الاثنين 13 صفر 1440 هـ :: 22 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

كيف نضبط انفعالاتنا


عناصر المادة
الانفعالات من طبيعة النفس البشرية:
التعامل مع النفس وفق الكتاب والسنة:
أنواع الشخصيات:
تهذيب الشريعة للمشاعر والعواطف:
موقف الإسلام من الغضب:
الإجراءات الشرعية لعلاج الغضب:
بعض الآثار السليبة للغضب:
حالات يشرع فيها الغضب:
مواقف غضب فيها الصحابة:
التصبر والتحلّم:
موقف المسلم من الأحداث المأسوية التي حلت بالمسلمين:
كيف واجه النبي -صلى الله عليه وسلم- أذى الكفار في مكة:
وسائل ضبط الانفعالات في هذه المرحلة الحرجة:
الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وصلى الله وسلم على رسول الله الذي علمنا فأحسن تعليمنا وبعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق وصالحها.
أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فعنوان درسنا: "كيف نضبط انفعالاتنا".
الانفعالات من طبيعة النفس البشرية:
00:00:52
 وهذا الموضوع موضوع مهم نظراً لأن الإنسان المسلم الذي يعيش في هذه الحياة يتعرض لكثير من الأمور التي تسبب انفعاله، ولا بد له أن يعلم كيف يكون الانفعال في مرضاة الله -سبحانه وتعالى-.
والله -عز وجل- قد خلق النفس، وخلق فيها انفعالات.
فالنفس تحب وتبغض، وترضى وتسخط، وتغضب وتهدأ، وتحزن وتفرح، إلى آخر ذلك من أنواع الانفعالات التي تعتمل داخل هذه النفس.
هذه النفس البشرية المعقدة شديدة التعقيد التي لم ينته العلماء، علماء الطب وعلماء النفس من دراسة آثار الانفعالات في هذه النفس حتى اليوم.
ولا زالوا يخرجون بنتائج جديدة وأبحاث متعددة في مجال هذه النفس.
هذا المجال الواسع الرحب وليس يعلم ما في هذه النفس إلا الذي خلقها، ولا يعلم حدودها وما يصلحها إلا الذي فطرها رب العالمين.
التعامل مع النفس وفق الكتاب والسنة:
00:02:40
 ولذلك -أيها الإخوة- ينبغي أن نرجع في تعاملنا مع أنفسنا إلى القرآن والسنة، فإنه مهما أتى البشر بنظريات ونتائج وأبحاث وتجارب فلا يمكن أن يأتوا بمثل ما جاء في هذا القرآن وهذه السنة المطهرة.
والله -سبحانه وتعالى- خلق آدم من قبضة من جميع الأرض: خلق آدم من قبضة من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر ذلك، فكان منهم السهل والحزن  [رواه أبو داود: 4693، والنسائي: 2955، وأحمد: 19582، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 100، والصحيحة: 1630] يعني الناس الذين تتميز أنفسهم بالسهولة والسلاسة، والناس الذين تتميز أنفسهم بالشدة والصلابة، بحسب التربة التي خلقوا منها، فناس أخذوا من تربة من أرض سهلة منبسطة، فجاءت أنفسهم مثل التربة التي خلقوا منها، وناس كان خلقهم من تربة من آدم المكون من قبضة من جميع التربة فجاء أولاد آدم على قدر هذه القبضة التي خلق الله آدم منها.
فمن الناس من يكون في صلابتهم وشدتهم مثل صلابة الصخر وشدة الجبال، ووعورة مسالكها، كذلك وعورة أنفسهم.
ولأن الأرض وتربة الأرض فيها الأبيض والأسود، والأحمر والأصفر، فهي مختلفة الألوان، هذه التربة، فمنها تربة سوداء، ومنها تربة صفراء، ومنها تربة بيضاء، فجاء بنو آدم على قدر ذلك، فكان منهم الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وهكذا...
 إن الله خلق آدم من قبضة جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر ذلك .
فتأمل ما أخبر به عليه الصلاة والسلام ثم تأمل في الواقع، فستجد انطباق ما أخبر به على الواقع انطباقاً تاماً.
أنواع الشخصيات:
00:05:08
 ونفوس العباد إذاً ليست سواء، وما يعتلج في هذه النفوس ليس أمراً واحداً بل هو عدة أمور، ولذلك فشخصيات الناس أنواع، منها شخصيات تتميز بالهدوء والرزانة، شخصيات تتميز بالحكمة، شخصيات تتميز بالضعف، شخصيات تتميز بالقوة، شخصيات تتميز بانضباط النفس، شخصيات تتميز بالعصبية، شخصيات تتميز بالعاطفية، وشخصيات تتميز بالغضب، وشخصيات تتميز بالهدوء، وهكذا من أنواع الخطوط المتقابلة الموجودة في النفس البشرية.
ولذلك نجد من الناس من هو عصبي لا يستقر على حال فهو في قلق وتغير دائم.
ومن الناس من يكون غضوباً ينفجر دون أدنى مقدمة.
ومن الناس من يكون عاطفياً تغيظه أتفه المضايقات، ويتملكه اليأس أمام أيسر العراقيل.
ومن الناس من يكون ولوعاً إذا تعلق بفكرة تحمس لها جداً وتعصب لها، وتصدى لتسفيه كل مخالف لهذه الفكرة أنى كان ذلك.
ومن الناس من تسيطر عليهم المفاجآت فلا يستطيعون أن يتحركوا ولا أن يتصرفوا، فيتسمرون وتقعد بهم أنفسهم الضعيفة عن مواجهة الواقع وعن السعي في التحكم في الأمور فتفقده المفاجأة السيطرة على نفسه.
ومن الناس من يتبدل مزاجهم فجأة فتكون جالساً معه فتخطر بباله فكرة ثم تبدأ تتفاعل مع نفسه وتتحرك، ثم يظهر عليه أنواع من الانفعالات مع هذه الفكرة، ويستغرب الجالس لهذا التغير المفاجئ الذي حدث في الشخص مع أنه لم يقع في المجلس أي حادث يذكر إلا الفكرة التي طرأت في ذهن ذلك الشخص العاطفي.
ومن الناس من ينجر بسهولة مع أفكاره ومع أحداث الساعة فينتقل فوراً إلى العمل بسبب ما حصل له من الهياج دون أدنى تفكير، فتكون أفعاله ردّات فعل لما يحدث في الواقع.
ومن الناس من يكون رابط الجأش فيتلقى الصدمات ويدرس الوضع قبل أن يتخذ قراراً عملياً ويفكر قبل التنفيذ.
ومن الناس من لا يستطيع كتمان الأخبار ولا حفظ الأسرار فهو في قلق فيسهل استخراجها منه، مثل الناس الذين يتميزون بالعاطفية الشديدة.
وبعض الناس عندهم أمزجة عصبية متقلبة، وقد يحب إنساناً فيفرط في حبه ثم يتنكر له لسبب بسيط فيفرط في بغضه إلى أبعد الدرجات.
ومنهم من يكون عنده نتيجة اضطراب في نفسه غلو في الوصف، فإذا عمل مغامرة عادية أخرجها لك على أنها المعركة الفاصلة.
ومنهم من يعيش مع انفعالاته فهي التي تنشطه وتحفزه فإذا لم ينفعل ولم يستثر فإنه بارد لا حراك فيه.
ومنهم من يستسلم للنزوات والإسراف في الأشياء.
ضابط الانفعالات الإيجابية والسلبية:
وهل الصحيح أن يكون الإنسان منفعلاً أو لا يكون منفعلاً؟
الصحيح أن يكون منفعلاً؛ لأن الشخص الذي لا ينفعل أبداً ولا تهزه الحوادث إما أن يكون مجنونا ًلا يعي حوله، أو أنه مدمن مخدرات مثلاً فهو مصاب بتغليف لذهنه ومخه وقلبه فلا يحس بشيء.
ولكن المهم الآن أن نعرف متى تكون الانفعالية إيجابية؟ ومتى تكون الانفعالية سلبية؟؛ لأننا إذا قلنا أن الإنسان الصحيح، الإنسان السوي لا بد أن يتفاعل مع الواقع، لا بد أن يتفاعل مع الأحدث، لا بد أن يكون للأحداث تأثير عليه، فإذا كان هذا الأثر موافق للشريعة فهذا هو الانفعال الإيجابي المطلوب، وإذا كان الانفعال مضاداً للشريعة ومخالف لها فهذا هو الانفعال المذموم.
وليس المقصود من وراء هذه المحاضرة أن نتوصل إلى نموذج نقول من خلاله إن المطلوب منا ألا ننفعل على الإطلاق وألا تتحرك فينا أدنى عاطفة ولا أدنى شعور ولا أي غريزة ولا دافع لعمل أي شيء، ليس هذا أبداً هو المقصود من وراء عرض هذا الدرس.
