي يمثل قطاعا ًمهماً من قطاعات المجتمع المسلم، فكما أن المجتمع يتكون من طلاب، ومدرسين، وأطباء، ومهندسين، وأولاد، وزوجات، وربات بيوت، وغير ذلك من أنواع المهن والوظائف التي يتوزعها أفراد المجتمع المسلم، يكون الجندي المسلم صاحب ثغرة كبيرة ومهمة عظيمة في هذا المجتمع. إن المجتمع الإسلامي بغير جنود يجاهدون في سبيل الله لا يكون له قيمة كبرى إلا إذا تحققت هذه الجندية كما يريد الله -عز وجل-.
أيها الإخوة، أيها الجنود، يا جنود الإسلام، يا جنود الإسلام في هذا المكان، ويا جنود الإسلام في الجبهات، ويا جنود الإسلام في المعسكرات، ويا جنود الإسلام في المخيمات، ويا جنود الإسلام في ساحات المعركة: إنه لا بد لكم أن تتعرفوا على صفات الجندي المسلم وآداب الجندي المسلم.
لا بد أن نتعرف وإياكم على فريضة الجهاد في الإسلام، ما هي أهدافه؟ وما هي غاياته؟ وهذه مقدمتنا سنتبعها بذكر الصفات والآداب للجندي المسلم، وذكر نماذج من القدوات الخيرة للجنود المسلمين في صدر الإسلام وما بعده من المعارك الإسلامية الخالدة.
ونتكلم كذلك عن فقرة خاصة تتعلق بالجنود في الجبهة وما يحتاجون إليه في معسكراتهم، نصائح لملء الوقت، ومحاربة المنكرات في المعسكرات.
غايات الجهاد ومقاصده وأهدافه:
00:04:10
 أيها الإخوة: إن الجهاد سيف الله في الأرض، شريعة الله الخالدة لإقامة الدين، هي الجهاد.
حكم الله في أعداء الإسلام لا ينفذ إلا بالجهاد.
تعبيد الناس لرب العالمين لا يتم إلا بالجهاد.
والهدف الأساسي من شرع الجهاد في الإسلام إقامة الملة الحنيفية، وإزالة الشرك والكفر بأنواعه، ولأجل هذا شرع الله الجهاد:  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه  [الأنفال: 39].
ما هو الهدف من القتال؟
إزالة الفتنة، والفتنة هي الشرك:  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه  [الأنفال: 39] هذا هو الهدف، وهذا هو الأساس.
من أجل لا إله إلا الله جردت السيوف وشرع الجهاد، وحقت كلمة الله على جميع العباد:  أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله -تعالى- [رواه البخاري: 25، ومسلم: 22].
قال صلى الله عليه وسلم أيضاً:  بُعثت بين يدي الساعة بالسيف  من أجل أي شيء؟  حتى يعبد الله -تعالى- وحده لا شريك له  [رواه أحمد: 5115، وصححه الألباني في حجاب المرأة: 104، والإرواء: 1269].
ولما وعى المسلمون الأوائل هذا الهدف في الجهاد كانوا يقولون لأعدائهم قبل القتال: نقاتلكم من أجل هذا.
وهذا الذي قاله المغيرة لعامل كسرى: "فأمرنا نبينا رسول ربنا -صلى الله عليه وسلم- أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية" [رواه مسلم: 3159] إلى آخر كلامه -رضي الله عنه-.
وهذا الذي قاله ربعيّ بن عامر لرستم لما واجهه وقد تقدم إليه بسيفه يتوكأ عليه على النمارق حتى خرقها بين يدي قائد الفرس وبلغّه الرسالة: نحن جند الإسلام خرجنا لقتالكم لموعود الله في أرضكم إما أن نظفر عليكم، ونظهر عليكم، أو يموت منّا أناس فيذهبون إلى الجنة" الحُسنى الأولى "ويظفر أناس ويتملكون عليكم" وهي الحسنى الثانية.
إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
فإذاً، الغاية من الجهاد في الإسلام: تحرير الإنسانية من العبودية لغير الله.
الغاية من الجهاد في الإسلام: تحرير الناس من الطواغيت، تحرير الناس من الأنظمة الشركية، تحرير الناس من الأنظمة الكفرية، تعبيد الناس لله.
وكذلك فإن من أهداف الجهاد في الإسلام لأن الجهاد ينقسم إلى قسمين:
جهاد هجوم على الأعداء، وجهاد صدّ ودفع.
وكلاهما جهاد، جهاد هجومي، وجهاد دفاعي.
وأما من جعل الجهاد دفاعياً فقط فإنه ضال منحرف عن ملة الإسلام، ما فقه دين الله، بل هو إما مستشرق من المستشرقين الذين يريدون قصر الدين وقصر الجهاد على مفهوم معين، أو فرخ من أفراخهم، أو ناعق بما لا يعلم، ينعق بما يسمع، كالغراب الأصم، وهكذا..
فالجهاد يكون جهاداً هجومياً بنشر الدعوة في الأرض، أو يكون جهاداً دفاعياً إذا اعتدي على بلدان المسلمين.
فمن أهداف الجهاد: رد اعتداء المعتدين عن المسلمين:  وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ  [البقرة: 190].
وتأمل كيف ربط الجهاد بقوله:  فِي سَبِيلِ اللّهِ  ولم يقل: وقاتلوا الذين يقتلونكم، فقط، وإنما قال:  وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ  [البقرة: 190].
وكذلك فإن المسلم عندما يقاتل الكفرة، عندنا يقاتل الضالين المكذبين بدعوات الرسل، يقاتلهم لأنهم ضد الإسلام، يقاتلهم لأنهم ضد الدعوة، يقاتلهم لأنهم ضد الدين، ألم ترَ إلى ربك لما حمّس المسلمين للقتال فقال لهم:  أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ  [التوبة: 13].
"قاتلوهم" يخرجون رسولكم من مكة، ويتآمرون على إخراجه وأنتم ساكتون، لا بد أن تقاتلوهم:  أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  واعتدوا عليكم  أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ  [التوبة: 13].
ومن أهداف الجهاد والقتال في الإسلام: إزالة الفتنة حتى يتمكن كل إنسان في الأرض من سماع الدين، وسماع كلمة الدين، وسماع صوت هذا الدين متمثلاً في دعاته وعلمائه؛ لأن الجاهلية تضع عوائق، تحول بين الناس وسماع الدين.
الجاهلية في الأرض تضع حواجز تحول بين الناس وبين سماع الدين.
الجاهلية في الأرض تشن حملات كثيرة لتعمي على الناس وعلى الشعوب أخبار الدين الإسلامي، فيكون الجهاد من أجل إزالة هذه العوائق، وتحطيم كل معتد، وكل باغٍ، وكل إنسان يريد أن يمنع وصول صوت الدين إلى الناس، وعند ذلك يأتي هذا الجهاد ليقول للكفار: إما أن تخلوا بيننا وبين الناس ندعوهم إلى الله، أو نقاتلكم، لنزيلكم حتى يصل الصوت الإسلامي إلى المشرق والمغرب.
وشرع الجهاد في سبيل الله: لرفع العذاب عن المستضعفين في الأرض، هناك كثير من المسلمين مستضعفين في الأرض، هناك كثير من المسلمين معذبين في سجون الأعداء، وتحت سياط الأعداء، وتحت نيب العدو، وتحت عذابهم، يسمونهم أشد العذاب، يستحيون نساءهم، يسبون أولادهم.
وكذلك ينبغي للمسلم: أن يفعل ليرفع هذه المحنة عن إخوانه المسلمين، ولأجل ذلك شرع الجهاد في سبيل الله، ولكي تتغير جميع الأوضاع التي تصد عن سبيل الله.
وشرع الجهاد لحماية المجتمع الإسلامي من الكفار، وشرع الجهاد لقتل الكافرين وإبادتهم لأنهم سرطان أو أشد وهم مفسدون، قال الله -تعالى-:  فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ  يعني قضيتم على شوكتهم وكسرتموها  فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء  [محمد: 4] حسب ما يراه إمام المسلمين من المصلحة، فإن رأى قتل الأسارى قتلوا، وإن رأى أن يأخذ مالاً ويفاديهم أخذ مالاً، وإن رأى أن يمن عليهم بغير فدية منّ عليهم بحسب مصلحة المسلمين، كما ذكر أهل العلم في أحكام الأسرى التي لا يعرفها كثير من المقاتلين، وكثير من الجنود الذين ينبغي أن يتعلموا أحكام الدين.
قال الله -عز وجل-:  قَاتِلُوهُمْ  مبيناً أهداف القتال  يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ .
