الأحد 17 رجب 1440 هـ :: 24 مارس 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

46- وصف الجنة (النعيم رؤية من الداخل) 2


عناصر المادة
ملخص الدرس السابق:
ماهية النور في الجنة:
هل ينام أهل الجنة؟
الأوقات في الجنة:
لون الجنة:
رائحة الجنة:
مسافة تذوق شم رائحة الجنة:
ماهية رائحة الجنة:
أناس يحرمون من ريح الجنة:
شم ريح الجنة في الدنيا:
دواب أهل الجنة "وسائل نقل أهل الجنة":
طيور الجنة:
حدائق الجنة وبساتينها:
الظل في الجنة وماهيته:
أصول شجر الجنة:
سيقان أشجار الجنة:
شجرة طوبى:
سدرة المنتهى:
السدر المخضود:
الطلح المنضود:
ثمرات وفواكه الجنة:
عدم انقطاع فواكه الجنة وسهولة الحصول عليها:
تنوع ثمار الجنة:
عجوة الجنة:
نخل وعنب ورمان الجنة:
وسائل تحصيل المسلم لأكثر عدد من أشجار الجنة:
المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنها قيعان)):
هل في الجنة زراعة؟
هل يشبع أهل الجنة؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
ملخص الدرس السابق:
00:00:13
 فقد تحدثنا عن الجنة من الداخل، وأنه لا مثيل لها، فإنها النعيم المطلق الذي لا تنغيص فيه:  وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف: 71].
وأصحابها، خالدون فيها.
وأسماء الجنة، تدل على النعيم واللذة، والبهجة والسرور.
وقد تقدم شرح بعض أسماء الجنة؛ كجنة الخلد، وجنة المأوى، وجنات النعيم، وجنات عدن.
وكذلك من أسمائها: الفردوس، ودار السلام، فهي سالمة من كل المنغصات:  وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ [يونس: 10].
وكذلك من أسمائها: دار المقامة، والحسنى، ودار الآخرة، ودار المتقين.
وكذلك وردت أوصاف للجنة، مثل دار الخلد، والحيوان، أي الحياة الباقية الدائمة، والمقام الأمين، ومقعد الصدق. وكذلك: فإن بناء الجنة؛ لبنة ذهب، ولبنة من فضة، وما بين اللبن -الملاط- المسك الأذفر.
وأيضاً: فإن الحصباء والتربة في الجنة من اللؤلؤ والياقوت، والزعفران والمسك.
وقد تحدثنا عن مساكن الجنة، ومنها: الغرف، والقصور، والخيام، وأن غرف الجنة مبينة بعضها فوق بعض.
وأما خيام الجنة، فكل واحدة من لؤلؤة واحدة، مجوفة طولها ستون ميلًا، ووردت رواية أخرى في هذا.
وتحدثنا: عن قصور الجنة، ومنازل الجنة، وأن المؤمنين يعرفون منازلهم في الجنة، بمجرد دخولها، ولا يحتاجون إلى دلالة عليها، فإنهم لا يحتاجون للاستدلال عليها، فهم يعرفونها مباشرة بما ألهمهم الله -عز وجل- من ذلك.
وأيضاً: فإن هناك سبل للحصول على قصور ومنازل في الجنة، مثل بناء المساجد، وقراءة:  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عشر مرات، وصلاة اثنتي عشرة ركعة غير الفريضة.
وتحدثنا عن أثاث الجنة، وما فيها من الفرش، وأن البطائن من استبرق، وهو ما غلظ من الديباج، وأنهم يتكئون فيها على سرر، وفيها نمارق، وهي الوسائد، وفيها زرابي، وهي البسط الحسان.
ثم تحدثنا عن آنية أهل الجنة التي يأكلون فيها ويشربون، وعن أجناسها وصفاتها، وأنها من ذهب وفضة خالصة، ومن أنواعها: الصحاف، وهي القصعة الواسعة، وأن آنية الشرب فيها الأكواب، وهي الكيزان العظام التي لا آذان لها، ولا عرى.
وأما الأباريق، فهي من الأواني أيضاً في الجنة، لها خراطيم، ولها بياض الفضة، وصفاء الزجاج.
وأما الكأس، فإنه ممتلئ دائمًا، وهو من آنيتهم، وهو مملوء بالخمر، لكنه خمر الجنة، لذة لا غول ولا تنغيص.
ماهية النور في الجنة:
00:03:54
 ما هو النور في الجنة؟
الجنة شيء آخر، وعالم يختلف عن هذه الدار، ففي الجنة نور لكنه لا يحرق ولا يؤذي، ولا يضر الأجساد، بل يزيدها جمالاً وإضاءة ووضاءة ونورًا، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "حادي الأرواح" بعض الآثار الموقوفة والمرفوعة التي تدل على هذا، وهي ضعيفة، ولكن مجموعها يدل على أنها لها أصلاً، ومن ذلك: ما جاء عن ابن عباس-رضي الله عنهما-: أنه سئل ما نور الجنة؟ قال:   أما رأيت الساعة التي تكون قبل طلوع الشمس؟  قبل طلوع الشمس كيف يكون الجو؟ غاية في اللطف، لا هو ظلام، ولا هو نور يتوهج، أو شمس تؤذي العين، نور في نور، ولكن لطيف، فأراد أن يقرب له ذلك، وليس المقصود أنه مثله، فإنه لا يوجد في الدنيا شيء يستطيع أن نشبه به ما في الجنة، لكن أراد أن يقرب له الصورة، قال لما سأله: كيف النور في الجنة؟ قال: هل رأيت الساعة التي تكون قبل طلوع الشمس، وهذا ألطف شيء في الحقيقة في الأربعة والعشرين ساعة، قال:  أما رأيت الساعة التي تكون قبل طلوع الشمس، كذلك نورها، ألا ليس فيها شمس ولا زمهرير  [صفة الجنة، لأبي نعيم الأصبهاني: 1/256، رقم:212].
وهناك آثار أخرى تدل بمجموعها على أن نور هكذا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "والجنة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار، لكن تعرف البكرة والعشية بنور يظهر من قبل العرش" إذا ما كان فيه ليل ولا نهار، لكن فيه بكرة وعشية، كما جاء بالنص، فيه وقت للبكور، ووقت للعشي، فكيف يعرفان ولا شمس ولا قمر؟ قال: "بنور من قبل العرش"[مجموع الفتاوى: 4/312].
