الاثنين 14 محرّم 1440 هـ :: 24 سبتمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

42- مسائل تتعلق بالنار وعذابها


عناصر المادة
ملخص الدرس السابق:
أسماء أناس بأعيانهم في النار:
أوصاف وأسماء بعض عصاة أهل النار:
أسباب الخلود في النار:
حال المقترفين للكبائر من أهل التوحيد في النار:
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لم يعملوا خيرًا قط)):
أعمال يجب تركها من أجل الوقاية من النار:
أعمال يجب فعلها من أجل الوقاية من النار:
مواطن الاستعاذة من النار:
خوف السلف من النار:
ثناء الله على الخائفين من الله: 00:00:00
ثناء الله على الخائفين من الله:
اضطراب السلف وتغير أحوالهم عند رؤية النار:
عدم نوم السف عند تذكر النار:
عدم ضحك السلف عند تذكر النار:
تقطع قلوب السلف من طول الخلودين في الجنة أو النار:
الحمد لله رب العالمين، وصلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
ملخص الدرس السابق:
00:00:13
 فقد تقدم في الدرس الماضي في عذاب النار -نعوذ بالله منه-: أن العذاب حسي ومعنوي، جسدي ونفسي، وأن الاستهزاء والاحتقار والازدراء، مع الحرق والضرب والسحب، أن الخزي والتشهير والفضيحة، وسواد الوجه، وأن الله لا ينظر إليهم، ولا يستجيب دعاءهم، وينساهم، يتركهم في العذاب، ويتخلى عنهم، وتبرؤ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضًا، وعدم استفادتهم من اشتراكهم في العذاب، والتنكر لمن لهم بهم علاقات، والخسارة التي خسروا بها أنفسهم وأهليهم، وانقلاب الصداقات إلى عداوات في النار، وكذلك السب والشتم من بعضهم لبعض، هذا كله من عذاب النار.
وذكرنا أن النار التي يدخلها الموحدون، هي النار التي فيها الكفار، ولكن العذاب يتفاوت، وجهنم دركات، وعذاب الكفار مؤبد، وعذاب عصاة الموحدين مؤقت، وأن كفرة الجن في النار، وأن هذه النار عذاب الله، وانتقامه من أعدائه، في ذلك اليوم الذي يغضب فيه غضبًا لا يغضب بعده مثله.
هل يجوز الشهادة لمعين بالنار؟
القاعدة عند أهل الحق أهل السنة أهل الإسلام والتوحيد: أنه لا يجوز الشهادة لمعين بالنار إلا إذا جاء ذلك في الشرع.
أسماء أناس بأعيانهم في النار:
00:02:20
 فمثلاً من الأشخاص الذين جاء ذكرهم بأعيانهم من أهل النار:
* إبليس، وهو الشيطان الرجيم:  قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: 18].
* وفرعون وقومه: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: 98].
* وزوجتا نوح ولوط:  وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم: 10].
* وآزر أبو إبراهيم: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة: 114].
قال عبيد بن عمير وسعيد بن جبير: "إنه يتبرأ منه في يوم القيامة حين يلقاه" [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 4/225].
وقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:  يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول: إبراهيم يا رب إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله -تعالى-: إني حرمت على الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك، فينظر فإذا هو بذيخ يعني ضبع  ملتطخ  يعني قذر متسخ  فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار [رواه البخاري: 3350].
والذيخ: ذكر الضباع، لا يقال له ذلك إلا إذا كان كثير الشعر.
 ملتطخ  في رجيع أو دم أو طين، مسخ الله آزر على هيئة هذا الحيوان البغيض الكريه، قال العلماء: الحكمة في مسخه لتنفر نفس إبراهيم منه، ولئلا يبقى في النار على صورته الآدمية، فيكون فيه غضاضة على إبراهيم.
وفي الضبع حمق، وآزر من أحمق البشر؛ لأنه رأى الآيات البينات، ولم يؤمن[انظر: فتح الباري: 8/500].
* ومن الناس الذين وردت تسميتهم من أهل النار: عمرو بن لحي الخزاعي، الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-:  رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه -يعني أمعاءه- في النار، وكان أول من سيب السوائب [رواه البخاري: 3521، ومسلم: 7372].
هذا رجل عاش في الجاهلية، قبل بعثة النبي -عليه الصلاة والسلام-، افتعل أمرًا منكرًا؛ لأنه قام بتغيير دين إبراهيم الخليل، وكانت له رحلة إلى الشام، وكان بها يومئذ العماليق، وهم من عباد الأصنام، فلما رآهم يعبدونها، استوهبهم واحدًا منها، وهو هبل، فجاء به إلى جزيرة العرب، ونصبه عند الكعبة، ودعا الناس إلى عبادته.
وقيل: إن رجلاً اسمه: إساف، فجر بامرأة، يقال لها: نائلة، في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فأخذهما عمرو بن لحي، فنصبهما حول الكعبة، فصار من يطوف يتمسح بهما.
هذا أول من سيب السوائب عمرو بن لحي.
والسوائب من بهيمة الأنعام، ينذر الواحد -مثلاً- بعيره أو ناقته للصنم، فلا تحبس عن مرعى، ولا عن ماء، ولا تركب، تسيب هكذا ولا ينتفع منها بشيء، تقربًا إلى الصنم، بزعمهم.
من الذي علمهم هذا؟
عمرو بن لحي الخزاعي.
أول من غير ملة إبراهيم في جزيرة العرب، ولذلك كان من أهل النار.
* ورد في بعض الأحاديث: قارون، وهامان، وأبي بن خلف، وهو الحديث المشهور المرفوع إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-: أنه ذكر الصلاة يومًا، فقال:  من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف  وهذا الحديث لأهل العلم كلام في تصحيحه وتضعيفه، حتى من المعاصرين، كالشيخ الألباني -رحمه الله- ضعفه في الترغيب والترهيب، وكتب أخرى، وحسنه في الثمر المستطاب، وفي فقه السنة، وفي مشكاة المصابيح[رواه أحمد: 6576، وابن حبان في صحيحه: 1467، والدارمي في مسنده: 2763، وحسنه الألباني في الثمر المستطاب، ص: 52، ومشكاة المصابيح:  578، وضعفه في الترغيب والترهيب: 312].
على أية حال: حديث مشهور معروف، فيه أسماء هؤلاء الثلاثة: قارون، وهامان، وأبي بن خلف، أنهم من أهل النار.
قارون الذي اغتر بماله، وكفر بالله.
فرعون الذي نازع الله في ربوبيته.
وهامان وزيره ومعينه على الظلم والشر.
وأبي بن خلف الجمحي الذي آذى النبي -عليه الصلاة والسلام-، حتى أنه عليه الصلاة والسلام قصده فقتله بيده، ولم يقتل شخصًا غيره بيده.
* الوليد بن المغيرة، ممن ثبت أنه من أهل النار بكتاب الله -تعالى-، فإن الله -عز وجل- قال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا [المدثر: 11- 13]إلى أن قال:  سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا [المدثر:17].
قال ابن كثير: وهذا المذكور في هذا السياق: هو الوليد بن المغيرة المخزومي، أحد رؤوساء قريش.