ثانياً:  وَيُخْزِهِمْ .
ثالثاً:  وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ 
رابعاً:  وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ  [التوبة: 14 - 15].
هناك كثير من المؤمنين المظلومين في الأرض، هناك كثير من المسلمين المطحونين الذين أخذت أموالهم وسبيت نساؤهم وقتل أطفالهم، ينبغي أن يعلن الجهاد والقتال لنصر أولئك المستضعفين.
ومن أهداف الجهاد والقتال في سبيل الله: إرهاب العدو:  وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ  [الأنفال: 60].
فجعل العدو مشتركاً عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ  فإن الناس قد يتعادون على أمور من الدنيا، فقال الله لهم مبينا ًصفات المقاتَلِين، من الذين يقاتَلون؟ من الذين نشن الحرب عليه؟  عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ  .
 وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ .
ومن أهداف القتال والجهاد: كشف المنافقين؛ لأن المنافقين من أوائل الفارين، لقد انخزل عبد الله بن أُبي بثلث الجيش يوم أحد [مصنف عبد الرزاق: 5/363].
أيها الإخوة: كشف المنافقين من أهداف الجهاد؛ لأن المنافق لا يخرج في الحرب، قيل لهم: انفروا في الحر، قالوا: لا ننفر في الحر:  قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: 81]، لو كانوا يعلمون  نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ، فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا   [التوبة: 82].
لذلك إِذَا  أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [محمد: 20]؛ لأنهم يخافون الجهاد، يخافون المعركة، يخافون الخروج في الساحة؛ لأنهم جبناء لا يمكن أن يقاتلوا.
ومن أهداف الجهاد: تمحيص المؤمنين:  مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ  آل عمران: 179].
فلا بد أن يتبين الصادق من الكاذب، لا بد أن يتبين الخائف من الشجاع والجبان من الشجاع، لا بد أن يتبين لله شهداء، لا بد أن يصطفي الله شهداء من المؤمنين، ويغفر للشهيد عند أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه  [رواه الترمذي: 1663، وقال: "هذا حديث صحيح غريب"، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 3834].
والجهاد تربية للمؤمنين؛ لأن المؤمن يتربى فيه على الصبر وعلى المصابرة، ويتربى فيه على البذل والعطاء، ويتربى فيه على التضحية.
والجهاد كذلك فيه غنائم وسبي، فيه غنائم للمسلمين تزيد من قوتهم الاقتصادية والمالية، غنائم أعدها الله لهم في الدنيا غير المغفرة في الآخرة.
صفات الجندي المسلم:
00:16:16
ربعد هذه المقدمة ننتقل وإياكم لاستعراض بعض الصفات التي ينبغي أن يتمتع بها الجندي المسلم، كيف ينبغي أن يكون.
أول صفة من صفات الجندي المسلم، المقاتل المسلم: أن يعرف الهدف من القتال، وهو ما بينه صلى الله عليه وسلم لما سئل: يا رسول الله الرجل يقاتل للذكر، الرجل يقاتل للمغنم، الرجل يقاتل حمية، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام كلمة مهمة جداً جداً جداً تبين وتشفي ولا تدع مجالاً للكلام بعدها، قال مجيباً: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله  [رواه البخاري: 123، ومسلم: 1904].
ما في أبلغ من هذا الجواب أبداً، ولا أشفى من هذا الجواب، ولا أحسن من هذا الجواب، ولا أكمل من هذا الجواب، ولا أبلغ من هذا الجواب أبداً:  من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله .
المقاتل المسلم، الجندي المسلم أهم صفاته: الإخلاص، يقاتل ليس لأي شيء دونه، يقاتل لله، يقاتل من أجل الله.
المقاتل المسلم يبذل أهم ما عنده روحه، يضحي بروحه في سبيل الله.
فإذاً، التضحية بالروح لا تكون لأي شيء، أغلى شيء عندك روحك، فتضحي بها من أجل أي شيء؟ لا بد أن تضحي بها من أجل شيء عظيم، كما أنها شيء نفيس وغالي لا بد أن تخرج الروح من أجل شيء نفيس وغالي بل أغلى؛ لأن الإنسان لا يضحي بمحبوب إلا لأجل محبوب أعلى.
قاعدة: الإنسان لا يضحي بمحبوب إلا من أجل محبوب أكبر وإلا ما ضحى بالمحبوب، لا يضحي بالمحبوب.
لماذا تضحي بالمال وتنفق إلا إذا أنت تريد الأجر، والأجر عندك أهم من المال، ولذلك أنفقت المال وإلا ما أنفقت.
فتذهب روحك بأي شيء؟ تذهب روحك لأي هدف؟
لأجل إعلاء كلمة الله، ولذلك فإن كل المقاتلين في النار إلا الذين قاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله، دفاعا ًعن المسلمين، دفاعا ًعن بلاد المسلمين، دفاعاً عن عقيدة المسلمين، وعن دين المسلمين، وهجوماً على أعداء الله وعلى الكفرة وعلى الطغاة وعلى الظلمة الذين يعيقون انتشار الدعوة في الأرض.
ولذلك كان من قاتل عصبية أو جاهلية أو حمية أو رياءً أو ليقال: جريء، أو دفاعاً عن تراب؛ كل ذلك فحم من فحم جهنم، وإنما الذي يذهب إلى الجنة الذي تكون نيته في القتال لله.
فلو قاتل تحت راية عصبية أو عمّية جاهلية فهو في النار.
ولأجل ذلك فالجندي المسلم لا يقاتل من أجل تراب ولا خرقة، وإنما يقاتل من أجل إعلاء كلمة الله.
ولما شاهد بعض الصحابة رجلاً يقاتل بشكل عجيب جداً، قالوا: يا رسول الله هذا رجل ما رأيتنا مثل قتاله؟ مقاتل، هذا إنسان أتقينا وراءه؟ هذا سد علينا ثغرا؟ هذا أبلى في العدو بلاءً حسناً؟ فأجابهم عليه الصلاة والسلام: أنه في النار، قال:  هو في النار! ، هو من أهل النار، فاستغرب الناس، الناس يرون الرجل من أشد الناس بلاءً في الكفار، مع المسلمين يقاتل أحسن شيء، ويطيح رؤوس الكفار، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول  هو من أهل النار ، الناس استغربوا اندهشوا، كيف يكون ذلك؟
واحد من المسلمين تطوع ليأتي بالخبر، قال: ألازمه، انظر، يعني هذا شيء عجب.
فلازمه وظل ينظر ماذا يفعل هذا الرجل وهو يقاتل الكفار حتى أصابته جراحة، الرجل جرح، فاتكأ على سهم أو رمح أو سيفه من الأمام حتى خرج من الخلف، فمات منتحراً، قتل نفسه.
وفي رواية أخرى: أن هذا الرجل أصابته جراحات فلفظ أنفاسه، فقال ابن حجر يذكر بعض روايات الحديث أنه سئل، قال: "وَإِنَّمَا قَاتَلْتُ عَلَى حَسَبِ قَوْمِي" [فتح الباري: 7/472].
فرجع الرجل يقول: أشهد أنك رسول الله [رواه البخاري: 2898، ومسلم: 112].
رجع المراقب الذي راقب الرجل يقول: أشهد أنك رسول الله.
الرجل الذي قلت إنه من أهل النار رأيته هكذا فعل، قتل نفسه.
وهذا رجل قزمان الذي قاتل وقاتل أيضاً، قال وهو يموت في القتال: "وَإِنَّمَا قَاتَلْتُ عَلَى حَسَبِ قَوْمِي".
فذهب، فحم من فحم جهنم: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا  [الأعراف: 38].
ويبين عليه الصلاة والسلام طبيعة الجندي المسلم والمقاتل المسلم فيقول: اسألوا الله أن تكونوا منهم، اللهم اجعلنا منهم.
 طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله  مستعد... كلما سمع صيحة طار معها، أشعث رأسه  لا يعرف الترف ولا الميوعة، أشعث الرأس، مغبرّة قدماه ؛ لأنه من كثرة الخروج والفزعة كلما سمع شيئاً، وندبت النادبة خرج أشعث رأسه، مغبرة قدماه.
 إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة  [رواه البخاري: 2887] ما هو المقصود؟ يعني أن هذا الرجل في عسكر المسلمين يؤدي جميع المهمات المنوطة به، والمكلف بها من قبل أمير الجيش المسلم.
