الأربعاء 8 صفر 1440 هـ :: 17 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

44- مشاهد الجنة 2


عناصر المادة
ملخص الدرس السابق:
أوصاف السبعين ألفًا عند دخولهم الجنة:
دخول فقراء المهاجرين الجنة قبل الأغنياء:
هل فقراء المهاجرين يسبقون جميع الأغنياء أم أغنياء المهاجرين فقط؟
آخر رجل يدخل الجنة:
دخول قوم الجنة بعد تساوي حسناتهم وسيئاتهم:
خروج أناس من النار بشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- ودخولهم الجنة:
أنواع شفاعات النبي -صلى الله عليه وسلم- في الآخرة:
خروج أهل الكبائر من النار ودخولهم الجنة بشفاعة الشافعين:
شفاعة المؤمنين في خروج إخوانهم من النار:
خروج أناس بعدد قبيلة بني تميم من النار بشفاعة رجل واحد من المؤمنين:
خروج أناس بعدد قبيلة ربيعة ومضر من النار بشفاعة رجل واحد من المؤمنين:
السر في اختيار النبي -صلى الله عليه وسلم- للشفاعة:
خروج أناس من النار بفضل الله ورحمته:
صفات الخارجين من النار بعد الشفاعة:
آخر الخارجين من النار وآخر الداخلين إلى الجنة مطلقا:
موقف طريف لآخر الخارجين من النار وآخر الداخلين إلى الجنة:
خزنة الجنة:
أسماء خزنة الجنة:
أعمال خزنة الجنة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
ملخص الدرس السابق:
00:00:13
 فقد تقدم في دخول الجنة: أنه يحبس الذين يدخلونها على قنطرة قبل دخولها لتنقيتهم من أي شائبة، وأنه يقتص لبعضهم من بعض، فيؤخذ للمظلوم حقه ممن ظلمه إذا كان هنالك حقوق عليه، فإذا هذبوا ونقوا وذهب ما في قلوبهم من أي غل أو حسد؛ كما قال الله: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: 47] يساقون إلى الجنة سوق إكرام وإعزاز راكبين، وأنهم يصلون إلى الباب فيستشفعون إلى الأنبياء، ثم إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- في آخرهم، فيقوم فيستفتح ويفتح الباب، وهو أول من يقرع باب الجنة، وأول من يدخل الجنة.
ذكرنا: أن للجنة ثمانية أبواب، وأنه جاء في أحاديث صحيحة ذكر خمسة منها صريحة، وهي: باب الصلاة، وباب الجهاد، وباب الريان لأهل الصيام، وباب الصدقة، والباب الأيمن.
وأن هنالك أحاديث أخرى فيها ذكر لأسماء أبواب، لكن هذه الأحاديث منها ما هو صحيح غير صريح، أو صريح غير صحيح، ومن الأشياء غير الصريحة:  الوالد أوسط أبواب الجنة [سبق تخريجه].
ومن الأشياء غير الصحيحة: باب الضحى.
وأن من الناس من يدعى من كل الأبواب، ومنهم أبوبكر -رضي الله تعالى عنه-.
وأن هنالك أبواب أخرى غير الثمانية، قال بعض العلماء: إنها للجنة، لكن قال بعضهم: هي بعد الدخول من الأبواب الثمانية الرئيسة؛ لأن أعمال الخير والبر كثيرة.
وذكرنا: أن هنالك أوقات تفتح فيها أبواب الجنان، مثل رمضان، والاثنين والخميس، وإذا أقيمت الصلاة، واصطف الناس للقتال في سبيل الله، والصلاة كذلك.
وأن أبواب الجنة واسعة، وأنه قد وردت نصوص في أن عرض بعضها بين مكة وبصرى، أو مسيرة أربعين سنة، وأن الجمع بينها: أن الجنة درجات، وأن أبواب الجنة بعضها فوق بعض، وأن الجنة كلما ارتفعت فيها تتسع، وأن الأبواب بعضها فوق بعض.
وكذلك فإن أول دفعة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم، كأشد كوكب في السماء إضاءة، وأنهم يدخلون الجنة ممسك بعضهم بأيدي بعض، وأنهم يتلقون بالترحيب والسلام، والبشارة من الملائكة، وأن أول طعام أهل الجنة: زيادة كبد الحوت، وهي القطعة المنفردة المعلقة بالكبد، أطيب ما فيه، ثم ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها، ويشربون على ذلك من ماء السلسبيل.
ثم تحدثنا عن تقسيم الداخلين إلى الجنة، وأن القسم الأول هم: الأوائل والسابقون في دخولها، وأولهم: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن هذه الأمة تدخل الجنة قبل غيرها من الأمم، وأن من أوائل أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-: سبعين ألفًا يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب.
وتحدثنا عن أوصافهم في الدنيا.
أوصاف السبعين ألفًا عند دخولهم الجنة:
00:04:16
 وأما أوصاف هؤلاء السبعين ألفًا حال دخول الجنة: أنهم متماسكون، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وقد جاء في لفظ البخاري:  هؤلاء أمتك وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب [رواه البخاري: 6541].
وفي حديث جابر:  ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوء نجم فى السماء [رواه مسلم: 489].
وهذا يبين أنهم أول من يدخل الجنة، وهم أنفسهم المذكورون في حديث أبي هريرة المرفوع المتفق عليه:  أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل [رواه البخاري: 3254، ومسلم: 7329واللفظ له].
حتى أنك لتجد تشابهًا في الأوصاف بين أحاديث:  أول من يدخل الجنة  وأحاديث: السبعين ألفًا، ولذلك جاء في حديث سهل بن سعد -رضي الله تعالى عنه-:  لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر [رواه البخاري: 6554، ومسلم: 548].
وفي رواية البخاري:  متماسكين آخذ بعضهم ببعض [رواه مسلم: 6543].
وفي حديث أبي هريرة من طريق سعيد بن المسيب: يدخل الجنة من أمتي زمرة هي سبعون ألفًا تضيء وجوههم إضاءة القمر [رواه البخاري: 5811، ومسلم: 544].
