الثلاثاء 27 محرّم 1439 هـ :: 17 أكتوبر 2017 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

51- مقارنة نعيم أهل الجنة بما في الدنيا


عناصر المادة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
المقدمة:
00:00:15

فها نحن مع هذه السلسلة عن "نعيم الجنة وعذاب النار"، وقد سبق الحديث عن "أشراط الساعة"، ثم عن "حياة البرزخ"، وماذا يحدث تحت الأرض، ثم عن "القيامة وأهوالها" والتغيرات التي تعتري العالم، وتلك الأحوال الشديدة التي تجعل الولدان شيبًا، كمشهد النفخ في الصور، والزلزلة، ونفخة البعث والنشور، ومشهد الحشر، وخروج الناس من القبور، ومشهد اليوم الطويل، ودنو الشمس من رؤوس الخلائق، ومجيء الرب -تبارك وتعالى-، والشفاعة، وأحوال المؤمنين يوم الدين، وما ينالهم من النعيم في ذلك اليوم، والحوض، وأحوال الكفار، وشهادة الأعضاء عليهم، وخصومات هؤلاء الكفار، وعداوة بعضهم لبعض، ومشهد الحساب والجزاء، والميزان، والصراط، وتمييز المؤمنين من المنافقين، والقنطرة التي تكون بعد عبور النار، وقبل دخول الجنة، يمكث عليها الذين سيدخلون الجنة، ليهيئوا لدخولها؛ لأنه لا يدخلها إنسان إلا طيب، فيطيبون، ويهيئون، ويطهرون، حتى المعاتبة تحدث، ثم يساقون إلى الجنة، وكان الكفار قد سقطوا في النار، وسيقوا إليها، ومن هنا نبدأ الرحلة الجديدة إلى عالم ليس بعده موت.
أهمية الإيمان باليوم الآخر:
00:02:16

إن المدة مفتوحة، والإيمان بالجنة والنار، مما في اليوم الآخر من أنواع الأخبار التي ذكرها الله -عز وجل- لنا.
إن الإيمان بالجنة والنار من الأركان العظيمة التي تدخل في الإيمان باليوم الآخر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان.
إن الإيمان بالجنة والنار من الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة العظيمة التي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))[رواه البخاري: ومسلم: 102].
لا يكون الإنسان مسلمًا مؤمنًا إلا بالإيمان بما في هذا اليوم، والذين يكفرون بما فيه، أو يكذبون، فليسوا بمؤمنين.
وقد سبق البيان في السلسلة الماضية: فوائد الإيمان باليوم الآخر.
أهمية الإيمان بالجنة والنار:
00:03:18

وتتلخص أهمية الإيمان بالجنة والنار: أنه من الإيمان باليوم الآخر، وأن فيه تسلية وعزاء للمؤمنين فيما يصيبهم في هذه الدنيا من البلاء والقهر والظلم.
وكذلك: فإن الإيمان بالجنة والنار، يهذب الأخلاق، ويوجه السلوك، ويجعل العبد مراقبًا لربه دائمًا. وكذلك: فيه استصحاب الشعور بأن الله يجازي عز وجل، ولذلك، فإن العبد يراقب تصرفاته.
معنى الإيمان بالجنة والنار:
00:03:53

ما معنى الإيمان بالجنة والنار؟
هو التصديق الجازم بوجودهما، وأنهما مخلوقتان الآن، وأنهما باقيتان بإبقاء الله لهما، وأنها لا تفنيان أبدًا. ويدخل في ذلك كل ما احتوت عليه الجنة من النعيم، وكل ما احتوت عليه النار من أنواع العذاب.
أهمية الحديث عن الجنة والنار:
00:04:14

هذه القضية مهمة جداً لنا -أيها الإخوة والأخوات-نتربى على معانيها؛ لأن في الحقيقة هذه هي النهاية إلى الجنة أو إلى النار.
إن الإيمان بما في الجنة والنار، هو المحرك للإنسان في عمل الخيرات، وفي الانتهاء عن المنكرات: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}[الجاثية: 24].
هذه حال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا بما في الجنة والنار.
الحديث عن الجنة والنار من أهم ما يعتنى به؛ لأنه هو المصير النهائي والحقيقي للإنسان الذي يصل إليه، فإما مؤمن ساع للجنة، وإما كافر عقوبته النار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها))[رواه مسلم: 556].
ولما كانت الغفلة قد استولت على الكثيرين في هذا الزمان، فهم غارقون في أنواع الملذات، والالتهاء، والألعاب، والمنكرات، وإضاعة الأوقات، كان لا بدّ من تهذيب النفوس، وترقيتها، لتشاهد ما أعد الله علام الغيوب للمؤمنين، وما أعد للكافرين.
إنها تطرد الغفلة: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39].
وقال عز وجل: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ}[الأنبياء: 1- 2] يعني جديد، قد نزل لتوه: {إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ}[الأنبياء: 2 - 3].
ما الذي يجعل المؤمنين يضحون بالنفس والمال؟ ما الذي يجعل الناس يبذلون لرب العالمين؟
{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}[آل عمران: 133].
و{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ}[الحديد: 21].
إنها جنة عرضها السموات والأرض! عرضها كعرض السماء والأرض، إنها أعدت للمتقين.
لقد ذكر لنا نعيم الجنة، لنتنافس فيه: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطففين: 26].
وذكر لنا عذاب النار، لنعمل على اتقائه: {أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[الحـج: 72].
إن القضية تفكير وتذكر واعتبار وانزجار، كما قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ}[الغاشية: 21].
الموعظة بالجنة والنار، جعلت النبي -عليه الصلاة والسلام- كثيرًا ما يقرأ على الناس على المنبر، في يوم الجمعة سورة ق، وفيها ما فيها من هذا التذكير؛ لماذا؟
لأن: {الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55].
بعض حكم خلق الله للجنة والنار:
00:06:51