يؤدي جميع المهمات المكلف بها من قبل القائد المسلم، إذا وضعه في الحراسة ما نام، مع أن الحراسة تتطلب جهداً ومشقة وسهراً وتعباً، لكن  إن كان في الحراسة كان في الحراسة  يعني أدى واجبها، وقام بها خير قيام،  وإن كان في الساقة  إذا وضعوه في مؤخرة الجيش أو يحمي ظهر الجيش  كان في الساقة  يعني قام بمهمته، ما قال: لماذا أنا وضعتوني وراء؟ أنا موقعي في الوسط، أنا في المقدمة، أنا في المؤخرة.
أينما وضع الجندي المسلم، إذا كان الهدف إعلاء كلمة الله فهو ينفذ المهمة بالتمام والكمال، لا يتخلف ولا يتوانى.
ولذلك فإن هذا الرجل قد يكون لا موقع له بين الناس، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفّع، ولكنه رجل عند الله مكانته عظيمة وعالية.
أيها الإخوة: هل تعلمون من هم أول الناس الذين تسعّر بهم النار يوم القيامة؟
أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: عالم، ومتصدق، ومجاهد.
عجباً! كيف يكون ذلك؟ أول من يدخل النار ثلاثة أشخاص: عالم ومتصدق ومجاهد؟
نعم، كيف ذلك؟
أبو هريرة يروي الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام في ذكر هذا الرجل: يؤتى بهذا المجاهد فيقال له: في ماذا  قاتلت؟ من أجل أي شيء قاتلت؟ في أي شيء؟ في سبيل أي شيء؟ فيقول: يا رب قاتلت في سبيلك حتى قتلت.
أهرقت دمي في سبيلك يا رب، بذلت نفسي في سبيلك، فيقال: كذبت، بل قاتلت ليقال: فلان جريء وقد قيل، اذهبوا به إلى النار.
بل قاتلت ليقال: فلان جريء وقد قيل، قال الناس، اذهبوا به إلى النار.
 يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة  [رواه الترمذي: 2382، وابن حبان: 408، وابن خزيمة: 2482، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 22].
ونفس الشيء الذي يتعلم ليس ابتغاءً لوجه الله، ولا ليتصدق ليقال عنه فلان جواد، كريم، متصدق، محسن.
ولذلك -أيها الإخوة- لا بد للجندي المسلم أن يخلص نفسه من حظوظ الدنيا كلها.
فالجندي المسلم لا يقاتل من أجل الأوسمة ولا النياشين ولا الرتب، وإنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فإن جاءت المغانم أهلاً وسهلاً والحمد لله.
لكن أن تجعل هي الهدف ويقاتل من أجلها، لا، الرجل يقاتل للمغنم ويقاتل للذكر؛ لأن يذكر بين الناس، ليس من سبيل الله.
لذلك حفظ لنا التاريخ الإسلامي قصصاً عجيبة، في ناس من المسلمين قتلوا ولا يدرى عنهم، ما أحد يدري عنهم، جاء الرسول من جبهات القتال في فارس والروم إلى عمر، عمر يقول، يسأله يقول: من الذي قتل من المسلمين؟
قال: فلان وفلان وفلان... وأناس آخرين لا نعلمهم.
قال:  لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ  [الأنفال: 60]. [ينظر: تاريخ الطبري: 3/583].
الكفرة يكرمون شيئاً اسمه الجندي المجهول، ونحن عندنا الجندي المجهول هو الذي يموت لا يعرف لإعلاء كلمة الله، ويضحي في سبيل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن بلاد المسلمين ضد الأعداء الذين يريدون تخريب الإسلام وتهديم الإسلام، لا بد من الدفاع عن الإسلام ضد هؤلاء الناس.
لقد حفظ لنا التاريخ قصصاً أخرى، هذا الشاب في معارك الصليبيين، صلاح الدين لما قاتل الصليبيين على أرض فلسطين كان فيه شاب من المسلمين كان عنده قدرات فنية عالية يتخصص في إحراق أبراج الكفار التي يرمون منها الشهب على المسلمين، فأحرق اثنين منها.
كانت تؤذي المسلمين جداً فصنع أشياء مركبات كيماوية وقذفها على هذه الأبراج فأحرقت الأبراج للصليبيين، فماذا حصل؟
بعد المعركة قالوا له: اذهب إلى القائد ليكافئك، أنت عملت لنا خدمة عظيمة جداً.
قال: إنما فعلت ذلك من أجل الله.
ما يمكن آخذ على هذا أجراً، أنا قاتلت في سبيل الله، ما يمكن آخذ على هذا أجر.
ومن صفات الجندي المسلم: إنه إيماني يفيض قلبه إيماناً، وتتقد نفسه بالتقوى، ويتحلى بطاعة الله -عز وجل-.
من صفات الجندي المسلم: أنه يواظب على العبادات، يبكّر في أداء الصلوات، ويقرأ القرآن، ويقوم الليل، ويذكر ربه على كل حال، ولا يزال لسانه رطباً من ذكر الله، وهو مع ذلك لا ينسى أذكار الصباح والمساء، ويتدبر في قصص الأنبياء والصحابة والشهداء.
فهذه التربية الإيمانية للجندي المسلم في غاية الأهمية أن يحافظ عليها.
من صفات الجندي المسلم: أنه يحارب المعصية محاربة، فإذا وقع في المعاصي فإنه يتوب إلى الله سريعاً.
ولذلك ما أخوف على الجيش من المعاصي، خذوها قاعدة في تاريخ حروب المسلمين كلهم: ما في شيء أخوف على الجيش الإسلامي من المعاصي، ما هزم المسلمون في معركة من المعارك إلا بالمعاصي.
ويوم أن تجردت الجيوش من المعاصي اكتسحت الأرض.
هذه القاعدة: يحترزون من المعاصي أشد مما يحترزون من العدو.
فإن ذنوب الجيش أخوف عليه من عدوه، وإنما ينتصر المسلمون على عدوهم بمعصيته لله، يعني نحن ننتصر على العدو متى؟ كيف ننتصر على العدو؟
بمعصية العدو لله.
إذا العدو عصى الله نحن انتصرنا عليه إذا كنا نحن من أهل الطاعات.
فإذا استوى المسلمون وعدوهم -إذا كان المسلمون في معاص والعدو في معاص- كان له الفضل عليهم بقوته؛ لأنه أكثر منهم عدداً وأقوى عدة.
إذا استشرت المعاصي في جيش، صرتم أنتم والأعداء سواء، أنتم تفعلون المعاصي وهم يفعلون، ففي هذه الحالة من الذي سيغلب؟
الأكثر عدداً، والأقوى عدة؛ لأنهم استووا في المعاصي.
والجندي المسلم من صفاته: حسن الإعداد والتدريب؛ لأنه يمتثل قول الله: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ  [الأنفال: 60].
هذه  مَّا  في قوله: مَّا اسْتَطَعْتُم  نكرة في سياق الأمر تفيد العموم كما قال أهل التفسير.
كل ما تستطيعون من القوة، كل ما يخطر ببالكم من أنواع القوة أعدوه للكفار.
ولذلك فالجندي المسلم مدرّب تدريباً جيداً في جسده، مدرب على سلاحه، ومن قبل مدرب على العقيدة والأخلاق.
الجنود الكفار أي عقيدة يتدربون عليها؟ وأي خلق؟
ولكن الجندي المسلم يتميز عن باقي جنود أهل الأرض بعقيدته، إسلامه، دينه، إخلاصه لله، وأخلاقه الإسلامية العالية، كما سنذكر بعد قليل.
ولا قيمة للجندي إذا كان أمره مقتصر على الجسد والسلاح فقط، الجندي المسلم ما له قيمة إذا كان مجرد جسد قوي، مفتول العضلات، وسلاحه جاهز، وأحدث سلاح، لا قيمة له إطلاقاً إذا كانت عقيدته فاسدة وهو يبارز الله بالمعاصي، كيف ينصره الله على العدو؟ لا يمكن، مستحيل.
فمن صفات الجندي المسلم: حسن إعداده بأنواع الإعداد البدنيّ والأسلحة، الإعداد البدني والإعداد الحربي والخطط وجميع الأشياء اللازمة لمواجهة الأعداء.
الجندي المسلم يخلص في التدريب.
لماذا يخلص الجندي المسلم في التدريب؟
لأنه في الحقيقة ينفذ أمراً إلهياً:  وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ  [الأنفال: 60].
لأنه ينفذ حديثه عليه الصلاة والسلام: إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه .
الجندي المسلم من صفاته: أنه يحتسب الأجر عند الله، عند التدريب وعند القتال:  إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به والممد به  [رواه الترمذي: 1637، وابن ماجه: 2811، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة: 7008] ثلاثة يدخلون الجنة بسهم واحد.
فالجندي المسلم يحتسب في التدريب، ويحتسب في الجهاد، وفي صناعة السلاح، وفي الإعداد يحتسب في ذلك كله.