وقال القرطبي -رحمه الله-: "قال العلماء: ليس في الجنة ليل ونهار، وإنما هما في نور دائمًا أبدًا، وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وفتح الأبواب"[الجامع لأحكام القرآن: 11/127].
هل ينام أهل الجنة؟
00:06:36
 وأهل الجنة لا ينامون؛ لأن النوم في الحقيقة فيه قطع عن اللذة، وغياب عن النعيم، وحيث أنهم في نعيم دائم، فإنهم لا ينامون، قال ابن كثير-رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:  وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا [مريم: 62 - 63]قال: "أي في مثل وقت البكرات، ووقت العشيات، لا أن هناك ليلاً ونهارًا، ولكنه في أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار" [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 5/247].
في جنة سطعت أنوارها، وجرت أنهارها خلل الأشجار والقطر
في جنة بسقت حيطانها، ودنت أغصانها، ذللاً بالظل والثغر
في جنة نفحت بالمسك بين يد ريحانها، ونسيم الروح في الشجر
في جنة آمنت واطمأنت وسخت فيها النفوس من الآفات والغير
طوبى لساكنها إذ صار مغتبطًا بالخلد في نعم تبقى لا كدر
طوبى لساكنها، طوبى لقاطنها، طوبى لباطئها، طوباه بالظفر
[...].
الأوقات في الجنة:
00:07:58
 ما هي الأوقات في الجنة؟ وما هي الأزمان؟
قال تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: 62].
قال ابن جرير-رحمه الله-: "ولهم طعامهم وما يشتهون من المطاعم والمشارب في قدر وقت البُكرة، ووقت العشيّ، من نهار أيام الدنيا"[جامع البيان في تأويل القرآن: 18/221].
إذًا، يريد أن يقول إن المقصود المقدار، مقدار البكور، ومقدار العشي، وإنما يعني أن الذي بين غدائهم وعشائهم في الجنة قدر ما بين غداء أحدنا في الدنيا وعشائه، وكذلك ما بين العشاء والغداء، وذلك؛ لأنه لا ليل في الجنة ولا نهار.وقال زهير بن محمد -رحمه الله-: "ليس في الجنة ليل هم في نور أبدًا ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وفتح الأبواب"[جامع البيان في تأويل القرآن: 18/221].
وقال قتادة-رحمه الله-: "فيها ساعتان بكرة وعشيّ، فإن ذلك لهم ليس ثم ليل، إنما هو ضوء ونور" [جامع البيان في تأويل القرآن: 18/221].
ومثله ما جاء عن أبي هريرة-رضي الله تعالى عنه- قال: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في وصف الزمرة الأولى الذين يدخلون الجنة: قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا [رواه البخاري: 3245، ومسلم: 7330].
قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله- في تفسير: بكرة وعشيًا قال: "أي قدرهما"[فتح الباري: 6/326] يعني قدر البكور، وقدر العشي.
الأصل أن هنالك بكرة وعشي، كيف تعرف؟
الله أعلم، تعرف بعلامات تكون في الجنة.
وقال بعضهم: المقصود المقدار.
لون الجنة:
00:10:13
 وما لون الجنة؟ هل في لون غالب داخل الجنة؟
قال الله -تعالى-:  مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن: 64].
قال ابن منظور: وحديقة دهماء مدهامة خضراء تضرب إلى السواد، من نعمتها وريها.
وفي التنزيل العزيز: مُدْهَامَّتَانِ أي سوداوان من شدة الخضرة من الري.
يقول: خضراوان إلى السواد من الري.
وقال الزجاج: يعني أنهما خضراوان، تضرب خضرتهما إلى السواد، وكل نبت أَخضر فتَمامُ خِصْبِهِ ورِيِّهِ أن يَضْرِبَ إلى السواد والدُّهْمةُ عند العرب السواد.
وإنما قيل للجنة: مدهامة ، لشدة خضرتها، يقال: اسودت الخضرة، أي اشتدت [لسان العرب: 12/209].
فإذاً، اللون داخل الجنة: مُدْهَامَّتَانِ  أخضر شديد الخضرة.
وقال ابن عباس: "قد اسودتا من الخضرة من شدة الري من الماء".
وعنه أيضًا وعن غيره من الصحابة والتابعين أنهم قالوا: خضراوان.
وقال قتادة: خضراوان من الري، ناعمتان" [انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 7/507].
رائحة الجنة:
00:11:43
 فما هي الرائحة داخل الجنة؟
عن عبد الله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا [رواه البخاري: 3166].
وفي رواية لأحمد: 18097، والنسائي4749] وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عامًا [وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي: 4749].
وجاء أيضًا عند الطبراني عن أبي هريرة مرفوعًا قال:  وإن ريح الجنة توجد من مسيرة مائة عام [رواه الطبراني في الكبير: 300، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3692].
وقال عليه الصلاة والسلام: ونساء كاسيات عاريات  من أهل النار: ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا [رواه مسلم: 5704].
مسافة تذوق شم رائحة الجنة:
00:12:49
 قال ابن حجر-رحمه الله-: "وهذا اختلاف شديد، يعني هناك رواية:  أربعين عامًا وأخرى: سبعين عامًا وأخرى:  مائة عام وأخرى كذا وكذا، فكيف يجمع بينها؟
قال: "والذي يظهر لي في الجمع أن يقال: إن الأربعين أقل زمن يدرك به ريح الجنة من في الموقف، والسبعين فوق ذلك، والخمسمائة، ثم الألف، أكثر من ذلك، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأعمال"[فتح الباري: 12/260].
إذًا، أقل مسافة توجد منها ريح الجنة أربعين عامًا، وتوجد من أكثر من ذلك.
أو يقال: هذا يختلف باختلاف الأشخاص، فبعض الأشخاص يجدون ريح الجنة من مسيرة مائة عام، وبعضهم يجدها من مسيرة سبعين، وبعضهم يجدها من مسيرة أربعين، فكلما قوي إيمانه -مثلاً-، وازدادت مرتبته، وارتفعت درجته، فهو يجد ريح الجنة من بعيد، قال المباركفوري -رحمه الله-: "الجمع بين هذه الروايات أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، بتفاوت منازلهم ودرجاتهم" [فتح الباري: 12/260].
وعليه فهذه الألفاظ لا تعارض فيها.