هذا الذي لما قرأ عليه الصلاة والسلام القرآن بدأ يلين، فجاء أبو جهل، قال: قريش تريد أن تجمع لك مالاً؟ لماذا؟ قال: يعطونكه، يتصدقون عليك، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً، فقال له كلامًا معناه: إنهم علموا أنك أعجبت بمحمد، وأنك تعرضت له تطلب منه شيئًا، استفزه، فعند ذلك، قال: والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من ذلك" يعني من الأشعار، ولا من كلام الجن "والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى" وقال: "والله ما يرضى قومك حتى تقول فيه" أبو جهل يقول له، قال: "فدعني حتى أفكر، فلما فكر، قال: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر: 24][انظر: تفسير القرآن العظيم: 8/267].
يعني إذا ما كان من قول الشعراء، ولا من قول الجن، فما هو؟
فكر ودبر وعبس وبسر، وأدبر واستكبر، وقال:  إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر: 24].
* ممن ورد النص عليهم أنهم في النار: أبو لهب وزوجته، كما قال تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد: 1- 5].
تبت يداه، خسرت وخابت، وضل سعيه.
امرأته حمالة الحطب، أم جميل، أروى بن حرب بن أمية أخت أبي سفيان، كانت من سادات نساء قريش، لكن ذلك ما نفعها عند الله؛ لأنها كانت عونًا لزوجها على كفره وجحوده، وعلى إيذاء المؤمنين، فهي في النار:  حَمَّالَةَ الْحَطَبِ تأخذ حطب من النار تلقيه على زوجها، ليزداد فيما فيه من العذاب، وتعذب معه أيضاً.
 فِي جِيدِهَا وعنقها حَبْلٌ من النار.
* ممن ورد النص عليهم: أنهم في النار: أبو طالب؛ كما قال عليه الصلاة والسلام:  هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار [رواه البخاري: 3883، ومسلم:531].
وقد تقدم ذلك.
وجاء في الصحيحين: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية المغيرة، فقال: أي عم، قل "لا إله إلا الله" كلمة أحاج لك بها عند الله؟ فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ تموت على غير ملة أبيك؟ هذا قرناء السوء، هذه حالهم، عند الموت يثبتونه على الكفر، فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه، ويعيدانه، يعيدانه كلامهما، بتلك المقالة، حتى قالا أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، ومات، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك  فأنزل الله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة: 113] [رواه البخاري: 3884].
هذا عمه، أقرب الناس إليه، ودافع عنه، لكن ما نجاه ذلك؛ لأن التوحيد هو الأصل، ما في توحيد ما في نجاة من النار.
أوصاف وأسماء بعض عصاة أهل النار:
00:11:23
 ذكر آخرون من أهل النار، لكن ليس في سياق شرك، أو كفر أكبر عملوه، وإنما في كبائر اقترفوها.
* فمثلاً المرأة التي عذبت الهرة، قال عليه الصلاة والسلام: عذبت امرأة في هرة سجنتها، حتى ماتت، فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض [رواه مسلم:3482، ومسلم: 5989].
* منهم كذلك: سارق الحجيج، وسارق بدنتي النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو في الكسوف: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: عرضت عليّ الجنة حتى لو مدت يدي تناولت من قطوفها، وعرضت عليّ النار، فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرها، ورأيت فيها سارق بدنتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ورأيت فيها أخا بني دعدع سارق الحجيج  ماذا كان يفعل؟ عنده عصا مثل العكاز، محجن، يمشي بها مع الطائفين، ويتعمد إدخال طرفها في متاع الحاج، ويمضي في الزحام، فإن لم ينتبه له مضى به، وإن انتبه له، قال: إنما تعلق بمحجني، قال عليه الصلاة والسلام:  فإذا فطن له هذا عمل المحجن [رواه النسائي، وهو حديث صحيح: 1496، وأحمد: 6763، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي: 1496].
هذا سارق الحجيج رآه في النار، فهذه العصابات المنتشرة في الحج والعمرة، ويل لهم من النار!.
* وكذلك كَرْكِرة، أو كِرْكِرة، أو كَرْكَرة، كما ذكروا في ضبط اسمه، سارق، وغال للعباءة من المغانم، بعد الجهاد، اشترك في الجهاد، فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: كان على ثقل النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل يقال له: كركرة، فمات، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  هو في النار فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها[رواه البخاري: 3074].
سرق عباءة من المغانم، قبل أن تقسم، فراح في النار، قال ابن حجر -رحمه الله-: "يعذب على معصيته، أو المراد هو في النار إن لم يعف الله عنه"[فتح الباري: 6/188].
* ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أيضاً رجلًا قتل نفسه، انتحر، وحديثه عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجل -يعني من شجاعته، من قوته، من بلائه العظيم -لا يدع لهم -يعني للكفار شاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه-، فقالوا -أي قال المسلمون-: ما أجزأ منا اليوم أحد كما  أجزأ فلان؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  أما إنه من أهل النار .
-طبعًا- تعجب الصحابة جداً! كل هذا القتال! وهذه الشجاعة! وهو من أهل النار! فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدًا، فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل -أي المراقب المتبع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:أشهدت أنك رسول الله، قال:  وما ذاك؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه حتى جرح جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله -صلى الله  عليه وسلم- عند ذلك:  إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة  [رواه البخاري: 2898، ومسلم: 320، واللفظ لمسلم].
تغيب خاتمة العبد عنه، فيه حكمة لطيفة، كما قال ابن حجر -رحمه الله-؛ لأن لو علم كل واحد خاتمته سلفًا، فلعله يفضي إلى عجب من علم أنه من أهل الجنة، أو تكاسل أو تراخي عن العمل، وإلى أن يزداد عتوًا وبطشًا، من علم أنه من أهل النار.
لم يثبت أن صاحب هذه القصة، هو قزمان، كما اشتهر ذلك في السيرة، لكنه رجل معين، كان يعرفه الصحابة.
وأحيانًا يتعمد الصحابة كتمان أسماء بعض الأشخاص، لمصالح معينة، ويحذفهم الراوي من القصة.
أسماء بعض الأقوام من أهل النار:
* ذكر لنا ربنا -عز وجل- أقوامًا من أهل النار، كقوم نوح:  مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح:25].
* وقوم عاد:  لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ [فصلت: 16].
* وكذلك بنو النضير اليهود: وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر: 3].
أسباب الخلود في النار:
00:16:43
 وأهل السنة، أهل التوحيد، يقطعون أن كل من مات على الكفر والشرك بعد إقامة الحجة عليه، فهو من أهل النار، الخالدين فيها.
* أما المخلدون في النار، فجرائمهم على تنوع، وأولهم: الكفار، والمشركون، وعباد الطواغيت، والأنداد.
هذا أول وأعظم سبب للخلود في النار: وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: 131].
 إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة: 72].
وقال عليه الصلاة والسلام:  من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار [رواه البخاري: 4497].
والند، هو المثل.
ويدخل في هذا الشرك الأكبر، الموجب للخلود في النار: دعاء الأموات، والاستغاثة بهم من دون الله:  وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ [يونس: 106].
المشركون عللوا عملهم هذا بقولهم:  مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: 3].
ف"من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه" كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية، فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى" [مجموع الفتاوى: 1/134- 135].
* من أسباب الخلود في النار أيضاً: التكذيب بالبعث والنشور، ويوم القيامة، قال تعالى:  بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [الفرقان: 11].
وقال عز وجل:  وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ [الرعد: 5].
* من الأسباب للخلود في النار: التكذيب بآيات الله:  الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر: 70- 72].