فإن قال قائل: ما هي الحكمة من خلق الجنة والنار؟
لله في ذلك حكمة بالغة وعظيمة، وعلى رأس ذلك: تحقيق العدل الإلهي، قال ابن القيم -رحمه الله-: فقد اتفق أهل الأرض والسموات على أن الله -تعالى- عدل لا يظلم أحدًا، حتى أعداؤه المشركون الجاحدون لصفات كماله، فإنهم يقرون له بالعدل، وينزهونه عن الظلم، حتى إنهم ليدخلون النار وهم معترفون بعدله؛ كما قال تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ}[الملك: 11].[انظر: طريق الهجرتين: 1/217- 218].
فما في واحد يدخل النار يوم القيامة إلا وهو مقتنع تمام الاقتناع، أنه يستحق دخول النار، ما في واحد يدخل النار وهو يظن أو في نفسه أنه مغبون، أو أنه مظلوم أبدًا، كل الذين يدخلون جهنم على أتم الاقتناع، بأنهم استحقوا دخولها.
وليس من عدل الله أن يموت الظالم، والمظلوم في الدنيا، ولم يأخذ المظلوم حقه، فأنت ترى الآن بعض الظالمين، يسرقون، ينهبون، يضربون، يبطشون، يقتلون، يسجنون، ويموت المقهور المظلوم، قد أخذ حقه، سجينًا مظلومًا، ويموت الظالم وهو في عزة من الدنيا، ومنعة، وقوة، وملك، ومال، وطغيان، أفهكذا تنتهي المشاهد؟
لا يمكن، لذلك، لا بدّ من وجود محكمة، لا بدّ من وجود جزاء.
وهذه حكمة عظيمة من وراء خلق الجنة والنار، لا يمكن أن يكون من حكمته تعالى: أن يموت الناس، وينتهي الوضع هكذا، ويبقى الظالم الآثم الفاجر الذي عاث في الأرض فسادًا بلا عقوبة، والمحسن الذي بذل وضحى وتعب، وعمل لله -عز وجل-، بلا ثواب ولا إحسان.
الله -عز وجل- من عدله: يقتص حتى للبهائم؛ كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، فما بالك بالناس الذين يعقلون؟ والذين خلق الله لهم إدراكًا، وخلق لهم عقولاً وأسماعًا وأبصارًا؟
وكذلك من ثمرة خلق الجنة والنار: قيام سوق الجهاد في سبيل الله، وجهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد المنافقين، وتحقيق سنة الابتلاء في العباد؛ لأن الله خلق الخلق ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، فيظهر من يطيعه ويحبه ويعظمه، فيثيبه الجنة، ويظهر من يعصيه ويخالفه ويحاده، فيدخله النار.
كما ذكر العلماء أيضاً فائدة جليلة لهذا خلق الجنة والنار، فقال ابن القيم -رحمه الله-: "فإن من كمال الحكمة والقدرة: إظهار شرف الأشياء الفاضلة بأضدادها، ولهذا كان خلق النار، وعذاب أهل النار، فيها أعظم لنعيم أهل الجنة، وأبلغ في معرفة قدرها وخطرها، فكان خلق هذا القبيح الشنيع المنظر والمخبر الذي صورته أبشع من باطنه، وباطنه أقبح من صورته، مكملاً لحسن تلك الروح الزكية الفاضلة التي كمل الله -تعالى- بصورتها جمال الظاهر والباطن.
فلو قال واحد: لماذا لم يحصل الاكتفاء بخلق الجنة، ويُفني الله الذين ظلموا؟
الجواب:
يعظم نعيم أهل الجنة، ويعظم فرحهم، عندما يرون أهل النار يوم القيامة؛ لأنهم يطلعون عليهم: {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ}[الصافات: 55- 56].
أهل الجنة، يطلعون إلى أهل النار، أهل النار يتوسلون إليهم: {أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ}[الأعراف: 50].
يرى الإنسان في الجنة نعمة ربه عليه، لما يرى أهل النار في النار: {وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ}[الصافات: 57].
ولذلك يعظم نعيم أهل الجنة عندما يرون النار، وأهل النار، وأنهم نجوا من هذه.
ثم لا شك أن الإيمان بالجنة والنار محرك عظيم للإنسان المسلم، ولذلك ينبغي أن تطرق هذه الموضوعات باستمرار، وأن تطرق أسماع الناس، لكي يعملوا لله، وينشطوا، ولكي يقاموا الفساد ويصمدوا، ولكي يجاهدوا أنفسهم ويثبتوا.
طريقة القرآن في الترغيب في الجنة والترهيب من النار:
00:11:08