وهذا كله يجعلنا كما توصل إلى ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- إلى القول بأن أول من يدخل الجنة هم هؤلاء السبعون ألفًا، قال ابن حجر: وعرف من مجموع الطرق أن أول من يدخل الجنة من هذه الأمة هؤلاء السبعون ألفًا الذين بالصفة المذكورة.
هنالك زيادة عظيمة ومنة من الرحمن، روى أحمد والطبراني في الكبير: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا [رواه أحمد: 22471، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2179].
قال النووي-رحمه الله-: "فيه عظم ما أكرم الله -سبحانه وتعالى- به النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمته، زادها الله فضلاَ وشرفًا" [شرح النووي على صحيح مسلم: 3/88].
وقد جاء في صحيح مسلم:  سبعون ألفًا مع كل واحد منهم سبعون ألفًا .
إذًا، أنت حتى تحسب عدد هؤلاء ماذا ستفعل؟ مع كل واحد سبعون ألفًا، وفي رواية:  مع كل ألف سبعون ألفًا  -طيب- على رواية مع كل ألف سبعون ألفًا لو أردنا أن نحسب هؤلاء مع كل ألف سبعون ألفًا، ماذا سنفعل 70×70,000+ 70,000الذين هم العدد الأصلي.
لكن بعض العلماء قالوا: ليس المقصود العدد تحديدًا، وإنما المقصود أنهم كثيرون، وأن الله -سبحانه وتعالى- سيدخلهم جميعاً الجنة، نفر كثير يدخل الجنة من هذه الأمة، هذه الأمة بعد نبيها فيها صحابة، وفيها التابعون لهم، وفيها أولياء، وعلماء وشهداء، وصديقون، وأبرار ودعاة، هذه الأمة فيها أخيار كثر، فيها عباد وزهاد، بررة أتقياء، ولذلك سبعون ألفًا من هذه الأمة يدخلون في رواية  مع كل ألف سبعون ألفًا  ورواية:  مع كل واحد سبعون ألفًا .
دخول فقراء المهاجرين الجنة قبل الأغنياء:
00:08:17
 من أول الداخلين الجنة من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-؟
الجواب: فقراء المهاجرين، كان جزاءً لهم بسبقهم وصدقهم وابتلائهم بالفقر، أن الله -عز وجل- جعلهم من الأوائل دخولاً، قال تعالى:  لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر: 8]تركوا كل شيء في مكة  يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: 8].
وهؤلاء يكونون أول داخلي الجنة فيسبقون الأغنياء بزمن كبير؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا قالوا: فإنا نصبر لا نسأل شيئًا [رواه مسلم: 7654]نبقى على الفقر ولا نسأل أحداً شيئاً، رجاء أن نكون من هؤلاء.
هل فقراء المهاجرين يسبقون جميع الأغنياء أم أغنياء المهاجرين فقط؟
00:09:21
 مسألة: هل فقراء المهاجرين يسبقون جميع الأغنياء أم أغنياء المهاجرين فقط؟
ظاهر الحديث أنه جميع الأغنياء، ولكن ورد في حديث آخر ما يبين أن المقصود أغنياؤهم هم، فعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة [رواه الترمذي: 2351، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 4228].
وعلى كلٍ فقد جاء ما يعم الفقراء والأغنياء في حديث آخر عن عبد الله بن عمر قال: اشتكى فقراء المهاجرين إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-ما فضل الله به عليهم أغنياءهم، يعني عندهم أموال يتصدقون منها ويحجون ويجاهزون الغزو، اشتكى الفقراء أن ما عندهم مثل هؤلاء، كي يدخلوا به أبواب الخير الأخرى بذلك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  يا معشر الفقراء ألا أبشركم أن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، خمسمائة عام  ثم تلا هذه الآية:  وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ [الحـج: 47] [رواه ابن ماجه: 4124، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه: 900].
ففي هذا الحديث دلالة على أن عموم الفقراء قبل عموم الأغنياء دخولاً الجنة عمومًا، سواء من المهاجرين أو من غير المهاجرين من طبقات الأمة كلها، الفقراء يدخلون قبل الأغنياء.
لماذا؟
جاء في حديث آخر: أن المساكين أول الناس دخولا ً الجنة، عن أنس-رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:  اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة  فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا، يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم، فإن الله يقربك يوم القيامة [رواه الترمذي: 2352، وقال: "هذا حديث غريب"، وقال الألباني: "حسن لغيره"؛ كما في صحيح الترغيب والترهيب: 3192].
وفيه تحديد المدة المقدرة بين دخول هؤلاء ودخول هؤلاء، ولا تعارض في أن المهاجرين يدخل فقراؤهم قبل أغنيائهم بخمسائة، وهؤلاء يدخل قبلهم بأربعين؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لأن الأولين هم الفقراء عمومًا، وعلى رأسهم وفي مقدمهم المهاجرون، فهم الذين يستفتحون باب الجنة؛ كما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟  قلت: الله ورسوله أعلم، قال:  المهاجرون، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم  جئتم بسرعة، هل حوسبتم انتهيتم من الحساب؟  فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك، قال: فيفتح لهم فيقيلون فيها أربعين عامًا قبل أن يدخلها الناس [رواه الحاكم: 2389، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الذهبي: "على شرط البخاري ومسلم"، ورواه البيهقي في شعب الإيمان: 3955، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة: 853].
وفي رواية عن أحمد بينت بعض صفاتهم أيضاً؛ كما رواها عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟  قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء والمهاجرون الذين تسد بهم الثغور، ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءً، فيقول الله -عز وجل- لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادًا يعبدوني لا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم الثغور، ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءً، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، ف يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: 23 - 24] [رواه أحمد:6570، وقال محققو المسند: "إسناده جيد"].
آخر رجل يدخل الجنة:
00:14:04
 هؤلاء أول أهل الجنة دخولاً، فمن هو آخر أهل الجنة دخولاً وآخر الموحدين الذين يخرجون من النار؟
لقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن القوم الذين هم آخر من يدخل الجنة وهم الذين كانوا أضعف الناس سيرًا على الصراط، فهم يسبحون سحبًا، أو يزحفون زحفًا على الصراط، حتى إذا جاوزوه، ونجاهم الله من النار دخلوا الجنة، وهم آخر من يدخلها من الذين جاوزوا الصراط، لا آخرهم دخولاً على الإطلاق.