ومن صفات الجندي المسلم: أنه مطيع ينفذ ما أمر به إذا لم يكن في معصية الله؛ لأن طاعة الجيش للأمير المسلم الذي يأمرهم إنما تكون من أسباب النصر ولا شك؛ لأنه لا بد أن يكونوا على قلب رجل واحد، ولا يصلح أن يكون أمرهم متفرقاً.
فإذا كان الثلاثة إذا خرجوا في سفر، يجب عليهم أن يؤمروا أحدهم ويأثموا إذا لم يؤمروا على قول بعض أهل العلم الذين أوجبوا التأمير في السفر، فما بالك في الجيش الذي هو أخطر في أمره من السفر بكثير والعدد أكثر من ثلاثة بكثير؟
فإذاً، الطاعة، من صفات الجندي المسلم إذا لم يؤمر بمعصية، فأما إذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام آمراً ومبايعاً الصحابة على السمع والطاعة في المنشط والمكره، فقال عليه الصلاة والسلام مخصصاً هذا الأمر:  لا طاعة في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف  [رواه البخاري: 7257، ومسلم: 1840].
لذلك لما تأمّر رجل على سرية في الجيش، أميرهم لما صار في الأرض، في الفلاة، في الصحراء أوقد نارا ًكبيرة، اجمعوا حطباً، جمعوا حطباً، أوقِدوا النار، أوقَدوا النار، قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمركم أن تطيعوني، قالوا: صحيح، قال: ادخلوا في النار، إن رسول الله أمركم أن تطيعوني، أطيعوني، ادخلوا في النار، الناس احتاروا، صحيح لا بد أن يطيعوه، لكنه يأمرهم بشيء لا يمكن، كيف يفعلوا هذا؟ فقال شاب منهم: إنما أسلمتم وتابعتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتنجوا من النار، أنتم أسلمتم وتابعتم الرسول -صلى الله عليه وسلم- لكي تنجوا من النار، فلا يمكن، ليس بالمعقول أبداً أن تدخلوا في النار، مقابل أي شيء تدخل في النار؟ مقابل أي شيء يخسر نفسه؟ فرفضوا، فرجعوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فصوبهم وخطأه، قال: لو دخلوها ما خرجوا منها، تصور، يعني إلى العذاب الأكبر، إنما الطاعة في المعروف  [رواه البخاري: 7145، ومسلم: 1840].
ولذلك كان من مبادئ الجاهلية: نفذ ثم اعترض، ولكنه عند أهل الإسلام إنما تنفذ الأوامر التي تندرج تحت طاعة الله، ولا بد من تنفيذها، إذا أمرك بطاعة الله لا بد أن تنفذ ويجب عليك أن تنفذ وتأثم إن لم تنفذ.
فأما إذا كان الجندي تحت الطاغية فرعون مثلاً وهامان فإنهم في النار؛ كما قال الله -عز وجل-: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ  [القصص: 8] كانت عقوبتهم  فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ  [الذاريات: 40].
من صفات الجندي المسلم: أنه يتوكل على الله، ويستعين بالله لا بأحد سواه.
أيها الإخوة: التوكل، التوكل، التوكل يا عباد الله، لا تنسوا التوكل على الله يا عباد الله، لا تنسوا التوكل على الله يا جند الإسلام، لا تنسوا الاستعانة بالله يا أبناء الدين، لا تنسوا الاعتماد على الله حق الاعتماد: إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ  [آل عمران: 160]، إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ  [غافر: 51]، ولذلك الاستعانة بالله لا تنافي الأخذ بالأسباب، أحسن التدريب، وقوِ السلاح، وأجهز الخطة، وتدرب عليها بالمناورات الميدانية، لكن لا تنس أبداً أن الله هو الناصر الحقيقي، وأن هذه مجرد أسباب دنيوية، وأن الله لو شاء أن يبطل مفعول الأسلحة لأبطلها، وأن الله لو شاء أن ترتجف إصبع الجندي على الزناد لارتجفت فربما أطلقها على نفسه أو على أصدقائه، ولا تنس أن الله عنده القوة ينصر من يريد ويخفض من يريد سبحانه وتعالى، ولذلك فالجندي المسلم يعلم بأن العدد والعدة ليست كل شيء، أبداً،  كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ  [البقرة : 249].
يا جماعة، يا أيها الناس، يا عباد الله، يا جنود الإسلام: لا بد أن تتأملوا في هذه الآية، لا بد أن تتدبروا فيها، أنتم العساكر لا بد أن تتدبروا في هذه الآية:  كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ  [البقرة: 249].
وما أدراك ما قصة طالوت وجنوده، فغلبوه فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء  [البقرة: 251].
والمسلمون في بدر، ثلث الكفار، وهزموهم بإذن الله، أضعف عدة وعتاداً، وهزموهم بإذن الله.
 وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا [التوبة: 25] وليتم مدبرين، متى جاء النصر؟ تصور المسلمون في معركة حنين كان عددهم 12 ألف تقريباً، انهزموا، انهزموا لما صارت المسألة مباهاة، مباهاة بالكثرة، قالوا: لن نغلب اليوم، هيهات.
قال المنافقون والذين في قلوبهم مرض، والناس الذين أسلموا من أهل مكة حديثاً وخرجوا مع الجيش، فرافقتهم هوازن بالنبال فتفرقوا في الشعاب والأودية، من الذي كان عامل النصر؟
ثبات الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحوله عشرة، ثم اجتمع إليه المسلمون.
هذا هو سبب انقلاب الهزيمة إلى نصر، وإلا صارت هزيمة في البداية: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا [التوبة: 25]، ثم قال الله: ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا  [التوبة: 26 - 25]، فجاء النصر من الله، جاء المدد من الله، كم يكون عند أعداء الإسلام من السلاح؟
أشياء رهيبة جداً، لكن ملكاً واحداً من ملائكة الله لو أرسله الله أن يخسف بها الأرض كلها لخسفها بأسلحتهم: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ  [الأنفال: 9].
أيها الإخوة: لقد كانت استعانته عليه الصلاة والسلام بربه في المعركة لا تخفى على أحد، ألم يقل: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم  [رواه البخاري: 3024، ومسلم: 1742]؟
فقد كان يدعو عليه الصلاة والسلام، فمن صفات الجندي المسلم في المعركة: أن يبتهل إلى الله بالنصر، أن يبتهل إلى لله بأن ينزل المدد من عنده:  إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ  [آل عمران: 160]. ولا أحد أبداً في الدنيا ينصركم إذا خذلكم الله.
والله ينصر جنده بالملائكة، وينصر جنده بالتثبيت، وينصر جنده بإنزال السكينة في قلوبهم، وينصر جنده بإنزال الرعب في قلوب عدوهم، قال الله -عز وجل-: وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا [التوبة: 26]، وقال الله -عز وجل-: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر: 2].
الرعب سلاح رباني.
الرعب لا يماثله سلاح.
الرعب إذا أنزله الله في قلب جيش ولوا الأدبار.
الرعب الذي أنزله الله في قلوب اليهود  يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ  [الحشر: 2].
إذا أنزل الله الرعب لا تنفع قنابل، ولا تنفع طائرات، ولا تنفع صواريخ، ولا شيء.
الرعب إذا أنزله الله في قلب جيش لا ينتصر أبداً، ويمكن أن يغلبهم إنسان واحد، برشاش واحد، أن بفتح قلعة أو مدينة إذا أنزل الله الرعب في أهلها، لا يستطيع المرتعب أن يسيطر على نفسه ولا على سلاحه، ولا على جيشه، ولا على جنده.
ولذلك لو تحققت شروط النصر فإن الله ينصر عباده، فلا تيأسنّ ولو قلّ عددك، ولو قل سلاحك، إذا كنت معتصماً بالله -عز وجل-.
الجندي المسلم من صفاته: أنه يتثبت ولا يذيع الإشاعات.
الجندي المسلم من صفاته: أنه لا يطير بالأخبار يميناً وشمالاً، فربما تثير الفزع والرعب والخوف، وكثيراً ما تكون إشاعات يشيعها العدو وأشياء مختلقة لا أساس لها من الصحة، وإنما هي حرب نفسية يشنها العدو علينا.
ولذلك فإنه إذا  جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ  [النساء: 83]، ولذلك لا تنشر إشاعة ولا تبث خبراً يفرق الصفوف، وينشر الفزع والخوف أبداً.
الجندي المسلم يغبط نفسه، الجندي المسلم يمتثل قول الله:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ  [الحجرات : 6].