نرى طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، وكيف يكون الترهيب والترغيب، بذكر الجنة والنار؟
ففي الترهيب، ورد القرآن بذكر الذنوب مقرونة بالعذاب، والتخويف به، ومما هو في النار من أنواعه؛ كمثل قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}[النساء: 14].
فلما أراد الله التحذير من المعصية قرنها بذكر العذاب، وقال: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}[فصلت: 27].
وتجد في باب الترغيب في فضل الأعمال، والتحضيض عليها، والترغيب فيها، لكي يرغب المؤمنين في التوبة، ويُقبلوا على الأعمال الصالحة: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم: 8].
ثم إن الله وعد، وإذا وعد لا يخلف الميعاد، فيعد المؤمنين بجنة عرضها السموات والأرض: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124].
وقال: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة: 82].
وقال: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا} [مريم: 63].
وقال:{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء: 90].
وحرض أهل الإيمان على الصبر والعمل، فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142].
تفصيلات القرآن لأحوال أهل الجنة والنار:
00:12:43

ونرى الإسهاب في ذكر أحوال الجنة، وأحوال النار، فيصف حال أهل النار حين يقفون عليها بالتفصيل، وحين يرونها، ما هو شعورهم، ما هو حالهم، ما هو منظرهم، ما هي هيأتهم؟: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ}[الأنعام: 27]لكن الأمنيات لا تنفذ.
ويصف حالهم عند الدخول: {قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}[الأعراف: 38].
وتتعدد مواضع محاجة أهل النار لبعضهم البعض، وخصومات بعض لبعض، ولعن بعضهم لبعض: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ}يَدعون عليهم: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}[الأعراف: 38].
إنهم يتحسرون، يقول عز وجل عنهم: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا}[الأحزاب: 66].
لما يرى الكفار النار يعلمون أنه لا نجاة لهم، ولا يمكن أن تحقق لهم أمنيتهم بالرجوع إلى الدنيا: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37].
قال: {وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}[الحجر: 48].
لكن الله يقول: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}[المؤمنون: 108].
إذا أقفلت عليهم، ومنعهم الرب من مخاطبته، يلجؤون إلى مالك خازن النار، يقولون: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}[الزخرف: 77].
وتأتي الحوارات تباعًا في القرآن الكريم، تذكر ماذا يقول بعضهم لبعض، وماذا يقولون للملائكة، وماذا يقولون لله -تعالى-، وماذا يقولون للمؤمنين في الجنة، كلاما يوضح حالتهم النفسية، وأنوع العذاب الذي هم فيه، حتى حوارهم مع إبليس، ونداءاتهم لرب العالمين، ومع الملائكة أيضاً: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ}[غافر: 49]مع أنهم مخلدون فيها، لكن يوم واحد يُفرق.
ينادون أهل الجنة: {أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ} [الأعراف: 50]لا يجدون أحدًا يتوسلون به، بعد ذلك لدفع العذاب، ولا لتخفيفه، ولا أن يأتون بشيء من الماء العذب، أو البارد.
وهكذا يستمر عذابهم: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ}[الأنبياء: 100].
لهم بكاء، ولهم صراخ، ولهم عويل، ولهم زفير، ولهم شهيق: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} [هود: 106].
نجد الأوصاف التفصيلية في أهل الجنة عند دخولها، كيف فرحهم؟ كيف سرورهم؟ ماذا يقولون؟: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}[فاطر: 34].
ماذا يقول بعضهم لبعض؟
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ}[الأعراف: 43]وهكذا ينزع الله ما في صدورهم من غل، ويجعلهم إخوانًا على سرر متقابلين.
ويذكر الله حوارات أهل الجنة مع بعضهم، حوارات أهل الجنة مع أهل الأعراف، وحوارات أهل الأعراف مع أهل الجنة: {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}[الأعراف: 46].
وحتى حوار أهل الجنة مع أهل النار: {قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ}[الأعراف: 50].
وهم ينادون أهل النار: {قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا}[الأعراف: 44]؟
ماذا يقال لهم من الاستقبال؟
{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}[الزمر: 73].
كل الأقوال بالتفصيل.
يذكر الله -عز وجل- في القرآن الكريم، العذاب الذي أعده لأهل النار، وأنواعه وأوصافه، بالتفصيل.
معرفة هذه التفاصيل من الأمور المهمة جداً، ما ذكرها الله إلا فيها مصلحة لنا، ما ذكرها الله إلا لأهميتها، ما ذكرها الله إلا فيها فوائد، ولذلك نحن نتعبد الله بمعرفة التفاصيل التي ذكرها في كتابه وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- في قضية الجنة والنار.
إنه يذكر -مثلاً- بالتفصيل، كيف يُدخلونها: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}[الطور: 13].
كيف تعامل معهم الملائكة؟ ما هو لباسهم؟
{فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ}[الحـج: 19].
{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ}[القمر: 48].
هذا العذاب أنواع وأشكال: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا}[النساء: 56].
{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ}[المؤمنون: 104].
{يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ}[الحـج:19 - 21].
وصف لنا شرابهم، ما هي الشجرة التي يأكلون منها؟
الزقوم: {فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ}[الصافات: 66 - 68].
ما هي استغاثاتهم؟
{وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} [الكهف: 29].
{وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ}[محمد: 15].
الفراش بالتفاصيل، الغطاء: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}[الأعراف: 41].
وأهل الجنة كذلك بالتفصيل، حتى أنواع الزينة، وماذا يوجد في يد الواحد من الأساور، وما هي أنواعها؟
{يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}[فاطر: 33].
ماذا يأكلون بالتفصيل: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} [ص: 51].
ما هي فرشهم؟ وعلى أي شيء يطؤون؟ وعلى أي شيء يتكؤون؟
{مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}[الرحمن: 54]هذا الباطن فكيف يكون الظاهر؟ وقد جرت العادة أن الظاهر أنفس من الباطن، وأن أعلى الفراش أجمل مما يوجد في داخله من الحشو؟: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرحمن: 54]. {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ}[الإنسان: 13].
والأكل والشرب بالتفصيل: {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ}[الطور: 22 - 24].
حتى منظر الخدم كيف يكون؟ موصوف بغاية الدقة: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ} هناك {رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا}[الإنسان: 20].
وقال عز وجل: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ خَالِدِينَ} [الفرقان: 16].
{يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ * بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ}[الصافات: 45 - 47].
لو أردت التفصيل في الحور العين؛ إنه عجيب: {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ}[الصافات: 48 - 49].وهكذا الوصف الدقيق.
يذكر لنا النار بأسمائها، والجنة بأسمائها، النار بأقسامها، والجنة بدرجاتها، هناك دركات، وهناك درجات، في النار، أسفل شيء في النار فيه المنافقون: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145].
ما هو الوقود في النار؟
{وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}[التحريم: 6].
ما عدد الخزنة؟
{عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}[المدثر: 30].
ما أسماؤها؟
{ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ}[القمر: 48].
{كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى}[المعارج: 15 - 17].
عدد الأبواب: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} [الحجر: 44].
وكذلك في الجنة من أنواع النعيم وصفته: {أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى}[محمد: 15].
الأبواب، الخزنة، الطول، العرض، الجواري، السرر، الأكواب، النمارق، الغرف، إلى آخره .. تفصيلات كثيرة جداً في القرآن والسنة.
سنجد أن من العبادات العظيمة: الدعاء، التوسل لله، الإلحاح بدخول الجنة، والاستعاذة والالتجاء والاعتصام به من النار، وعذاب النار.
هكذا ذكر الله في القرآن عن المؤمنين: {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16].
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ} [الفرقان: 65].
والملائكة تطلب الجنة للمؤمنين: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم}[غافر: 8].
كما أنهم يدعون ربهم بأن يدخلهم الجنة، وتقول امرأة فرعون: {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ}[التحريم: 11].
مقارنة القرآن والسنة بين أهل الجنة وأهل النار:
00:20:59