فإذاً، هناك آخر واحد يدخل، وهناك آخر الناس دخولاً، فنحن سنتكلم الآن عن آخرهم دخولاً، ليس مطلقًا، ولكن من آخرهم، روى مسلم-رحمه الله- عن ابن مسعود-رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:  آخر من يدخل الجنة رجل  والمقصود من جنس الناس، وإنما عبر بالواحد عن الجماعة؛ لأنهم أكثر من واحد لاشتراكهم في الحكم الذي كان سبب ذلك، قال: فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها  الآن هو يعبر الصراط، لكن زحف، وببطء، ويتوقف مرة؛ لأنه ينطفئ نوره، ويمشي مرة، لكن نور ضعيف، وتسفعه النار مرة، حتى يكمل عبور الجسر،  فإذا ما جاوزها التفت إليها أي إلى النار،  فقال: تبارك الذي نجاني منكِ، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين [رواه مسلم: 481]يعني من الأهوال التي رآها وما حصل له من سفع النار ولفح النار والحرق بالنار، هو على الصراط، لما ينجو من هذا المشهد العظيم والرعب الذي يراه تحته في النار في عمقها، لما يجاوز يظن أنه بنعمة ما أصابته ما أعطاها الله أحدًا من الناس، نجا من هول عظيم، بعد أن حصل ما حصل، وعند أحمد وابن حبان:  يمشي على الصراط، فينكب مرة، ويمشي مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا جاوز الصراط التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحدا من الأولين والآخرين، قال: فترفع له شجرة فينظر إليها، فيقول: يا رب أدنني من هذه الشجرة، فأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول: أي عبدي فلعلي إن أدنيتك منها سألتني غيرها؟ فيقول: لا يا رب، ويعاهد الله أن لا يسأله غيرها [رواه أحمد: 3714، وابن حبان: 7430، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم"] هو الآن يعتبر أعظم نعمة: أنه نجا من النار هذه، أعظم شيء عنده، وهذه يكفيه الآن تمامًا، واعتبر أنه أحسن واحد في الأولين والآخرين، فإذا رأى شجرة تحركت نفسه الرغبة، فيسأل ربه أن يدنيه منها، ويعاهده ألا يسأله غير ذلك  وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأشرب من مائها، واستظل بظلها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟ فيقول الله -عز وجل- له: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول:أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها؟ فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني ألا تسألني غيره؟ قال: بلى يا رب هذه لا أسألك غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها، فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: يا رب أدخلنيها؟ فيقول: يا ابن آدم ما يصريني منك أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟  فضحك ابن مسعود-راوي الحديث هنا- فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال:  من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين، فيقول: إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر [رواه مسلم: 481].
هذا الحديث العظيم الصحيح الذي فيه قصة آخر من يدخل الجنة، وهذا الرجل وهو -كما قلنا- يعبر عن جنس يشترك فيه عدة أشخاص، فقوله: (يمشي على الصراط فيكب مرة اسم جنس يشترك فيه عدد من الأشخاص.
وقوله: يمشي على الصراط فينكب مرة ويمشي أخرى  يدل على أنه لم يدخل النار يعني لم يقع فيها، فهذا آخر من يدخل الجنة ممن يجوز على الصراط، ولذلك -قلنا- آخر هنا ليس الآخر مطلقًا، وإنما من آخر لأن هذا آخر واحد يجوز الصراط ويدخل الجنة، لكن في بعده ناس يخرجون من النار ويدخلون الجنة، فهذا آخر واحد يعبر على الصراط ممن لم يقع في النار، لكنه قد ناله من حرها وسفعته، وسيأتي خبر: آخر من يخرج من النار بعد أن يعذب فيها، ثم يدخل الجنة.
دخول قوم الجنة بعد تساوي حسناتهم وسيئاتهم:
00:21:40
 ذكرنا القسم الأول ممن يدخل الجنة، هنالك قسم ثان: قوم دخلوها بعد تساوي حسناتهم وسيئاتهم، يدعون: أصحاب الأعراف، لما ذكر الله -تعالى- المحاجة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، بعد أن أخذ كل واحد مكانه الذي أعد له من الجنة والنار، ذكر لنا عز وجل مشهدًا حيًا لصنف ثالث من الخلق لما يدخلوا أيًا من الدارين، حتى تلك اللحظة، فمن هم هؤلاء؟
قال عز وجل:  وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف: 46 - 49].
معنى الأعراف:
ما معنى الأعراف؟
قال ابن جرير -رحمه الله-: "الأعراف جمع عُرف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى: عرفًا، وإنما قيل لعرف الديك عرفًا لارتفاعه" على ما سواه من جسده، يعني من جسد الديك.
وعن ابن عباس قال: "الأعراف هو الشيء المشرف".
وقال الثوري عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس: "الأعراف سور كعرف الديك" [ينظر: تفسير القرآن العظيم: 3/418]
المقصود بأصحاب الأعراف:
من هم أصحاب الأعراف؟
اختلفت عبارات العلماء في ذلك، ذكر القرطبي-رحمه الله- أنهم اختلفوا فيهم على عشرة أقوال، وبعض هذه الأقوال يدخل في بعض، وبعضها لا دليل عليه[ينظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 7/212].
والراجح من أقوال العلماء في أهل الأعراف: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فمنعتهم حسناتهم من دخول النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن دخول الجنة، فيقفون على السور حتى يقضى بين الناس ثم يدخلهم الله الجنة برحمته، نص على ذلك حذيفة وابن عباس وابن مسعود، وغير واحد من السلف والخلف -رحمهم الله-، ونقله البيهقي في كتابه: البعث والنشور، عن جمع من الصحابة والتابعين، وقال: فيه حديثان مرفوعان في إسنادهما ضعف، ورجحه -أي رجح هذا المعنى لأهل الأعراف- في كتابه هذا في باب ما جاء في أصحاب الأعراف.
وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- كلامًا جيداً في أهل الأعراف فيه فوائد عديدة، ونكت فريدة، ونافش الأقوال وتفسير الآية، فقال رحمه الله وهو يذكر طبقات أهل الجنة: "الطبقة الثانية عشرة : قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثراهما فتقاوما، فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار، ومنعتهم سيئاتهم المساوية من دخول الجنة، فهؤلاء هم أهل الأعراف، لا يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها رحمة من ربه، ولم يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب" [طريق الهجرتين، لابن القيم، ص: 563] هذا يبين دقة الميزان، ودقة الحساب عند الله، ودقة العدد:  فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7 - 8]ولذلك في الخليقة كثر جدا جدا، فمنهم عدد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، بالميزان العدل والقسطاس المستقيم، والله -عز وجل- لا يظلم مثقال ذرة:  وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40]، والسيئات لا تضاعف، كله بميزان وبمقدار، فسينتج عن ذلك أن يوجد من قوم من الناس من هذه الخليقة الكثر تساوت حسناتهم وسيئاتهم، قال ابن القيم -رحمه الله-: "وقد وصف الله -سبحانه وتعالى- أهل هذه الطبقة في سورة الأعراف بعد أن ذكر دخول أهل النار وتلاعنهم فيها، ومخاطبة أتباعهم لرؤسائهم وردهم عليهم، ثم مناداة أهل الجنة أهل النار، فقال تعالى:  وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ  [الأعراف: 46 - 47]، فقال عز وجل:  وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ أي بين أهل الجنة وأهل النار حجاب، قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضله ورحمته، قال عبد الله بن المبارك أخبرنا أبو بكر الهذلي قال: كان سعيد بن جبير يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الله الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله تعالى: فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ [المؤمنون: 102 - 103]ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح [ينظر: طريق الهجرتين، ص: 564]يخف أو يرجح بمثقال حبة،ولذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- أمرنا أن لا نحقر من المعروف شيئًا، وأمرنا أن نتقي النار ولو بشق تمرة؛ لأن هذا اليسير جداً قد يكون هو الذي ينجي العبد يوم القيامة، قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ [الأعراف: 46]، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا:  رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: 47].
فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله -تعالى- نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون، قالوا:  رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم: 8]وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم، فيقول الله:  لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف: 46]، فكان الطمع النور الذي في أيديهم، ثم أدخلوا الجنة وكانوا آخر أهل الجنة دخولاً، يريد آخر أهل الجنة دخولاً ممن لم يدخل النار[ينظر: طريق الهجرتين، ص: 564- 565]؛ لأن في آخر أهل الجنة دخولا ً ممن كان في النار.
حديث ابن مسعود هذا رواه الطبري، ولكن إسناده ضعيف فيه أبو بكر الهذلي قال عنه الحافظ: متروك الحديث.
وقيل في أصحاب الأعراف: قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا، فأعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله، وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم، وهذا من جنس القول الأول.
وقيل: قوم رضي عنهم أحد الأبوين دون الآخر يحبسون على الأعراف حتى يقضي الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة، وهم من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما.
وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين.
وقيل: هم أولوا الفضل من المؤمنين، علوا على الأعراف فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعًا.
وقيل: الملائكة لا من بني آدم.
لكن هذه الأقوال الأخيرة ضعيفة.
والثابت عن الصحابة هو القول الأول: أنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم، والآثار عن الصحابة في هذا معتمدة، ونحن لا يجوز لنا أن نقول إلا بأثر من كلام ربنا، أو من سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، أو ممن ثبت عن أصحابه مما لا مجال فيه للرأي.
وقد قال تعالى:  يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ [الأعراف: 46]يعني يعرفون الفريقين بعلاماتهم وهيئاتهم:  وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ [الأعراف: 46]من الذي ينادي؟ أهل الأعراف، من المنادى؟ أصحاب الجنة.
وقوله:  لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف: 46]الضميران لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ هذا الضميران يعودان على من؟ على أصحاب الأعراف، لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها، هذا معنى  لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ أي لم يدخلوا الجنة بعد ولكنهم وهم يطعمون في دخولها،  لَمْ يَدْخُلُوهَا بعد  وَهُمْ يَطْمَعُونَ في دخولها.
قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم.
وقال الحسن: الذي جمع الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون. من الذي جعل الطمع في قلوبهم؟ هو عز وجل بحكمة منه، فالذي جعل الطمع في قلوبهم رحمته وقدرته أن يدخلهم فيما أطمعهم فيه.
وفي هذا رد على من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين، فهذا ليس هو الراجح فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأمة بكتاب الله -تعالى-[ينظر: طريق الهجرتين، ص: 565- 566].
فإذًا، هؤلاء أهل الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم.
خروج أناس من النار بشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- ودخولهم الجنة:
00:31:16
 أما القسم الثالث من أقسام الداخلين إلى الجنة فهم: قوم خرجوا من النار بالشفاعة، وعندهم أصل الإيمان، فهم عصاة الموحدين الذين عذبوا دخلوا جهنم، يدخلون الجنة بعد ذلك على تفاوت بينهم، فيخرج من النار أقوام فيدخلون الجنة بشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو بأصل الإيمان الذي في قلوبهم، فإن الله -تعالى- قد كتب عليهم أن يأخذوا حظهم من النار بقدر سيئاتهم، وقد تعددت الأدلة على هذا، فأما خروج أصحاب الكبائر من النار بالشفاعة ودخولهم الجنة بعد ذلك، فقد مر بنا من الأحاديث ما يدل عليه، وقد سبق في السلسلة الماضية: أحداث فوق الأرض الجديدة التي تناولت أحداث يوم القيامة: أن هنالك شفاعات يوم القيامة.
أنواع شفاعات النبي -صلى الله عليه وسلم- في الآخرة:
00:32:16
 ونبينا -صلى الله عليه وسلم- له عدد من هذه الشفاعات، فمنها: الشفاعة في أهل الموقف أن يقضي الله -تعالى- بينهم، يفصل القضاء ويريحهم من كُربه، وهذا فيه رغبة عظيمة من أهل الموقف إلى الأنبياء وتنتقل من واحد إلى واحد، ينقلونها حتى تنتهي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-فيقوم في ذلك المقام المحمود الذي يحمده عليه الخلائق جميعًا.