يوجد الآن أعداد من الناس يقولون: لا بعث، ولا رسل، ولا نبوات، ولا وحي، ولا شيء! أرحام تدفع، وأرض تبلع! وهكذا .. هؤلاء يوم القيامة ملعونين في النار.
يوجد من يكذب بالقرآن وبالأنبياء:  وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: 26- 28].
* من الأسباب: التفريق في الإيمان بين الكتب التي أنزلها الله -عز وجل- والإيمان ببعض، والكفر ببعض، كما يفعل اليهود والنصارى، وغيرهم، وقد قال تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة: 85].
كذلك الذين يؤمن ببعض القرآن، ويكفر ببعضه، ويقول: القرآن دخله خرافات! والقرآن أصابه التحريف! مثلاً، ويقول هذا صح، وهذا لم يصح! هذا من أهل النار الخالدين فيها.
* من الأسباب كذلك: التكذيب بنبوة النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ لأن هذا من المعلوم بالدين بالضرورة، من رسالة الإسلام، والنبي –عليه الصلاة والسلام- بين أن الذي لا يؤمن به سيكون من أصحاب النار يوم القيامة، يهودي، نصراني، من غيرهم، من غيرهم الطوائف، يسمع به على الوجه الصحيح، تصله الرسالة بشكل واضح، ثم لا يؤمن، هذا من أهل النار.
* كذلك من أسباب الخلود في النار: قتل النبيين، وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، قتل الدعاة إلى الله، قال تعالى:  إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: 21].
* وكذلك من الأسباب: الارتداد عن الإسلام -والعياذ بالله-، كما قال عز وجل:  وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 217].
* من الأسباب: طاعة الرؤساء الضلال، وزعماء الكفر في كفرهم، واتباعهم على ذلك، كما قال تعالى في سورة الأحزاب:  إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا  [الأحزاب: 64- 66].
* كذلك: الكذب على الله، والافتراء عليه:  وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ [النحل: 62].
الذين جعلوا الملائكة إناثًا، وعبدوهم من دون الله، ونحو ذلك، من الذين يفترون على الله الكذب، وهم يعلمون.
* النفاق الأكبر -طبعًا- من أسباب التخليد في النار:  وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [التوبة: 68].
 إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا  [النساء: 140].
* كذلك من الأسباب: الاستكبار عن عبادة الله، وعن سماع آياته، كما قال عز وجل: وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الأعراف: 36].
ماذا يفعل الواحد منهم؟
 وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان: 7- 8].
النار ماذا قالت، لما احتجت مع الجنة؟
قالت:  يدخلني الجبارون والمتكبرون [رواه مسلم: 7351].
الكفار الذين عملوا أعمال صالحة، ما هو مصير هذه الأعمال؟ بعضهم كفل أيتامًا، أعان مساكين، أطعم جياعا، آوى مشردين، بر والديه، وصل رحمه، أحسن إلى جيرانه؟
ما دام الأساس باطلًا، كفر بالله،فماذا ينفعه عمله ذلك؟
لا شيء.
قال تعالى:  وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا [الفرقان: 23].
وقال:  وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]هذا قاله لنبيه -عليه الصلاة والسلام- فكيف بأولئك المشركين؟
-طبعًا-نسمع اليوم: أن أغنى رجل في العالم قد وهب نصف ثروته في أعمال الخير، واقتدى به رجل آخر من أغنياء العالم، فجعل مؤسسة خيرية بنصف ممتلكاته، وفلان.. وفلان.. لكن إذا كانوا كفرة يدعون المسيح من دون الله، ويعبدون الصليب، ولا يدخلون في الإسلام، وهم قد سمعوا به سماعًا حقيقيًا صحيحًا، إذًا، ما الذي ينفعهم؟
لا ينفعهم شيئًا، لكن من عدل الله: أنه يعطي الكافر في الدنيا، على أعماله الصالحة، فيعيطه مزيدًا من الأموال، على أشياء تصدق بها، يعطيه صحة، يعطيه أولادا، يعطيه جاها، وذكرا، وسمعة، يستوفي كل شيء في الدنيا، حتى إذا جاءه يوم القيامة لم يجد حسنة تنفعه، قال ابن القيم -رحمه الله-: "ومن شكره سبحانه يجازي عدوه مما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، ويخفف به عنه يوم القيامة" [انظر: عدة الصابرين: 28/7].
هذا أبو طالب خفف عنه، لكن مخلد في النار، وشفاعة النبي -عليه الصلاة والسلام- سبب في ذلك.
حال المقترفين للكبائر من أهل التوحيد في النار:
00:24:34
 ما هي حال الموحدين من أهل الكبائر؟
تقدم: أن أول من يدخل النار من عصاة الموحدين: المرائين، القارئ للقرآن، والمقاتل في المعركة مع المسلمين، يجاهد الكفار، ومتصدق، منفق، لماذا؟
كما تقدم: هذا فعل ليقال فلان شجاع! وهذا فعل ليقال فلان كريم! وهذا فعل ليقال فلان قارئ أو فلان عالم! أخذتم في الدنيا نصيبكم، والناس تكلموا بذلك، وأثنوا، ومدحوا، فليس لكم الآن إلا النار، فيسبحون إليها، قال معاوية -رضي الله عنه- لما سمع بهذا الحديث أبو هريرة أغمي عليه كم مرة، لما أراد أن يحدث به؟ قال معاوية -رضي الله عنه-: قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى بكاء شديدًا حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله:  مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود: 15- 16].
وتقدم: أن أول من تسعر بهم النار، الأولية النسبية، بالنسبة للعصاة، من الموحدين، هؤلاء.
وأما الكفار فقد سحبوا إلى النار من قبل.
العصاة من غير المشركين والكفار لهم ألوان من التعذيب في النار، ولهم ألوان من العذاب، مع أنهم ليسوا بكفار، لكن الله يعذب من العصاة، وأهل الكبائر، فمن عذابه:  ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان  تقدم به السن، وليس في فورة شباب، ولا داعي الشهوة عنده قوي ومع ذلك زانٍ وملك كذاب  يعني عنده سلطان ما يحتاج إلى الكذب، لا يخاف من رعيته، فلماذا يكذب؟ هذا كذب متأصل في نفسه، ثم هو قدوة الناس، ويكذب على الملأ وعائل مستكبر  [والحديث رواه مسلم: 309] يعني فقير ومتكبر، يتكبر على ماذا؟ يعني المال الذي دعا المتكبرين للتكبر هو فاقده، فهو فاقد سبب التكبر، ويتكبر، هذا معناه أن التكبر متأصل في نفسه.
-مثلاً- المتجسس على المسلمين، قال عليه الصلاة والسلام:  ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، أو يفرون منه وهو مصر يستمع، قال:   صب في أذنه الآنك يوم القيامة [رواه البخاري: 7042].
الآنك؛ الرصاص المذاب.
وقيل: خالص الرصاص.
وقيل: هو القصدير، قاله الداودي[فتح الباري: 12/429].
الذين نجوا من النار، يعرفون أنهم فقدوا ناسًا كانوا معهم، مسلمين في الدنيا، فهل يتخلون عنهم؟ وماذا يفعلون؟
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الطويل في ذكر الصراط:  حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار [رواه مسلم: 472].
فالذين نجوا من النار يناشدون ربهم في هؤلاء، في إخوانهم الذين سقطوا في النار، يريدون أن يشفعوا لهم، لكي يخرجوا منها.