لماذا نجد في القرآن والسنة المقارنات؟
أسلوب عجيب عظيم، إنه في القرآن الذي أنزله الله معجزة لنبيه -عليه الصلاة والسلام-، يجب علينا أن نتدبر في أساليبه: المقارنة: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20].
{وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ}[محمد: 15].
يذكر الجنة كثيرًا مقرونة بالنار.
التقابل في القرآن كثير جدًا، لماذا؟
إنه يربي النفس على الترغيب والترهيب، لا تستقيم النفس إذا لم تخف، ولا تستقيم إذا لم ترج، ولذلك يذكر لهم هذا وهذا، ويخبرهم أن الفريقين لا يستويان: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}[الحشر: 20].
بعدما وصف عذاب أهل النار وحالهم: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ}[الفرقان:15].
المقارنة واضحة جداً في الآيات: {أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}[فصلت: 40].
قال تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ}[محمد: 15].
تقابل شديد: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ}[الشعراء: 90 - 91].
الكلام هذا مهم جداً في عصرٍ الآن غرق الناس فيه بالشهوات والمحرمات، وانتهكت الأعراض، وغشوا المنكرات، وتعدوا حدود الله، وتعاطوا أنواع الحرام، سماعًا رؤية وتذوقًا ولمسًا، وغشيانًا، ودخولاً، ومشيًا إليه، أنواع الحرام الكثيرة، هذه كيف علاجها الآن؟ ما هو العلاج الآن الديني الشرعي الإيماني للذين يقعون في فاحشة الزنا، وفي شرب الخمر، واستعمال المخدرات، ورؤية المحرمات، والتحرش بالنساء، وأنواع الفواحش، والرذائل، والقاذورات، والتطفيف في المكيال والميزان، والغش، والسرقة، والاغتصاب، والغصب، وأكل المال بالباطل؟
كيف تعالج انحرافات الناس اليوم في قضية العقوق، وقطع الرحم، ومنع الأشياء الواجبة، كنفقة الزوجة والأولاد؟ كيف تعالج اليوم الجرائم المنتشرة بين الناس؟ كيف تعالج الهمم التي طاحت وسقطت؟ وكيف تعالج قضية التخلف عن صلاة الفجر، والصلوات الأخرى، وإضاعة الصلوات عن أوقاتها، ومنع الزكاة، والبخل بالمال؟ كيف تعالج هذه القضايا الكثيرة الموجودة الآن في الناس، من منع الواجبات الشرعية، عدم إنكار المنكر، ولا الأمر بالمعروف؟ كيف تعالج القضية في التكاسل عن العبادات والطاعات، ودنو النفوس، وتعلقها بالسفاسف، واشتغالها بالترهات، وترك معالي الأمور والطاعات؟
إذا ما صار فيه من نعيم الجنة، يغذي النفس، وعذاب النار، يخوف النفس، ما تعالج القضية، كيف يزداد المحسنون إحسانًا؟ وكيف يرعوي المسيؤون عن إساءتهم؟
الربط بين الذنوب وعقوباتها في النار:
00:24:16