الشفاعة الثانية: في قوم من أمته عليه الصلاة والسلام أن يدخلوا الجنة بلا حساب، قال شيخ الإسلام: "وهاتان الشفاعتان خاصتان به" عليه الصلاة والسلام[مجموع الفتاوى: 3/147]لا يشاركه فيها أحد من الأنبياء ولا من الأولياء.
الثالث: شفاعته صلى الله عليه وسلم في فتح باب الجنة لأهلها.
الرابع: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام من المؤمنين في زيادة ثوابهم، ورفع درجاتهم عما يقتضيه ثواب أعمالهم.
الخامس: الشفاعة في قوم استوجبوا النار ألا يدخلوها يشفع لهم ألا يدخلوها.
السادس: شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته الذين دخلوا النار أن يخرجوا منها، وهذا هو بحثنا الآن.
خروج أهل الكبائر من النار ودخولهم الجنة بشفاعة الشافعين:
00:33:32
 القسم الثالث من الداخلين للجنة: الذين دخلوا النار قبل ذلك، قال ابن أبي العز -رحمه الله- "شارح الطحاوية": "وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث، وقد خفي علم ذلك على الخوارج والمعتزلة، فخالفوا في ذلك جهلاً منهم بصحة الأحاديث، وعنادًا ممن علم ذلك واستمر على بدعته[شرح العقيدة الطحاوية، ص: 233]وهذه الشفاعة للنبي -عليه الصلاة والسلام- الشفاعة في أهل الكبائر أن يخرجوا من النار يشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضاً، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار ألا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته [العقيدة الواسطية، ص: 20].
قال الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله-:
وَيُخْرِجُ اللَّهُ مِنَ النِّيرَانِ **** جَمِيعَ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ
فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ يُطْرَحُونَا *** فَحْمًا فَيَحْيَوْنَ وَيَنْبِتُونَا
كَأَنَّمَا يَنْبُتُ فِي هَيْئَاتِهِ *** حَبُّ حَمِيلِ السَّيْلِ فِي حَافَاتِهِ

[معارج القبول: 1/40].
وقد قرر ذلك الأصل المهم من أصول اعتقاد أهل السنة أهل العلم في مسائل الإيمان والوعد والوعيد، وقد جاءت بذلك النصوص التي بلغت حد التواتر عند أهل العلم، ويشير إلى إثبات هذا الأصل العام، ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي  حديث صحيح[رواه أبو داود: 4741، والترمذي: 2435، وأحمد: 13245، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 5598].
قال الطيبي -رحمه الله-: "أي شفاعتي التي تنجي الهالكين مختصة بأهل الكبائر"[عون المعبود: 9/2019]؛ لأن له شفاعات في غير الهالكين، لكن شفاعته في الهالكين هي التي تخرج أهل الكبائر من النار.
وقد جاء في حديث أبي سعيد أنه عليه الصلاة والسلام قال:  أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولايحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم-أي الله -عز وجل- إماتة حتى إذا كانوا فحمًا  يعني هذا يدل على أن هؤلاء أهل الكبائر دخلوا النار -والعياذ بالله- يحترقون ويحترقون ويحترقون حتى يموتون، يصيرون فحمًا؛ لأن الخالدين فيها لا يموتون، لكن هؤلاء لا يخلدون في النار عندهم أصل الإيمان، فيحترقون ويحترقون ويحترقون حتى يموتوا، وحتى يصبحوا فحمًا، قال:  أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر ، مجموعات مجموعات متفرقة، قال: فبثوا  فرقوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم ، فالله يعطي لأهل الجنة فضلاً في إنقاذ إخوانهم الذين معهم أصل الإيمان، والآن احترقوا فيفيضوا عليهم من الماء، ماء الجنة، قال:  فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل  ما يحمله السيل ويكون في جنبات الوادي، فينبت، السيل يحمل بذورًا أثناء جريانه، وتعلق في جبتي الوادي الذي فيه السيل، بفعل الماء وبفعل المكان الذي صارت فيه تنبت نبتًا خاصًا، ليس كبقية النبات، لكن هذا نبت جيد، "قال فقال رجل من القوم: كأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد كان بالبادية" [رواه مسلم:477].
وقد ثبت في السنة أن أهل الكبائر هؤلاء يخرجون من النار بعدما دخلوها بشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- أو غيره من الشافعين على ما يأتي بيانه -إن شاء الله-، وقد روى البخاري عن عمران بن الحصين -رضي الله عنهما- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال:  يخرج قوم من النار بشفاعة محمد -صلى الله عليه وسلم- فيدخلون الجنة يسمون: الجهنميين [رواه مسلم: 6566].
وفي مسند أحمد عن أنس -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ويكتب بين أعينهم: هؤلاء عتقاء الله -عز وجل-، فيذهب بهم فيدخلون الجنة، فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاء الجبار -عز وجل- [رواه أحمد: 12491، وقال الألباني: "صحيح لغيره" كما في تخريج السنة: 844، وقال محققو المسند: "إسناده جيد"].
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "وفي حديث حذيفة عند البيهقي في البعث من رواية حماد بن أبي سليمان عن ربعي عنه قال لهم: الجهنميون، فذكر لي أنهم استعفوا الله من ذلك الاسم، فأعفاهم"، فهم يخرجون باسم الجهنميين؛ لأن الله أعتقهم من جهنم، لكنهم يطلبون من الله أن يذهب عنهم هذا الاسم: جهنمي، يعني فيه نسبة إلى جهنم، لكن لأنهم اعتقوا منها وخرجوا منها، الله أخرجهم منها، لكنهم يريدون زوال هذا الاسم، فيعطون اسمًا أفضل: عتقاء الله من النار، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله: "وزعم بعض الشراح أن هذه التسمية ليست تنقيصًا لهم، بل لاستذكار نعمة الله ليزدادوا بذلك شكرًا، كذا قال، وسؤالهم إذهاب ذلك الاسم عنهم يخدش في ذلك" [فتح الباري: 11/430]، يعني لا يريدونه لأن فيه شيء من النقص.