ومعنى الحديث: أي ما منكم من أحد يناشد الله في الدنيا في استيفاء حقه، أو استقصائه، وتحصيله من خصمه، والمتعدي عليه، بأشد من مناشدة المؤمنين لله -تعالى- في الشفاعة لإخوانهم هؤلاء الذين سقطوا في النار يوم القيامة.
فماذا يقولون في مناشدتهم لربهم؟
يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون ويحجون؟ فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، لكن -طبعًا-أدركه من العذاب ما أدركه، وناله ما ناله، ولو لحظة، كم هي شديدة؟!  فتحرم صورهم على النار  يعني هؤلاء الذين سقطوا في النار، النار ما تأكل وجوههم، على الأقل كانوا يصلون، وأثار السجود، دارات وجوههم، ولتكون علامة يعرف بها هؤلاء الشافعون إخوانهم من بقية أهل النار، ولذلك حرم الله على النار أن تأكل آثار السجود، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:  فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه  احترقت تمامًا  ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه  يعني ارجعوا إلى النار  فمن وجدتم في قلبه مثقال  يعني زنة، مقدار دينار من خير، فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا وكان أبو سعيد الخدري راوي الحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرؤوا إن شئتم: إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40].[رواه مسلم: 472].
بعد ما تنتهي شفاعات الكل ممن أذن لهم بالشفاعة، قال:  فيقول الله -عز وجل-: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوم لم يعملوا خيرًا قط  [رواه مسلم: 472].
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لم يعملوا خيرًا قط)):
00:31:00
 ومعنى:  لم يعملوا خيرًا قط  يعني عندهم أصل التوحيد، ولكن ما عملوا الخيرات، ويشترط كذلك: ألا يكونوا قد ارتكبوا شيئًا يخرجهم من الملة، أو تركوا شيئًا يخرجهم تركه من الملة، كالصلاة التي من تركها بالكلية كفر، هذا يخرج، ويستثنى بالنصوص الأخرى، ويفهم بالجمع مع النصوص الأخرى، قال عليه الصلاة والسلام في هذه القبضة:  قد عمدوا حممًا يعني صاروا فحمًا من شدة الاحتراق، وماتوا فيلقيهم  يعني عز وجل  في نهر في أفواه الجنة  يعني أوائل الجنة، مفتتح مسالك وطرق وشوارع الجنة،  يقال له: نهر الحياة، فينبتون ويخرجون، قال: فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل  بزور الصحراء يحملها السيل إلى جانب الوادي، فتنبت، قال عليه الصلاة والسلام: ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض  فقالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية؟ يعني وصف لهم وصفًا دقيقًا هذه الأشياء التي تخرج في البادية، قال:  فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم  خلاص الآن صاروا خلقًا آخر، هذه أشياء من ذهب تعلق في رقابهم، يعرفهم أهل الجنة، فيقولون: هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه، فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا؟ فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً  [رواه البخاري:7439، ومسلم: 472، واللفظ له].
نعرف أن من عقيدة أهل السنة، وأهل التوحيد، أهل الحق: أن الذي لا يعمل عمل خير أبداً تارك العمل بالكلية، لا صلاة، ولا صيام، ولا زكاة، ولا حج، ولا بر، ولا دعاء، ولا ذكر، ولا تلاوة، تارك العمل بالكلية، كافر، كفر مخلد في النار، هذا كفر إعراض، لما أعرض عن الدين بالكلية خلده الله في النار، فما معنى: لم يعمل خيرًا قط ؟
قال بعض العلماء: إنه على عادة العرب في استعمال هذه الكلمة، فمثلاً يقولون :لم يعمل ولم يتقن عمله: لم تعمل شيئًا قط، ما علمت شيء، وليس المقصود أنه ما عمل شيئًا بالكلية، لكن جرت عادتهم بمثل هذا، ما صنعت شيئًا، قال ابن خزيمة -رحمه الله-: "هذه اللفظة: لم يعمل خيرًا قط  من الجنس الذي تقول العرب، ينفى الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فعنى بهذه اللفظة على هذا الأصل:  لم يعمل خيرًا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليهم، وأمرهم به.
ثانيًا: أنه من باب العام المخصص، مخصص بماذا؟
مثلاً، بتكفير تارك الصلاة بالكلية، فيكون عام  لم يعمل خيرًا قط  وأما الذي عمل شيئًا يخرجه من الملة، أو ترك شيئًا تركه يخرجه من الملة، فإنه سيخلد في النار، قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في قوله:  لم يعملوا خيرًا قط يعني ما عملوا أعمالاً صالحة، لكن الإيمان قد وقر في قلوبهم، فإما أن يكون هؤلاء قد ماتوا قبل التمكن من العمل، آمنوا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا، وحينئذ يصدق عليهم: أنهم لم يعملوا خيرًا قط، لكن هذا يلزم أن يقال مع تقصيرهم، وإلا فإن الذي يقول الشهادتين يؤمن، ويموت فجأة، لا يدخل النار؛ لأنه لم يتمكن من العمل بعذر، وليس أنه لم يعمل وهو قادر على العمل، قال الشيخ -رحمه الله- أيضاً: "وإما أن يكون هذا الحديث مقيدًا بمثل الأحاديث الدالة على أن بعض الأعمال الصالحة تركها كفر كالصلاة -مثلاً-، فإن من لم يصلّ -يعني بالكلية- فهو كافر، ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة، وهو خالد مخلد في النار أبد الآبدين -والعياذ بالله-".
فالمهم أن هذا الحديث إما أن يكون في قوم آمنوا ولم يتمكنوا من العمل فماتوا فور إيمانهم، فما عملوا خيرًا قط، وإما أن يكون هذا عامًا، ولكنه يستثنى منه ما دلت النصوص الشرعية على أنه لا بدّ أن يعمل، كالصلاة.
ثالثًا: من الأقوال التي قالها بعض أهل السنة في هذه اللفظة: أنه يحمل على حالة خاصة، وأناس مخصوصين، تركوا العمل لعذر منعهم منه، لكن اقترفوا سيئات، وهذا فيه جمع بعض ما تقدم، فيقال: معنى: لم يعملوا خيرًا قط  يعني أصل الإيمان وقر في قلوبهم، يعني عندهم إيمان، ما هو أنهم كفار لا يؤمنون بالله، لكنما عملوا خيرًا قط، لعذر، لكن عملوا سيئات كثيرة، أدخلتهم النار.
فإذًا، يحمل على حالة خاصة، وقوم مخصوصين؛ لأنه في النهاية لا يمكن واحد ما في قلبه خير قط، ولا عمل أي عمل خير قط أبدًا، ويدخل الجنة، أبدًا، ما يمكن.
ولا يمكن أن تتصور أن واحد، يقول: إنه مسلم، وهو لا يصلي، ولا يصوم، ولا يزكي، ولا يحج، ولا يذكر الله أبداً، ولا يتلو القرآن، ولا قرأ ولا آية في حياته، ولم يدع، ولم يرفع كفيه لله، ولا بر، ولا وصل رحم، ولا تصدق، ولا عمل أي خير إطلاقًا، ثم تقول: هذا ممكن يخرج من النار، أي إيمان قلبه؟ لو كان في قلبه ذرة إيمان كان ظهرت بعمل، لكن الذي ما عمل خيرًا قط أبدًا، كذا  على إطلاقها مطلقًا، هذا ما هو مؤمن، ولذلك يخلد في النار.