تهذيب الشريعة للمشاعر والعواطف:
00:10:55
 ولكن -أيها الإخوة- لا بد أن نعلم أن دين الإسلام قد جاء بتهذيب النفس، وتربية النفس، وتهذيب المشاعر وتنقيتها، وتنحية العناصر المذمومة في النفوس، والتأكيد على استجلاب وجذب وتركيز وتأسيس العناصر الجيدة المفتقدة أو المفتقر إليها.
وقد جاءت هذه الشريعة أيضاً بقواعد وضوابط للمشاعر والعواطف، فلنذكر على سبيل المثال، وهذا موضوع طويل جداً، وهو: ما هي الضوابط والقواعد التي جاءت بها الشريعة لتهذيب ومواجهة انفعالات النفس البشرية؟
هذا شيء كبير جداً، ولذلك لن نستطيع في هذه المحاضرة أن نغطيه أبداً، وإنما سنركز على قضايا معينة نقتصر في الكلام عليها، ثم نتجه للكلام عن علاقة هذا الموضوع بالواقع المرير الذي يعاني منه المسلمون في هذا العصر وفي هذا الزمان.
خذ على سبيل المثال: كتم السر، بعض النفوس التي لا تستطيع أن تكتم السر.
لقد جاء في الشريعة أوامر معينة وتوجيهات إرشادية في مسألة كتم السر، وأخبر عليه الصلاة والسلام: أن المجالس بالأمانة، وأن الرجل إذا حدث بالحديث ثم التفت فهي أمانة، وأن كتم السر هذا من الإيمان، ومن حسن العهد، ومن حقوق الأخوة الإسلامية على سبيل المثال إذا لم يحدث في كتمه ضرر على الإسلام والمسلمين.
وإنك لتدهش وتتعجب من يوسف -عليه السلام- لما قال له إخوته وهم لا يدرون من هو لما صار هو الحاكم في مصر على خزائن الأرض أراد أن يبقي أخاه عنده لما جاءه إخوته بأخيهم، فعمل حيلة: فجعل السقاية في رحل أخيه، وجعل صاع الملك في رحل أخيه: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ   [يوسف: 70]،  قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ  [يوسف: 71 - 72].
المهم: نفوا أن يكونوا سرّاق، قالوا: فتشوا رحالنا؟ فتشوا رحالهم، قبل أن يفتشوا الرحال: قال ما جزاؤه؟  قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ  [يوسف: 75] يؤخذ عبداً على شريعة يعقوب -عليه السلام- أن السارق يؤخذ عبداً عند المسروق منه كما قيل.
المهم: لما وجد الصواع في رحل بنيامين -إن صح اسمه- وهو أخو يوسف الأصغر، قال إخوة يوسف: إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ  [يوسف: 77].
لقد كان هذا الاستفزاز غير المقصود طبعاً ليوسف كافياً لأن يعرب عن نفسه، ويقول: من تتهمون؟ أتعرفون من تتهمون؟ وعمن تتكلمون؟ إنه أنا.
وكان يمكن أن يقول لهم أشياء كثيرة جداً، لكنه كتم هذا الأمر، أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، لم يأتِ بعد الوقت المناسب لتوضيح القضية، ولم يأتِ بعد الوقت المناسب للكشف عن الحقائق.
وإذا جئت مثلاً للأشخاص الانفعاليين الذين يحبون شخصاً فيصعدون به إلى السماء ثم قد يبغضونه بعد ذلك فينزلون به إلى أسفل سافلين لوجدت في حديثه عليه الصلاة والسلام: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما [رواه الترمذي: 1997، وقال الألباني: "حسن لغيره موقوفاً وقد صح مرفوعاً" كما في صحيح الأدب المفرد: 997] لعرفت -أيها المسلم- من هذا الحديث الصحيح قاعدة إسلامية جليلة في الاقتصاد في المحبة وعدم الإسراف في المشاعر؛ لأنك لا تدري عن تقلبات الزمان.
وقد يصبح هذا الشخص يوماً من الأيام، قد يصبح العدو صديقاً لك، وقد يصبح الصديق عدواً لك، طبعاً بحسب الأطر الشرعية.
فإذاً، ينبغي الاقتصاد، وهذا درس في الاقتصاد في المشاعر.
موقف الإسلام من الغضب:
00:15:58
 مثال واضح جداً يبين لنا موقف الإسلام من أحد الانفعالات التي تكون في النفس البشرية، ألا وهو: انفعال الغضب، لنبين من خلال هذا الشعور والانفعال الذي يحدث في النفي ما موقف الإسلام من هذه الانفعالات؟، وكيف يندفع المسلم لضبط انفعاله هذا بضابط الشرع؟.
الغضب انفعال يحدث في النفس لا شك في ذلك، فكيف كان علاج الشريعة لهذا الانفعال؟
نأخذه مثالاً نركز عليه لنبين أن في الشريعة علاجات كافية لهذه المشاعر.
هل الغضب مذموم دائماً أو لا؟
إن المتتبع لسيرته عليه الصلاة والسلام يجد أنه صلى الله عليه وسلم كان حليماً، وكان متزناً، ولكنه في بعض الأحيان يغضب غضباً شديداً صلى الله عليه وسلم.
فهلا نتعرف على الغضب في الإسلام وكيف يواجه؟
لا شك أن الغضب في الجملة خلق مذموم، ولا شك أن هذا الغضب له أضرار كثيرة، وعواقب وخيمة، ومن أجل ذلك جاءت الشريعة بعلاجات لهذا الغضب.
وعلى هؤلاء الناس أصحاب الطبيعة الغضبية الذين يستفزهم الشيطان أن يتأملوا جيداً في علاج الشريعة لهذا الانفعال الحادث في النفس، ويتعلموا كيف يضبطون انفعالهم هذا، وهو انفعال الغضب.
الإجراءات الشرعية لعلاج الغضب:
00:18:15
 فمن الإجراءات الإسلامية التي جاءت لعلاج الغضب:
أولاً: تنفيذ وصيته صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة: أن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أوصني؟ قال:  لا تغضب  ردد ذلك مراراً [رواه البخاري: 6116] كل يقول عليه الصلاة والسلام: لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب ، وهكذا..
وفي رواية لأحمد قال: قال الرجل: ففكرت حين قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله" [رواه أحمد: 23171، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح"].
فإذا أردت أن تهذب نفسك من الغضب فعليك بتنفيذ وصيته عليه الصلاة والسلام.
ثانياً: أن تعلم الحافز لترك الغضب، وهذا الحافز قد يكون ميزة دنيوية بينها عليه الصلاة والسلام في حال الرجال الأفاضل، أو ميزة وثواب أخروي يكون لمن ملك نفسه عند الغضب، فمثلاً: عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوم يصطرعون، فقال:  ما هذا؟  قالوا: فلان ما يصارع أحدا ًإلا صرعه، قال عليه الصلاة والسلام:  أفلا أدلكم على من هو أشد منه؟ رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه  [رواه البزار في البحر الزخار: 727، والطبراني في مكارم الأخلاق: 52، وهو في السلسلة الصحيحة للألباني: 3295].
فهذا الرجل لما استفزه رجل بكلمة فأغضبه صار حليماً، فأمسك زمام نفسه فكظم غيظه، فغلب الرجل الآخر بحلمه وغلب شيطانه هو حتى لا يدفعه إلى عمل شيء ما من الرد، وغلب شيطان صاحبه، فهو قد تغلب على نفسه وعلى شيطانه وعلى صاحبه وعلى شيطان صاحبه.
قال الحافظ ابن حجر: "رواه البزّار بسند حسن" [فتح الباري: 10/519].
وهذا أصله في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام:  ليس الشديد بالصرعة  يعني الذي صرع غلب  إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب   [رواه البخاري: 6114، ومسلم: 2609].
إنما الشديد فعلاً الذي يملك نفسه عند الغضب.
وبهذا لو قلنا: أيهما أصعب أن يغلب الرجل في المصارعة أو أن يتغلب على غضبه؟
لا شك أن التغلب على الغضب أصعب من التغلب على الرجال في المصارعة.
وفي رواية أخرى في حديث حسن قال عليه الصلاة والسلام:  الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ويمرّ وجهه ويقشعر شعره فيصرع غضبه  حديث حسن [رواه أحمد: 23115، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3859].
إذاً، هذا الانفعال الذي له آثار على النفس، الغضب الذي يحدث منه احمرار الوجه واقشعرار الشعر، هذا إذا كان صاحبه يستطيع أن يغلبه ويكبته فهو الشديد حقاً.