فلا تنشر الأخبار ولا الإشاعات المغرضة التي يراد منها خلخلة الصف، وبث الرعب في المجتمع أبداً.
والناس تفعل فيهم الإشاعات أشد من فعل القنابل والصواريخ، ولذلك أنت لا تنشر هذه الأشياء التي تثير الرعب في نفوس المجتمع، وإذا جاءك شيء فتأكد منه من المصادر المسؤولة المعنية بالأمر، وترجع فيه إلى أولي العلم.
ومن صفات الجندي المسلم: أنه يكتم الأسرار عن الأعداء، فلا يذيع أسرار جيش المسلمين، ولا يفشي منها شيئاً، ومن باب أولى أنه لا يدل العدو على شيء يدخلون منه على المسلمين أبداً ولو كان في ذلك قتل.
فلذلك قال العلماء في كتبهم: لو أمسك الكفار برجل من المسلمين خارج مدينة أو قلعة من قلاع المسلمين يحاصرها الكفار، فقالوا للمسلم: إما أن تدلنا على الثغرات التي ندخل منها إلى داخل القلعة أو المدينة المحاصرة التي فيها مسلمون أو نقتلك، فإنه يرفض ولو قتلوه، لماذا؟
لأنه لو دلهم فدخلوا المدينة لقتلوا سائر المسلمين فيها، أو أكثرهم، فيفديهم بنفسه ويرفض الإدلاء بأي معلومات فيها ضرر على المسلمين، ويتحمل في ذلك ما يتحمل في سبيل الله -عز وجل-.
وقصة نزول القرآن في الرجل الذي سرب سراً من أسرار جيش المسلمين إلى قريش: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [الممتحنة: 1].
ومن صفات الجندي المسلم: أن روحه المعنوية مرتفعة لأنه متصل بالله، فلا يخيفه شيء، ولا ترهبه إشاعة، ولا يقلقه كثرة الأعداء، ولا كثرة سلاحهم أبداً.
انظر إلى قصة سعد بن معاذ والمقداد -رضي الله عنهما- لما قال لهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريدهم أن يتكلموا في معركة بدر قبل المعركة، قالوا: والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد" موضع في اليمن شديد المهلكة" لفعلنا" [رواه مسلم: 1779].
فإذاً، معنويات الجنود المسلمين مرتفعة، وليست متخاذلة ولا متدنية ولا مخلخلة وبهم يشد أزر بعضهم بعضاً.
والجندي المسلم يثق بأن النصر من الله، وأنه إذا طبق الشروط فلا بد أن يأتي النصر من عند الله.
ومن صفات الجندي المسلم: أنه شجاع لا يخاف ولا يرهب، لا يخاف في الله لومة لائم.
أما الجبناء الذين يخافون من ظلهم، أو يخافون من صرخة، فإنه لا يليق بهم أن يحملوا سلاحاً، ولا أن يفتحوا شيئاً، ولا ينتظروا نصراً.
وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما سمع أهل المدينة صوتاً قام الشجعان من المسلمين ليروا ما الخبر، فإذا عليه الصلاة والسلام على فرس عري قد خرج وسبقهم، ورأى الخبر، واستقصى الأخبار، ورجع، وقال: لن تراعوا، لن تراعوا [رواه البخاري: 6033].
وسلمة بن الأكوع يخرج على رجليه يعدو وراء الذين سلبوا خيل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإبل المسلمين فيرميهم بسهامه، ويخلص منهم متاع رسول الله شيئاً شيئاً، حتى أجلاهم عن المتاع كله، وعن الماء، وحتى أرهقهم وما معهم، حتى جاءت جنود المسلمين وطلائع المسلمين.
وقصة سلمة بن الأكوع في صحيح مسلم ينبغي أن يقرأها كل جندي مسلم [رواه مسلم: 1807].
والجندي المسلم من صفاته: أنه متعود على الشدائد، متعود على حياة الخشونة، فهو في نومه متعود على قلة النوم أو على عدم النوم إذا احتاج الأمر، صبور على قلة الطعام، أو تدني مستوى الأكل، وربما أكل أشياء لا يفكر أن يأكلها وهو في الحضر مع أهله في مدينته وفي بيته.
والجندي المسلم متعود على  المفاجآت، ولذلك في الجيوش يكون سلاح المباغتة من أكبر الأسلحة، وإذا صارت الضربة الأولى وتفرق الناس وطاروا فإن الجندي المسلم ثابت؛ لأنه متعود على المفاجآت، لا ترهبه المفاجآت، وهو يعلم ما خطط له أعداء الله، فهو صابر محتسب، مراقب، وهو مرابط لا يؤتى الإسلام من قبله.
ويذكر أحد العسكريين يقول: كنا مرة في مخيم تدريب، وجاء ناس من المستجدين في العسكرية، وكانوا في هذا المخيم في التدريب، تدربوا وصاروا الآن في مخيم، فلما آووا إلى فرشهم وناموا، وداعب الكرى أجفانهم، وأظلهم الليل بظله، وراحوا في سبات عميق، وإذا بهم يسمعون داخل المخيّم طلقات متوالية تؤز أزيزاً، تقض مضجعهم، وتخرق سكون الليل الهادئ، فقام هؤلاء الناس الذين لم يتدربوا على المفاجآت ولم يحسبوا الحساب، طاروا من كل صوب، فمنهم من سقط على الأرض، ومنهم من أغمي عليه، ومنهم من صار يبكي بكاء الأطفال، ومنهم من صار يرتجف ارتجافاً، ومن بال في ثيابه، ومنهم من فقد القدرة على الحركة والكلام، وأصيب بشلل مفاجئ، فقال لهم الضابط المدرب: إنني قد فعلت هذا الأمر بإطلاق هذه العيارات الفارغة في هذا الليل لأختبر صبركم، وأختبر تحملكم واستعدادكم للمفاجآت.
وصبر الناس الذين في قلوبهم شدة، وربط الله على قلوبهم، بقلوبهم جأش مربوط، هؤلاء الذين لم يرتعبوا، وإنما أخذوا مواقعهم وصاروا على أهبة الاستعداد لتلقي واستقبال كل ما يمكن أن يأتي.
فإذاً، الجندي المسلم لا ترهبه الهجمة المباغتة، ولا يقع فريسة للمفاجأة أبداً، وإنني أصارحكم أننا في كثير من الأحيان لم نتعود على أهوال الحروب والحمد لله لما مر بنا من فترات أمن واطمئنان، ولكن ينبغي عليكم أن تحسبوا حساب المستقبل، وأن تعلموا بأن الأيام قد يكون فيها أمور كثيرة من أهوال الحروب، والهجمات المفاجئة، والصراع مع الأعداء، والكر والفر، والمباغتة الليلية، والهجوم المدوي، والانفجارات المدوية، فإذا لم يكن المسلم رابط الجأش متصلاً بالله، لأرعبته كل مفاجأة، ولأخافته كل صرخة.
وكذلك فإن الجندي المسلم منظم مرتب منضبط، يأتي في الوقت المحدد وينصرف في الوقت المحدد وينام في الوقت المحدد، ويأكل في الوقت المحدد، ويلبس في الموعد المحدد، وهكذا...
فليس عنده فوضى ولا اضطراب، وليس عنده أي نوع من أنواع عدم التنظيم التي لا تليق بالمسلم أصلاً.
ومن صفات الجندي المسلم: أنه يحافظ على بدنه انتظاراً للوقت الحاسم الذي يستخدم فيه هذا البدن، ولذلك فهو معتدل في الأكل، معتدل في الشرب، معتدل في النوم، وهو يعطي بدنه حقه كما قال عليه الصلاة والسلام، انتظاراً للوقت الذي يستخدم فيه هذا البدن.
أما أن يكثر الإنسان من الأكل ويصاب بالتخمة، ولا يستطيع أن يجري أمتاراً قليلة، ولا أن يحمل شيئاً من السلاح، ولا أن يحسن التصويب، فهذا ليس بالمسلم المنظم في أكله وشربه ووقته والمعتدل في تصرفاته وأفعاله، وهو يقوي بدنه بجميع أنواع التدريب المتاحة له والمتوفرة.
والجندي المسلم من صفاته: الحماس، فإنه ليس باردا ًولا كسولاً، بل هو يتحمس ويتقد ويشتعل للجهاد في سبيل الله، ولا أدل على ذلك من الشعارات التي كان يهتف بها المسلمون، فقد كان للمسلمين شعارات، وكان لهم كلمة سر في الجيوش، وكان من كلمة سر عندهم مرة "يا منصور أمِت أمِت"، ولاحظ استخدام هذه الكلمة، انتقاء كلمة: "منصور"، اسم هذا من التفاؤل بالنصر.