وفي صحيح البخاري عن أنس-رضي الله عنه- أن النبيقال:  يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا؟ فيأتون آدم  فذكر الحديث بطوله، وفيه:  فيقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً،فأخرج فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود الثانية فأستأذن على ربي ثم أشفع فيحد لي حداً فأخرج، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة ثم أشفع فيحد لي حداً فأخرج فأدخلهم الجنة  قال قتادة: وقد سمعته يقول:  فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن  أي وجب عليه الخلود، قال: ثم تلا هذه الآية:  عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء: 79]  قال: وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم -صلى الله عليه وسلم-[رواه البخاري: 7440].
وفي البخاري من حديث أنس -رضي الله عنه-:  ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود؟  قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة [رواه البخاري: 7440].
هذه الشفاعة ليست خاصة بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، بل يشاركه فيها غيره من الملائكة والأنبياء والرسل والمؤمنين؛ كما قال في منظومته الشيخ حافظ:
وبعده يشفع كل مرسل *** وكل عبد ذي صلاح وولي
[معارج القبول: 1/40].
وقد ثبتت الإشارة إلى شفاعة الأنبياء والملائكة والمؤمنين؛ كما في حديث مسلم عن أبي سعيد: فيقول الله -عز وجل-: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين [رواه مسلم: 472].
وفي المسند من حديث أبي سعيد مرفوعًا:  ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا، فيخرجونهم منها، ثم يتحنن الله برحمته على من فيها، فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها [رواه أحمد:11096، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"، قال الشيخ مقبل: "الحديث بهذا السند حسن" كما في الشفاعة، ص: 129].
شفاعة المؤمنين في خروج إخوانهم من النار:
00:42:47
 فتأمل -يا عبد الله- واختر لنفسك مع من تكون، أتكون مع الذي يصير عدوك غدًا، وتلقي بيديك إلى التهلكة، وتكون العداوة بينكما، ويتمنى لو وضعك تحت قدميه وافتدى بكمن النار، أو يضعك ولو لم يفتد بك إلا أن يراك تتعذب أنت الآخر، فهذا الفرق بين من تكون صحبته سيئة وبين من تكون صحبته طيبة صالحة تأمره بالخير، وتحضه عليه.
هذا الفرق بين باطنة السوء وباطنة الخير، وقد قال تعالى:  الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].
وقال تعالى:  وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت: 29].
وتأمل في حال الأخلاء الصادقين الصالحين الذين يناشدون ربهم ويشفعون في إخوانهم ويسألونه أن يلحقهم بهم، وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري في الحديث الطويل في المرور على الصراط ومشاهد القيامة، قال عليه الصلاة والسلام في فعل الصالحين المؤمنين واجتهادهم في إنقاذ إخوانهم قال:  فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار أنتم اليوم تأتوني في الدنيا تحتكمون إليّ، وإذا واحد منكم عنده حق واضح يطالبني أنا القاضي، يطالب ويناقش وينافح، ويدلي بالحجج، ليحصل حقه، المؤمنون يوم القيامة يناشدون ربهم في إنقاذ إخوانهم الذين دخلوا النار أكثر مما تحاجون عندي اليوم أنتم تطالبون بالحقوق في الدنيا  فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار،وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم  يعني المناشدة في إخوانهم  يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله -عز وجل-: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا:  إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء: 40] [رواه البخاري: 7439].
خروج أناس بعدد قبيلة بني تميم من النار بشفاعة رجل واحد من المؤمنين:
00:46:00
 بل قد جاء أنه يخرج من النار بشفاعة رجل واحد من المؤمنين أكثر من بني تميم، هل رأيتم عدد بني تميم كم هو؟ في واحد من المؤمنين غير النبي -عليه الصلاة والسلام- يخرج من النار بسببه، بسبب شفاعته من الذين معهم أصل الإيمان، يخرج من النار بسببه وحده، يشفع هو وحده، يخرج بسبب شفاعته عند الله من النار ناس عددهم أكثر من عدد بني تميم؛ كما ثبت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد روى عبد الله بن شقيق قال: "كنت مع رهط بإيلياء، فقال رجل منهم سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: يدخل الجنة بشفاعتي رجل من أمتي أكثر من بني تميم  قيل: يا رسول الله سواك؟ قال:  سواي ، فلما قام قلت: من هذا؟ يعني الذي تكلم، قالوا: هذا ابن أبي الجذعاء [رواه الترمذي: 2438، وقال: "حديث حسن صحيح غريب"، وصححه الألباني-رحمه الله- في مشكاة المصابيح: 5601].
قيل: إن هذا الرجل هو أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-.
خروج أناس بعدد قبيلة ربيعة ومضر من النار بشفاعة رجل واحد من المؤمنين:
00:47:24
 وقد جاء عن الحسن أثر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر  قال هشام: فأخبرني حوشب عن الحسن أنه أويس القرني، قال أبو بكر بن عياش: فقلت لرجل من قومه:أويس بأي شيء بلغ هذا؟ قال: فضل الله يؤتيه من يشاء [رواه الحاكم في المستدرك: 5721، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء3/173: "وإسناده حسن، وليس فيه ذكر لأويس، بل في آخره، فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان"]المشيخة: العلماء.
إذًا، من فضل الله على هذه الأمة أن في واحد منها غير النبي -صلى الله عليه وسلم- شفاعته تؤدي إلى خروج أكثر من عدد بني تميم، وواحد آخر يخرج من شفاعته أكثر من عدد ربيعة ومضر، هذه قبائل عظيمة كثيرة العدد، وهي من قبائل العرب المشهورة.
السر في اختيار النبي -صلى الله عليه وسلم- للشفاعة:
00:48:34
 لماذا اختار النبي -صلى الله عليه وسلم- الشفاعة؟
عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة؛ فاخترت الشفاعة  [رواه ابن ماجه:4311، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة:3585].
وفيه زيادة لم يصححها، وهي  لأنها أعم وأكفى أترونها للمتقين، لا، ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوثين .
خروج أناس من النار بفضل الله ورحمته:
00:49:04
 -طبعًا- هؤلاء يخرجون من النار لكن بعد ماذا؟ بعد هذا الاحتراق الشديد حتى يصبحوا فحمًا، حتى يموتوا من الاحتراق، لكن في النهاية ستدركهم رحمة رب العالمين، ويخرجون من النار بشفاعة الشافعين، ثم بفضل رب العالمين يخرج الله -عز وجل- زيادة على ما أخرجه الشافعون، ويدخلون الجنة، ولذلك هناك شفاعة لله يشفع الله من نفسه عند نفسه، يشفع الله من نفسه عند نفسه، فيخرج آخر دفعة تدخل الجنة، فجاء في حديث مسلم من حديث أبي سعيد الطويل في الشفاعة، فيقول الله -عز وجل-:  شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين [رواه مسلم: 472].
وفي رواية البخاري:  فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقوامًا قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة [رواه البخاري: 7439]، فهذا مقام شفاعة الله-تعالى- إلى نفسه في رحمته لخلقه، وإخراجهم من النار، ويظهر الله لعباده منة بعد منة.
وقد جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  ليتحمدن [رواه أحمد: 9190، وقال محققو المسند: "حسن لغيره"]، وفي بعض النسخ:  ليتمجدن الله   يوم القيامة على أناس ما عملوا من خير قط  وقد سبق شرح ما معنى:  ما عملوا من خير قط ،  فيخرجه من النار بعدما احترقوا فيدخلهم الجنة برحمته بعد شفاعة من يشفع [رواه أحمد: 9190، وقال محققو المسند: "حسن لغيره"].
والتحمد والتمجد إظهار منته تعالى ومجده كرمه على عباده.
صفات الخارجين من النار بعد الشفاعة:
00:51:18
 ما هي صفات الذين يخرجون من النار بعد هذه الشفاعة؟
مضى أنهم: يسمون بالجهنميين، وأنه عليه الصلاة والسلام قال:  يخرج قوم من النار بشفاعة محمد -صلى الله عليه وسلم- فيدخلون الجنة يسمون: بالجهنميين [رواه البخاري: 6566، وأبو داود: 4742، وغيرهما].
وكذلك ورد: أنهم يخرجون كأنهم الثعارير؛ فعن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  يخرج من النار بالشفاعة كأنهم الثعارير ، قلت: ما الثعارير؟ قال: الضغابيس [رواه البخاري: 6558].
الثعارير، قيل: قثاء صغار، وقيل غير ذلك.
والمقصود وصفهم بالبياض والدقة.
وأما الضغابيس، فهو شيء ينبت في أصول التمام يشبه الهليون، يسلق ثم يؤكل بالزيت، الهليون نبت معروف يباع في محلات الخضار.
وقيل: ينبت في أصول الشجر، وفي الإذخر، يخرج قدر شبر في دقة الأصابع، لا ورق له، وفيه حموضة.
إذًا، هو يصف لنا كيف شكل الذين يخرجون من النار هؤلاء، يخرجون كأنهم الثعارير أو الضغابيس، مثل القثاء الصغار أو مثل هذا النبت الذي يشبه الهليون، يؤكل، أو في دقة الأصابع لا ورق له وفيه حموضة، قال ابن حجر -رحمه الله- عند شرح هذا الحديث: "هذا التشبيه لصفتهم بعد أن ينبتوا"؛ لأنهم لما خرجوا كانوا فحمًا أسود، فحم، ميتين ما فيهم حياة، لكن عندما يلقون في أنهار الجنة، يلقى عليهم الماء ينبتون فيصيرون كالضغابيس، أو الثعارير هذه، قال ابن حجر -رحمهالله-: "هذا التشبيه لصفتهم بعد أن ينبتوا، وأما في أول خروجهم من النار فإنهم يكونون كالفحم" [فتح الباري: 11/429]؛ كما في حديث أنس بن مالك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع لفح حرارة النار  فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين [رواه البخاري: 6559].
والجهنميون جمع جهنمي نسبة إلى جهنم، والمراد أن الله أعتقهم من جهنم.
-طيب- يخرجون من النار بغاية الصغر في الحجم، فقد جاء في حديث يزيد الفقير عن جابر عند مسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال:  فيخرجون كأنهم عيدان السماسم   وهو هذا السمسم المعروف  فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس [رواه مسلم: 493]وهي هذه الأوراق التي يكتب فيها، لماذا شبههم بالقراطيس؟لبياضهم، بعد اغتسالهم وزوال ما كان عليهم من السواد، قاله [النووي في شرح مسلم: 3/52].
فإذًا، الآن عندنا أوصاف دقيقة جداً لحال آخر أهل النار خروجًا من الموحدين؛ كالضغابيس، كالثعارير، بيض، دقاق، يخرجون أولاً فحما، سود، صغار جداً مثل السمسم في الحجم، فيلقون في أنهار الجنة، يسكب عليهم من ماء الجنة، فيصبح الواحد ينبت هكذا.. ثم يكون الواحد أبيض كالقرطاس بعدما كان أسود كالفحم، فعندما يخرجون من النار وهم بهذه الحالة من الصغر، ومن السواد والتفحم، يلقون في نهر يسمى: نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- طبعًا- هذه الأحاديث كلها مرفوعة إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-  فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون في نهر الحياء أو الحياة  شك مالك، الراوي، فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية [رواه البخاري: 22، ومسلم: 475].
وفي رواية لمسلم عن أبي سعيد:  كما تنبت الغثاة في جانب السيل .
وعن أبي سعيد أيضاً قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، ولكن من الذي يخرج؟ قال:  ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر  مجموعات مجموعات، متفرقة  فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل  فقال رجل من القوم: كأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد كان بالبادية [رواه مسلم:477].