ثالثا: ومن العلاجات: التذكر، وقبول النصيحة، والرجوع إلى النفس، جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رجلاً استأذن على عمر -رضي الله عنه- فأذن له، فقال له: "يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل" يعني ما تعطينا العطاء الكثير "ولا تحكم بيننا بالعدل" تصور واحد جاء من الأجلاف يدخل على عمر، يقول: "أنت لا تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل" يقول لأمير المؤمنين. فغضب عمر -رضي الله عنه- حتى همّ أن يوقع به، فقال الحر بن قيس وكان من أصحاب عمر: يا أمير المؤمنين إن الله -عز وجل- قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-:  خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ  [الأعراف: 199]، وإن هذا لمن الجاهلين، وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر -رضي الله عنه- حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله -عز وجل- [رواه البخاري: 4642].
فإذاً، التذكر وقبول النصيحة، الرجوع إلى النفس، عندما يتذكر الإنسان قول الله -عز وجل-:  وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ  [الشورى: 37]، وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  [آل عمران: 134].
إن التذكر والرجوع إلى الكتاب يورث في النفس دافعاً لكتمان الغضب، وعدم الانقياد وراء التصرفات الهوجاء التي يدفع إليها الغضب.
رابعاً: ومن العلاجات أيضاً: تذكر الآخرة وما فيها.
ولا شك أن تذكر اليوم الآخر بالنسبة للمؤمنين يعني شيئاً كثيراً، كما أنه بالنسبة للفساق لا يعني إلا الشيء النادر، أو لا يعني شيئاً على الإطلاق.
بالنسبة للمؤمنين تذكر اليوم الآخر يعني أشياء كثيرة من التحميس للطاعات والامتناع عن المعاصي وضبط النفس كذلك.
إن أحد الملوك أو الخلفاء صعد على المنبر يوماً وقال: من أحق منّا بهذا الأمر فليظهر لنا قرنه؟ يتفضل، يقوم، فكان ابن عمر موجوداً، قال: فكدت أن أقول له، هممت أن أقول له: الذي أولى منك بهذا الأمر هو الذي ضربك وأباك على الإسلام؛ لأن هذا الخليفة هذا كان كافراً ثم أسلم، وكان أبوه كافراً ثم أسلم، قال ابن عمر: لكني تذكرت الآخرة. فكتم غيظه ولم يرد، والإنسان يستفز بأشياء والشيطان يقول له: رد، ويدفعه للرد، لكن الذي يكظم غيظه ويكون الرد غير مناسب شرعاً، ما الذي يضبطه ويصرفه عن الرد؟
تذكر الآخرة.
خامساً: وكذلك من علاجات الغضب: تذكر الجزاء ومعرفة الجزاء لمن يكتم غضبه، ويكظم غيظه، فقد قال صلى الله عليه وسلم لرجل:  لا تغضب ولك الجنة  [رواه الطبراني في مسند الشاميين: 21، وقال الألباني: "صحيح لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 2749].
وهذا فيه بيان أن منع الغضب يورث صاحبه الجنة، وأن الأجر -أجر منع الغضب- دخول الجنة.
وكذلك في حديث آخر حسن: من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين يزوجه منها ما شاء  [رواه أبو داود: 4777، والترمذي: 2021، وابن ماجه: 4186، وأحمد: 15637، وقال الألباني: "حسن لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 2753].
فهل إذا تأمل الإنسان الأجر في كظم الغيظ وكتم الغضب، في لحظة الغضب تذكر هذا الحديث، ماذا سيحصل؟
 من كتم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعا الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين يزوجه منها ما شاء .
فليتأمل الإنسان هل لو أنه انتصر لنفسه الآن ورد، وعافس الناس بالكلام، وربما كان بليغاً فأسكت الشخص الآخر الذي استفزه ورد عليه وأفحمه، هل يكون أجره أكبر أم لو احتفظ بهذا إلى الدار الآخرة، لكي يخيره الله من الحور العين يزوجه منها ما شاء، وحتى يملأ الله قلبه رضا يوم القيامة؟
فلا شك أن العاقل سيقول: أحتفظ لنفسي بهذا الموقف للدار الآخرة ولا أرد الآن، ولو أن هذا الشخص استفزني وليس من المصلحة أن أرد عليه.
لو من المصلحة أرد عليه رددت عليه، لو أنه من أعداء الإسلام أو رجل يثير شبهات لأسكتّه نصرة لدين الإسلام، ورفعاً للراية، لكن كثيراً من الشباب والناس في مجالسهم تحدث بينهم مناقشات ومخاصمات كلامية، وجدل عقيم، كل منهم يريد إثبات صواب نفسه، وخطأ الآخر، لا لشيء، لا نصرة لمسألة علمية، ولا لقضية في الدعوة إلى الله، وإنما أنت أخطأت، لا، أنت أخطأت، أنا ما أخطأت، وأنت الخطأ منك، لا، الخطأ منك.
وهذه القضية إذاً صارت قضية انتصار للنفس، فإذا صارت المسألة انتصاراً للنفس فليتأمل العبد إذاً بدلاً من ضياع الأوقات وازدياد الحنق والغيظ عليه في نفس أخيه، واستهلاك كل منهما لجهد الآخر ليتأمل الأجر الموجود في الدار الآخرة:  دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين يزوجه منها ما شاء  [سبق تخريجه].
إنه لأجر عظيم كبير جداً يدفع فعلاً كثيراً من الناس، وبالذات الشباب في مجالسهم إلى تجنب الخصومة والمرأة والجدل العقيم، ومحاولة إفحام أخيه المسلم، وإثبات خطأ الآخر، والانتصار لنفسه، وتبرئة نفسه، وهكذا من الأشياء التي لا يترتب في الدفاع فيها شأن يذكر.
سادساً: ومن علاجات الغضب: تبين مساوئه، ومعرفة ماذا ينتج عن الغضب من الأضرار.
ينتج عن الغضب أضرار كثيرة جداً، سواء كانت للنفس أو في الآخرين، أو على الآخرين.
فمما يحدث على الآخرين، إليك هذا المثل العجيب من صحيح الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: عن علقمة بن وائل: أن أباه -رضي الله عنه- حدثه قال: إني لقاعد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة (حبل مظفور) علقه في رقبة غريمه وجاء يجره إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله هذا قتل أخي؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمجرور: أقتلته؟   فقال صاحب الدم: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البيّنة، فقال الرجل المتهم الذي في رقبته الحبل، قال:  نعم قتلته  ، قال:  كيف قتلته؟  قال: كنت أنا وهو نختبط، يعني نضرب الشجر ليسقط ورقها ونأخذه علفاً للدواب، كنت أنا وهو نختبط من شجرة، فسبني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته، فسبني، فأغضبني، بيده فأس، أداة حادة، قاتلة، فضربته بالفأس على قرنه -يعني على جانب رأسه- فقتلته.
فنتج الغضب عن أي شيء؟
نتج عن قتله لأخيه المسلم، فقال له صلى الله عليه وسلم: هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟  لو شفعنا لك يعني، عندك دية تؤديها؟ قال: ما لي إلا كسائي وفأسي.
قال:  فترى قومك يشترونك؟  قال: أنا أهون على قومي من ذاك، فقال عليه الصلاة والسلام:  دونك صاحبك ، خذ يا ولي الدم، خذ الحبل اذهب به ليقتص منه، يعني قصاص القتل، فانطلق به الرجل فلما تولى قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  إن قتله فهو مثله ، فرجع فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك قلت "إن قتله فهو مثله" وأخذته بأمرك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك. ما تكتفي أن عليه إثم القتل الذي قتل القتيل وإثمك أنت، يعني إثمك لأنه فجعك بقتل أخيك، فصار عليه إثم الفجع، فجعك أنت، صار عليه إثمان، قال: يا نبي الله، بلى.
قال: فإن ذاك كذلك، قال: فرمى بنسعته وخلى سبيله [رواه مسلم: 1680].
فسبحان الله كيف يدفع إذاً الغضب إلى أفعال عجيبة، ومنها تصل إلى القتل، وهذا يحدث كثيراً جداً، نزغة من نزغات الشيطان.
ولذلك لا ينبغي للإنسان يشير لأخيه بحديدة، ولا يتعاطى السيف مسلولاً، ولا يغضب في أي مجلس ويكون معه فيه أي أداة من الأدوات التي قد تقتل أو تجرح، وقد يضرب بيده فيعمل أشياء عجيبة.
بعض الآثار السليبة للغضب:
00:33:04
 وبين العلماء آثار الغضب على النفس، فقالوا: من آثاره تغير اللون، وشدة الرعدة في الأطراف، وخروج الأفعال عن الترتيب، تصير أفعال هوجاء، واستحالة الخلقة، وتعاطي فعل المجانين، ولو رأى الغضبان صورته في حال غضبه وقبحها، لو التقطت له صورة أو وضعت مرآة ليرى حاله وهو غضبان لأنف لنفسه من تلك الحال، ومعلوم أن قبح الباطل أعظم.