فإذًا، هذا يحمل -مثلاً- على  لم يعملوا خيرًا قط  ناس معينين، عندهم أصل الإيمان، ما تمكنوا من العمل لعذر، لكن عندهم سيئات، فدخلوا النار، عذبوا .. عذبوا، إلى أن أخرجوا في النهاية.
نهاية من يخرج من الموحدين، هؤلاء الجهنميون، الذين يخرجهم الرحمن بقبضة من النار، هذه منَّة من الله عليهم، بقيت رحمة أرحم الرحمين، فأدركت هؤلاء، فهم آخر أهل النار خروجًا منها، ممن يخرج.
وأما المخلدون، لا يموت ولا يحيا:  وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48].
وقد ورد في بعض هؤلاء من الأمور التي لها مدلول: أن بعضهم يدعون الله في النار، وهم في النار، من بقايا الموحدين، هؤلاء الذين دخلوا النار، فقد روى الإمام مسلم عن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  يخرج من النار أربعة، فيعرضون على الله، فيلتفت أحدهم، فيقول: أي رب إذا أخرجتني منها، فلا تعدني فيها؟ فينجيه الله منها [رواه مسلم: 494].
وجاء عند ابن حبان: فيلتفت فيقول: يارب ما كان هذا رجائي فيك، فيقول: ما كان رجاؤك؟ قال: كان رجائي إذا أخرجتني منها ألا تعيديني فيها، فيرحمه الله فيدخله الجنة  وهو حديث صحيح على شرط مسلم[رواه ابن حبان: 632، وصححه الألباني في ظلال الجنة: 853، وفي التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: 631].
إذًا، الذين يدعون من المخلدين لا يستجاب دعاؤهم، لكن بعض هؤلاء العصاة البقية ينفعهم دعاؤهم، فقد ينفعهم دعاؤهم، ويكون سببًا في خروجهم، وعدم عودتهم إلى النار.
لا شك أن أسوأ الناس عذابًا الذين يدعون إلى النار، وعلى رأس هؤلاء: إبليس -لعنه الله-، وله جنود وأعوان:  أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان: 21].
ومن سار على شاكلته، كفرعون الذي هو من الدعاة إلى جهنم.
وكذلك المشركون والمشركات الذين قال الله فيهم:  أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [البقرة: 221].
والأئمة المضلون، والرؤساء المنافقون –كما ذكرنا-.
النار حفت بالشهوات، وفي ناس يدعون إلى الشهوات، وقد قال عليه الصلاة والسلام:  حجبت النار بالشهوات  [رواه البخاري: 6487].
فهي محفوفة بالشهوات والمحرمات، فمن أراد طريق النار سلك سبيل الشهوات، فلما قال:  حفت النار بالشهوات  لا بدّ  أن طريقها يمر بها، ولما قالت:  حفت الجنة بالمكاره [رواه مسلم: 7308]لا بدّ أن الطريق إلى الجنة يمر بالمكاره، وإرغام النفس، ومجاهدة النفس، على ما تكرهه، من مثل الوضوء في البرد، ومقاومة النوم لصلاة الفجر، والثبات في القتال، مع أن النفس تكره القتل، والجرح، والصبر على إخراج المال في الزكاة، والنفقة الواجبة، مع أن النفس تحب الإمساك.
قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:   لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها  الحديث .. وفيه:  فلما خلق الله النار، قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء قال: أي ربي، وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي ربي وعزتك، لقد خشيت ألا يبقى أحد إلا دخلها [رواه أبو داود: 4746، والترمذي: وأحمد: 4746، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في صحيح الجامع: 5210].
هذه الشهوات المحرمة.
أما الشهوات المباحة، فليست داخلة إلا إذا أدت إلى ترك واجبات، أو فعل محرمات.
قال الله -تعالى-: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: 59].
فاتباع الشهوات، من أسباب دخول النار.
وقد ذكر جمع من أهل التفسير: أن هذه الآية في هذه الأمة حيث سيكون آخرها متبعين للشهوات، من شر وفواحش، حتى أنهم يزنون في عرض الشوارع، وأمام الناس، قال مجاهد -رحمه الله- في هذه الآية:"يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون من الناس في الأرض"[تفسير القرآن العظيم: 5/244].
قال ابن القيم -رحمه الله-: "وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق، وظهرت حقائق الرجال -يعني في الصمود أمام الشهوات- فأكثرهم آثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي  لا تزول، ولم يحتمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد، ولا ذل ساعة لعز الأبد، ولا محنة ساعة لعافية الأبد -ما تحمل، الساعة المؤقتة دخلوا فيها- فإن الحاضر عنده شهادة، والمنتظر غيب"[زاد المعاد: 4/173].
لماذا ما تحملوا؟
لأنه يقول: هذه الشهوة أمامي، أما الحور العين ما شفناه، الحاضر عنده ثقيل في حسه، وذلك يجذبه بقوة؛ لأن الإيمان بالغيب ضعيف، يقول: ذاك في الآخرة، ما شفناه، ما عيناه، ما أحسسنا به، وهكذا قال: "فإن الحاضر عنده شهادة، والمنتظر غيب، والإيمان ضعيف، وسلطان الشهوة حاكم، فيتولد من ذلك إيثار العاجلة، ورفض الآخرة، وهذا حال النظر الواقع على ظواهر الأمور وأوائلها ومبادئها، وأما النظر الثاقب الذي يخرق حجب العاجلة، ويجاوزه إلى العواقب والغايات، فله شأن آخر"[زاد المعاد: 4/173].
ثم قال رحمه الله: "فادع نفسك إلى ما أعد الله لأوليائه، وأهل طاعته، من النعيم المقيم، والسعادة الأبدية، والفوز الأكبر، وما أعد لأهل البطالة والإضاعة، من الخزي والعقاب، والحسرات الدائمة، ثم اختر أي القسمين أليق بك، وكل يعمل على شاكلته، وكل أحد يصبو إلى ما يناسبه، وما هو الأولى به"[زاد المعاد: 4/173].
أعمال يجب تركها من أجل الوقاية من النار:
00:44:28
 وهنا يجب أن نعلم كيف يتقي الإنسان النار، وما هي أسباب النجاة منها؛ لأن الله لما أوجب علينا اتقاء النار بأمره:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6] لا بدّ أن نعرف ما هي أسباب الوقاية؟
ولما قال:  وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: 131]لا بدّ  أن نعرف ما هي أسباب الوقاية؟
قال أبو حنيفة -رحمه الله- في قوله تعالى:  وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: 131]هذه أخوف آية في القرآن؟
لماذا؟
قال: "أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين، إن لم يتقوا" [مدارك التنزيل وحقائق التأويل: 1/182].ولذلك قال:  وَاتَّقُواْ النَّارَ واتقوا يا أيها المؤمنون- اتقوا النار:  الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ يعني إذا ما اتقيتموها ستدخلوها.
ومن رحمته عز وجل: أنه بين لنا الأسباب التي تؤدي للنار، فنجتبها، والأسباب التي تحمي من النار، لكي نتخذها، لنمنع أنفسنا منها:  وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التوبة: 115].