نجد الذنوب أنواعًا مرتبطة بعقوبات في النار: ((من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار))[رواه البخاري:1238، ومسلم: 278].
((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلاً)) من الهزال[رواه البخاري:3318،ومسلم:6845].
((ويل للأعقاب من النار))[رواه البخاري: 60، ومسلم: 589] الذين لا يتقنون الوضوء.
الذين يتساهلون في الغيبة والنميمة والكذب، وآفات اللسان كلها: ((وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم))[رواه الترمذي: 2616، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي: 2616].
والتساهل في نسبة أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام- ومنهاالمكذوب والموضوع: ((من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))[رواه البخاري: 1291، ومسلم: 4].
((من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الْكَاذِبِينَ))[رواه مسلم:1، والترمذي: 2662، وابن ماجه: 41، وأحمد: 18266، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 11144] الكذابين.
((كل مصور في النار))[رواه مسلم:5662] ونحو ذلك من الأشياء.
الربط بين الأعمال الصالحة وأجورها في الجنة:
00:25:09

كما أننا نرى أن أنواع الحسنات، والأعمال الصالحة، مرتبطة بأجور في الجنة، لتنشيط النفوس، وتحفيزها للقيام بها: ((من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله ناداه مناد: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً)) [حديث حسن، رواه الترمذي: 2139، حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي: 2008].
أصحاب العاهات الذين أصيبوا وابتلوا: ((إن الله قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه))يعني عينيه ((فصبر عوضته منهما الجنة)) [رواه البخاري: 5653].
كيف تنشط النفوس لبذل المهج للقتال في سبيل الله؟
((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف))[رواه البخاري: 2818، ومسلم: 4640].
وصف نعيم الجنة وعذاب أهل النار:
00:25:48