وقد يكسر، وقد يطلق، وكثير من حالات الطلاق نتيجة الغضب التي لا رجعة فيها أحياناً، الطلقة الثالثة، أكثر حالات الطلاق الآن نتيجة غضبة يغضبها الإنسان من نزغات الشيطان، فيأتي الشيطان بالطلاق على لسانه، فيطلق، والطلاق الطلقة الثالثة: الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  [البقرة: 229] إذا كانت رجعية، مرتان رجعيتان، أما الثالثة فليست رجعية، وكثير من الذين طلقوا زوجاتهم ندموا بسبب الغضب.
فإذاً، عليهم أن يتمالكوا أنفسهم عند الغضب.
ويثور ويحمر وجهه وعيناه، ولسانه ينطلق بالشتم والفحش، ويسعى لضرب المغضوب عليه أو قتله، فإذا هرب المغضوب عليه رجع إلى نفسه فمزق ثوبه أو لطم خده وربما سقط سريعاً أو أغمي عليه، وربما كسر الآنية وضرب من ليس له جريمة.. إلخ..
هذا كلام علمائنا في كتب الأخلاق الإسلامية.
والأطباء يقولون: تجلط الدم، وارتفاع الضغط، وزيادة سرعة النبض، وزيادة إفراز العرق، وضربات القلب، ومعدل النفس، ويؤدي إلى القرحة والجلطة، إلى آخره.
فإذاً، الغضب على أية حال أضراره شنيعة جداً في النفس وفي الآخرين، فمن علاجات الغضب إذاً: أن يتأمل سلبية الغضب وما ينتج عنه.
ومن علاج الغضب: التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فعن سليمان بن صرد قال: "كنت جالساً مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ورجلان يستبان، وأحدهما قد أحمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه ما يجد ، فقالوا له: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: بي جنون؟ أمجنون أنا؟ [رواه مسلم: 6115].
فإذا كان الإنسان فيه نفاق -والعياذ بالله- أو فيه تمرد ولو ذُكر بالله ما ينفع، لا يذكر الله.
فإذاً من علاجات الغضب: التعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ولعل الحكمة في ذلك: أن الغضب من نزغات الشيطان، وأن الاستعاذة بالله من الشيطان مناسب الآن حال الغضب.
ثامنا: الدعاء: كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه:  أسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب  [رواه النسائي: 1305، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 2497]، وقال عليه الصلاة والسلام:  وثلاث منجيات: العدل في الرضا والغضب  [رواه الطبراني في الأوسط: 5452، وقال الألباني: "حسن لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 453].
فإذاً، الإنسان يسأل الله -عز وجل- في دعائه أنه يعدل ويقول الحق، كلمة الحق في الرضا وفي الغضب؛ لأن بعض الناس الغضب عندهم يدفع إلى الجور في الحكم، والاشتطاط والبعد عن قول الحق والعدل في الكلام.
تاسعاً: السكوت: قال صلى الله عليه وسلم:  إذا غضب أحدكم فليسكت  [رواه أحمد: 2135، وقال محققو المسند: "حسن لغيره"، ما يتكلم ولا كلمة، خلاص، يسكت، هو السكوت علاج كبير، وتصرف حكيم.
العاشر: إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع، فإذا كان قائماً فليجلس، وإذا كان جالساً وغضبان فليضطجع، يكون ألصق بالأرض، أنزل مستوى ممكن؛ لأنه كلما كان في الارتفاع والأعلى كان مكاناً قابلاً للتصرف والهيجان، والحركة الهوجاء.
فإذاً، يحاول أن يسعى لأن يكون في أقل وضع ممكن.
فيسكت أو يجلس أو يضطجع، إذا لزم الأمر، مع الاستعاذة بالله -عز وجل- من الشيطان كما قال صلى الله عليه وسلم:  إذا غضب رجل فقال: أعوذ بالله، سكن غضبه  [رواه...، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1376].
فهذه تقريباً عشرة أمور تتبع لمواجهة الغضب والانفعال الذي يحدث في النفس البشرية.
حالات يشرع فيها الغضب:
00:38:14
 هل المطلوب من الإنسان المسلم أن لا يغضب أبداً ولا في أي حال من الحالات؟
طرحنا هذا السؤال في بداية عرض هذا الموضوع، وإليكم هذا الجواب:
الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- عقد بابين متتالين في كتاب الأدب من صحيحه، قال في الباب الأول: "باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله -تعالى-" [صحيح البخاري: 8/27]، فقال في الباب الذي يليه: "باب الحذر من الغضب"[صحيح البخاري: 8/28].
فتبين إذاً أن هناك غضب محمود شرعاً، وهو الغضب إذا انتهكت محارم الله، الغضب لأجل دين الله -عز وجل-، الغضب إذا أريد عن أمر من أمور الدين.
كان عليه الصلاة والسلام إذا غضب احمرت وجنتاه، فقد كان عليه الصلاة والسلام يغضب، توضح عائشة -رضي الله عنها- هذا الغضب وأين يكون موقعه، فتقول في حديث مسلم: "وما انتقم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها" [رواه البخاري: 3560، ومسلم: 2327].
من أجل الله؟ نعم، من أجل النفس؟ لا.
فتبين الآن متى يكون الغضب مذموماً؟، ومتى يكون محموداً؟.
يكون مذموماً إذا كان انتصاراً للنفس، لأجل النفس، ويكون محموداً إذا كان انتصاراً لله -عز وجل-.
وهذا الغضب من أجل الله غضب محمود، قال الله -عز وجل-:  وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ  [الحـج: 30].
ومن تعظيم حرمات الله: أنك لا ترضى بالمنكر، وتغضب لو انتهكت حرمات الله أمامك، تغضب ولا بد أن تغضب.
وقد قال رجل مرة: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أمّ بالناس فليتجوز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة  متفقٌ عليه [رواه البخاري: 7159، ومسلم: 466].
مثال آخر، حدث آخر، في مناسبة أخرى، لما رأى عليه الصلاة والسلام ستراً فيه صور من ذوات الأرواح في بيت عائشة وحجرة عائشة هتكه وتلون وجهه، وقال: يا عائشة أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله  [رواه البخاري: 5954، ومسلم: 2107].
ولما كلمه أسامة في شأن المرأة المخزومية التي سرقت لكي لا تقطع قال: ((أتشفع في حد من حدود الله -تعالى-؟ ثم قام فخطب ثم قال:  إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد [رواه البخاري: 3475، ومسلم: 1688].
غضب جداً عليه الصلاة والسلام، لما جاء واحد يشفع في حد من حدود الله.
ولما رأى نخامة في قبلة المسجد حكها وشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه صلى الله عليه وسلم [رواه البخاري: 405، ومسلم: 551].
وعن زيد بن خالد الجهني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأله رجل عن اللقطة، فقال:  اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرّفها سنة، ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فادفعها إليه  ، فسأله عن الغنم، ضالة الغنم، قال: خذها فإنها لك أو لأخيك أو للذئب ، قال: فضالة الإبل؟
فغضب صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه، فقال:  مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وترعى الشجر فذرها حتى يلقاها ربها  [رواه البخاري: 91 ] يعني صاحبها، فغضب، فعنون عليه البخاري -رحمه الله-: "باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره"[صحيح البخاري: 1/29].
وروى أيضاً حديث أبي موسى قال: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أشياء كرهها، مثل متى الساعة؟ متى الساعة؟ ونحو ذلك، فلما أكثر عليه غضب ثم قال للناس:  سلوني  ما شئتم إلى آخر الحديث، فلما رأى عمر ما في وجهه عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله إنّا نتوب إلى الله -عز وجل- [رواه البخاري: 7291].
هذا حاله عليه الصلاة والسلام.
مواقف غضب فيها الصحابة:
00:42:34
 فكيف حال أصحابه؟
أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "لم يكن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منحرفين ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الأشعار في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم فإذا أريد أحدهم على شيء من دينه دارت حماليق عينيه"[مصنف ابن أبي شيبة: 5/278].
وفي رواية للبخاري في الأدب المفرد: "فإذاً أريد أحدهم على شيء من أمر الله دارت حماليق عينيه كأنه مجنون" قال الألباني: "وهذا سند حسن" [الأدب المفرد: 1/195].
فهذا يدل على أن الصحابة إذا أريد أحدهم على أمر من دين الله، إذا صارت المسألة انتهاك حرمات الله، إذا صارت المسألة الآن قضية دين فإن أحدهم لا يرضى بالباطل أبداً، إذا أريد أحدهم أن يفعل باطلاً أو على الباطل أو لأمر باطل دارت حماليق عينيه كأنه مجنون.
فلا بد إذاً من الغضب، لكن الغضب لمن؟
الغضب لله -عز وجل-.