وهذا من عدله عز وجل، بين، ووضح، وعلمنا، وأنزل في الكتاب، أرسل الرسل، ليبين، خلق النار، قال هذه الأسباب، وهذه المسالك المؤدية إليها، ولذلك أهل الجنة الذين سلكوا السبل التي تقيهم النار، يشعرون بالمنة:  وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور: 25- 27].
كنا نشفق من عذاب النار؟
ما هي الأشياء التي تجعل الإنسان المسلم من ذكر وأنثى يجتنب النار، يتجنب عذاب النار؟ كيف نتقي النار؟
نتقي النار، بأشياء نجتنبها، وأشياء نعملها.
أولاً: التي نجتنبها: الشرك بالله:  إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة: 72].
من الأعمال المحرمة: الاستهزاء بالمؤمنين، وازدراء الصالحين؛ لأنهم يوم القيامة يقال لهم في النار لما يتوسلون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون: 107] يقال لهم:  اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَاتُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [المؤمنون: 108- 110]فلما سخروا من عباده أدخلهم النار.
هذا من الأسباب التي يجب تجنبها: الازدراء والسخرية بالصالحين.
من أسباب دخول النار: عقوق الوالدين، قال عليه الصلاة والسلام: رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه  من يا رسول الله؟ قال:  من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما فدخل النار حديث صحيح[رواه البخاري في الأدب المفرد: 21، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 16، والحديث أصله في مسلم: 6675] بلفظ:  رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه  قيل: من يا رسول الله؟ قال:  من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة ].
ساق القرطبي أثرًا، فقال: إن رجلاً كان عاق لوالديه، يقال له: علقمة، فقيل له عند الموت: قل"لا إله إلا الله" فلم يقدر على ذلك، حتى جاءته أمه، فرضيت عنه، فاستطاع أن يقولها [الجامع لأحكام القرآن:4/202].
من الأعمال التي يجب اتقاؤها للنجاة من النار: الحذر من مخالفة هدي النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهدي المؤمنين، وإجماع المؤمنين؛ لأن الله -عز وجل- قال:  وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: 115].
هذه عاقبة الذي يخالف الهدي النبوي، ويخالف ما أجمع عليه المسلمون.
وكثير اليوم ممن تظهر فتاويهم في القنوات الفضائية، مخالفين لإجماع المسلمين:  وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ .
ومن الأعمال التي يجب كذلك اتقاؤها: الركون إلى الظالمين، والكفرة، وموالاة هؤلاء، قال تعالى:  وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود: 113].
وقال عز وجل:  قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد: 26].
هؤلاء المداهنين.
المداهنون هؤلاء:  قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ نمشي معكم قليلاً، نوافق على بعض ما تريدونه:  سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ  فأدى بهم ذلك إلى النار.
ممن يقي الإنسان من النار: اجتناب الشهوات، والمقصود المحرمة، كما عرفنا.
فالخمر له شهوة، والزنا له شهوة، وهكذا السرقة، أخذ المال له شهوة، بغير حق، بغير تعب.
من الأمور المهمة: حفظ الفرج والفم؛ لأنها تعين، سئل النبي -عليه الصلاة والسلام- عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال:  تقوى الله، وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، قال:  الفم والفرج [رواه الترمذي: 2004، وابن ماجه:4246وهو حديث صحيح،  حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب:  2642].
اللسان، أسهل الأعضاء حركة، فيجب ضبطه.
والشهوة، عند الهيجان، تذهب العقول أمامها، إلا من رزقه الله الثبات، وكان عنده خوف من الله، فإن الخوف من الله يطفئ الشهوة المحرمة إذا ثارت، قال عليه الصلاة والسلام:  من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة [رواه البخاري: 6474].
حماية جناب التوحيد من الشرك، والحذر من الكبائر، والإصرار على الصغائر، هذه الأشياء التي تجنب العبد النار.
أعمال يجب فعلها من أجل الوقاية من النار:
00:50:24
 وهناك أعمال صالحة، نفعلها لنتقي النار.
أولاً: تحقيق التوحيد:  فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله [رواه البخاري: 425، ومسلم:1528].
فإذًا، من قالها من طرف لسانه، بدون يقين في القلب، وإنما قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله.
 إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًا من قلبه إلا حرم على النار ما هي؟كلمة: "لا إله إلا الله" وهو حديث صحيح [انظر الحديث رواه أحمد: 447، وقال محققو المسند: "إسناده قوي"].
هذه الكلمة التي أرادها من عمه عند الموت، فلم يجبه.
فمن حقق التوحيد، وقى نفسه من النار.
ولذلك تجوب العالم شركيات كثيرة، وأشياء تقدح في التوحيد، وتخدش في التوحيد، فمن أراد النجاة فليحقق التوحيد.
مما يقي الإنسان من النار: الاستعاذة بالله منها، كما قال عز وجل: وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  [البقرة: 201].
ما هو دعاء المؤمنين؟
 الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 16].
فيتوسلون إلى ربهم بإيمانهم ليغفر ذنوبهم، وينجيهم من عذاب السعير.
 رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 191].
 وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان: 65].
النبي -عليه الصلاة والسلام- في دعائه:  اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمغرم والمأثم، اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وفتنة النار، وفتنة القبر [رواه البخاري: 6375].
وهو عليه الصلاة والسلام كان مرة بجانب بستان لبني النجار على بغلة له، والصحابة معه، فحادت به البغلة، حتى كادت أن تلقيه، فإذا أقبر ستة، أو خمسة، أو أربعة، فقال عليه الصلاة:  من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟  فقال رجل: أنا، قال:  فمتى مات هؤلاء؟  قال: ماتوا في الإشراك، فقال:  إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه  ثم أقبل علينا بوجهه، فقال:  تعوذوا بالله من عذاب النار قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار الحديث [رواه مسلم: 7392].
وجاء أيضاً: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل:  كيف تقول في الصلاة  قال: أتشهد، وأقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ -يعني الأدعية الكثيرة التي تعرفانها أنتما- أنا لا أعرفها- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  حولها ندندن [رواه أبو داود:792، وابن ماجه:910، وأحمد:15939، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في صحيح أبي داود: 757].
وقد تقدم في الحديث الصحيح: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:  ما من مسلم يسأل الله الجنة ثلاثًا إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاثًا، قالت النار: اللهم أجره من النار [رواه الترمذي: 2572، والنسائي: 5521، وابن ماجه:4340، وأحمد: 12607، وصححه الألباني كما في صحيح الترغيب والترهيب: 3654].
وفي رواية:  ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار: يا رب إن عبدك فلان استجار مني فأجره  الحديث وهو صحيح[رواه أبو يعلى: 6192، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب:3653].
قال أبو مسلم الخولاني -رحمه الله-: "ما عرضت لي دعوة إلا ذكرت جهنم، فصرفتها إلى الاستعاذة منها".
وعن مجاهد قال: يؤمر بالعبد إلى النار يوم القيامة فتزوي، فيقول: ما شأنك؟ فتقول: إنه قد كان يستجير مني، فيقول: خلوا سبيله".
وقال عطاء الخرساني: من استجار بالله من جهنم سبع مرات، قالت جهنم: لا حاجة لي فيك"[التخويف من النار، ص: 65].
مواطن الاستعاذة من النار:
00:54:24
 ما هي المواضع التي يسن ويشرع فيها الاستعاذة من النار؟
-طبعًا- في كل وقت وحين، لكن هل ورد أشياء مؤكدة، أوضاع، أحوال، أوقات، مؤكدة؟
نعم.