وقال ابن القيم-رحمه الله- في "النونية":
والريح يوجد من مسيرة أربعين *** وإن تشأ مائة فمرويان
وكذا روي سبعين أيضًا *** صح هذا كله وأتى به أثران
ما في رجالهما من مطعن *** والجمع بين الكل ذو إمكان
ولقد أتى تقديره مائة بخمس *** ضربها من غير ما نقصان
إن صح هذا فهو أيضًا والذي *** من قبله في غاية الإمكان
إما بحسب المدركين لريحها *** قربًا وبعدًا ما هما سيان
أو باختلاف قرارها وعلوها *** أيضًا وذلك واضح التبيان
أو باختلاف السير أيضًا فهو *** أنواع بقدر إطاقة الإنسان
ما بين ألفاظ الرسول تناقض *** بل ذاك في الأفهام والأذهان

[القصيدة النونية: 2/76].
إن حصل تناقض، فهو في الأفهام والأذهان، أما النصوص نفسها لا يوجد فيها تناقض؛ لأنها تنزيل من حكيم عليم، سبحانه وتعالى، وقد أحكم ما أنزله، وأحكم وحيه، فلا يوجد فيه تعارض؛ لأن من لوازم الإحكام: أن يكون سالمًا من التعارض.
ثم نحن قد ندرك الجمع، وقد لا ندرك وجه الجمع بين النصوص، أو سبيل التوفيق بينها، فإذا لم نعلم نرد الأمر إلى الله.
ماهية رائحة الجنة:
00:16:02
 هل هناك رائحة خاصة معلومة معينة في الجنة؟
علمنا: أن الريح توجد من بعيد، لكن ريح ماذا؟
جاء عن عبد الله بن عمرو: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: سيد ريحان أهل الجنة؛ الحناء  [رواه عبد الغني المقدسي -رحمه الله- في السنن من طريق الطبراني عن عبد الله بن الإمام أحمد، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1420].
ورواه ابن قتيبة أيضاً في غريب الحديث بلفظ:  سيد ريحان أهل الجنة؛ الفاغية  [غريب الحديث، لابن قتيبة: 1/298].
وعن أبي العالية قال: "أكثر رياحين الجنة؛ الحناء" [مصنف ابن أبي شيبة: 13/584، رقم: 36658].
والفاغية، نور الحناء وزهرتها، وهي من أطيب الرياحين.
فنحن نعرف أن الحناء نبات، النبت هذا له أزهار، رائحة الأزهار هذه هي الفاغية.
أناس يحرمون من ريح الجنة:
00:17:14
 هل هناك أناس يحرمون من ريح الجنة؟
نعم، عن معقل بن يسار قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة [رواه البخاري: 7150].
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد  يصبغون بالسواد قال :  كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة [رواه أبو داود:4214، وأحمد:2470، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 2097].
وعن ثوبان قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة [رواه أبو داود: 2228، والترمذي: 1187، وابن ماجة: 2055، وأحمد: 22493، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود: 2226].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :  من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله -عز وجل- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة  ما معنى: عرف الجنة؟ يعني ريح الجنة [رواه أبو داود:3666، وابن ماجه: 252، وأحمد: 8438، وصححه الألبان في صحيح سنن أبي داود: 3664].
هناك إذًا أحاديث وردت ونصوص في حرمان ناس من رائحة الجنة، لذنوب اقترفوها، وأمور أصروا عليها، لكن أهل الإيمان عند الموت تكون لهم رائحة زكية؛ لأنهم أهل الجنة، قال تعالى: فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [الواقعة: 88 - 89].
قال الطبري-رحمه الله-: وأما الريحان، فإنه عندي الريحان الذي يتلقى به عند الموت، كما قال أبو العالية والحسن ومن قال في ذلك نحو قولهم؛ لأن ذلك الأغلب والأظهر من معانيه".
قالوا: "فأرواح المقربين تخرج من أبدانهم عند الموت بريحان تشمه" [جامع البيان في تأويل القرآن: 23/160].
شم ريح الجنة في الدنيا:
00:19:24
 هل يُشم ريح الجنة في الدنيا؟
قال ابن القيم-رحمه الله-: "وريح الجنة نوعان: ريح يوجد في الدنيا تشمه الأرواح أحيانًا، لا تدركه العبارة" يعني لا يمكن الكلام أن يصفه "وريح تدرك بحاسة الشم للأبدان، كما تشم روائح الأزهار، وغيرها، وهذا يشترك أهل الجنة في إدراكه في الآخرة من قُرب وبُعد، وأما في الدنيا، فقد يدركه من شاء الله من أنبيائه ورسله، وهذا الذي وجده أنس بن النضر-رضي الله عنه- يجوز أن يكون من هذا القسم، وأن يكون من الأول" [شرح قصيدة ابن القيم، أحمد بن إبراهيم: 2/489].
وقد جاء في الصحيحين في قصة أنس بن النضر يوم أحد، وقوله: "واها لريح الجنة، أجده دون أحد، فقاتلهم حتى قتل، فوجد فى جسده بضع وثمانون من بين ضربة، وطعنة، ورمية"[رواه البخاري: 2805، ومسلم:5027].
فريح الجنة وجدها أنس-رضي الله عنه- حقيقة، أقرب من جبل أحد.
لماذا لم يجدها البقية؟
لأن الله بلغه، وأوصل إليه هذه الرائحة، ريح الجنة، فيمكن أن يحصل لبعض أولياء الله في الدنيا أن يجدوا ريح الجنة، وخصوصًا قبل الموت.
دواب أهل الجنة "وسائل نقل أهل الجنة":
00:21:06
 هل يوجد في الجنة دواب؟ كيف يتنقل أهل الجنة من مكان إلى مكان؟
هنالك دواب في الجنة، وطيور، وخيول، وجمال، ولكنها ليست كدواب الدنيا، والتشابه إنما هو في الاسم فقط، وقد دلت الأدلة على ذلك، فعن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ قال:  إن الله إذا أدخلك الجنة، فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء، يطير بك في الجنة حيث شئت  قال: وسأله رجل فقال: يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل له مثلما قال لصاحبه، قال:  إن يدخلك الله الجنة، يكن لك فيها ما اشتهت نفسك، ولذت عينك [رواه الترمذي: 2543، وقال الألباني: "حسن لغيره" كما صحيح الترغيب والترهيب: 3756].
قال القاضي -رحمه الله-: "تقدير الكلام: إن أدخلك الله الجنة، فلا تشاء أن تحمل على فرس كذلك إلا حملت عليه، والمعنى أنه ما من شيء تشتهيه الأنفس إلا وتجده في الجنة كيف شئت، حَتَّى لَوْ اِشْتَهَيْت أَنْ تَرْكَبَ فَرَسًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ -فرس ياقوتة حمراء- لَوَجَدْته، وَتَمَكَّنْت مِنْهُ.