هذه الغضبة المحمودة التي أخرجت خلفاء وأمراء جيوش إلى قتال الأعداء بسبب كلمة، يستغيث بها مسلم بإخوانه فيخرج الجيش والخليفة والمسلمون للقتال غضبة لله -تعالى-، ودفاعا ًعن دينه وحمية ونصرة لهذا الدين.
التصبر والتحلّم:
00:44:06
 ومن الأمور المهمة كذلك في معالجة الانفعالات: التصبر والتحلّم، والصبر هو الخلق الذي يكاد يكون اعتماد ضبط الانفعالات عليه، ومدار تهذيب النفس وتقييد الانفعالات على الصبر، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كأني أنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) [رواه البخاري: 3477، ومسلم: 1792].
هذا هو الخلق العام الذي ينبغي أن نؤسسه في أنفسنا لضبط الانفعالات، الصبر والتحلم.
الصبر بالتصبر، والحلم بالتحلّم.
والرسول -عليه الصلاة والسلام- لقي ما لقي، حتى خرج يعرض نفسه على عبد ياليل هذا الذي رفض أن يجير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينصره، فانطلق عليه الصلاة والسلام هائماً على وجهه من المصيبة والضغط والشدة، حتى لقي ملك الجبال قال:  إن الله أرسلني إليك إذا أردت أن أطبق عليهم الأخشبين؟  ما بين جبليها فيهلكون جميعاً، ولكنه عليه الصلاة والسلام كان حليماً صبوراً على قومه، قال: لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله  [رواه البخاري: 3231، ومسلم: 1795].
والرسول -صلى الله عليه وسلم- يضرب لنا المثل الأعلى في الصبر والحلم.
الإنسان إذا استُفزّ بأي تصرف فيه حقر لنفسه يمكن أن يتنازل ويتغاضى، أما الحق لله، لا، لا يمكن أن يتنازل ويتغاضى.
إذا كان حقاً لنفسه يتنازل به لأخ مسلم ، ولو من جاهل ، لا يتنازل لكافر ليذل نفسه، لا، لمسلم ولو من جهلة المسلمين يحلم على جاهلهم ويصفح عن مسيئهم، لو قطعوا رحمه وصلها.
انظر إلى هذا المثل في حلمه عليه الصلاة والسلام، في الحديث المعروف عن أنس -رضي الله عنه- قال: "كنت أمشي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي -صلى الله عليه وسلم- بين العنق والكتف، العاتق، وقد أثرت بها حاشية البرد، يعني من شدة الجبذ، أعرابي جلف يجيء يسحب البرد ويشده حتى أثر، احمرت المنطقة هذه من شدة الجذبة، ثم قال: يا محمد مُر لي من مال الله؟ هات فلوساً؟ مُر لي من مال الله الذي عندك، يا لله هات؟ اعطني؟ طلع؟ هذه جلافة الأعراب، يا محمد، ما هو يا رسول الله وإلا يا نبي، يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك؟ أيش رأيك في موقف مثل هذا؟ واحد يجيء من وراء ويشدك هكذا شدة ويؤثر ولا يجرح ولا يحمرّ، ثم يقول: يا فلان، وهذا ما تأدب حتى مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يا محمد مر لي من مال الذي عندك؟ يعني لازم تعطيني، هذا مال الله الذي عندك وهات؟ أعطني، فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر له بعطاء.
هو المقصود النتيجة، النتيجة الآن استمالة قلب الأعرابي، النتيجة تأليف قلبه، هذه النتيجة التي يريد عليه الصلاة والسلام الوصول إليها، فضحك ثم أمر له بعطاء متفقٌ عليه [رواه البخاري: 3149، ومسلم: 1057].
ولذلك الرسول -عليه الصلاة والسلام- شخصيته فعلاً، يعني ينبغي علينا أن ندرس شخصية الرسول -عليه الصلاة والسلام-، جوانب العظمة في شخصية النبي -عليه الصلاة والسلام-، يعني لا يمكن استيعابها ولا يمكن من عظمته صلى الله عليه وسلم أن نحيط بها إحاطة تامة، ولكن يجب علينا أن نسعى ونجتهد من أجل ذلك ما استطعنا لأجل الارتقاء بالنفس ومزيد من التربية.
وهكذا سار خلفاؤه صلى الله عليه وسلم في حلمهم على المسيء وصفحهم.
وهذا عمر بن عبد العزيز دخل المسجد ليلة في الظلمة فمر برجل نائم، فعثر به، تعثر بالنائم، فرفع النائم رأسه، قال: مجنون أنت؟ يقول للخليفة، لعمر بن عبد العزيز: أمجنون أنت؟ فقال عمر: لا، فهمّ به الحرس، فقال عمر: مه! إنما سألني أمجنون أنت؟ فقلت: لا" [الطبقات الكبرى: 5/310].
وبعد عرض هذا المثل وهو الغضب وما هو الموقف، أو ما هو الخلق المهم وهو خلق الحلم والصبر في مجابهة الانفعالات.
موقف المسلم من الأحداث المأسوية التي حلت بالمسلمين:
00:49:54
 نأتي الآن إلى الجزء الثاني من هذا الدرس وهو: ما هو موقف المسلم من الأحداث التي تعصف بالمسلمين اليوم، والتي فيها عدد كبير وهائل جداً من الاستفزازات التي تكاد تخرج الفرد المسلم عن صوابه، ويطيش به عقله، ويذهب في عدد من الأودية والمهاوي؟
وماذا نريد من المسلم، هل نريد منه أن يكون رجلاً بارداً لا يتحرك فيه انفعال أبداً، ولا يثور في نفسه شيء مطلقاً تجاه ما يحدث من قضايا العالم الإسلامي اليوم.
إن المسلمين يعانون في العالم أفراداً وجماعات من الاضطهاد والتعذيب، وقضايا الفقر، وهيمنة الأعداء، والتسلط، وأنواع الظلم، وسلب الحقوق، إنهم يعانون من الظلمة الذين يسوسونهم بغير شرع الله، وتعم مدنهم وبلدانهم المنكرات، ويراد منهم بالقوة أن ينحرفوا عن شرع الله.
وكلما رفع بعضهم رأسه جاءت ضربة لتذهب بهذه الرؤوس المرفوعة، مما يجعل المسلمين يعيشون في أجواء من الإحباط والانهيار النفسي.
وبعضهم قد يكون من النوع الانفعالي العصبي الغضبي فيثور ويغضب، ويحدث من ذلك نتائج لا تحمد عقباها.
فما هو موقف المسلم حيال ذلك؟ هل المطلوب تجاه كثرة المنكرات الشائعة وتوالي حدوث الأحداث التي يدبرها المنافقون والعلمانيون في العالم الإسلامي وغيرهم من أذناب الكفار؟ هل المطلوب برود تامّ وعدم إحساس ولا تفاعل أم أن المطلوب ثورة وهيجان ضد هذا الظلم؟
إن هذه القضية هي التي تشغل بال الحريصين والمتفقهين في الدين من المصلحين المخلصين في العالم الإسلامي اليوم.
وإن فهم هذه القضية يسهل معرفة الموقف الصحيح من المشكلات التي يواجهها المسلمون اليوم.
وإن من الخطأ الكبير أن نقول للمسلمين ولشباب المسلمين بالذات الذين هم إلى الحركة والنشاط أقرب: بردوا أنفسكم، ولا تأبهوا لما يدور حولكم، وإن الله سينصر الدين فلا تكترثوا.
كلا والله.
إن هذا الكلام هو من اللغو والباطل، وإنه ليس من الصحيح أن تستقبل متحمساً ينقل إليك منكراً من المنكرات، أو يشكو إليك ظلماً من هذه المظالم الكثيرة التي تقع بالمسلمين صباحاً ومساءً أن تقول له: برّد نفسك، واجلس في بيتك ولا تتدخل في أي شأن من الشؤون، وإنما يكون من المناسب أن يؤخذ بيده فيقال له: تعال ننظر في الوسيلة المناسبة لمواجهة هذا المنكر.
ثم تفكر معه بالوسيلة المناسبة لمواجهة هذا المنكر الذي يحدث؛ لأنك عندما تقول: برد نفسك ولا تشتغل بشيء، فإما أن يدفعه ذلك إلى الإحباط، وهذا أمر لا نريده، أو يدفعه ذلك إلى التمرد والانصراف عنك والسخرية من حكمتك التي جاءت في غير محلها مما يدفعه إلى التفكير في قضية من قضايا العنف أو استخدام القوة المذمومة في غير محلها، فتكون أنت السبب الذي أدى به إلى تلك الحال.