 يا منصور أمِت أمِت  [رواه أبو داود:2638، وقال الألباني: "إسناده حسن، وصححه ابن حبان" كما في صحيح أبي داود: 2371]، وهكذا من الكلمات المستخدمة والحماسية التي كانوا يستخدمونها في القتال على أنهم كانوا لا يحبون الضوضاء ولا  الصراخ، ولذلك كانوا يستحبون الصمت عند القتال.
ولكنهم لا ينسون ذكر الله -عز وجل-، لا يعني الصمت أن ينسوا ذكر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ  [الأنفال: 45].
والثبات في المعركة من صفات الجندي المسلم؛ لأنه يعلم أن التولي يوم الزحف وعند التقاء الصفين وعند التحام الجيشين من الكبائر ومن السبع الموبقات:  وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ  [الأنفال: 16].
آداب الجندي المسلم:
00:58:02
  ثم إن للجندي المسلم آدابه ذكرنا بعضها في الصفات، ولا بأس أن نذكر بعضها، فإن الجندي المسلم لين، هين، مطيع، إذا قيد انقاد في غير معصية الله، وهو مع ذلك عنده إيثار، عنده تضحية.
والجندي المسلم لا يقتل امرأة، ولا صغيراً ولا شيخاً كبيراً، ولا يمثل في قتيل، فلا يقطع الأنف أو الأذن أو العين والأصابع، ونحو ذلك من التمثيل كما نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
والجندي المسلم أمين، فلو غنم في المعركة شيئاً لأداه إلى أميره، ليقسم مع المغانم، فلا بد أن تجري فيه قلم القسمة، ولا يجوز أن يغل منه شيئاً، ألم يأتك نبأ الرجل الذي كان يخدم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، في غزوة من الغزوات، بعد انتهاء المعركة أصابه سهم فمات، فأخبر عليه الصلاة والسلام أنه في النار.
كيف يخدم الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ومسلم، وخرج للمعركة، وسفر، وجهاد، في النار؟
فبحثوا في متاعه فوجدوه قد غلّ عباءة [رواه البخاري: 3074] من أجل عباءة دخل النار.
ولذلك الجندي المسلم لا يغل شيئا ًمن الغنيمة، وإنما يجمعها كلها ليسلمها إلى قائد الجيش فيقسمها كما أمر الله.
 من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه  [رواه البخاري: 3142، ومسلم: 1751]، وتجمع بقية الغنائم وتخمّس، والخمس لله ورسوله، في المصارف الشرعية، وبقية الأشياء، وإلى آخره، كما جاء في كتب الفقه في قسمة المغانم.
نماذج رائعة من المجاهدين الأوائل:
00:59:57
 وأنتقل بكم الآن إلى نماذج من المجاهدين الأوائل الذين ينبغي أن يكونوا قدوات للجندي المسلم.
أيها الجندي المسلم: إنك لست بدعاً الآن خلقت مقاتلاً ولم يكن المقاتلون قبلك، كلا.
إن هناك ممن مضى من أسلافك عظماء ومجاهدون وشهداء وقادة وجنود، قادوا الجيوش، وعمروها بطاعة الله فانتصرت، وطبق الإسلام الأرض شرقاً وغرباً بسواعد أولئك الأخيار المجاهدين الأبرار الذين أبلوا في الله حق البلاء.
عمير بن الحمام الأنصاري في المعركة يسمع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، يدعو إلى الجنة، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، ويدعو إلى القتال، وإلى جنة عرضها السموات والأرض، وكان يأكل تمرات في يده، فقال: ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا هذه التمرات، فألقاها وتقدم وقاتل حتى قتل [رواه مسلم: 1901].
عمرو بن الجموح صحابي شيخ كبير طاعن في السن، يصر على أن يخرج في المعركة، وهو أعرج، فيأمره أولاده أن يمكث، وأن لا يخرج ويقولون: عذرك الله.
فيقول: لا بد أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، لا يمكن أن تمنعوني، فيخرج ويقاتل ويستشهد في سبيل الله -عز وجل-.
أنس بن النضر وما أدراك ما أنس بن النضر، في غزوة أحد قال: "قوموا موتوا على ما مات عليه"، لما جاءهم خبر موته عليه الصلاة والسلام إشاعة كاذبة أطلقها الكفار: "قوموا موتوا على ما مات عليه" وقام يقاتل، قالوا: يا رسول الله فما استطعنا ما استطاع، سبعون ضربة من سيف ورمح وسهم في جسده، ما عرفوه إلا أخته عرفته ببنانه[رواه البخاري: 2805، ومسلم: 1903]، طرف أصبع مميز كان عنده عرفته أخته.
ومنهم من كان لا يعرف إلا بالخاتم، خاتم في يده، ونحو ذلك.
وحمزة بن عبد المطلب قال: فوالله لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله الطير، فيحشره الله من بطون السباع، وأجواف الطير" [رواه أبو يعلى: 3568، وقال حسين سليم أسد: "إسناده حسن"] يوم القيامة.
وهذا عاصم بن ثابت لما تحلق المشركون بالمسلمين، وطلبوا منهم الاستسلام رفض، وقال: "فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر"، خونة ليس لهم عهد، وقاتلهم حتى قتل، فحماه الله بالنحل أظلته حتى لم يستطع أن يمسه المشركون، ولا أن يأخذوا جثته [رواه البخاري: 3045].
وجعفر بن أبي طالب:
يا حبذا الجنة واقترابها *** طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها *** ..............
[حلية الأولياء: 1/118]
ثم يكمل ويقاتل في سبيل الله حتى قطعت يداه، ثم قتل، وسلم الراية لمن بعده.
وعبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- وقادة المسلمين في مؤتة.
أبو طلحة يسمع قول الله في سورة التوبة: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً  فهم خفافاً وثقالاً يعني شباباً وكهولاً، خفاف يعني الشباب، وكهول يعني الشيبان انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ  [التوبة: 41] قال: ما عذر الله أحد، الشباب والكهول انفروا خفافاً وثقالاً، فنفر مع النافرين، وأولاده يقولون له: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى مات، وغزوت مع أبي بكر حتى مات، وغزوت مع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، أنت استرح الآن صرت شيخاً كبيراً عاجزا؟ فأتي بهذه الآية:  انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً  [التوبة: 41]، وقال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخاً وشباباً، جهزوني يا بنيّ، ما يمكن... جهزوني يا بني.
وذهب وركب البحر، غازياً في البحر، مجاهداً، فمات في البحر، في السفينة، فما وجدوا أرضاً يدفنوه فيها،قال: فبقي سبعة أيام حتى وجدوا جزيرة ليدفنوه فيها فدفنوه.
قالوا: ولم يتغير [السنن الكبرى للبيهقي: 9/36].
الجثة ما تغيرت! سبعة أيام في البحر ما تغيرت الجثة. أخرجه أبو بإسناد صحيح في قصة موت أبي طلحة مجاهداً غازياً في البحر، مات ولم يجدوا جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد سبعة أيام.
نصائح هامة للجنود المرابطين في الجبهات:
01:05:19
 ونختم كلامنا -أيها الإخوة- بذكر بعض النصائح لإخواننا الجنود في الجبهة.
أيها الإخوان، أيها الجنود المسلمون في الجبهات، أيها المرابطون: رابطوا في سبيل الله وأخلصوا لله -عز وجل- في النية.
يا من التحفتم السماء وافترشتم الأرض، يا من يدخل الغبار في أعينكم في الليل والنهار: احتسبوا هذا عند الله -عز وجل-، واجعلوا نيتكم الرباط في سبيل الله، ومراقبة أعداء الله، والسهر على المسلمين من لؤمهم وخبثهم، هؤلاء أعداء الإسلام.
وإياكم والمعاصي -أيها الجنود- إننا لا زلنا نسمع عن كثير من النقص الذي يقع فيه بعض إخواننا من المسلمين في المعسكرات في الجبهات، لا يعرف كثير منهم كيف يقضي وقته، وربما يكون عندهم 8 ساعات عمل ويكون في الليل مثلاً 10 دقائق تحضير أو استعداد واستنفار، وبقية الوقت في غير وقت الحرب -نسأل الله أن يدفع عنا البلاء- في غير الأوقات هذه لا يعرفون ماذا يفعلون!
فكثير منهم يقضي وقته بالنوم، والكسل، أو الملهيات المحرمة.
وقد قلت قبل قليل إن الله يخذل الجيش إذا كان فيهم معاصي.
فاحرصوا على عدم ارتكاب المعصية لله، وتذكروا قول السلف، واحد من السلف أتاه رجل، قال: انصحني، قال: إذا أردت أن تعصي الله فلا تسكن في أرضه.