أولاً: عند الفراغ من مناسك الحج:  فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ * وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 200- 201].
ثانيا: بين الركنين، كما قال عبد الله بن السائب الصحابي سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الركنين يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار [رواه أبو داود: 1894، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في صحيح أبي داود: 1653].
ثالثا: في نهاية التشهد وقبل السلام، قال عليه الصلاة والسلام: إذا تشهد أحدكم، فيلستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم [الحديث رواه مسلم: 1352].
رابعا: بعد الانتهاء من الصلاة، وفي مجالس الذكر، فقد روى البراء بن عازب قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول:  رب قنى عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك [رواه مسلم: 1676].
وجاء في البخاري: حديث الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر، فيسألهم ربهم عن هؤلاء في حلقة الذكر، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون من النار، قال: يقول وهل رأوها؟ قال: يقولون لا والله ما رأوها، قال: يقول فكيف لو رأوها؟ قال يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة، قال: فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم  [رواه البخاري: 6408].
خامسا: عند قراءة القرآن، وآيات العذاب، فقد جاء في صحيح مسلم عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة، فافتتح البقرة"إلى أن قال: "يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع" [رواه مسلم:1850].
سادسا: عند النوم، قال حذيفة -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن ينام، وضع يده تحت رأسه، ثم قال: اللهم قني عذابك يوم تجمع عبادك أو تبعث عبادك [رواه الترمذي: 3398، وقال: "حسن صحيح" وصححه الألباني في صحيح الترمذي: 2705].
من الأعمال التي أيضاً يقوم بها المسلم لتنجيه من النار: الثبات على الدين:  ثلاث من كن فيه حرم على النار، وحرمت النار عليه: إيمان بالله، وحب في الله، وأن يلقى في النار فيحرق، أحب إليه من أن يرجع في الكفر [رواه أحمد: 12143، وأبو يعلي: 4282، وإسناده حسن].
كذلك: المحافظة على الصلوات الخمس، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها يراها حقا لله عليه حرم على النار [رواه أحمد: 18372، وهو حديث حسن لغيره].
ومر معنا: أن الله -سبحانه وتعالى- حرم على النار أن تأكل من ابن آدم آثار السجود[انظر الحديث في البخاري: 6573].
من الأسباب الواقية:  من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا [رواه البخاري: 2840، ومسلم: 2769مرفوعًا].
  في سبيل الله  هل هو في الجهاد أو في طاعة الله؟
كلاهما قولان للعلماء.
الصيام، هذا عظيم، قال عليه الصلاة والسلام:  من صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض [رواه الترمذي: 1624، وهو حديث صحيح، قال الألباني: "حسن صحيح" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 991].
أيضاً: الجهاد، قال عليه الصلاة والسلام:  من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار [رواه البخاري: 907].
أيضاً: الحراسة في سبيل الله، والبكاء من خشية الله:  عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله [رواه الترمذي: 1639، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب:  1229].
أيضاً: الصدقة، ولو بالقليل، والكلمة الطيبة:   فاتقوا النار ولو بشق تمرة متفق عليه[رواه البخاري: 7512، ومسلم: 2395].
وفي رواية: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة  متفق عليه[رواه البخاري: 6023،ومسلم: 2396].
وأيضاً: المحافظة على النوافل بعد الفرائض، وسنة الظهر القبيلة والبعدية، قال عليه الصلاة والسلام: من صلى أربعًا قبل الظهر، وأربعًا بعدها، حرم الله لحمه على النار [رواه أحمد: 26807، والنسائي: 1812، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي: 1812].
الرقة واللين والسهولة في التعامل مع عباد الله، قال عليه الصلاة والسلام:  ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هين سهل [رواه الترمذي: 2488، وأبو يعلى: 5053، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1744].
وقد قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم:  ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر [رواه البخاري: 4918، ومسلم:7368].
خوف السلف من النار:
00:59:42
 ثناء الله على الخائفين من الله:
00:00:00
00:59:42
 أثنى الله على الذين يخشون عقابه: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك: 12] هؤلاء يرجون رحمته، ويخافون عذابه.
هؤلاء: الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ [المؤمنون: 57].
هؤلاء الذين كانوا قبل في أهلهم مشفقين.
قال إبراهيم التيمي -رحمه الله-: "ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار"؛ لأن أهل الجنة، قالوا:  الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: 34]. [حلية الأولياء: 4/215، والتخويف من النار، لابن رجب، ص: 26].
لكن الحزن مم؟
اضطراب السلف وتغير أحوالهم عند رؤية النار:
01:00:23
 الخوف والإشفاق والبكاء من خشية الله ومن عذابه، قال عبد الله بن الرومي: "بلغني أن عثمان -رضي الله عنه- قال: لو أني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير"[حلية الأولياء: 1/60].
وقال سعد بن الأخرم: "كنت أمشي مع ابن مسعود، فمر بالحدادين، وقد أخرجوا حديدًا من النار، فقام ينظر إليه، ويبكي".
وعن ابن أبي الذباب: أن طلحة وزيدًا مرا بكير حداد، فوقفا ينظران إليه يبكيان".
وقال مطر الوراق: "كان جمعة، وهرم بن حيان إذا أصبحا غديا فمرا بأكورة الحدادين، فنظرا إلى الحديد كيف ينفخ، فيقفان ويبكيان، ويستجيران من النار" [التخويف من النار، ص: 42].
وكان كثير من الصالحين يذكر النار، وأنواع عذابها، برؤية ما يشبه به في الدنيا، كرؤية البحر، وأمواجه، والرؤوس المشوية، يعني حتى الطعام، إذا أخرج من الفرن، وبكاء الأطفال، يتذكر بكاء أهل النار، والحر والبرد، ليس لأن الأطفال من أهل النار، لكن لأن بكاء الأطفال ذكره.
بعضهم كان يذكر النار عند الطعام والشراب، يذكر طعام أهل النار وشراب أهل النار، عن العلاء بن محمد قال: "دخلت على عطاء السلمي، فرأيته مغشيًا عليه، فقلت لامرأته: ما شأنه؟ قالت: سجرت جارة لنا التنور" -في فرن عند الجيران، وضعت فيه حطب، أوقدته- "فلما نظر إليه غشي عليه" [التخويف من النار، ص: 42].
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: وقد يشاهد كثير من المؤمنين، من جلال الله وعظمته، وجماله، أمورًا عظيمة تصادف قلوبًا رقيقة، فتحدث غشيًا وإغماء، ومنها ما يوجب الموت ... وإن كان الكاملون منهم لا يعتريهم هذا" [مجموع الفتاوى: 11/75] لكن يعتري بعض من ضعف محل القلب عنده،والوارد قوي، فيسقط.
هذا جواب من قال: ولماذا لم يقع للصحابة مثل هذا الغشي والإغماء؟
فيقال: وقع، بكوا طويلاً، وغشي على بعضهم، لكن قد لا يكون قد نقل عن أحد منهم أنه مات، بينما نقل ذلك عن بعض التابعين، وغيرهم، أنه ورد عليه شيء من عذاب الله فوقع، مات.
فلماذا؟
لأن قوة القلب عند الصحابة لما ورد عليها الوارد القوي، كما ورد على عمر مثلاً في الآيات، في الصلاة، ونحو ذلك، قلبه كان قويًا، فتحمل الوارد القوي، فكان بكاءً، أو دموعًا، أو غشيًا، لكن إذا ورد الوارد القوي على قلب أضعف، قد يموت.