ولذلك -أيها الإخوة- نحن اليوم على أعتاب مرحلة جديدة ونتطلع لفجر قادم بإذن الله، وإن هذه الظلمة التي ادلهمّت واشتدت، وإن كثرة المنكرات التي حصلت والتي تستفز نفوس المؤمنين فعلاً لا بد من معرفة الموقف حيالها، وقد بينّا أنه لا بد أن ننفعل، وأن الذي لا ينفعل هو إنسان بارد لا نريده أبداً، وإن الذي لا يتحرك ضميره ولا قلبه مع مشكلات المسلمين وما يحل بهم، ومع الأوضاع المتردية هو إنسان لا يعيش هم الإسلام، ولا يصلح أن يحمل هم الإسلام، وهو بهذا القلب البارد وهذه النفس الميتة.
لكن ما هو الموقف اليوم وأنت ترى كلا الاحتمالين الخطرين: الإصابة بالإحباط والقعود، أو التدهور في مهاوي العنف واستخدام القوة المرذولة غير محمودة العواقب؟
كيف يصل شباب الإسلام إلى الحل الوسط؟ إلى الوسطية في مواجهة هذه الأمور؟ كيف يضبطون انفعالاتهم التي تحدث في أنفسهم من وراء تكرر المنكرات وكثرة حصولها وانتشارها، وكلما حدثت قصة ظهرت قصة جديدة، وكلما قام حدث لا يلبث إذ انتهى أن يقوم حدث آخر.
هكذا تتوالى الأخبار من أنحاء العالم الإسلامي في عدد من حالات الأذى والاضطهاد التي يلاقيها المسلمون من منع وقمع، وحيالة بينهم وبين القيام بشرع الله -عز وجل-، فما هي الطريقة يا ترى؟ وما هو الحل لأجل ذلك؟
إن المفتاح لمعرفة الجواب عن هذه الأمور يكمن:
أولاً: في معرفة المرحلة التي نمر بها، والتقويم الصحيح لهذا الوضع الذي نعيش فيه.
هل نحن في مكان أو وقت أو في مرحلة لا نستطيع فيها قول الشهادة على الإطلاق، أو أننا في وقت فيه عزة للإسلام تستطيع فيه أن تغير ما شئت من المنكرات كيف شئت؟
الصواب: لا هذا ولا ذاك، وإننا نعيش اليوم مرحلة من مراحل الاستضعاف ولا شك، وإن الهيمنة للكفرة ولا شك، ولكننا نوقن بأن الله ناصر دينه، ومعز أولياءه، ومظهر سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
فعلينا إذاً لضبط انفعالاتنا في مواجهة هذه الانحرافات والمنكرات، وهذا الطغيان والظلم أن نعود بأذهاننا إلى سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيف كان حاله، وحال أصحابه عندما كانوا في وضع يشابه الوضع الذي نحن فيه الآن.
من جهة غربة الدين، ووقوع الظلم عليهم كما هو واقع على كثير من المسلمين اليوم.
كيف واجه النبي -صلى الله عليه وسلم- أذى الكفار في مكة:
00:58:38
 ماذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم عندما كان يظلم وهو بمكة؟
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي، أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وضعه بين كتفيه، وثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك [رواه البخاري: 240، ومسلم: 1794].
الآن الوضع على ظهر الرسول -عليه الصلاة والسلام- في أسوأ الحالات، ضعوا على ظهره وهو ساجد عند الكعبة وهو رسول الله وأفضل الخلق -صلى الله عليه وسلم- سلا الجزور من بين الدم والفرث هذا، ثم وقفوا يتضاحكون حتى كاد بعضهم يسقط من الضحك.
ماذا يمكن للإنسان أن يفعل في مثل هذه الحالة؟
لا بد أن نسائل أنفسنا ونقوم الموقف: ماذا يمكن للإنسان أن يفعل في هذه الحالة؟
هل يأخذ أقرب سيف ويتجه إلى أقرب مشرك ويضرب رأسه بالسيف؟
لم يكن المسلمون الذي شاهدوا الحادثة بعاجزين أن يتجه واحد منهم إلى أقرب مشرك ويضربه بالسيف، أو يقطع رقبة الذي وضع سلا الجزور على رقبة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، لكنهم لم يفعلوا ذلك، فانطلق منطق إلى فاطمة، وهي جويرية صغيرة، فأقبلت تسبهم، وثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- ساجداً حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم.
إذاً، الإنكار كان من فاطمة الصغيرة بالقول، هذا الذي تستطيعه، فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة قال:  اللهم عليك بقريش  [رواه البخاري: 240، ومسلم: 1794].
فأنكرت عليهم فاطمة ودعا عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذا كل ما حصل.
تحمل الأذى صلى الله عليه وسلم، قال له أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟
[رواه البخاري: 4770] ما قال اخرس يا كذا!
الوضع لا يسمح بذلك.
جاء في بعض الأحاديث: أن أصحاب بيعة العقبة الثانية تحمسوا، ورأوا أنهم نصروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبايعوه بمكة، فتحمسوا، وأخذتهم الحمية، قالوا: إن أردت أن نغير على أهل منى غداً، لو أمرتنا الآن نغير عليهم في الليل ونعمل فيهم قتلاً؟ قال عليه الصلاة والسلام: إنا لم نؤمر بذلك.
هذا الحديث -طبعاً- هو من رواية ابن إسحاق عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك، لكن فيه معنى مفيد ومهم للوضع الذي تعايشه الدعوة اليوم، تحمل عليه الصلاة والسلام الأذى لما كان مستضعفاً، وحتى لما صار في المدينة، القاعدة ما دام أن الرد ليس في مصلحة الإسلام لم يَرد.
كم مرة آذاه عبد الله بن أبيّ بن سلول؟ وكم بلغ شر هذا الرجل؟
أوقع بين فئتين من المسلمين حتى اقتتلوا، وقذف عائشة حتى صار خبر الإفك في المدينة وأوذي عليه الصلاة والسلام في ذاته.
ماذا فعل عندما انخذل في أحد بعدد كبير من الجيش؟
فعل أشياء طامات كبيرة، لكن ما كانت المصلحة في قتله، لو قتله: لقال الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، فصار ذلك سداً ومانعاً من الدخول في الدين بالنسبة للناس البعداء الذين لا يعرفون حقائق الأمور، وإنما يظهر لهم عبد الله بن أبيّ رجل من المسلمين، ثم محمد يقتله صلى الله عليه وسلم؟ قال:  لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه  [رواه البخاري: 4905].
لما صارت المسألة عدم قتل الرجل، ليس في مصلحة الإسلام ما قتله عليه الصلاة والسلام، مع أن الرجل كان له شر كبير مستطير.
المسلمون في مكة اضطهدوا اضطهاداً شديداً، أخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، لا شك أنه كان يمكن اغتيال بعض الكفار في مكة، لكن ما هي الفائدة؟
كانوا يضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي نزل به.
فكيف واجه عليه الصلاة والسلام هذه القضية مع أصحابه؟
بثلاثة أشياء:
أولاً: كان يذكرهم بالأجر الذي ينتظرهم ويقول:  صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة .
ثانياً: كان يقص عليهم من أنباء ما قد سبق ما هو مشابه لمرحلتهم وظروفهم التي يعيشون فيها، فكان يقول لهم: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه  [رواه البخاري: 3612].
وقصة أصحاب الأخدود من أروع الأمثلة الدالة على هذا المبدأ.
ثالثاً: كان يذكرهم أن المستقبل للإسلام، ويقول:  والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه  [رواه البخاري: 3612].
ونحن اليوم في أشد الحالات، في أشد الاحتياج إلى هذه الأمور التي يتربى عليها أبناء الإسلام، عدم الرد إذا لم يكن الرد من مصلحة أهل الإسلام، وتصبير النفس بالثواب والعقبى في الآخرة، وأخذ العبرة من أنباء ما قد سبق وعلى رأسهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مكة هو وأصحابه، وأن نتيقن أن المستقبل للإسلام ولا شك، الإسلام في طريق العودة إلى حياة المسلمين رغم جميع الضربات الإسلام الآن في تقدم مستمر على جميع الأصعدة.
وبعد انتهاء حرب الشرق والغرب انتقل مجال الصراع إلى التحدي بين الشمال والجنوب، أي بين الكفار والمسلمين.
وصحيح أن المسلمين لا يملكون سلاحاً للمواجهة والتحدي يحصل به نوع من الموازنة بين القوي، ولكن ماذا يملك المسلمون من الأشياء التي تستثير الكفار فعلاً؟
يملك المسلمون منهجاً حضارياً ينافسون به الكفار، هذا المنهج يعلن تقدمه باستمرار، ويتأكد فشل المنهج الغربي يوماً بعد يوم.
إن هذا الذي يقلق الكفار فعلاً لأن النظام الحضاري لما درسه المستشرقون وقدموه لأسيادهم، النظام الحضاري الإسلامي يفوق غيره بكثير جداً، وهذا ما سيقلق العالم بعد فترة من الزمن.