وهكذا نجد الأوصاف لأشياء في الجنة بالتفصيل، حتى الأشجار: ((إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها))[رواه البخاري:3251، ومسلم:7316].
لمن؟ تشرئب وتتطلع النفوس لمن؟
((الجنة ليس فيها شجر إلا ساقها من ذهب)).
ما هي غراس الجنة إذًا؟
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
و((من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة)) [رواه الترمذي: 3464، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: 2757].
وهكذا لما تذكر درجات الجنة، وأجر حفظة القرآن: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة))[رواه مسلم: 1898].
وهكذا الأعمال المبعدة عن النار تذكر، تربط بالنار:((اتقوا النار ولو بشق تمرة))[رواه البخاري:6023، ومسلم: 2396].
و((من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار))[رواه البخاري:907].
والذي يجد الغبار في سبيل الله، لا يجتمع هذا الغبار وغبار جهنم في نفسه[انظر الحديث رواه النسائي:3110 ، وابن ماجه:2774، وأحمد:7474، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي: 3110].
((لا يجتمع كافر وقاتله فى النار أبدا))[رواه مسلم:5003].
أجر القتل في سبيل الله.
يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- ألوانًا وصورًا من العذاب، كيف يعذب أهل النار بالشدة، لكي يتعظ المتعظون: ((يُؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟)) بعد غمسة واحدة في النار، أكثر أهل الدنيا سلطانًا وعزًا، ونفرًا ونفيرًا، وأموالاً وقصورًا، أكثر أهل الدنيا نعيمًا وغنى وجاها، يغمس في النار غمسة واحدة، وهو من أهلها، لكن الغمسة هذه يرفع بعدها، ليقال له: هل رأيت خيرًا قط؟ مر عليك في الدنيا نعيم من قبل؟ مر عليك شيء من النعيم؟ فيقول: ((لا والله يا رب)).
وكذلك البائس من أهل الدنيا، الفقير المعذب المبتلى، الذي ظلم من الناس، وكذلك ابتلي في جسده، وابتلي في نفسه، وأنواع الهموم والغموم، والآلام النفسية، مع الأشياء الجسدية، مع ما يقع عليه من الناس، مع الأمراض، مع .. مع .. هذا من أهل الجنة، يؤتى به فيغمس غمسة في الجنة: ((هل مر بك بؤس قط؟ هل رأيت شدة قط؟ يقول: لا يا رب))[رواه مسلم: 7266].
إذًا، هذا يبين عظمة نعيم الجنة، وشدة عذاب النار.
عندما يذكر لنا من أهون أهل النار عذابًا، وأنه رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه[انظر الحديث: رواه البخاري:6562، ومسلم: 538]فكيف بأشدهم عذابًا؟
ذكر لنا النبي -عليه الصلاة والسلام- نعيم أهل الجنة وأحوالهم فيها، يذكر لنا -مثلاً-: الخيمة، من اللؤلؤة، الواحدة، المجوفة، بالتفصيل، خيمة، من لؤلؤة، واحدة، ما هي مركبة من لآلئ، مجوفة، طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا[انظر الحديث: رواه البخاري:4879، ومسلم: 7337] فلا ترى زوجته هذه الأولى ما يصنع بالثانية، ولا الثانية ما يصنعه بالأولى، وهكذا..
إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله -تبارك وتعالى-: ((تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم -عز وجل-؟))[رواه مسلم: 467].
نجد التفصيلات الدقيقة جداً: ((إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة))قال: ((لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون))أوصاف حتى المشط الذي يمشط الواحد فيه شعره((أمشاطهم الذهب))العرق كيف يكون؟((ورشحهم المسك))المجمرة التي يوضع له فيها البخور وما مادة البخور هذه؟((ومجامرهم الألوة))الأنجوج، عود الطيب ((وأزواجهم الحور العين))[رواه البخاري: 3327، ومسلم: 7328].
((الأنجوج))العود الذي يتبخر به، وهو الألوة، وهذا العود تفسير التفسير.
لما تسمع النفوس وصف الجنة، تنشط وتتحفز، وتريد هذا النعيم.
ولما تسمع عذاب النار، تخاف، تفزع، وتستعيذ بالله من هذا الجحيم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لما أقبل على أصحابه بوجهه: ((تعوذوا بالله من عذاب من النار)) قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، قال:((تعوذوا بالله من عذاب القبر))قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر [رواه مسلم: 7392].
وكان عليه الصلاة والسلام يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، ومن عذاب النار))[رواه البخاري: 6376، ومسلم: 7046].
وعلمنا دعاءً : أن من استجار من النار سبع مرات، تقول النار: ((يا رب إن عبدك فلان قد استجارك مني، فأجره))[رواه أبو يعلى بإسناد على شرط البخاري ومسلم: 11/54، رقم:6192، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم: 3653].
في طلب الجنة، نجد قوله عليه الصلاة والسلام: ((من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة))[رواه الترمذي:2572، وهو حديث صحيح، والنسائي: 5521، وابن ماجه: 4340، وأحمد: 13196، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي: 2572].
بعض أسماء أهل النار وأهل الجنة:
00:13:30

يذكر لنا عليه الصلاة والسلام ناسا بأسمائهم، بأعيانهم في النار، فيقول: ((رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه))يعني أمعاءه ((في النار، وكان أول من سيب السوائب))[رواه البخاري: 3521، ومسلم:7372].
وأول من أدخل الأصنام إلى جزيرة العرب، وأول من وضعها ليعبدوها.
ويذكر لنا: الوليد بن المغيرة في النار، وآزر والد إبراهيم في النار، ويذكر لنا القرآن أبو لهب وامرأته أم جميل.
كما أنه عليه الصلاة والسلام يذكر لنا في الجنة ناسًا بأسمائهم، فيقول: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة))[رواه الترمذي:3747، وأحمد: 1675، وهو حديث صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي: 3747، وفي مشكاة المصابيح: 6109].
-طبعًا- في ناس آخرين ذكرهم في الجنة، بشر ناس في الجنة، حتى جارية سوداء بشرها بالجنة، امرأة تصرع بشرها بالجنة.
وذكر لنا من سيدات نساء أهل الجنة: مريم بنت عمران، وفاطمة  بنت محمد -صلى الله عليه وسلم-، وخديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، وآسيا امرأة فرعون.
وهناك أبحاث في موضوع الجنة والنار، سنأتي عليها -إن شاء الله-: هل الجنة والنار مخلوقتان الآن؟ أين مكان الجنة والنار؟ هل يرى أحد الجنة أو النار عيانًا قبل يوم القيامة؟ هل يدخلها أحد قبل يوم القيامة؟ هل الجنة التي دخلها آدم ثم أخرج منها هي جنة  الخلد أم جنة أخرى؟ هل دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- الجنة ليلة الإسراء والمعراج؟ ما حكم الشهادة لمعين بجنة أو نار، فتقول: هذا في الجنة، أو هذا في النار، وهذا روحه الآن في الجنة، و{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}[الفجر: 27 - 30]ما حكم هذا الكلام؟ كيف نتعامل مع أسئلة الصغار عن الجنة والنار؟ هل تفاصيل الجنة والنار الموجودة عندنا موجودة في التوراة والإنجيل هي عينها؟ ما هي اعتقادات أهل الباطل في نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار؟ ونحو ذلك من المسائل سنأتي عليها بمشيئة الله -تعالى-.
لكن لندخل الآن في التفصيل، ومشاهد الجنة والنار.
صفة الصراط وعبوره:
00:34:11