وهذا -طبعًا- حسن خاتمة، على أية حال، لو مات، من خشية الله، لكن الشاهد كيف كان حالهم في المقارنة مع حالنا، وربما لا تكاد دمعة تذرف من العين.
عدم نوم السف عند تذكر النار:
01:03:30
 لقد أطار الخوف من الله النوم من جفونهم،كان طاووس يفترش فراشه، ثم يضطجع عليه، فيتقلى كما تقلى الحبة على المقلى، ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة، حتى الصباح، ويقول: "طير ذكر جهنم نوم العابدين".
وقال الحر بن حصين الفزاري: رأيت شيخا من بني فزارة، أمر له خالد بن عبد الله بمائة ألف، فأبى أن يقبلها، فقال: أذهب ذكر جهنم حلاوة الدنيا من قلبي، وكان يقول إذا قام من النوم يذكر الناس ليوقظوهم لصلاة الفجر: النار النار، النار النار" [التخويف من النار، ص: 44].
إذا ما الليل أظلم كابدوه *** فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا *** وأهل النوم في الدنيا هجوع

[التخويف من النار، ص: 44].
ولذلك كان الفراش، والزاد من الدنيا قليل، قال ابن المبارك:
وما فرشهم إلا أيامن أزرهم *** وما وسدهم إلا ملاء وأذرع
وما ليلهم فيهن إلا تخوف *** وما نومهم إلا عشاش مروع
وألوانهم صفر كأن وجوههم *** عليا جساد هي بالورس مشبع
نواحل قد أزرى بها الجهد والسرى *** إلى الله في الظلماء والناس هجع
ويبكون أحيانا كأن عجيجهم *** إذا نوم الناس الحنين المرجع
ومجلس ذكر فيهم قد شهدته *** وأعينهم من رهبة الله تدمع

كان عباد بن زياد التيمي له إخوة متعبدون، فجاء الطاعون فاخترمهم، فقال يرثاهم:
فتية يعرف التخشع فيهم *** كلهم أحكم القرآن غلاما
قد برى جلده التهجد حتى *** عاد جلدا مصفرا وعظاما
تتحافى عن الفراش من الخو *** فإذا الجاهلون باتوا نياما
بأنين وعبرة ونحيب *** ويظلون بالنهار صياما

[التخويف من النار، ص: 44].
عدم ضحك السلف عند تذكر النار:
01:05:45
 ومن السلف من منعه خوف النار من الضحك، قال الحجاج لسعيد بن جبير: بلغني أنك لم تضحك؟ قال: كيف أضحك وجهنم قد سعرت؟ والأغلال قد نصبت؟ والزبانية قد أعدت؟
وقال عثمان بن عبد الحميد: وقع في جيران غزوان حريق، فذهب يطفئه، فوقع شرارة على إصبع من أصابعه، فقال: ألا أراني قد أوجعتني نار الدنيا، والله لا يراني ضاحكًا، حتى  أعرف أينجيني من نار جهنم، أم لا؟[التخويف من النار، ص: 47].
ومرض بعضهم، وسقط خوفًا من النار، فعطاء صار صاحب فراش سنين، ما به علة معروفة.
وكانوا يرون أن بدأ مرض عمر بن عبد العزيز الذي مات فبه كان من الخوف[انظر: التخويف من النار،ص: 48].
قال الحسن البصري: "إن لله -عز وجل- عبادًا كمن رأى أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قلوبهم محزونة، شرورهم مأمونة، حوائجهم خفيفة، أنفسهم عفيفة، صبروا أيامًا قصارًا، تعقبها راحة طويلة، أما الليل فمصافة أقدامهم، تسيل دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم: ربنا ربنا، وأما النهار، فحلماء علماء، بررة أتقياء، كأنهم القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ولقد خالطت القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم، قد براهم الخوف فهم أمثال القداح، ينظر إليهم الناظر، فيقول: مرضى، وما بهم من مرض، وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم[التبصرة، لابن الجوزى: 1/172].
وروي من غير وجه: أن علي بن الفضيل بن عياض -رحمه الله- مات من سماع آية:  وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: 27].
سأل ابن خزيمة يونس بن عبد الأعلى عن سبب موت ابن وهب، قال: قرأ عبد الله كتاب الأهوال، فمر في صفة النار، فشهق فأغشي عليه، فحمل إلى منزله، فعاش أيامًا، ثم مات[التخويف من النار، ص: 48].
تقطع قلوب السلف من طول الخلودين في الجنة أو النار:
01:08:10
 قطع قلوب الخائفين طول الخلودين في الجنة أو النار، قطع قلوب العارفين ذكر الخلودين في الجنة والنار، خطب أبو موسى الأشعري الناس بالبصرة، فذكر في خطبته النار، فبكى، حتى سقطت دموعه على المنبر، وبكى الناس يومئذ بكاء شديدًا.
ونظر عمر بن عبد العزيز إلى رجل عنده متغير اللون، فقال: ما الذي أرى بك؟ قال: أسقام وأمراض يا أمير المؤمنين، إن شاء الله؟فأعاد عليه عمر، فأعاد عليه الرجل مثل ذلك، ثلاثًا، فقال: إذا أبيت إلا أن أخبرك: فإني ذقت حلاوة الدنيا، فصغر في عيني زهرتها وملاعبها، واستوى عندي حجارتها وذهبها، ورأيت كأن الناس يساقون إلى الجنة، وأنا أساق إلى النار، فأسهرت لذلك ليلي، وأظمأت له نهاري، وكل ذلك صغير حقير  في جانب عفو الله، وثواب الله -عز وجل-، وجنب عقابه[التخويف من النار، ص:51].
كان عمر بن عبد العزيز وأصحابه يتحدثون، قالوا: مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت مفكرًا في أهل الجنة، كيف يتزاورون فيها، وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها، ثم بكى.
قال مغيث بن الأسود: زوروا القبور كل يوم بفكركم، تفكروا في جوامع الخير كل يوم بعقولكم، وشاهدوا الموقف كل يوم بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف -يعني من أرض المحشر الناس ينصرفون- بالفريقين إلى الجنة والنار بهممكم، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامها وأطباقها[التخويف من النار، ص:51].
وقال صالح المري: "للبكاء دواعي؛ الفكر في الذنوب، فإن أجابت على ذلك القلوب، وإلا نقلت إلى الموقف وتلك الشدائد والأهوال، فإن أجابت إلى ذلك -يعني نفسك وارعوت وذلت لله- وإلا فاعرض عليها التقلب بين أطباق النيران".
وقال سعيد الجرمي: "والله ما صدق عبد بالنار قط إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وإن المنافق لو كانت النار خلف ظهره، لم يصدق بها حتى يهجم عليها- يعني مهما وعظ، ومهما ذكر، لا يذكر-.
قال ابن عيينة، قال إبراهيم التيمي: "مثلت نفسي في الجنة: آكل من ثمارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار: آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا، فأعمل صالحًا، قال: فأنتِ في الأمنية، لا زلت في الدنيا، فاعملي"[التخويف من النار، ص: 51].
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرزقنا الجنة بمنه، وأن يعافينا من النار بفضله سبحانه، ونسأله عز وجل أن يجعلنا من الأبرار، وأن يدخلنا برحمته في القوم الصالحين، وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.