أولئك الناس يخططون ويعرفون أن حضارتهم أنتجت الجنون، والأمراض العصبية والنفسية والانتحار، والمجاعات، والربا ازداد ازدياداً بحيث افتقر الفقير جداً، واغتنى الغني غناءً فاحشاً، وعرفوا بأن هذه الأمراض التي تفتك بهم بالملايين.
بالملايين الأمراض، يقول لك الآن: موجود في تلك البلد مليون ونصف بالإيدز .
في عام 2000 سيصل العدد إلى كذا ربما إلى 40 مليون مصاب بالإيدز.
وبعد كذا سنة سيموت هؤلاء؛ لأن هذه الدراسات التي يعملونها ممكن تنهار حضارتهم بالمرض فقط من غير حرب، تنهار الحضارة ولا تحتاج إلى شيء ممكن تنهار بالمرض فقط، الله -عز وجل- على كل شيء قدير.
فهم يعلمون أن عند المسلمين حضارة، نظام حضاري هائل وقوي وعالٍ جداً، ويعلمون أن حضارة الإسلام أفضل من حضارتهم، وأن هذا العلم بالدنيا الذي اكتشفوه جعل لهم ميزة من التفوق لن يصمد طويلاً، وأنه سينهار.
فنحن اليوم بأمس الحاجة إلى أن نعرف أن المستقبل للإسلام كعلاج نهدئ به أنفسنا في موازنة الانفعالات التي تحدث وتمنعنا ونحن نسير على يقين بأن المستقبل لنا بإذن الله، المستقبل للإسلام بلا شك؛ لأن هناك عدد من البشائر الموجودة في القرآن والسنة تؤكد هذا المعنى وهذا المفهوم.
هذا الأمر الذي ينبغي أن يتيقنه المسلم حتى اليائس ماذا يفعل؟ اليائس الذي يعلم أنه غارق، وأنه لا مستقبل له ماذا يفعل؟ يخبط يميناً وشمالاً، يائس، انتهى الموضوع، لا مستقبل له، فعليّ وعلى أعدائي، وانتهت القضية.لكن ليس هذا وضع المسلمين.
لو كنا نعلم أنه لا مستقبل للإسلام، إنه خلاص الإسلام إلى زوال إلى زوال، خلاص، صارت المسألة تقتل أي كافر، وتنتهي القضية.
لكن القضية أننا نعلم يقيناً أن المستقبل للإسلام، وأن الله ناصر دينه، وأن هذه فترة مرحلية ستنتهي بالتأكيد قطعاً، وأن تساقط الحضارات والمجتمعات الكبيرة جداً يعني دلالة قاطعة على بقاء الإسلام.
في أفكار بادت وانتهت وراحت صارت نسياً منسياً، ونظريات راحت وزالت، وبقي الإسلام موجوداً في الواقع، رغم المحاولات الكثيرة والحملات المتعددة إلا إن الإسلام بقيت جذوره موجودة، ماذا يعني هذا؟ بل إنه في ازدياد كما تدل عليه الحوادث الجارية الآن، الإسلام في ازدياد، والمسلمون في ازدياد وتقدم من الوعي، وغيره، عدداً وكماً وكيفاً، في ازدياد.
فمعنى ذلك: أننا لا حاجة إلى أن نخبط خبط عشواء، ونحن نعلم أن المستقبل لنا، إذا كنا نحن جيل الصحوة فأولادنا جيل النصر إن شاء الله، ولن نيأس، وربما نرى النصر في حياتنا فما يدرينا!
فإذاً، نقول: نقطة مهمة أن تعلم أن المستقبل للإسلام، هذا مهم في ضبط الانفعالات؛ لأن الذي يعلم أنه مقتول مقتول، وزائل زائل، فليخلد ذكراه ولو باللعنات، ما هي مشكلة، لكن الذي يعلم بأن المستقبل له فعلامَ يسير بشكل أهوج ويخبط دون حساب؟
هذا لا يمكن أن يكون.
وسائل ضبط الانفعالات في هذه المرحلة الحرجة:
01:10:35
 أولاً: أن نعرف سيرته عليه الصلاة والسلام كيف انضبط هو والصحابة -رضوان الله عليهم- في مكة في مرحلة الاستضعاف ما استعملوا القوة مطلقاً في مواجهة ما واجهوه، وإنما صبر عليه الصلاة والسلام هو ومن معه:  اصبروا آل ياسر موعدكم الجنة  [رواه الطبراني في الكبير: 769] ويصبرون، ويذكرهم بالجنة، ويعطيهم أنباء ما قد سبق، ويبشرهم بأن المستقبل للإسلام.
هذا إذًا الذي كان يحدث عملياً في مكة.
ثانياً: إذا كان استعمال العنف واستخدام اليد ليس من مصلحة الإسلام فلا يجوز الإقدام عليه بأي حال من الأحوال، خصوصاً ونحن نعلم القاعدة الشرعية: أن إنكار المنكر بطريقة تؤدي إلى منكر أكبر منه لا تجوز.
وبالتالي فقد يقول قائل: فما هو الموقف إذاً حيال المنكر؟ وكيف يتصرف المسلم؟
فنقول: لا بد أن يكون للمسلم موقفا، ومن الخطأ أن لا يكون له موقف، ولذلك جاءت مراتب الإنكار للمنكر، ومن أجل ذلك نقول: إن الإنكار باللسان لو استطاع عليه المسلم لا يجوز أن يتركه، لا بد أن يقوم لله ببيان الحق والحجة، والصدع بالدين، وبيان الحكم.
لا بد أن يبلغ الدعوة ويعلم الناس، ولا بد أن يقول لهذا المنكر إنه منكر.
ولو أدى ذلك إلى قتله فلا بأس فإنه عليه الصلاة والسلام قد قال: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر  [رواه النسائي: 4209، وقال الألباني: "صحيح لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 2306].
فينبغي أن يقول كلمة الحق، وهذه ليست بها محذور كاستخدام العنف واليد والتغيير بالقوة؛ لأن التغيير باللسان قصاره أن يموت صاحبه ويذهب شهيداً، ولا يمكن ممالأة الناس عليه، ولا استخدام الحادثة في استعداء الجمهور على هذا المسلم؛ لأنهم يعلمون أنه قد ذهب شهيد كلمة الحق، وأنه لم يستعمل شيئاً من الأشياء التي ينفر عنها الناس من استخدامات متنوعة للقوة.
ولكنه استخدم كلمته ولسانه في قولة الحق.
أما استخدام اليد والعنف فيسهل إقناع الغوغاء بأنه باطل، واستعداء الناس على صاحبه.
ولا شك أن الصحوة الآن نبتة لم يشتد عودها بالدرجة الكافية بعد، وأنها لا تتحمل أحداث عنف جديدة، وإن التجارب الحالية والماضية قد أثبتت الحاجة إلى الاستمرار في الدعوة والتربية، والاقتصار في إنكار المنكر باللسان إن استطاع صاحبه أو اليد إذا لم يترتب عليه منكر كما ينكر رب الأسرة الأب المنكر في بيته باليد بكسر آلة اللهو، ونحوها، أو أي صاحب سلطان في سلطانه يستطيع أن يزيل المنكر بيده دون أن يترتب عليه منكر أكبر منه.
أما هذا الفقه فإنه فقه دقيق جداً، وليت شعري متى يصل شباب الصحوة اليوم إلى الوضع الذي يفرقون به بين الصدع بالحق وصيحة النذير العريان، وإعلان النصيحة، وإقامة الحجة، وتبليغ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وبين إظهار التحدي، وفرد العضلات، وتصعيد الموقف، واستخدام القوة في غير موضعها، والتهور في ذلك.
لو أن شباب المسلمين فقهوا الفرق بين القضيتين وعرفوا بأن المناصحة والإنكار باللسان بالحكمة والموعظة الحسنة هو الدور المناسب المطلوب في هذه المرحلة، وأن استخدام العنف لا يجدي شيئاً، بل يعود بالضرر لعلموا ماذا يصنعون، وفي أي اتجاه يتحركون.
ولذلك فإن من الحكمة التي تقتضيها طبيعة هذه المرحلة: عدم التصعيد، والابتعاد عنه بكل سبيل.
ثالثاً من الوسائل المهمة لضبط انفعالاتنا في هذه المرحلة: توجيه الطاقات إل المجالات الأقل حساسية، والأكثر فائدة للإسلام مثل الدعوة والتربية -كما قلنا-، فإن الإسلام يحتاج اليوم لكسب عناصر جديدة إلى هذا الدين، يحتاج إلى مزيد من الانتشار في الأرض.
ولتعلم -أيها المسلم- أن كل بقعة يدخل فيها الإسلام ويذهب إليها نور الحق إنما هي عبارة عن عمق مهم واستراتيجي للإسلام، وإن صدى صوت الحق يتردد في تلك الأعماق الضاربة في أقطار الأرض التي وصل إليها الإسلام، وإن هذا سيكون مفيداً جداً في نصرة الإسلام إن شاء الله.