ويحتمل: أن يكون المراد إن أدخلك الله الجنة فلا تشاء أن يكون لك مركب من ياقوتة حمراء، يطير بك حيث شئت، ولا ترضى به، فتطلب فرسًا من جنس ما تجده في الدنيا حقيقة وصفة.
والمعنى: فيكون لك من المراكب ما يغنيك عن الفرس المعهود، ويدل على هذا ما جاء في الرواية الأخرى، وهو  إن أدخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان، فحملت عليه [رواه الترمذي: 2543، وقال الألباني: "حسن لغيره" كما صحيح الترغيب والترهيب: 3756].
ولعله عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين الفرق بين مراكب الجنة ومراكب الدنيا، وما بينهما من التفاوت على سبيل التصوير والتمثيل، مثل فرس الجنة في جوهره، بما هو عندنا أثبت الجواهر، وأدومها وجودًا، وأنصعها لونًا، وأصفاها جوهرًا، وفي شدة حركته، وسرعة انتقاله، بالطير، وأكد ذلك في الرواية الأخرى بقوله: جناحان  [تحفة الأحوذي: 6/335].
لكن الأصل أننا نحمل ألفاظ النصوص على ظاهرها، وأنه إذا أخبرنا إن فيها أفراس وخيل، ففيها كذلك.
وعن أبي أيوب قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- أعرابي فقال: يا رسول الله إني أحب الخيل أفي الجنة خيل؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  إن أدخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان فحملت عليه، ثم طار بك حيث شئت [رواه الترمذي: 2543، وقال الألباني: "حسن لغيره" كما صحيح الترغيب والترهيب: 3756].
وعن أبي مسعود الأنصاري قال: "جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة [رواه مسلم: 5005].
قيل: يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة.
ويحتمل: أن يكون على ظاهره ويكون له في الجنة بها سبعمائة كل واحدة منهن مخطومة -لها خطام- يركبهن حيث شاء للتنزه، كما جاء في خيل الجنة ونجبها، وهذا الاحتمال أظهر -والله أعلم-[انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج:6/369].
إذًا، نوق حقيقية.
وكذلك فإن من دواب الجنة الثابت وجودها فيها بالنصوص الصحيحة: الغنم، فعن ابن عمر-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  الشاة من دواب الجنة [رواه ابن ماجه: 2306، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح وضعيف الجامع الصغير: 6038].
وعن حميد بن مالك بن خثيم: أنه قال: "كنت جالسًا مع أبي هريرة بأرضه بالعقيق، فأتاه قوم من أهل المدينة على دواب، فنزلوا عنده، ثم قال: فلما انصرفوا، قال: يا ابن أخي".
من المقصود؟
حميد.
"أحسن إلى غنمك، وامسح الرعام عنها" والرعام ما يسيل من أنوفها، وقد يجتمع عليه الدود فيؤذي، فتنظيفها قد ورد الإرشاد إليه، قال: "يا ابن أخي أحسن إلى غنمك، وامسح الرعام عنها، وأطب مراحها، وصل في ناحيتها، فإنها من دواب الجنة" [رواه مالك:1669،وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 1/227].
وعن وهب بن كيسان قال: "مر أبي على أبي هريرة، فقال: أين تريد؟ قال: غنيمة لي، قال: نعم، امسح رعامها، وأطب مراحها، وصل في جناب مراحها، فإنها من دواب الجنة، وأنس بها، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:  إنها أرض قليلة المطر  يعني المدينة [رواه أحمد: 9623، وفي تحقيق دار الرسالة رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عجلان وهو قوي لكن وهب بن كيسان لم يصرح بسماعه من أبي هريرة وقد قيل إنه رآه].
طيور الجنة:
00:27:23
 أما طيور الجنة، فهي عظيمة عجيبة، ناعمة لذيذة، عن أنس بن مالك-رضي الله عنه- قال: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- ما الكوثر؟ قال: ذاك نهر أعطانيه الله، يعني في الجنة، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيها طير أعناقها كأعناق الجزر، قال عمر: إن هذه لناعمة، فقال عليه الصلاة والسلام:  أكلتها أحسن منها [رواه الترمذي:2542، وأحمد:13500، وقال الألباني: "حسن صحيح"، كما في صحيح سنن الترمذي: 2542].
قال في التحفة:  فيها طير أعناقها كأعناق الجزر  أي في ذلك النهر، أو في أطرافه، في نهر الكوثر، أو في أطرافه. والجزر جمع جزور، وهو البعير[انظر: تحفة الأحوذي: 6/333].
إذًا، هذا عنق الطائر بهذا العظم.
وقوله:  إن هذه  أي الطير  لنعامة  أي سمان مترفة، كما في [النهاية: 5/186]هذا معنى ناعمة.
إن هذه الطيور يشتهي المؤمن لحمها، فتأتيه جاهزة مشوية، قال الله -تعالى-:  وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: 21].
حدائق الجنة وبساتينها:
00:28:42
 وأما أشجار الجنة وثمارها وفواكهها، فهنالك حدائق وبساتين وجنات، قال عز وجل: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا  * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا [النبأ: 31 - 32].
والحدائق، جمع حديقة، وهي الجنة من النخيل والأشجار ذوات الساق المحوطة بحائط، أو جدار، أو حضائر، كما قال ابن عاشور في التحرير والتنوير في تفسير الآية[انظر: التحرير والتنوير: 30/39].
وقال السعدي -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الذاريات: 15] "جنات قد احتوت على جميع الأشجار، وأينعت فيها جميع الثمار اللذيذة في جميع الأوقات"[تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص: 431].
لأن ثمار الدنيا ما تأتي في جميع الأوقات.
الظل في الجنة وماهيته:
00:29:29
 إن هنالك ظلال ممدودة في الجنة، قال تعالى: لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً [النساء: 57]"أي عميقًا كثيرًا، غزيرًا طيبًا أنيقًا" [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 2/338].
الظل هذا ظل وارف، ظل دائم، ظل عميق كثير، قال تعالى: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ [يــس:56]أي في ظلال الأشجار.
وقال تعالى:  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات: 41].
وقال تعالى:  وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ [الواقعة: 30].