قال: كيف؟ أين أسكن؟
قال: أجل تسكن في أرضه وتعصيه؟
على الأقل استحي منه واسكن في أرض غيره، تعصيه في مملكته وفي ممتلكاته؟ إذا أردت أن تعصي الله فلا تسكن في أرضه، حتى لو طلع على القمر والمريخ فهي من أرض الله، أو لا؟
ثم قال له: إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزقه.
قال: كيف؟ عجيب! هل يمكن أن آكل إلا من رزق الله؟ كل شيء من رزق الله، كل المطعومات والمأكولات والمشروبات والأشياء الموجودة كلها.
قال: أجل تعصيه وتأكل من رزقه؟ ما تستحي؟ على الأقل إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل من رزقه، كيف يكرمك ويعطيك الرزق ويعطيك الطعام والشراب ثم أنت تعصيه؟
ثم قال له: إذا أردت أن تعصي الله فكن منه بحيث لا يراك.
قال: عجباً، وما هو المحل الذي لا يراني فيه؟ أنا كل محل أذهب إليه فهو يراني -عز وجل-: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ  [الحديد: 4]،  لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ  [الحاقة: 18].
قال: أجل تعصيه وهو يشاهدك، ولا تستحي منه وأنت تحت نظره سبحانه وتعالى وبصره؟
فلما تأمل فيها عرف.
وهكذا يكون الحال بالنسبة لنا، فنقول: أنتم يا أيها الجنود ويا أفراد الجيش ينبغي أن تبتعدوا عن المعاصي، ومن أعظم المعاصي التي تحصل: تضييع الصلوات.
أخطر الأشياء: تضييع الصلوات، والله قال:  وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ  [البقرة: 45].
والرسول -صلى الله عليه وسلم- على فراش الموت قال:  الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم  [رواه أحمد: 26727، وقال محققو المسند: "حديث صحيح"] من أواخر الوصايا، وهو يموت أوصانا بهذه الوصية دلالة على أهمية الصلاة، فإذا أوقظت لصلاة الفجر في الخيام، في المعسكرات، فقم نشيطاً لصلاة الفجر، ولا تتعب من يوقظك؛ لأن بعض الإخوان إذا نام يسهر وينام نوماً ثقيلاً ويُوقظ لصلاة الفجر ولا يقوم، وربما لا يقوم إلا بالقوة، ويحتاج إلى أوامر عسكرية.
يا أخي: عندك أوامر ربانية، فلماذا تستعصي؟ والأوامر الربانية أقوى، هل تريد إلا أن تكون من الناس الذين يسحبون بالقوة لصلاة الفجر؟
ثم إن كثيراً من هؤلاء يقضون أوقاتهم في أنواع من اللهو المحرم، كسماع الأغاني مثلاً وسماع الموسيقى، وأنتم تعلمون أن الله يقول:  وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ  [لقمان: 6].
وما هو لهو الحديث؟
المعازف والغناء.
وأحاديث تحريم المعازف مشهورة، لا داعي أن نخوض فيها الآن، فكيف تريد أن تنتصر على العدو وأنت تسمع الأغاني، وفي الأغاني استهزاء بالله واستهزاء بقدر الله، قدر أحمق، إلى آخره، وأشياء فيها ذكر الشهوات وذكر أوصاف النساء وذكر الحب والغرام، ونحو ذلك.
كيف تريد أن تنتصر وأنت تسمع أغاني الحب والغرام ونحو ذلك؟
هذا التحطيم للروح المعنوية وليس الرفع للروح المعنوية.
وكيف يقضي كثير منهم أوقاتهم وهم يشاهدون الأفلام المحرمة التي تنطوي على نساء متبرجات وضم وربما تقبيل، وكشف عورات، وتعليم مقابلة المرأة للرجل، والكلام معهم، وإقامة العلاقات المحرمة بين الرجال والنساء.
هذه أفلام السم هل يمكن أن ينتصر جيش إذا ملأته هذه المنكرات؟
ثم إن بعض الإخوان لا يهدؤون عن تدمير الصحة والبدن الذي من المفروض أن يحضروه للقتال بالتدخين وشرب الشيشة؟ معقول؟ هل هو جندي مرابط في سبيل الله وهو ممسك بهذه الشيشة مرابط عليها؟ ومقيم على هذا التدخين الذي يعلم أنه يسبب له من الأمراض وتدمير البدن الذي يحتاجه في القتال؟ لا يجوز شرعاً!
وحدّث بحرج – ولا نقول حدث ولا حرج – حدث بالحرج الشديد عن تضييع الأوقات في لعب الورق والبلوت، ويقولون: هذه تنمي الذكاء، أي ذكاء؟
بعض الناس يقولون: تنمي الذكاء، أنا أقول لكم: تحصر الذكاء في شيء معين وهو لعب البلوت، فلا يعود يستخدم ذكاءه إلا في البلوت، ولو أتيت له شيئاً ثانياً ما عرف يدبر نفسه فيه، فهو ماهر وذكي في لعب البلوت، لكن في الأشياء الأخرى والتدبيرات، هذا بدل من أن يطلع في الثقافة العسكرية ويقرأ في الخطط العسكرية، ويعرف أنواع الأسلحة، نمِ ثقافتك يا أخي، واستعمل ذكاءك في الأشياء الأخرى، والتفكير المهم الذي يفيد في التكتيكات والتحركات العسكرية مثلاً، وأنت بهذا الوضع.
وصلنا كذلك وسمعنا عن بعض الإخوان الذين تصيبهم الجنابة في المعسكرات والخيام، فلا يستعدون للاغتسال، ولا يجهزون أماكن للاغتسال، أو يسخن ماءً، ثم بعد ذلك يصلي هكذا! مع أنه لا بد من تجهيز الأماكن للاغتسال إذا أصابته جنابة مثلاً.
ولا بد من تعلم العلم الشرعي، وضع خطوطا ًكثيرة عريضة تحت هذه الكلمة: حاجة الجندي المسلم إلى العلم الشرعي، لا بد أن يتعلم الجندي المسلم أموراً كثيرة، يحتاج إليها في أحكام الطهارة، ومتى يتيمم، ومتى لا يجوز أن يتيمم، ومتى يمسح على الخفين، ومتى لا يمسح على الخفين، وما هي مدة المسح، ومتى يبدأ المسح، ومتى يبدأ المسح...؟
سؤال مهم، ومتى ينتهي؟ وإذا خلع الشراب هل تنتقض الطهارة أو لا؟ وإذا خلع الشراب هل يجوز أن يمسح بعد ذلك إذا لبسه أو لا بد من طهارة جديدة؟
وإذا كان يلبس حذاءً عسكرياً فهل يجوز أن يمسح على الحذاء أو لا يجوز.
وإذا مسح وخلع الحذاء وبقي على الشراب هل يمسح على الشراب الذي تحت الحذاء أو لا...؟
أليست هذه من المسائل الكثيرة التي تواجهكم في الجبهة وفي المعسكرات؟
الجواب: بلى.
فإذاً، ماذا أعددتم لهذه المسائل من العلم الشرعي؟ هل علمت أن المسافر، أنت في الجبهة وأنت في حال ظعن مثلاً، ويمكن أن تنتقل إلى أي موقع ويمكن أن يأتي هجوم في أي وقت، وأنت تتحسب مثلاً، فأنت تقصر الصلاة أو ماذا تفعل؟
فلا بد أن تعرف القصر.
وهل تجمع أم لا؟
فإذا علمت أنك إذا كنت في مكان بعيد يبعد عن المدينة مسافة سفر أو كما حدده بعضهم أكثر من 80 كيلو متراً فإنك تعلم بأنك إذا كنت نازلاً في مكان فإنك تقصر الصلاة فقط، إذا لم تنو الإقامة فيه ولم يكن مكاناً دائماً، وإنما شيء متنقل ممكن غداً ترتحل عنه أو يحصل أي شيء.
فإذاً، أنت عرضة للانتقال فتعلم بأنك من السنة أن تقصر الصلوات إلا المغرب والفجر.
وإذا كنت نازلاً بالمكان لا تجمع، تقصر فقط.
أما إذا كنت متحركاً أثناء الخط، تجمع وتقصر الظهر والعصر، جمع تقديم في وقت الظهر، أو جمع تأخير في وقت العصر.
والمغرب والعشاء جمع تقديم في وقت المغرب، أو جمع تأخير في وقت العشاء.
وإذا أردت أن توتر أو أحكام الصلوات الأخرى، النوافل ما تصليها، السنن الرواتب إلا الفجر فصلاة الوتر.