سبق أن مرَّ بنا في موضوع الصراط، وهو الجسر المضروب على متن جهنم، وأنه أحد من السيف، وأدق من الشعر، وأنه يروغ روغانًا، وأنه دَحِض مَزَلة، وأن عليه خطاطيف وكلاليب تأخذ الناس، وأن هذا الصراط لا بدّ من عبوره، وأن الكفار لا يعبرون الصراط.
الصراط جسر مضروب على جهنم، فمن الذي يعبره؟ يأتيه المؤمنون والمنافقون أين الكفار؟
قد سحبوا إلى النار من قبل، الكفار لا يعبرون الجسر.
من الذي يعبره؟
المؤمنون عصاتهم وكُمَّلهم، والمنافقون يأتون إليه أيضاً، قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في كتابه: "التخويف من النار": "أما المشركون، فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يقعون في النار قبل وضع الصراط"[التخويف من النار، ص: 233].
قبل وضع الصراط هم سحبوا، يوضع الصراط وينصب على متن جهنم من الطرف إلى الطرف، بعدما يدخل الكفار النار، ينصب الصراط.
صفة حشر الكفار إلى النار:
00:35:32

لقد جاءت النصوص كثيرة تبين لنا كيف يكون حشر الكفار إلى النار هم وآلهتهم التي يعبدونها، وبين سبحانه لعباده صورًا شتى من صور إلقاء الكفرة في النار، فمن ذلك: أنهم يحشرون كالقطعان، وأنهم جماعات جماعات، وأنهم يُنهرون نهرًا غليظًا، وأنه يُصاح بهم من هنا وهناك: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ}[الزمر: 71 - 72].
إذًا، هم يساقون بعنف، ودفع وإهانة، وهذا من العذاب النفسي والبدني، قال ابن كثير -رحمه الله-: "يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار، وإنما يُساقون سوقًا عنيفًا، بزجر وتهديد ووعيد؛ كما قال تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}[الطور: 13]يعني يدفعون إليها دفعًا، وذلك لامتناعهم عن دخولها، والدعُ، هو الدفع الشديد، والدع هذا اللفظ، يقع في النفوس موقعًا عنيفًا، والذي يسمعه كأنه يرى أهل جهنم وهم يساقون إليها سوقًا شديدًا، بالملائكة غلاظ الأخلاق، شداد القِوى، خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، وهذا زيادة في العذاب والغم.
يساق الكفار بالملائكة سوقًا عنيفًا إلى شر محبس، وأفظع موضع، وهي جهنم التي جمعت كل عذاب، وحضرها كل شقاء، وزال عنها كل سرور.
ثم إنهم يساقون جماعات مع أشباههم ونظرائهم، قال الأخفش وأبو عبيدة: {زمرًا}جماعات متفرقة بعضها إثر بعض" [الجامع لأحكام القرآن: 15/283].
يساقون أفواجًا "حسب ترتيب طبقاتهم في الضلالة والشرارة"، كما قال الألوسي في تفسيره[روح المعاني: 12/286].
فكل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها، جماعات المشركين مع المشركين، وجماعات المجرمين مع المجرمين، وجماعة الظالمين مع الظالمين، وهكذا العصاة، جماعة الزناة مع الزناة، والسُراق مع السُراق، والمرتشون مع المرتشون، وهكذا أصحاب اللواط مع أصحاب اللواط، والفواحش، وهكذا أصحاب العقوق مع أصحاب العقوق، والدليل على ذلك قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ}[الصافات: 22].
قال المفسرون: "أشباههم ونظراؤهم، ومن هو على شاكلتهم".
قال النعمان بن بشير -رضي الله عنه- في تفسير الآية: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ}أي بأزواجهم، أشباههم  وأمثالهم" وكذا قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير[انظر: تفسير القرآن العظيم: 7/7].
وقال سبحانه: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [فصلت: 19].
ما معنى: {يُوزَعُونَ}؟
يعني يرد أولهم إلى آخرهم، ويلحق آخرهم بأولهم، حتى يجتمعوا جميعًا، ثم يدفعون في النار، يجمعون من هنا ومن هنا، والآخرون يردون إلى الأمام، ومن الأمام يرد إلى وراء، هكذا يجمعون، ويدفعون دفعًا، ويساقون إلى النار، حتى يجتمعوا جميعًا، قالت العرب: وزعت الجيش إذا حبست أوله على آخره، حَتَّى يَجْتَمِعَ.
يكف أولهم عن التقدم، وآخرهم عن التأخر، حتى يجتمعوا جميعًا.
{يُوزَعُونَ}فيساقون هذا السوق العنيف، ثم إنهم يُساقون مشاة لا يركبون، عِطاشًا ظمأى لا يرتون، يُساقون سوق البهائم، قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم :85 - 86].
يساقون سوقا، مُشاة على أرجلهم: {وِرْدًا}عطاشًا: {وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}[هود: 98].