كل هذه التفاصيل بدقة تروى لنا كأننا نعيش تلك اللحظات والأوقات، ليخبر الله خلقه بكل ما يحصل لتكون الحجة مقامة، ويقال لهم: الكافر يخلد، ومرتكب الكبائر: يا أيها السكير والزاني والسارق والمرتشي، وآكل مال اليتامى، وأهل الكبائر، هذا مصيركم، يا أيها المذنبون ستنصب الموازين، وتوزن أعمالكم، سيئة واحدة ترجح به يدخل النار، حسنة واحدة ترجح به يدخل الجنة، تساووا بالحسنات والسيئات، تساوت حسناتهم وسيئاتهم أهل الأعراف، معروف مصيرهم.
آخر الخارجين من النار وآخر الداخلين إلى الجنة مطلقا:
00:58:08
 من هو آخر من يدخل الجنة مطلقًا بعد دخوله النار وخروجها منها؟
لأننا سبق أن ذكرنا صفة آخر من يعبر الصراط بدون أن يقع في جهنم ثم يدخل الجنة، وهو يزحف وهو يقف ويحبس على الجسر، ثم يعود النور، وينطفئ النور، وتلفحه النار، تسفعه النار، حتى يمر، بعد مدة الله أعلم بها، وقد رأى من الأهوال ما رأى، حتى لما نجا ظن أن الله أعطاه نعمة ما أعطاه أحد من الأولين ولا من الآخرين.
-طيب- هذا من الذين عبروا على الصراط آخر واحد ما سقط.
-طيب- الذين سقطوا من هو آخر واحد من الذين سقطوا في النار وعذبوا ما عذبوا، ثم خرج، هذا الشخص قد جاءت فيه قصة ما اسمه؟ الله أعلم، هو واحد من الخلق، لكن وردت قصته، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولا، رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى،فيرجع فيقول: يارب وجدتها ملأى،فيقول عز وجل: اذهب فادخل الجنة،فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى،فيرجع فيقول: يارب وجدتها ملأى،فيقول: اذهب فادخل الجنة،فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها -أو: إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا- فيقول: تضحك مني وأنت الملك؟  فلقد رأيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ضحك حتى بدت نواجذه، وكان يقول:  ذا كأدنى أهل الجنة منزلة [رواه البخاري: 6571، ومسلم: 479] يعني أقل واحد في الجنة يملك عشر أضعاف الدنيا كلها، هذا أقل واحد.
موقف طريف لآخر الخارجين من النار وآخر الداخلين إلى الجنة:
01:00:50
 هذا رجل له موقف طريف، جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة وآخر أهل النار خروجًا منها رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها  هذا رجل بعدما يخرج من النار، بعدما احترق واحترق ما شاء الله أن يحترق، وأخرجه الله منها، وأحياه، يصير له موقف طريف، يقول الله لملائكته:  اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها هو أصلاً دخل النار بسبب الكبار أولاً، لكن الله يقول للملائكة: احذفوا الكبار، أزيلوها، وأبقوا الصغائر، واعرضوها عليه،  فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا،فيقول: نعم، لايستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقول الله: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب، قد عملت أشياء لا أراها هاهنا  لأنه لما رأى أن مكان كل سيئة حسنة، قال: وين الكبائر؟ فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا؟ فلقد رأيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول أبو ذر راوي الحديث- ضحك حتى بدت نواجذه[رواه مسلم: 487].
خزنة الجنة:
01:03:00
 من هم خزنة الجنة؟
كما أن للنار خزنة فإن للجنة خزنة يستقبلون أهل الإيمان بالترحيب والسلام والبشارة، ويفتحون لهم الأبواب؛ كما قال عزوجل:  حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: 73].والخزنة جمع خازن، وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه كل خزنة باب: أي فل هلم [رواه البخاري: 2841، ومسلم: 2420].
أسماء خزنة الجنة:
01:03:31
 ما أسماء خزنة الجنة؟
ورد في خزنة النار: مالك كبيرهم.
أما بالنسبة للجنة، فقد اشتهر في كتب أهل العلم أن اسم كبير الخزنة في الجنة: رضوان، وهم اسم مشتق من الرضا، قال ابن القيم في "حادي الأرواح": "وقد سمى الله -سبحانه وتعالى- كبير هذه الخزنة: رضوان، وهو اسم مشتق من الرضا"انتهى[حادي الأرواح، ص: 76].
ولكن لما يثبت في تسميته برضوان حديث صحيح، لم يثبت في تسمية خازن الجنة رضوان، لكن السيوطي ذكر حديثًا في كتابه: الحبائك في أخبار الملائك، التصريح باسمه في حديث لكنه ضعيف جداً، بل منكر، ولا تقوم به حجة، وعليه فلا يثبت تسمية خازن الجنة: رضوان؛ لأن أسماء الملائكة من علم الغيب الذي لا يمكن الاطلاع عليه إلا من طريق الشرع.
أعمال خزنة الجنة:
01:04:28
 ما هي أعمال خزنة الجنة؟
لأننا قد عرفنا ما هي أعمال خزنة النار، سبق بيان أن خزنة الجنة يستقبلون المؤمنين بالترحاب والسلام: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: 73]،  ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق: 34].
يبشرونهم:  وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: 103].
إذا بعثوا من قبورهم، وأوتي بهم وعلى النجائب وراكبين وفدًا إلى الرحمن:  وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر: 73]إلى الجنة، وينالهم من الكرامة، وتفتح لهم أبواب الجنة، وبعد دخول النبي -صلى الله عليه وسلم- يدخلونها  وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ [الرعد: 23]والملائكة عباد الله المقربون المتصفون بالعبودية التامة لله، لهم مواقف طيبة مع المؤمنين في الدنيا يستغفرون للمؤمنين، ويصلون عليهم، قال تعالى عن الملائكة الآن الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْحَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر: 7].
عند الموت هذه الملائكة تثبت المؤمنين:  إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: 30].
وبعد دخول الجنة تدخل عليهم الملائكة تسلم عليهم، قال تعالى:  جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: 23 - 24].
في الدرس القادم -بمشية الله- سنتعرض للجنة رؤية من الداخل، النعيم المقيم، وأوصاف ما أعد الله للمؤمنين.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة، وأن يغفر لنا ذنوبنا، ويجنبنا النار، إنه سميع مجيب.
وصلى الله على نبينا محمد.