وإذا جمعت يجوز لك أن تصلي الوتر بعد المغرب والعشاء جمعاً مباشرة؛ لأن الوقت صار وقتاً واحداً، لأن وقتي المغرب والعشاء صار وقتاً واحداً فتؤدي الوتر بعدها مباشرة، يجوز ذلك.
وكذلك فإن الجمع في حال المطر من السنة أيضاً وتقصر إذا نزل عليك المطر وأنت في مكان السفر، المكان نازل فيه فإنك من السنة أن تجمع وتقصر في ذلك المكان، ويجوز لك أن تصلي كل النوافل مثل صلاة الاستخارة أو صلاة الضحى ، أو الأربع ركعات قبل العصر ، يجوز لك أن تصلي النوافل إذا شئت في غير أوقات النهي، ويجب أن تتعلم متى أوقات النهي، وأن أوقات  النهي مغلظة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ما يجوز أن تتنفل.
وأوقات النهي المخففة: بعد الفجر وبعد العصر، وقبل الزوال.
كذلك فإنه بالنسبة للمسح على الخفين إذا كنت مسافراً ثلاث أيام بلياليها، يعني كم ساعة؟
72 ساعة.
متى تبدأ؟
من أول مسح بعد الحدث.
أنت الآن توضأت وضوءاً كاملاً وغسلت رجليك، ولبست الجوربين، ثم أحدثت، وجاء وقت صلاة بعدها، وأردت أن تتوضأ، فتوضأت فماذا ستفعل؟ ستمسح، من المسحة هذه التي بعد الحدث، أول مسحة بعد الحدث تبدأ الـ72 ساعة وأنت مسافر.
وأنت مقيم عندك 24 ساعة، من أول مسح بعد الحدث – على القول الراجح – يبدأ التوقيت.
ولذلك يمكن للإنسان أن يصلي أكثر من خمس صلوات بالجوربين.
ثم إذا انتهت المدة وأنت باقٍ على وضوئك، افرض أنه انتهت المدة ثاني يوم وأنت متوضئ، فإذا انتهت المدة لا ينتقض الوضوء، لكن إذا انتهت المدة لا يجوز المسح، لا بد تخلع وتغسل الرجلين، تتوضأ وضوءاً كاملاً وتغسل رجليك، ولكن لا يبطل الوضوء بانتهاء مدة المسح.
والراجح: أنه إذا خلع الجوربين فإنه لا ينتقض الوضوء.
وإذا كنت لابس الجزمة العسكرية فمسحت عليها وعلى الشراب تعاملهما كشيء واحد، وتبقى عليها، وتصلي بها، فإذا خلعت الجزمة التي مسحت عليها لا يجوز لك أن تمسح على الشراب الذي تحتها إلا بعد أن تخلعه كله وتتوضأ وتغسل من جديد، ثم تلبس بعد ذلك.
فإذا مسحت على الشراب في البداية تكمل على الشراب، إذا مسحت على الجزمة في البداية تكمل على الجزمة، وهكذا...
والكلام عن المسائل الشرعية التي يحتاج إليها الشخص في الجبهة أو في المعسكرات كثيرة، هذا شيء بسيط منها، ولا بد أن تقرؤوا ولا بد أن تطلعوا.
وإنني أنصح إخواني في الجبهة مثلاً وفي المعسكرات أن يملئوا أوقاتهم بطاعة الله، فيحافظوا على الأذكار الشرعية، أذكار الصباح والمساء احفظها ورددها، خذ معك كتاب "صحيح الكلم الطيب" مثلاً، احفظ ما فيه من الأوراد.
وكذلك الأذكار، أذكار الصباح والمساء والأوراد مثل دخول الخلاء والخروج منه، دخول المسجد والخروج منه، ومثل أذكار صلاة الاستخارة، وإذا نزل المطر، وإذا رأى البرق وسمع الرعد، وغير ذلك من الأشياء الكثيرة، وأذكار النوم قبل النوم وبعد النوم، وإذا رأى حلماً مزعجاً ماذا يقول؟ وقام من الفزع من نومه، وإذا استيقظ في منتصف الليل في أثناء الليل ماذا يسن له أن يقول.
وحافظ – بالإضافة للأذكار التي تملأ بها وقتلك لسانك لا زال يشتغل بذكر الله – على حلق القرآن، اعملوا حلق قرآن، حلق تعلم قراءة القرآن.
وإذا واحد عنده تفسير يفسر للموجودين، يقرأ عليهم من التفسير.
عندكم كتب إسلامية رياض الصالحين أحاديث صحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
كتب لعلمائنا، سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وغيره، اقرؤوا فيها، وتعلموا الفتاوى، وفتاوى سماحة الشيخ تقرؤوها مما تحتاجون إليه في العبادات وفي أحكام السفر والجمع والقصر والمسح على الخفين والتيمم والجنابة والغسل، إلخ..
وكذلك لتكن عندكم قراءات إسلامية في كتب طيبة تستعيرونها، وتوفرها لكم الشؤون الدينية، وغيرها من الهيئات التي توفر وتوزع الكتب الإسلامية، أو تشتريها من مالك من المكتبات الإسلامية، وتبذل من مالك، وتؤجر على هذه النفقة؛ لأنك تشتري أشياء تتعلم منها.
وكذلك تقرأ في تخصصك مثلاً وما تستفيد به.
الأشرطة الإسلامية لتكن زادك، وعندك مسجل، وإذا كان عند الكافر، عنده "هت فون" أو سماعة يضعها على أذنه، ويطنطن على الموسيقى ويشتغل، فلتكن أنت هذه السماعة سماعة خير، تصب في أذنك من المعلومات الشرعية، والمحاضرات النافعة، والخطب الجيدة التي تقوي إيمانك، وتزيد علمك.
فلا بد أن تكون هذه رفيقتك في رحلاتك.
أؤمر بالمعروف وانه عن المنكر، وادعُ إلى الله.
وليحرص على استدعاء المحاضرين إلى الجبهة، وأن يكون الوعّاظ والمذكرون والمشايخ متوافرون وموجودون حتى تمتلئ أوقات الجنود بطاعة الله.
اذكر الله في الصباح والمساء وإذا جنّ الليل، وسبح بحمد ربك  بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ  [الأعراف: 205].
واعلم بأن هذه أوقات أنت محاسب عليها، وهذه لحظات تمر بك الآن لا بد أن تكون فيها قريباً من الله وليس بعيداً عن الله قريباً من الشيطان، وإنما تفوّض أمرك إلى الله.
أيها الإخوة: إن الكلام للجندي المسلم كلام طويل، والحديث ذو شجون، وهذا الموضوع مع الأسف لم يطرق كثيراً كما ينبغي مع أن هناك في مجتمعنا آلاف مؤلفة من الناس الذين يشتغلون في السلك العسكري يواجهون كثيراً من الإشكالات، ويواجهون كثيراً من المصاعب، ويحتاجون إلى وعظ، ويحتاجون إلى تذكير.
ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يهيئ لنا أجمعين من يعلمنا ويذكرنا ويفقهنا ويزيد إيماننا.
وختاماً: اللهم إنّا نسألك أن تجعلنا من عبادك الأخيار، وجندك المجاهدين في سبيلك الأبرار.
اللهم اجعلنا من حزبك الموحدين وجندك المفلحين، وانصرنا على عدونا وعدوك يا رب العالمين.
اللهم أعز الدين، وانصر المجاهدين.
اللهم أرنا يوما ترفع فيه راية الجهاد في سبيل الله، ويقاتَل من أجل إعلاء كلمتك يا الله.
اللهم اجعلنا ثابتين في البأساء، واجعلنا صابرين في الضراء.
اللهم اجعلنا من الشاكرين في النعماء، اللهم اجعلنا لك ذاكرين، لك شاكرين، لك منيبين أواهين تائبين.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.
اللهم اجعلنا صُبُراً عند اللقاء، اللهم اجعلنا من الذين يتوكلون عليك في البلاء.
اللهم إنا نعوذ بك أن تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم اجعلنا عليك متوكلين، وإليك منيبين، وإليك تائبين.
اللهم إنا نبرأ إليك من كل حول وقوة إلا حولك وقوتك يا الله، لا حول ولا قوة إلا بك أنت الغني ونحن الضعفاء، وأنت الغني ونحن الفقراء، أنت القوي، إنا نحتاج إلى قوتك وإلى غناك.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك يا رب العالمين.
ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يقينا وإياكم منكرات الأعمال والأقوال والأهواء، وإذا أراد بعباده فتنة أن يقبضنا إليه غير مفتونين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأستودعكم الله، والله خليفتي عليكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.