فكلما انتشر الإسلام، وكلما تعمقت جذوره في الأرض، وكلما ازداد أتباعه، وكلما كسب طاقات جديدة، وكلما ازداد هؤلاء الأفراد كيفية، بمعنى التربية التي ينشؤون عليها فإن هذه القاعدة ستكون هي التي يقام عليها البناء الإسلامي الشامل في المستقبل إن شاء الله.
رابعاً: من وسائل ضبط الانفعالات: استشارة الحكماء من أهل العلم والبصيرة والفقه في الأحوال قبل الإقدام على أي خطوة، وإن بعض الناس يظن أنه يحيط بالواقع، وأنه قد درس الأمر دراسة جيدة، لكنه ربما لا يعلم حديثه عليه الصلاة والسلام:  البركة في الجماعة [رواه البزار في البحر الزخار: 127، وهو في السلسلة الصحيحة: 1686].
وإنه لا بد أن يتعلم فائدة قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ  [آل عمران: 159].
وخامساً: إننا نحتاج إلى الصبر وحبس النفس حبساً عما يمكن أن يؤدي إلى المهلكة، وإلى شيء لا يكون فيه فائدة للإسلام والمسلمين، بل ربما الضرر.
وكذلك لا بد أن نفهم -وهو الأمر السادس المهم في التحكم في انفعالاتنا- عند الإقدام على أي خطوة هل المسلمون على مستوى المواجهة وفتح جبهات جديدة أم لا؟
لا شك بأن الأمر يحتاج إلى مزيد من الصبر، وما دام الإسلام في الانتشار فلماذا العجلة؟ وما دمنا نرى الآن أن هذه الصحوة تعم وتشمل وتدخل بيوتاً، ويخرج الله أقواماً من الضلالة إلى الهداية، ومن الظلمات إلى النور، فنحن إذاً نرى أثر الدعوة إلى الله واضحاً، ونرى أثر التربية في قيام أناس وظهور أناس من أهل العلم والفقه في الأحوال، ما دمنا نرى أن التربية ولدت لنا كل هذه العناصر، فلماذا اللجوء إلى حلول أخرى لا يكون فيها فائدة كما نرى من التجارب المتلاحقة الموجودة.
فاسأل نفسك: ما المصلحة في الإقدام على أي أمر من الأمور؟ فإذا قالت لك نفسك: إن فيه نجاحاً، فكر هل هو نجاح جزئي أم هو نجاح شامل؟ هل سيترتب عليه مصلحة للإسلام أكبر أم المفسدة ستكون فيه أكبر؟
قد يخطر لبعضهم أن يتخلص من بعض الأشرار، فنقول: إن الأشرار كثر فإن ذهب بعضهم جاء البعض الآخر.
ثم ثامناً: فكر ما هي المضرة؟، وما هي المفسدة التي ستنتج عن ذلك؟.
ولتعلم -يا أخي المسلم- أن قطع الطريق على الأعداء في توظيف أحداث العنف لتشويه سمعة الدعاة عند الناس هو مخطط معروف، وإن من أمنيات أعداء الإسلام أن يخرج المسلمون عن اتزانهم، وأن يسهل استغضابهم ونرفزتهم واستثارتهم ليقوموا بما لا تحمد عقباه.
وإنه ينبغي علينا أن نتأسى بسيرة صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حبس النفس في المواقف الحرجة.
إن النفس تميل أحياناً إلى العجلة وإلى التخلص من أي شيء فيه عداء للإسلام، لكن تعال معي وانظر في هذه الحادثة التالية:
روى الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في صحيحه: عن يزيد التيمي قال: "كنا عند حذيفة فقال له رجل: لو أدركت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاتلت معه وأبليت. فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسل- ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقرّ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة؟ فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله، ثم قال: يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم  فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال:  ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ ، قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام -مع أن الجو كان بارداً جداً- حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان.
الشاهد من القصة: فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار، وكان أبو سفيان مشركاً وقائد المشركين، حذيفة دخل متسللاً في الليل ودخل في عسكر المشركين، فلمح أبا سفيان، ويعرف شكله، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار، يعني قريب وظهره للنار لكي يتدفأ. فوضعت سهماً في كبد قوسي، وأردت أن أرميه.
فرصة الآن تخلص من زعيم المشركين. فوضعت سهماً في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت، هذه التربية ما هي نتيجتها؟ الإنسان يتذكر، ما يكون أعمى في وقت التنفيذ، وإنما يكون مبصراً. ثم ذكرت قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تذعرهم عليّ  [رواه مسلم: 1788].
كانت الأوامر واضحة من الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال حذيفة: ولو رميته لأصبته. أنا متأكد أنني لو رميته لتخلصت منه وقتلته، لأصبته، لكن ما فعل، ما كان في مصلحة من هذا الفعل، فرجعت كأنما أمشي في حمام.
الآن ربما المشركون يتهيؤون للرحيل والريح شديدة لكن لو قتل زعيمهم ربما تقوم لهم حمية فيذعرون وتحدث أشياء أخرى.
فرجعت كأنما أمشي في حمام.
وأنت إذا تأملت لواقع المسلمين في مكة لعلمت بأن الحكمة كانت دائماً معهم في عدم استخدام القوة في المواجهة وليس هناك تكافؤ.
عمر -رضي الله عنه- لما قيل: أنه قاتل المشركين في مكة، ولكنه ما قاتلهم بسلاح وإنما قاتلهم بيديه، فلم يزل يقتلهم من غدوة حتى صارت الشمس إلى رأسه، قال: وأوعي وقعد فدخل عليه رجل.
قيل: أن هذا الرجل هو العاص بن وائل السهمي دافع عن عمر ورد عنه القوم، قال عمر يومئذ: "يا أعداء الله والله لو قد بلغنا بثلاثمائة لقد أخرجناكم منها"[رواه الحاكم: 4493، وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"].
هو يعلم، عمر يقدر الموقف جيداً، يقول: يا أعداء الله والله لو قد بلغنا بثلاثمائة لقد أخرجناكم منها حديث حسن، وصرح به ابن إسحاق بالتحديث.
فإذاً، هذا تقدير الموقف الذي أشرنا إليه كان أيضاً مع المسلمين دائماً في مخيلتهم، لا يمكن أن ينسوه، هذا الإسلام مسؤولية وأمانة، ولا بد من نشره بالطريقة الصحيحة، ولا بد من استغلال الفرص لنشر هذا الدين، وهذه الأمانة تأبى وترفض من المسلم أن يتصرف فيها بأي شكل كان لا يعود بالنفع على الإسلام.
وفي كل مجتمع متهورون، وهؤلاء طبقة نعلم أنه لا يمكن القضاء عليها مطلقاً لكن يمكن التخفيف من شرهم بإسداء النصح لهم ومناقشتهم.
وقد يقول قائل: إن في بعض هذه الأعمال جوانب إيجابية.
نقول: نعم، قد يكون ذلك فعلاً، قد يكون ذلك.
فقد يكون في بعضها إرهاب للأعداء أو ذهاب شهداء إلى الله -تعالى-، لكن يبقى الخطأ خطأ، وإن كان فيه بعض الجوانب الإيجابية فإن المفسدة إذا كانت أكبر من المصلحة فإنه يبقى خطأ.
ولذلك الآن إذا أخطأ المخطئون قل من يخطئ في شيء فيه مفسدة مائة في المائة، لا بد يكون في مصلحة ومفسدة، مصلحة من وجه ومفسدة من وجه.
لكن المشكلة التي تحدث في تقدير هل المفسدة أكبر أو المصلحة، ولذلك قلنا لا بد من مشاورة أهل العلم والحكمة والفضل ورجاحة العقل والبصيرة في هذا الأمر.
ولا بد أن نعود ونذكر -أيها الإخوة- بأن المستقبل لهذا الدين، وأن الله -سبحانه وتعالى- متم نوره ولو كره الكافرون، وأن الله سيظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون.
اللهم أعزنا بالإسلام، وأعز الإسلام بنا يا رب العالمين، اللهم اجعل نصرة الدين على أيدينا، اللهم اجعل بلاد المسلمين آمنة مطمئنة بالإسلام، واجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً بهذا الدين.
اللهم من أراد بالدين خيراً فوفقه إليه، وكن يا مولانا عوناً له عليه، ومن أراد بدينك شراً فرد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين.
 إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا  [النساء: 58]، وهذه الأمانة: أمانة الدين في أعناقكم، فاحملوه، وادعوا إليه، وقوموا بتربية أنفسكم على منهجه، وإياكم وسبل الشيطان الرجيم، واضبطوا أنفسكم بضوابط الحكمة في هذا الدين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله عليه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.