فلما قال:  مَّمْدُودٍ  علمنا أنه لا ينحسر كظل الدنيا؛ لأن ظل الدنيا ينحسر ويتقلص، أما ظل الجنة  مَّمْدُودٍ لا ينحسر ولا يتقلص.
كيف يكون ظل وليس هناك شمس؟
الله على كل شيء قدير.
قال أبو هريرة-رضي الله عنه- يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها  واقرؤوا إن شئتم:  وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ [رواه البخاري:4881، ومسلم: 7316].
إذًا، هذا ظل الأشجار ممدود، حتى أن الراكب يسير في ظل هذه الشجرة مائة عام لا يقطعها، ما أطوله! ما أعظمه!.
أصول شجر الجنة:
00:31:04
 وبما أن الجنة فيها أشجار، هل يكون فيها عيدان مثلاً، لأننا إذا نظرنا إلى أسفل الشجرة من أشجار الدنيا، سنجد تحتها -مثلاً- عيدانا، أوراقا ساقطة، يقول بعض الناس: قشرة!.
فماذا يوجد في الجنة؟
قال جرير بن عبد الله -رضي الله عنه-: "أخذ سلمان -رضي الله عنه- عويدًا" تصغير عود، عويدًا لا أكاد أراه بين أصبعيه، فقال: "يا جرير لو طلبت في الجنة مثل هذا، لم تجده، قلت: يا أبا عبد الله فأين النخل والشجر؟" يعني ما دام في نخل وشجر، يعني هذا موجود فيها، فيتوقع أن يكون فيها؟ قال:  أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاه التمر [رواه البيهقي في البعث والنشور: 276، وصححه الألباني لغيره، كما في صحيح الترغيب والترهيب: 3733].
-طبعًا- سلمان-رضي الله عنه- لا يقوله من رأيه، ما في عيدان أشياء ساقطة، مرمية، تالفة؛ لأن أصول الشجر من اللؤلؤ والذهب، فمن أين ستأتي العيدان؟!
سيقان أشجار الجنة:
00:32:32
 ما هي سيقان الأشجار؟
عن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب [رواه الترمذي: 2525، وقال: "حسن غريب"، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي: 2524].
شجرة طوبى:
00:32:47
 شجرة طوبى، قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [الرعد: 29].
اختلف السلف في تفسيرها على أقوال، يعني تفسير: طُوبَى لَهُمْ فقال بعضهم: خير لهم. نعم ما لهم. غبطة لهم. فرح وقرة عين، قال ابن كثير-رحمه الله-: "وهذه الأقوال شيء واحد، لا منافاة بينها[انظر: تفسير القرآن العظيم: 4/455].
وقيل: معناه الجنة لهم، يعني طوبى اسم للجنة.
وقيل: معناه شجرة في الجنة اسمها: طوبى، وهو الذي جاءت به السنة، ومال إليه الطبري-رحمه الله-: [انظر: جامع البيان في تفسير القرآن، للطبري: 16/444].
قال ابن عطية: وقيل: اسم شجرة في الجنة، وبهذا تواترت الأحاديث، وحكى الطبري أخبارًا مقتضاها أن هذه الشجرة ليس دار في الجنة إلا وفيها من أغصانها، وأنها تثمر بثياب أهل الجنة، وأنه يخرج منها الخيل بسروجها ولجمها، ونحو هذا مما لم يثبت سنده [المحرر الوجيز: 4/ 79].
فما الذي ثبت من هذا؟
عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن رجلاً قال له: يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك؟ فقال:  طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى ثم طوبى ثم  طوبى لمن آمن بي ولم يرني  قال له رجل: وما طوبى؟ قال:  شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها [رواه أحمد: 11691، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 7370].
اللهم اجعلنا في ظلها يا رب العالمين.
وقد جاء في حديث أبي هريرة السابق: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرؤوا: إن شئتم:  وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ [الواقعة: 30] [رواه البخاري:4881].
وجاء في رواية لمسلم أيضاً مرفوعًا: إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها [رواه البخاري: 6553، ومسلم: 7317].
سدرة المنتهى:
00:35:00
 ما هي سدرة المنتهى؟
قال تعالى:  وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم: 13 - 14]قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث الإسراء: ثم رفعت إليّ سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ فقال: أما الباطنان، فنهران في الجنة، وأما الظاهران: فالنيل والفرات  [رواه البخاري: 3207، ومسلم:434].
وجاء في رواية: تكاد الورقة تغطي هذه الأمة، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك [حديث صحيح، رواه البيهقي في دلائل النبوة:2/394، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 7648].
ومعنى: نبقها  أي ثمارها.
ومعنى:  مثل الجرار و مثل قلال هجر  قال الجزري: القلة، الحب العظيم، والجمع قلال، وهي معروفة بالحجاز، ومنه الحديث في صفة سدرة المنتهى:  نبقها مثل قلال هجر  وهجر قرية قريبة من المدينة، وليست هجر البحرين، وكانت تعمل بها القلال، يعني تصنع، تأخذ الواحدة منها مزادة من الماء، يعني أنها كبيرة في الحجم، سميت قلة؛ لأنها تقل أي ترفع، وتحمل [انظر: النهاية في غريب الأثر، لابن الأثير: 4/160].
وأفاد ياقوت -يعني الحموي -رحمه الله- أن هجر أيضاً بلد في اليمن.
وقال الشيخ محمد طاهر في "مجمع البحار": "القلة جرة عظيمة، تسع خمسمائة رطل" انتهى[انظر: تحفة الأحوذي: 1/77].
وقوله: الجنابذ جمع جنبذة، وهي القبة.
إذًا، هذه الجنة فيها هذه الأشجار التي الثمرة الواحدة منها مثل قلال هجر.
وقد جاء: أن  ورقها كآذان الفيلة [رواه مسلم:429].
وقال:  فغشيها ألوان لا يدري ما هي [رواه البخاري: 349، ومسلم: 433]يعني لا يستطيع أن يصف الألوان، نحن نعرف ألوان في الدنيا: أصفر، وأحمر، وأزرق، وأخضر، قال: ألوان لا أدري ما هي  سبحان الله العظيم!، سبحان الذي خلق! خلقها بيده.
السدر المخضود:
00:37:46
 وقد جاء أيضاً في أشجار الجنة، وثمار الجنة، قوله تعالى:  وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ* وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَاء مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: 27- 33].
والسدر المخضود، ثمر السدر الموقر حملاً، قد ذهب شوكه.
قال بعضهم:  مَّخْضُودٍ قد خضد من الشوك، يعني شوكه قطع، فلا شوك فيه.
وقال آخرون: الموقر حملاً.
قال سعيد بن جبير: "ثمرها أعظم من القلال" [انظر: الجامع لأحكام القرآن: 17/207].
الطلح المنضود:
00:38:26
  وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ قال الطبري: "وأما أهل التأويل من الصحابة والتابعين، فإنهم يقولون: إنه الموز".
وقوله:  مَّنضُودٍ  يعني أنه قد نضد بعضه على بعض، وجمع بعضه على بعض، باتساق ونظام [انظر: جامع البيان: 23/113].
وعن سليم بن عامر -رضي الله عنه- قال: "كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولون: "إن الله لينفعنا بالأعراب، ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يومًا، فقال: يا رسول الله ذكر الله -عز وجل- في الجنة شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  وما هي؟  قال: "السدر، فإن لها شوكًا مؤذيًا" -يعني هكذا فهم الأعرابي-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: أليس الله يقول: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ [الواقعة: 28]؟ خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمرًا، تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونًا من طعام، ما فيها لون يشبه الآخر قال المنذري: "رواه ابن أبي الدنيا، وإسناده حسن" وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: ].[رواه الحاكم في المستدرك: 2/518، رقم: 3778، وقال الألباني: "صحيح لغيره"، كما في صحيح الترغيب والترهيب: 3742].
وعن أبي عبيدة قال: "نخل الجنة نضيد من أصولها إلى فرعها"[جامع البيان في تأويل القرآن: 1/386].
قال ابن الأثير: "نضيد" أي ليس لها سوق بارزة" يعني الساق لا يظهر، لماذا؟
لأن الثمار متراكبة بانتظام من أعلاها إلى أسفلها تحجب ساق الشجرة.
قال ابن الأثير: "نضيد" "أي ليس لها سوق بارزة، ولكنها منضودة بالورق والثمار من أسفلها إلى أعلاها"[النهاية فيغريب الأثر، لابن الأثير: 5/155].
ثمرات وفواكه الجنة:
00:40:26
 أما الأنواع منوعة، ومن كل الثمرات والفواكه، قال تعالى:  وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ [محمد: 15].
ففيها فواكه كثيرة مما يشتهون، ومما يتخيرون: لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: 33]،قال تعالى: يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ [الدخان: 55].
قال تعالى: فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن: 52] من كل نوع من أنواع الفاكهة ضربان.
قال تعالى:  يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ [الواقعة: 17 -20]ينتقون كما يشتهون.
قال الطبري-رحمه الله-: "ويطوف هؤلاء الولدان المخلدون على هؤلاء السابقين، بفاكهة من الفواكه التي يتخيرونها من الجنة لأنفسهم، وتشتهيها نفوسهم"[جامع البيان في تأويل القرآن: 23/105].
وقال جل وعلا:  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ [المرسلات: 41 - 42].
وقال:  وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: 32- 33].
عدم انقطاع فواكه الجنة وسهولة الحصول عليها:
00:41:26
 فاكهة كثيرة لا ينقطع عنهم شيء منها أرادوه في أي وقت من الأوقات، كما قال الطبري: "لا ينقطع عنهم شيء منها أرادوه في وقت من الأوقات، كما تنقطع فواكه الصيف في الشتاء في الدنيا، ولا يمنعهم منها، ولا يحول بينهم وبينها شوك على أشجارها، أو بعدها منهم، كما تمتنع فواكه الدنيا من كثير ممن أرادها ببعدها على الشجرة منهم، أو بما على شجرها من الشوك، ولكنها إذا اشتهاها أحدهم وقعت في فيه أو دنت منه حتى يتناولها بيده، قال قتادة: "لا يمنعه شوك ولا بعد"[جامع البيان في تأويل القرآن: 23/118].
وقد قال الله -تعالى-: قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [الحاقة: 23]قريبة تنزل إليه ليقطف منها ما يشاء.
وفي علاقة بين الشهوة النفسية في نفسك وبين نعيم الجنة، ففي تفاعل كامل، حيث أن ما يشتهيه يحصل من غير أن يعبر، أو يطلب، أو يقول: هاتوا لي كذا.
تنوع ثمار الجنة:
00:42:38
 وقد قال تعالى عن ثمار الجنة:  وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً [البقرة: 25].
وقال عز وجل في الآية:  كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ [البقرة: 25].
قال الطبري: " كُلَّمَا رُزِقُواْ  من أشجار البساتين التي أعدها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته من ثمرة من ثمارها: رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ  فقيل: هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا" يعني أنهم في الجنة إذا رأوا الثمار تذكروا رزق الله لهم في الدنيا، لكن مع اختلاف ما بينهما.
وقيل:  هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا من ثمار الجنة من قبل هذا، يعني يظنون النوع الجديد مثل الذي قبله في الجنة، يظنون أنهم ذاقوه قبل قليل، أو من قبل، ذاقوه، ولكنه يختلف، ولذلك قال المفسرون عن سبب ظنهم قالوا: لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضًا.
ومن علة قائل هذا القول: أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله، غير أنه يدفع صحة القول الثاني ظاهر الآية، وذلك أنه قال: كُلَّمَا  فلا شك أن ذلك من قيلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها، أوتوا به بعد دخول الجنة، واستقرارهم فيها، الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة.
فالراجح هو القول الأول -والله أعلم-.
قوله:  وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً أي وأتو ابالذي رزقوا من ثمارها متشابهًا.
فما المقصود بالتشابه؟
لا شك أنه كله طيب.
هل ثمار الجنة متشابهة في اللون دون الطعم؟ أم في اللون والطعم؟ أم المقصود التشابه بين ثمار الجنة وثمار الدنيا، كما قال بعضهم؟
قال الطبري: "وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية، تأويل من قال: وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً في اللون والمنظر، والطعم مختلف"[جامع البيان في تأويل القرآن:1/392].
إذًا، اللون والمنظر متشابه، والطعم مختلف.
قال: "يعني بذلك اشتباه ثمر الجنة، وثمر الدنيا، في المنظر واللون، مختلفًا في الطعم والذوق" [جامع البيان في تأويل القرآن:1/392].
وحكى ابن جرير-رحمه الله- أقوالاً في ذلك، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، وأن المعنى التشابه في اللون والمرأى بين ثمر الدنيا والجنة، وليس يشتبه في الطعم، الطعم مختلف، واللون فيه تشابه، قال: "وكان أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- يقول في ذلك: "إن الله لما أخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة، وعلمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تغير، وتلك لا تغير" [صححه أحمد شاكر -رحمه الله- وقال:"وإن كان موقوفًا لفظًا، فإنه مرفوع حكمًا"]. [رواه الحاكم في المستدرك: 2/592، رقم: 3996، وقال الذهبي في التلخيص: "صحيح"].
عجوة الجنة:
00:45:51
 لعل مما يؤيد كلام أبي موسى-رضي الله عنه- حديث الترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: العجوة من الجنة [رواه الترمذي: 2066، وأحمد: 8653، وقال الألباني: "حسن صحيح" كما في صحيح سنن الترمذي: 2066].
والعجوة نوع من تمر المدينة، يضرب إلى السواد، كما في النهاية: [انظر: النهاية في غريب الأثر، ابن الأثير: 3/413].
وقوله: من الجنة  اختلفوا ما معناه؟
فقال المناوي: "يعني هذه العجوة تشبه عجوة الجنة في الشكل والاسم، لا في اللذة والطعم"[فيض القدير: 4/495].
وقال بعضهم: العجوة من الجنة، يعني أصلها من الجنة، أنها فعلاً نزلت من الجنة.
وعلى حديث أبي موسى: أن هنالك ثمار، أو أشياء، نزلت من الجنة مع آدم-عليه السلام-، فالمسألة إذًا متوافقة، لكن إذا أخرج الشيء من الجنة يتغير، وهذا الحجر الأسود، والركن اليماني، ياقوتتان من يواقيت الجنة، لكن لما أخرجا من الجنة، طمس الله نورهما.
فإذًا، تغير عن يواقيت الجنة، فياقوت الجنة ليس مثل هذا، وإن كان هذا منه.
فإذًا، يمكن أن يخرج الشيء من الجنة، أو ينزل من الجنة، ويتغير طبعه في الأرض.
نخل وعنب ورمان الجنة:
00:47:33
 من أشهر أشجار الجنة: النخل، والعنب، والرمان، قال تعالى:  فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن: 68]قال يونس بن حبيب وغيره: "كررهما وهما من أفضل الفاكهة تشريفًا لهما، وإشادة بهما"[المحرر الوجيز: 6/274].
وعن أبي عبيدة قال: "نخل الجنة نضيد من أصولها إلى فروعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وأنهارها تجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعًا، فقلت لأبي عبيدة: من حدثك؟ فغضب وقال: مسروق" [الزهد، لابن المبارك: 1/524، رقم: 1490، وكذلك في الزهد، لهناد، ص: 524، رقم: 103].
قال ابن الأثير: "نضيد" "أي ليس لها سوق بارزة، ولكنها منضودة بالورق والثمار من أسفلها إلى أعلاها" [النهاية في غريب الأثر، ابن الأثير: 5/155].
والقلال جمع قلة، وهي: الجرة العظيمة.
وعن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: "نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر، وكربها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم، وحللهم، وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، ليس فيها عجم" [رواه ابن المبارك في الزهد: 1488، والحاكم في المستدرك: 3776، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب: 3735].
والسعف، أغصان النخيل.
والكرب أصل السعف، وما يبقى من أصوله في النخلة إذا قطع، فتراه موجود إذا قطعت السعفة، تجد أصلها لا يزال في الساق.
الدلاء، جمع دلو معروف.
فإذًا، نخل النخلة:  جذوعها من زمرد أخضر، وكربها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد ليس فيها عجم وهو النوى، هذا النوى لا يوجد.
أما عنب الجنة، جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما- قال: "خسفت الشمس على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلى، قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت" -تراجعت إلى الوراء- قال:  إني أريت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا [رواه البخاري: 748، ومسلم:2147].
يا طيب هاتيك الثمار وغرسها*** في المسك ذاب الترب للبستان
وكذلك الماء الذي يسقى به*** ياطيب ذاك الورد للظمآن

[القصيدة النونية: 2/79].
فأي نعيم بعد هذا النعيم؟ وأي تجارة رابحة بعد هذه التجارة؟
فيا أيها القلب الذي ملك الهوى *** أزمته حتى متى ذا التلوم
وحتى متى لا تصحو وقد قرب المدى *** ودانت كؤوس السير والناس نوم
وهذا هو الربح الذي قد كسبته *** لعمرك لا ربح ولا الأصل يسلم

[طريق الهجرتين، ابن القيم: 1/93 -94].
وسائل تحصيل المسلم لأكثر عدد من أشجار الجنة:
00:51:14
 كيف يكثر المسلم من شجره في الجنة؟ وهل يملك أن يزرع الآن وهو في الدنيا أرضه التي في الجنة؟
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد: أقرأ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان  يعني أرض صالحة للغرس  وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر [رواه الترمذي:3462، والطبراني في الكبير: 10212، وهو حديث صحيح، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي: 2755].
وفي حديث أبي هريرة:  يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة  [رواه ابن ماجه: 3807، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح ابن ماجه: 3069].
قال الطيبي: "في هذا الحديث إشكال؛ لأنه يدل على أن أرض الجنة خالية من الأشجار والقصور، ويدل قوله تعالى:  جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البقرة: 25]على أنها غير خالية عنها؛ لأنها إنما سميت جنة لأشجارها المتكاثفة المظلة بالتفافها، أو بالتفاف المظلة بالتفاف أغصانها.
قال القارئ: وأجيب أيضًا: بأن له لا دلالة في الحديث على الخلو الكلي من الأشجار والقصور؛ لأن معنى كونها: "قيعانا" أن أكثرها مغروس، وما عداه منها أمكنة واسعة بلا غرس، لينغرس بتلك الكلمات، ويتميز غرسها الأصلي الذي بلا سبب، وغرسها المسبب عن تلك الكلمات [تحفة الأحوذي: 8/361].
المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنها قيعان)):
00:52:54
 إذًا، ليس معنى الحديث: أنها قيعان يعني أنه لا شجر فيها، لكن فيها أماكن معدة للزرع تزرعها الآن إذا دخلت، يكثر شجرك عما كان قبل التسبيح والذكر، يكون أكثر.
فتريد مزيدًا من الأشجار، عليك بمزيد من الذكر.
و"سبحان الله وبحمده" تغرس له بها نخلة في الجنة.
"سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" هذه غراس الجنة.
فإذا أردت أن تغرس، فهذا هو الغرس الآن.
وكذلك الشجرة التي تغرسها بنفسك اليوم قد تكون أفضل من الشجرة المغروسة أصلاً.
وكلما كان الذكر أشد في الإخلاص، وأدق في متابعة النبي -عليه الصلاة والسلام- كانت الأشجار أزكى وأطيب.
ولا حول ولا قوة إلا بالله، كنز عظيم، فقد جاء عن أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة أسري به مر على إبراهيم، فقال:  من معك يا جبريل؟ قال: هذا محمد، قال له إبراهيم: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله  [رواه أحمد:23598،وابن حبان:821، والبيهقي في الشعب: 648، وذكر الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: أنه صحيح لغيره:1583].
وسبحان الله وبحمده، حديثها جاء عن جابر قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة [رواه الترمذي:3464، وقال: "حسن غريب صحيح" وصححه الألباني في صحيح الترمذي: 2757].
أي غرست له بكل مرة نخلة فيها، وخص النخل، يعني بالذكر، لكثرة منافعه، وطيب ثمره.
أوما سمعت بأنها القيعان فاغـ***ـرس ما تشاء بذا الزمان الفاني
وغراسها التسبيح والتكبير والتـ***ـحميد والتوحيد للرحمن
تبار لتارك غرسه ماذا الذي*** قد فاته من مدة الامكان
​​​​​​​يا من يقر بذا ولا يسعى له*** بالله قل لي كيف يجتمعان
​​​​​​​أرأيت لو عطلت أرضك من غرا***س ما الذي تجني من البستان
​​​​​​​وكذاك لو عطلتها من بذرها*** ترجو المغل يكون كالكيمان
ما قال رب العالمين وعبده*** هذا فراجع مقتضى القرآن
[القصيدة النونية: 2/95].
ما قال لك توقف عن العمل، أو لا تعمل، أو عطل نفسك عن الذكر، بل قال:  وَاذْكُر رَّبَّكَ [آل عمران: 41]، فَاذْكُرُونِي [البقرة: 152]، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: 45].
والصلاة أعظم الذكر، فيها القرآن أعظم الذكر.
هل في الجنة زراعة؟
00:56:21
 وهناك من أهل الجنة من لا يكتفي بما فيها، بل يريد أن يزرع، فقد حدث النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه يومًا حديثًا جميلاً، حديثًا عجيبًا، وعنده رجل من أهل البادية، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- حدث أصحابه، والبدوي عنده حاضر: أن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له:  أو لست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، فبالرغم مما عنده في الجنة من الأشجار والثمار، لكنه يشتهي أن يزرع، قال:  فأسرع وبذر أي ألقى البذر فنبت في الحال، فتبادر الطرف نباته، واستواؤه واستحصاده، وتكويره، أمثال الجبال، يعني سرعة النبات والحصاد والتكوير، والتكوين، كأمثال الجبال، هذا في أقل من طرف العين، هذا سبقت الرؤية، هذا النبات والاستواء والاستحصاد والتكوير، سبق نظره، فيقول الله -تعالى-: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء  فقال الأعرابي: يا رسول الله لا تجد هذا إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .. الحديث [رواه البخاري: 7519].
إذًا، الأعرابي قال: هذا الرجل هذا الذي حدثتنا عنه من أهل الجنة، هذا ما هو من البادية، هؤلاء ناس يزرعون، أنصاري، ولعل هذا أيضاً رجل من بادية قد فاته ما حال قريش بمكة، ومكة أصلاً لست بذات زرع، قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث من الفوائد:
أن كل ما اشتهي في الجنة من أمور الدنيا، ممكن فيها، قاله المهلب.
وفيه: وصف الناس بغالب عاداتهم، قاله ابن بطال.
وفيه: أن النفوس جبلت على الاستكثار من الدنيا.
وفيه: إشارة إلى فضل القناعة وذم الشره.
وفيه: الإخبار عن الأمر المحقق الآتي باللفظ الماضي[فتح الباري: 5/27].
هل يشبع أهل الجنة؟
00:59:18
 وقال أيضاً: واستشكل قوله:  لا يشبعك شيء لقوله تعالى في صفة الجنة:  إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى [طـه: 118].
وأجيب: أن نفي الشبع لا يوجب الجوع؛ لأن بينهما واسطة، يعني مرحلة وسط، وهي الكفاية.
وأكل أهل الجنة للتنعم والاستلذاذ، لا عن الجوع.
واختلف في الشبع فيها، يعني هل يشبع أهل الجنة؟ هل يصلون مرحلة الشبع أم لا؟
والصواب: أنه لا شبع فيها، إذ لو كان لمنع دوام أكل المستلذ.
والمراد بقوله:  لا يشبعك شيء جنس الآدمي، وما طبع عليه، فهو في طلب الازدياد إلا من شاء الله -تعالى- [انظر: فتح الباري: 13/488].
إذًا، أهل الجنة لا يشبعون؛ لأن الشبع لا يأكل بعده صاحبه، خلاص شبع، ولكنهم لا يجوعون.
فإذًا، دائمًا إذا أكل يكون هنالك مجال للأكل زيادة، وقد ورد في الحديث الصحيح: أن بطن أحدهم إذا امتلأ كان له عرق كالمسك، فيضمر بطنه، ويعيد ملئه من جديد مرة أخرى، فهو في لذة للأكل دائمًا.
فهذا نعيم الجنة لا تنغيص فيه، وأكل الدنيا:  ما ملأ آدمي شرا من بطن [رواه الترمذي: 2380، وابن ماجه: 3349، والحاكم في المستدرك: 7945، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 2135].
فلا بدّ أن يوجد فيه تنغيص، إما أن ينقطع، وإما أن يضره أكله، وإما أن يشبع فيضره الشبع، وإما أن يجوع ولا يجده أصلاً، ويتحسر عليه، ففي الجنة كل هذا متوفر، الطعام، والثمار، والأنواع.
إنك تجد العجب، إنها إذا قطفت خرج مكانها أخرى.
كذلك فهي دانية وقريبة.
كذلك إذا تشابه اللون، فالطعم مختلف.
وكذلك، فإنه لا يشبع منها.
وهذا -لعمر الله- من النعيم المقيم، واللذة العظيمة.
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الحي القيوم الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، يا ذا الجلال والإكرام، أن تدخلنا جنات النعيم، وأن تجعلنا فيها من عبادك الفائزين، وأن تدخلنا برحمتك في القوم الصالحين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.