وهذه أبشع الحالات، يساقون وعليهم الذل والصغار إلى أعظم سجن، وأفظع عقوبة، في حال من الظمأ، يستغيثون فلا يغاثون، ويدعون فلا يستجاب لهم، ويستشفعون فلا يُشفع لهم.
وهكذا يظهر الفرق بين الإكرام والإهانة، وبين سَوق أهل الجنة وسَوق أهل النار، ويعامل كل واحد على حسب حاله، يحشر أهل الجنة كرامًا، ويُحشر أهل النار لئامًا، يُحشرون على وجوههم الكفار، كيف يمشي الكافر على وجهه؟
إن الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر أن يجعله يمشي يوم القيامة على وجهه، قال عز وجل: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ}[الفرقان: 34]هذا الدليل على أن الكافر لا يمشي على رجليه، وإنما يمشي على وجهه.
ولا شك أن تمريغ وجهه بالأرض في ذلك المقام، ومشيه على وجهه، مثل الرجلين، فهو يطأ الأرض بوجهه، والثقل على الوجه، والوجه هكذا مضغوط على الأرض، ويمشي عليه، هذا يدل على الإهانة البالغة.
وقال تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الملك: 22].
لقد سأل الصحابة النبي -عليه الصلاة والسلام- عن هذا، قالوا: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: ((أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) قال قتادة -رحمه الله-: "بلى وعزة ربنا" [رواه البخاري:4760، ومسلم:7265].
ومع حشرهم على هذه الصورة المنكرة، فإنهم يحشرون أيضاً عُميًا لا يرون، وصُمًا لا يسمعون، كما قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}[الإسراء: 97].
فانظر إلى هذا الخزي ما أعظمه، وهو أعمى، أبكم، لا يتكلم، لا ينطق، أصم لا يسمع، وعلى وجهه، ما في حتى حواس له فيعبر بها عن شيء، إلا ما أُذن له به من الكلام الذي سيحجب، ويختم على فيه في وقت من الأوقات، هكذا يحشرون.
فماذا تقول النار إذا رأتهم؟
قبل أن يصلوا إليها تصك مسامعهم بصوتها، وتملأ قلوبهم هلعًا ورعبًا، قال تعالى: {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان: 12].
وعندما يبلغون النار، ويعاينون أهوالها، يتمنون العود إلى الدنيا، ويندمون على ما فعلوا، ولكن هيهات: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[الأنعام:27].
فهم إذًا يحشرون بهذه الطريقة، وأوضاع الحواس عندهم هكذا، وإذا اقتربوا -مع كونهم عُميًا وصُمًا وبُكمًا-، يقول تعالى -تأمل العجب!-: {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا}[الفرقان:12].
{سَمِعُوا}من مكان بعيد، ويحشرون صُمًا، فإذا بلغوها وعاينوها يندمون، ويتمنون العودة، فلا يجابون، يريدون الهروب، لكن لا مفر: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا}[الكهف: 53]أيقنوا تمام الإيقان بالمواقعة، واعتقدوا اعتقادًا جازمًا بدخولها.
يًؤتون بهم يجرون في السلاسل: {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا}لا يجدون مكانًا ينصرفون إليه؛ لأنهم محاطون بالزبانية:{إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا}[الرحمن: 33].
كيف سينفذون والملائكة محيطة بهم، وليس لهم سلطان يمكنهم من الهروب؟
ولا ينجو من النار من الجن والإنس إلا الأتقياء، قال تعالى: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}[الزمر: 24].
وقال عز وجل: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا}[مريم: 68 - 70].
فهؤلاء جموع عددهم كبير جداً، حاضرون حول جهنم، كيف يكون حالهم عند حضورهم؟
جاثون على الركب، يشهدون هولها، ولفح حرها، وينتظرون في كل لحظة أن يُؤخذوا، فيُلقى بهم في النار، هذا حال الفزع المذكور في هذه الآية.
{ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا}[مريم: 70]الذين اخترناهم ليكونوا في طليعة المقذوفين: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} أول دفعة منهم سيقذفون فيها، الله أعلم بهم.
النار تكون مغلقة قبل وصولهم إليها: {حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 71].
إذًا، الزفير والشهيق الذي كانوا يسمعونه من قبل ليس عبر أبوابها المفتحة، ولكن وهي مغلقة، يسمعون لها من بعيد تغيظًا وزفيرًا، إذا أتي بهم إليها فتحت أبوابها، بمجرد وصولهم لتعجيل العقوبة، ولمباغتتهم بالفزع والرعب، وعند ذلك يؤمرون بالدخول رغمًا عنهم: {فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29].
حال الكفار عند سوقهم إلى النار: