الجمعة 10 رمضان 1439 هـ :: 25 مايو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

38- مشاهد النار


عناصر المادة
ملخص الدرس السابق:
سماع أهل النار والمقصود بقوله: لَا يَسْمَعُونَ :
إغلاق النار على أهلها:
أول الداخلين إلى النار:
فساد اعتقاد صحة جميع الأديان السماوية:
أصناف الساقطين من الصراط إلى النار:
أوجه دخول الناس النار:
المقصود بالورود على النار:
أبواب النار وصفتها وعددها:
خزنة النار وزبانيتها:
عدد خزنة النار وزبانيتها:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
ملخص الدرس السابق:
00:00:12
 فالإيمان بالجنة والنار، وما أعد الله للأبرار، وما أعد للفجار؛ من أركان الإيمان العظيمة.
وقد سبق أن تحدثنا عن شيء من الحكمة من خلق الجنة والنار، وطريقة القرآن والسنة، في ذكر الجنة والنار، ومشهد سَوق الكفار إلى النار، واستقبال أهل النار، وما يلاقونه من العنف والتهديد والوعيد، والدفع والزجر والإزعاج، والإهانة؛ كما قال عز وجل:  يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: 13]يدفعون إليها دفعًا، تدفهم ملائكة غلاظ الأخلاق، شداد القوى، خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، إلى جهنم، جماعات مع أشباههم، ونظرائهم، يساقون إلى جهنم عراة؛ لأن الناس يخرجون من قبورهم عراة، يحشرون عراة، ثم يكسى أهل الإيمان، ويبقى أهل النار على عريهم، فيساقون عراة، يساقون حفاة عراة، بالسلاسل والأغلال.
وسيق المجرمون وهم عراة *** إلى ذات السلاسل والنكال
فنادوا ويلنا ويلا طويلا *** وعجوا في سلاسلها الطوال
فليسوا ميتين فيستريحوا *** وكلهم بحر النار صال

يحشرون على وجوههم؛ كما قال عز وجل:  وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ [الإسراء: 97].
ويحشرون، كما قال تعالى:  عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء: 97]. عميًا لا يبصرون، وصمًا لا يسمعون، وبكمًا لا ينطقون.
لكنهم قبل أن يصلوا إلى النار تكون لهم أسماع وأبصار ومنطق، ليروا جهنم، فيفزعوا منها، وتراهم هي أيضاً:  إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [الفرقان: 12].وإذا رأوها انخلعت أفئدتهم.
وكذلك يسمعون تغيظها وزفيرها، كما قال تعالى:  سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان: 12].
يرونها، كما قال عز وجل:  وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف: 53].
وقد تقدم معنا أيضاً في الدرس الماضي، في قوله تعالى:  لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [الأنبياء:100].
لجهنم زفير، ولهم زفير، ولجهنم شهيق، كما تقدم.
سماع أهل النار والمقصود بقوله:  لَا يَسْمَعُونَ :
00:03:00
 فما معنى:  لَا يَسْمَعُونَ ؟ وقد تقدم قبل قليل: أنهم ترد إليهم أسماعهم، فيسمعون؟
فالجواب عن ذلك:
إذا قيل لهم:  اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108] يصيرون حينئذ صمًا بكمًا، يعني مرة أخرى.
فإذا، لا يستبعد أن يعطوا أسماعًا، ثم تسلب، ثم يعطوها مرة أخرى، ثم تسلب؛ لأن يوم القيامة يوم طويل، فيه أحوال، فحال ينطقون، وحال لا ينطقون، وحال يبصرون، وحال يختم على أبصارهم أيضاً، وحال يسمعون، وحال صم لا يسمعون.
فإذًا، الأحوال تتغير وتتقلب، في ذلك الموقف العصيب، قال ابن جرير -رحمه الله-: "وكان ابن مسعود يتأول في قوله: وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [الأنبياء: 100]كما جاء عنه إذا ألقي في النار من يخلد فيها، جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت، في توابيت أخرى، ثم جعلت تلك التوابيت، في توابيت أخرى، فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أن في النار أحدًا يعذب غيره، ثم قرأ:  لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [الأنبياء: 100].
ومعناه: أن هذا الكافر مغلف بالعذاب يوم القيامة في النار، وأنه في عذاب، يلبس ثيابًا من نار، وهكذا هو محاط بالنار من كل جانب.
إغلاق النار على أهلها:
00:04:31
 وقد تقدم: أن النار تكون مغلقة قبل وصولهم إليها، فإذا وصلوا فتحت في وجوههم فجأة، ثم يلقون فيها مقرنين بالسلاسل والأغلال في أعناقهم، عندما يساقون، وعند الإلقاء، ويجدون توبيخًا وتقريعًا، من الملائكة، ويصب فوق رؤوسهم الحميم، وتوصد عليهم أبواب النار، ويقطع الأمل عنهم من الخروج منها، وقطع الأمل بذبح الموت -كما تقدم-.
ويمكن أن يقال هنا: النار أليس يأتيهم من لهبها؟ أو الذين في القبر يأتيهم من لفحها وحرها؟
وكذلك في الدنيا:  فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف؟ [رواه البخاري: 3260،ومسلم: 1432].
أليس في رمضان تغلق أبواب النيران؟ يعني هي مفتحة؟
فالجواب:
يقال مفتحة، فتوصد في رمضان، ثم تفتح، ويأتيهم، أي الكفار، وأهل النار، في قبورهم من عذابها ما يأتيهم، وكل واحد يرى مقعده من النار في قبره، فإذا جاؤوا يوم القيامة غلقت، فإذا اقتربوا منها: حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: 71].
فهكذا، إذًا يقال أيضاً في قضية الفتح والإغلاق، وهل هي مغلقة أم مفتوحة؟
أول الداخلين إلى النار:
00:06:11
 من هو أول من يدخل النار؟
ورد ما يفيد أن أول من يدخل النار: الكفار.
وورد أيضاً: ما يفيد أن أول من يدخل النار بعض عصاة الموحدين.
فمن هو أول من يدخل النار؟
الذي يظهر أن الكفار والمشركين هم أول من يدخل النار، ثم المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، يبقون مع المؤمنين، ثم يمكر بهم، كما كانوا يمكرون في الدنيا.
فأول من يساق إلى النار: الكفار، والمنافقون، حتى النفاق الأكبر، يبقون مع المؤمنين في عرصات القيامة، حتى يقاد الجميع إلى الصراط ليعبروه، وبعد ما يلقى الكفار في النار، يلقى بأناس من الموحدين العصاة، في النار، ويخرجون بعد ذلك بشفاعة الشافعين، ورحمة رب العالمين.
أما الدليل: أن أول من يدخل النار الكفار، فقد جاء في حديث البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأخبرهم برؤيته، ثم قال عليه الصلاة والسلام، ثم قال ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع ألهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبارات-البقايا- وغبارات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا؟ فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا تعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا؟ فيقال: اشربوا فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليهم يوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، فيأتيهم الجبار  في صورة غير صورته التي رأوه فيها، ثم ذكر المرور على الصراط إلى أن قال:  المؤمن عليها -يعني يعبر النار على الجسر- كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوسفي نار جهنم [رواه البخاري: 7439، ومسلم: 472].
والمكدوس المضغوط بعضه فوق بعض، فلما يلقى في جهنم ما يلقى مفرود، يلقى مكدوس، مضغوط، ويكبكب بعضه فوق بعض -كما تقدم-:  فَكُبْكِبُوا فِيهَا [الشعراء: 94]بعضهم على بعض، يلقى بعضهم فوق بعض.
 غبارات .
وفي رواية:  غبر  جميع غابر، والغابر، غبر الشيء، أي بقيته.
والمقصود: من كان يوحد الله من أهل الكتاب.
فدل الحديث على أنه يؤمر بالذين كانوا يعبدون من دون الله أصنامًا وأوثانًا، فيدخلون النار أولاً، ويبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر، وبعد أن يؤتى بالجسر، ويجعل بين ظهري جهنم، فيكون الناس على أقسام حال مروهم على الصراط.
إذًا، هذا دليل على أن أول ما يلقى في النار الكفار، اليهود، النصارى، المشركون، عباد الأصنام، عباد الأوثان، الملاحدة، أول من يلقى في النار.
جاء في رواية أخرى: ما يفيد أن أول من يلقى في النار: بعض العصاة من أهل التوحيد، فعن أبي هريرة قال: حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:   أن الله -تبارك وتعالى- إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد، ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل يقتتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: إن فلانًا قارئ  أنت مراء. كان المقصود كله من تعلمك أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك  يعني أخذته في الدنيا مقابل عملك، فإذًا ليس له في الآخرة من نصيب. فقد قيل ذاك، ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما أتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله -تعالى-: بل أردت أن يقال: فلان جواد  يعني كريم فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله -تعالى- له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جرئ -يعني شجاع-   فقد قيل ذاك  ثم ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ركبتي، فقال:  يا أبا هريرة: أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة [الحديث رواه الترمذي: 2382، والحاكم: 1527، إلا أن الحاكم قال في المستدرك: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، هكذا، والوليد بن أبي الوليد العذري شيخ من أهل الشام لم يحتج به الشيخان، وقد اتفقا جميعاً على شواهد هذا الحديث بغير هذه السياقة" ولذلك قال الترمذي عقب تخريجه: "حديث حسن غريب"، وأورده الألباني في صحيح الترغيب:22].
ومما جاء بغير هذا السياق؛ ما ورد في صحيح مسلم، ومسند أحمد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جرئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار يعني ليس فيه أنه أول من تسعر به النار، لكن عند الحساب والنقاش، لماذا؟ يجيب، ويكذب، ويسحب إلى النار ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار [رواه مسلم: 5032، وأحمد: 8260].
إذًا، لفظة:  أول خلق الله تسعر بهم النار  ليست في سياق مسلم، ولذلك يقال: إننا إذا قلنا: إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، فإما أن يقال: هم أول من يقضى بينهم، وليس أول من يدخلون النار؛ لأن الكفار يدخلون قبل.
وقد يقال -وهو الأوجه-: إن الأولية نسبية.
يعني عندنا أولية مطلقة، وأولية نسبية.
فالأولية المطلقة: من هو أول من يدخل النار؟
الكفار، والمشركون.
لكن من عصاة الموحدين، من هو أول من يدخل النار؟
هؤلاء المرائين.
إذًا، هذه أولية نسبية في هؤلاء الثلاثة، يعني أولية نسبية، يعني أول بالنسبة لعصاة الموحدين.
أما الأولية المطلقة، أول من يدخل النار مطلقًا، فهم الكفار، اليهود، والنصارى، والمشركون.
فساد اعتقاد صحة جميع الأديان السماوية:
00:15:31
 وهذا يبين لك فساد هؤلاء الذين يقولون اليوم: كل الأديان السماوية صحيحة! وكل الذين عندهم اليوم كتاب هم على حق! ويوجد في بعض المسلمين من يقول هذا! وهذا اعتقاد كفري -والعياذ بالله- ! هذا يخرج عن الملة!.
من اعتقد أن اليهود على حق! والنصارى على حق ! والمسلمين على حق! وقال: هؤلاء كلهم أهل كتاب! وكل الأديان هذه صحيحة ! وهذه الأديان الموجودة اليوم الآن بعد البعثة النبوية! هذه أديان صحيحة! وأن هؤلاء يعني يدخلون الجنة! فإنه ضال مضل كافر مرتد إذا بين له الحق وأصر على كلامه؛ لأن هؤلاء كفرة! أول من يسحب إلى النار اليهود والنصارى، عباد الصليب، كيف يعبدون الصليب ثم يقال: هؤلاء على حق؟! وهؤلاء أهل دين سماوي صحيح. قد حرفوا وغيروا وبدلوا؟ فأين الصحة؟
ولذلك بعض المنتسبين للإسلام، يقول: هؤلاء مؤمنون! اليهود مؤمنون ! والنصارى مؤمنون ! والمسلمون مؤمنون!.
كيف؟!
يقول: يعني هؤلاء اليهود مؤمنون بموسى وبالتوراة! مؤمنين ! خلاص! ينجون؟!.
كفروا بموسى! وأذوا موسى أصلاً! وحرفوا كتاب موسى ! وقتلوا الأنبياء! فكيف يقال عنهم: إنهم مؤمنون؟! اليهود هؤلاء الموجودون اليوم؟!
وكيف يقال عن النصارى مؤمنون؟!
يقول: يؤمنون بعيسى!.
من هو عيسى الذي يؤمنون به؟!
الله ! أو ابن الله ! أو ثالث ثلاثة!.
إذًا، إيمانهم فاسد!.
أصلاً هذا ليس بإيمان! هذا كفر!.
تنبيه:
ورد حديث: بأن فسقة القراء يبدأ بهم قبل المشركين، عن أنس مرفوعًا في الحديث:  الزبانية أسرع إلى فسقة القرآن منهم إلى عبدة الأوثان، فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان؟ فيقال لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم [رواه البيهقي في شعب الإيمان: 1756، وأبو نعيم: 8/286، وقال الألباني : "منكر" كما في ضعيف الترغيب والترهيب:  99].
وقال بعضهم-من هذا الحديث-: "إن الفسقة من العلماء يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان" كما في [إحياء علوم الدين: 1/63].
ولذلك أنشد بعضهم:
وعالم بعلمه لم يعملن *** معذب من قبل عبّاد الوثن
ولكن عند التحقيق: يتبين أن هذا الحديث لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأورده الألباني في سلسلته، وقال: "منكر"[انظر: السلسة الضعيفة: 2588، وصحيح الترغيب والترهيب: 99].
فإذًا، بينا من هو أول من يدخل النار.
أول من يدخل النار من الكفار، وأول من يدخل النار من عصاة الموحدين، من هم؟
الأمر مخيف، يجب على المسلم، أن يخلص لله -عز وجل-.
تَفِرُّ مِنْ الْهَجِيرِ وَتَتَّقِيهِ *** فَهَلاَّ مِنْ جَهَنَّمَ قَدْ فَرَرْتَا
وَلَسْتَ تُطِيقُ أَهْوَنَهَا عَذَاباً  *** وَلَوْ كُنْتَ الْحَدِيدَ بِهَا لَذُبْتَا
وَلاَ تُنْكِرْ فَإِنَّ الأَمْرَ جِدُّ  *** وَلَيْسَ كَمَا حَسِبْتَ وَلاَ ظَنَنْتَا
 
أصناف الساقطين من الصراط إلى النار:
00:18:39
 هل هناك من يسقط من الصراط، ويقع في النار؟
دخل الكفار النار، وسحب من عصاة الموحدين من سحب إلى النار، وجاء المؤمنون والمنافقون إلى الصراط المضروب على متن جهنم، على ظهر جهنم، هذا هو الورود الذي أخبر الله -تعالى- عنه بقوله: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [مريم: 71].
عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبين الله ترجمان، ثم ينظر فلا يرى شيئًا قدامه، ثم ينظر بين يديه، فتستقبله النار [رواه البخاري: 6539، ومسلم: 2395].
وفي رواية:  أنه ينظر أمامه، فلا يرى إلا النار، وينظر يمينه، فلا يرى إلا النار، وينظر شماله، فلا يرى إلا النار [رواه البخاري:2395، ومسلم: 2395].
قال:  فاتقوا النار ولو بشق تمرة [رواه البخاري: 7512، ومسلم: 2395].
وفي هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم:  فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة  متفق عليه[رواه البخاري: 6539، ومسلم: 6539].
وفي رواية: حتى ظننا أنه ينظر إليها  يعني أن النبي -عليه الصلاة والسلام- من دقة وصفه، الصحابة ظنوه أنه ينظر إلى النار، ثم قال:  اتقوا ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة [رواه البخاري: 6540].
حتى المؤمنين ستستقبلهم النار، فما معنى ستستقبلهم النار؟
قال ابن هبيرة: " فتستقبله النار   السبب في ذلك أن النار تكون في  ممره، فلا يمكنه أن يحيد عنها إذ لا بدّ له من المرور على الصراط"[فتح الباري: 11/404].
فإذًا، الآن نفهم أنه ما في واحد، حتى أهل الجنة، إلا وسيكون طريقه على النار، وأنه لا يمكن لشخص أبداً، أن يتفادى المرور على النار، ما في ولا واحد، لا بدّ من العبور على النار، وكل واحد ستكون النار في طريقه، مهما كان مؤمنًا، لا بدّ أن تكون النار في طريقه، ينظر أمامه لا يرى إلا النار، يمين النار، شمال النار، ما في طريق، لازم يمر على النار، كل الناس.
إذًا، ما في طريق آخر في القيامة، ما في طريق آخر يتلافى النار، هذه قضية مفروغ منها، ولذلك قال:  فاتقوا النار ولو بشق تمرة  يعني اجعلوا بينكم وبينها وقاية.
إذًا، الكفار سحبوا إلى النار، ألقوا فيها.
أهل الإيمان، سيعبرون الجسر.
إذًا، سيردون النار، ما في طريق أمامهم إلا على النار، حتى الذين سيدخلون الجنة لا بدّ أن يعبروا على النار، سيعبرون على الجسر، قال عليه الصلاة والسلام:  يضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته [رواه البخاري: 806].
إذًا، كل أمة معها رسولها، ونحن مع نبينا، فيجوز بنا الصراط، أول واحد هو يعبر وينتظرنا على الناحية الأخرى، وكل أمة ستعبر مع نبيها، وكل نبي يعبر، ويقول وأمته تعبر أمامه: اللهم سلم سلم، والملائكة: اللهم سلم سلم، ما في دعاء يومئذ إلا: اللهم سلم سلم، من الشدة التي يرونها، قال عليه الصلاة والسلام:  فأكون من يجوز من الرسل بأمتي، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟  قالوا: نعم، قال:  فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله [رواه البخاري: 806].
ماذا تفعل هذه الكلاليب؟
قال:   تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو  [رواه البخاري:806].
السعدان، جمع سعدانة، وهو نبات ذو شوك، يضرب به المثل في مرعاه، فيقال: "مرعى ولا كالسعدان"، يعني في طيب المرعى.
قال النووي: "هو نبت له شوكة عظيمة، مثل الحسك من كل الجوانب"[المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: 1/323].
إذًا، هذا الكلوب، والكلاليب، التي على متن الصراط، هي عبارة عن حديدة معطوفة الرأس، هذا الكلوب، يعلق فيها اللحم، وترسل في التنور، هذه تخطف وتقذف، تخطف من الصراط، وترمي في النار، تأخذ الناس من الصراط، وترمي في النار، فالناس لا بدّ لهم من ورود الصراط، والصراط عليه الكلاليب والخطاطيف.
وفي رواية أيضاً عن أبي سعيد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم  قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال:  مدحضة  يعني تزلق عليه القدم  مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة، لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالطرف  يتفاوت بالسرعة في العبور، فناس مثل طرف العين، طرف العين أقل من ثانية، طرف العين أقل من ثانية، جزء من الثانية:  المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا [رواه البخاري: 7439، ومسلم:472].
وأنت إذا تأملت أن هذا الصراط حاد جداً، أحد من السيف، فما حال من سيسحب عليه سحبًا؟ مزلة  تزلق فيه الأقدام.
أوجه دخول الناس النار:
00:25:00
 ما هي أوجه دخول الناس النار؟
فأناس يكبكبون، أناس يسحبون، وأناس تخطفهم الكلاليب، فتوقعهم في النار، يهون من فوق الجسر، تخطفهم الكلاليب، فيقعون في النار، قال ابن أبي جمرة -رحمه الله-: "يؤخذ منه: أن المارين عبر الصراط ثلاثة أصناف: ناج بلا خدوش، سليم، هذا الذي يمر كالبرق، أو كطرف العين، وذلك قال: ناج مسلم، يعني ما يمس منه شيء، على حسب الأعمال الصالحة، إذا كانت كثيرة جداً، وسيئاته قليلة، وتاب منها، هذا سريع جداً، هذا ناج.
النوع الثاني: ناج مخدوش، هو سينجو في النهاية، ولكنه سيخدش، هي الكلاليب لوحدها عذاب؛ لأن هذه إذا أنشبت في اللحم والعصب ستقطع، فضلاً عن النار.
والمكدوس في نار جهنم، المخردل هذا الذي سيرمى في النار، ماذا سيكون حاله؟
هؤلاء مقسمون على أي  شيء؟
بقدر أعمالهم.
وجاء عن حذيفة وأبي هريرة -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يجمع الله الناس  قال في الحديث:  فيأتون محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، فيقوم، فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جبنتي الصراط، يمنيًا وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق  قلت: بأي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر، ويرجع في طرفة عين، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال، تجري بهم أعمالكم، ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا  قال:  وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به  فهي تعرف بدقة من تأخذ؛ لأنها مأمورة:  فمخدوش ناج، ومكدوس في النار [رواه مسلم: 503].
إذًا، المسلم مضى.
من بقي؟
مخدوش ناج، ومكدوس في النار.
"والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفًا" [رواه مسلم:503].
إذًا، هنالك من سيقع في النار من الصراط.
فهذه كيفية أخرى، أو حال أخرى لدخول النار، الذي سيدخلونها على أي الأحوال والهيئات يدخلون؟ فهذه حال أخرى لمن سيدخل النار، أنه يقع من فوق الجسر، ولو لم يكن بين يدي العبد إلا هول الصراط لكفاه هولاً وفزعًا، ورعبًا، حيث لا يسأل أحد أحدًا.
أمامي موقف قدّام ربي *** يسألني وينكشف الغطا
وحسبي أن أمرّ على صراط  *** كحد السيف أسفله لظاء

ماذا سيحدث بالمنافقين الذين كانوا مع المؤمنين في الدنيا، ومنهم أصلاً منافق النفاق الأكبر، وهؤلاء كفرة، لكن كانوا مندسين بين المؤمنين، قال الله عن هؤلاء في طريقة دخول المنافقين النار:  يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا [الحديد: 12 - 13]-انتظرونا-  نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ يعني ينادي المنافقون المؤمنين: أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ يعني في الدنيا، نصلي ونصوم، معكم- قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ  بالنفاق  وَتَرَبَّصْتُمْ بعباد الله المؤمنين  وَارْتَبْتُمْ وشككتم:  وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ طول العمر:  حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد: 14]أي الشيطان.
فالآن، لا أحد يجوز الصراط إلا بنور، يعطيه الله إياه؛ لأن الجسر مظلم، وجهنم مظلمة، لا أحد يجوز الصراط إلا بنور، يعطيه الله إياه، وحيث أن المنافقين كانوا مع المؤمنين، فعندما يقولون: أعطونا من نوركم؟ فيقولون لهم:  ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا  فيرجعون لأخذ النور، ويكون معهم نور، لكن هل يدوم؟
قال ابن مسعود -رضي الله عنه- في قوله تعالى:  يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي المؤمنين "على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى" على شرط البخاري[انظر: مستدرك الحاكم: 2/520، وتفسير القرآن العظيم: 1/192].
هذا بالنسبة للمؤمنين.
أما المنافقون، فقد قال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نورًا يوم القيامة فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم، كما طفئ نور المنافقين، فقالوا:  رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم: 8].
وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: "ويعطى كل إنسان منهم-منافق أو مؤمن- نورا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون"[رواه مسلم: 489].
قال ابن عباس في رواية عكرمة: "ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون:  رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم:8]. [تفسير القرآن العظيم: 1/192].
إذًا، كل واحد معه نور من هؤلاء الذين سيعبرون، لكن ينطفئ نور المنافقين، ويبقى نور المؤمنين، فما يزال المنافق مغترًا حتى يقسم النور، ويميز الله بين المنافق والمؤمن، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- يصف حال المنافقين على الصراط: "وكيف بهم إذا حشروا إلى جسر جهنم، وهو أدق من الشعرة، وأحد من الحسام، وهو دحض مزلة، مظلم، لا يقطعه أحد، إلا بنور يبصر به مواطئ الأقدام، فقسمت بين الناس الأنوار، وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب، وأعطوا نورًا ظاهرًا مع أهل الإسلام، كما بينهم في هذه الدار، يأتون بالصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، فلما توسطوا الجسر، عصفت على أنوارهم أهوية النفاق، فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح، فوقفوا حيارى، لا يستطيعون المرور، فضرب بينهم وبين أهل الإيمان، بسور له باب، ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح، باطنه -يعني باطن السور مما يلي المؤمنين- فيه الرحمة -وما يليهم يلي المنافقين- العذاب والنقمة، ينادون من تقدمهم من وفد الإيمان، ومشاعر الركب تلوح على بعد كالنجوم، تبدو لناظر الإنسان، فيقول المنافقون للمؤمنين على البعد يرونهم معهم مشاعل النور: انظرونا نقتبس من نوركم، لنتمكن في هذا المضيق من العبور، فقد طفأت أنوارنا، ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، حيث قسمت الأنوار، فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار، كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق؟ فهل يلوي اليوم أحد على أحد في هذا الطريق؟ وهل يلتف اليوم رفيق إلى رفيق؟ فذكروهم باجتماعهم معهم، وصحبتهم لهم في هذه الدار، كما يذكر الغريب صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار:  أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ؟ نصوم كما تصومون، ونصلي كما تصلون، ونقرأ كما تقرؤون، ونتصدق كما تصدقون، ونجح كما تحجون، فما الذي فرق بيننا اليوم، حتى انفردتم دوننا بالمرور؟  قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ كانت ظواهركم معنا، وبواطنكم مع كل ملحد، وكل ظلوم كفور:  وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ -هي تتوالكم، هي صاحبتكم-:  هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد: 14 - 15].[انظر: مدارج السالكين: 1/357].
فإذًا، لا يفرح أحد كفرح المؤمنين بالنجاة، ويخدع المنافقون بخدعة الله لهم، قال قتادة: "كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها، حتى قذفهم الله في النار"[تفسير القرآن العظيم: 8/ 18].
وقال مجاهد: "كان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم ويغشونهم ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتا، ويعطون النور جميعًا يوم القيامة، ويطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويُماز بينهم حينئذ"[تفسير القرآن العظيم: 8/ 18].
يتساقط إذًا المنافقون ويتهاوون من الصراط إلى الدرك الأسفل من النار؛ لأن جهنم دركات بعضها فوق بعض، وكل طبقة لها باب، فيهوي هؤلاء من الجسر على الطبقة الأولى، مفتوحة الباب فيها، على الثاني، على الثالثة، على الرابعة، حتى يصلوا إلى الدرك الأسفل من النار، فهنالك مستقر عذابهم.
عليها صِراطٌ مدحضٌ ومزلَّةٌ *** عَليه البَرايَا في القِيامةِ تُحملُ
وفيها كَلاليبٌ تعلَّقُ بالوَرَى  *** فهذَا نَجا منها وهذَا مُخردلُ
فلا مُجرمٌ يفديهِ ما يَفتدِي بهِ  *** وإنْ يَعتذرُ يومًا فلا العُذر يُقبلُ
فهذَا جزاءُ المجرمينَ على الرَّدى *** وهذا الذي يومَ القيامةِ يَحصلُ

المؤمنون، زحزحوا عن النار، ونجوا، ينجي الله الذين آمنوا واتقوا:  ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 72].
المقصود بالورود على النار:
00:36:11
 إذًا، ما معنى قوله تعالى:  وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [مريم: 71]؟
إذًا، الورود لا بدّ منه.
فما معنى الورود؟
للعلماء في ذلك قولان مشهوران.
لما نقول الآن: كل الناس يوم القيامة أمامهم النار، ما في أحد أمامه شيء ثانٍ، غير النار، لازم تكون أمامه النار، سيرد عليها سيرد عليها؛ لأن الله -تعالى-قال:  وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [مريم: 71].
الله قضى بهذا، وجعله شيئًا محتومًا، لا بدّ منه، فما معنى ورود النار؟
للعلماء ذلك قولان: الورود، الدخول، والورود، العبور.
أما من قال: الورود، الدخول، فإنه قال: بالنسبة للمؤمنين يصرف الله عنهم حرها، وينجيهم من عذابها، فهم سيدخلون سيدخلون، ولكن سينجون.
ومن  أدلة هذا القول: ما ذكره ابن عباس -رضي الله عنهما- من أن جميع ما في القرآن من ورود النار، معناه دخولها، غير محل النزاع، فدل ذلك على أن محل النزاع هذا:  وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم: 71]. مثل المواضع الأخرى، وخير ما يفسر به القرآن هو القرآن.
كذلك قالوا: إن الله خاطب جميع الناس بأنهم سيردون النار برهم وفاجرهم، فقال:  وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم: 71] وبين مصيرهم ومآلهم بعد ذلك، فقال:  ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 72].
إذًا، كلهم سيدخلون، المؤمنون ينجون، والظالمون يبقون؛ لأنه قال:  ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 72].
فالجميع يدخل، يبقى الظالم، وينجو المؤمن، فلذلك فسروها بالدخول.
وعلى هذا تحمل بعض عبارات السلف، مثل: أن أبا ميسرة كان إذا أوى إلى فراشه، قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا أنا واردوها، ولم نخبر أنا صادرون عنها. يعني أنا داخلون داخلون، لكن ما عندنا أننا على التعيين سننجو ، يعني كل واحد فينا: أنا وأنت وهو، كلنا سنرد النار، لكن ما عندي: أنا ولا أنت ولا هو، أي ضمانة أننا سننجو ، فعندنا تأكيد أننا سندخل، وما عندنا تأكيد أننا سننجو، هذا الذي أخافهم.
وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟[تفسير القرآن العظيم: 5/252].
وعن ابن عباس: أتاه رجل، يقال له: أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [مريم: 71]؟ قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟[تفسير القرآن العظيم: 5/252].
القول الثاني: الذين فسروا الورود بالمرور.
إذًا، القول الأول الدخول.
القول الثاني: المرور، والعبور على الصراط، قال النووي -رحمه الله-: والمراد بقوله تعالى:  وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم: 71] المرور على الصراط.
وقيل: الوقوف عندها:  ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا أي إذا مر الخلائق كلهم على النار، وسقطت فيها من سقط من الكفار والعصاة، ذوي المعاصي، بحسب معاصيهم، نجى الله المؤمنين المتقين بحسب أعمالهم.
وشارح الطحاوية، قال: "والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط"، ثم ذكر الآية: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 72].
قال: "وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة  قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله أليس الله يقول:  وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ؟قال: ألم تسمعيه، قال:  ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 72]؟ [انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص: 415].
أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه، ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم.
فليس معنى كلمة:  نُنَجِّي يعني أنهم دخلوا، ولكن من مر عليها وسلم، يقال له: نجى منها.
اختار هذا القول عدد من أهل العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وابن القيم.
ومن أدلتهم على ذلك: حديث الترمذي عن السدي، قال: "سألت مرة الهمداني عن قول الله -عز وجل-:  وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم: 71]فحدثني: أن عبد الله بن مسعود حدثه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :  يرد الناس النار، ثم يصدرون منها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحظر الفرس -عدو الفرس-، ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرجل، ثم كمشيه  وهذا حديث حسن[رواه الترمذي: 3159، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: 2526].
وروى مسلم عن أم مبشر: أنها سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول عند حفصة:  لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها  قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة:  وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم: 71] فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قد قال الله -عز وجل-:  ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 72].[رواه مسلم: 6560].
قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعًا، يعني من المؤمنين، ويكون الورود هنا المرور والعبور، كما يقال: ورد المدينة، ولو ما دخلها، وكما يقال:  وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ [القصص: 23]ولو ما صار في وسط الماء.
وقال عليه الصلاة والسلام:  من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل  يعني يجوز عليها جوازًا. إسناده لا بأس له، وله شواهد[رواه الطبراني: ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب:  2001].
فإذًا، معناها مجتاز، مر مجتازًا على النار، وهذا الاجتياز هو لا شك مفزع؛ لأنه حتى لو كان المقصود المرور، وعدم الدخول، المرور من فوق جهنم وحده، هذا مخيف ومفزع، وفاجعة؛ لأن الصراط دقيق وحاد، ويروغ، ودحض مزلة، وعليه خطاطيف، أصلاً منظر الخطاطيف وحده شيء عظيم جداً، مخيف، وتحت جهنم، فهو مخيف، حتى لو كانما يدخل، حتى لو مر من فوق، المنظر فظيع، ولذلك فإن كثرة الأعمال الصالحة، هي التي تجعل الإنسان يمر مرورًا سريعًا، هذا المرور السريع الذي يتقي به الفزع، وإلا لو كان المرور بطيئًا، فهو سيرى كل الأهوال، ويعاين هذا، لحظة بلحظة.
وعلى هذا المرور، نحمل حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-: لا يموت أحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسهم النار إلا تحلة القسم  متفق عليه[رواه البخاري: 6656، ومسلم: 6865].
فليس المقصود إذًا، أنه يعذب فيها بمقدار تحلة القسم، وإنما هو المرور عليها الذي لا بدّ منه.
وعن أبي هريرة قال: أتت امرأة النبي -صلى الله عليه وسلم- بصبي لها، فقالت: يا نبي ادع الله له؟ فلقد دفنت ثلاثة، قال:  دفنت ثلاثة؟ قالت: نعم، قالت: لقد احتظرت بحظار شديد من النار))[رواه مسلم:6871].
وكذلك، لما جاء النساء فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار  فقالت امرأة: واثنين؟ قال:  واثنين متفق عليه[رواه البخاري: 101،ومسلم: 6868].
وفي رواية: واثنين؟[رواه البخاري: 7310، ومسلم: 6868].
وكذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:  ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النار [رواه البخاري: 2811].
وفي رواية:  حرمه الله على النار [رواه البخاري: 907].
فالمراد، أنه لا يدخلها.
إذًا، لا بد من الورود، والورود هو العبور.
ولو قلنا الدخول، فينجو المؤمن، ويهلك الظالم، وأهل المعصية الذين كتب الله عليهم العذاب.
أبواب النار وصفتها وعددها:
00:44:50
 ما هي أبواب النار؟ صفتها؟ عددها؟ ما ورد فيها؟
ورد أن الله يأمر الملائكة أن يأخذوا الكفار إلى النار، وأن يسوقوهم إليها، حتى تستقبلهم جهنم، بأبوابها وخزنتها، وهذه الأبواب بمجرد الوصول تفتح، كما قال تعالى:  وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا [الزمر: 71]هذا فبمجرد الوصول إذًا، تفتح الأبواب، لتكون العقوبة أسرع ما يمكن، فإذا دخلوا أغلقت عليهم، وأوصدت.
وعدد أبواب النار، سبعة، كما قال تعالى:  لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ [الحجر: 44].
فقدر الله لكل باب من أبواب جهنم السبعة نصيبًا معينًا من الناس يدخلونه.
ومعنى:  جُزْءٌ مَّقْسُومٌ يعني معين، متميز عن غيره.
وقوله تعالى:  لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ  [الحجر: 44]قال عكرمة: "سبعة أطباق"[تفسير القرآن العظيم:4/536].
قال ابن جريج -رحمه الله- آخذًا من أسماء النار التي وردت، أسماء الطبقات، قال: "أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية" [تفسير القرآن العظيم: 4/536].
فالله أعلم، هل هذه الأسماء التي وردت في القرآن هي أسماء لشيء واحد، أم هي أسماء لدركات جهنم، هل هي متنوعة، وكثيرة، لبيان عظم شأن النار، أم هي أسماء لدركات النار؟
قال القطان -صاحب التفسير-: وجهنم هذه ذات سبعة أبواب، لكثرة من يردها من المجرمين، ولكل باب طائفة مختصة به، ولكل طائفة مرتبة معلومة تتكافأ مع شرهم.
ويقول عدد من المفسرين: إن لجهنم سبع طبقات، ينزلها مستحقوها، بحسب مراتبهم، في الضلال.
وذكر بعضهم: جهنم، والسعير، ولظى، والحطمة، وسقر، والجحيم، والهاوية[انظر: تيسير التفسير: 2/300].
وقال بعضهم:  سبعة أبواب سبعة طبقات، بعضها فوق بعض، تسمى دركات، ويدل على ذلك قوله تعالى:  إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: 145].
جهنم سبعة أقسام، ولكل قسم باب.
وقال بعضهم: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذبون على قدر أعمالهم، ثم يخرجون.
والثانية: لليهود.
والثالثة: للنصارى.
والرابعة: للصابئين.
والخامسة: للمجوس.
والسادسة: للمشركين.
والسابعة: للمنافقين [انظر: مفاتيح الغيب: 19/151].
والله أعلم.
وقال السعدي -رحمه الله-: "كل باب أسفل من الآخر:  لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ  أي من أتباع من إبليس جُزْءٌ مَّقْسُومٌ [الحجر: 44]أي بحسب أعمالهم"[تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص: 431].
وصح عن علي -رضي الله عنه- : أنه قال: "أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تمتلئ كلها" [تفسير القرآن العظيم: 4/ 536].
لطيفة:
عن هشام بن حسان قال: "خرجنا حجاجًا، فنزلنا منزلاً في بعض الطريق، فقرأ رجل كان معنا هذه الآية:  لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ [الحجر: 44]فسمعت امرأة، فقالت: أعد -رحمك الله-؟ فأعادها:  لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ فقالت: خلفت لي في البيت سبعة أعبد -عندي سبعة عبيد- أشهدكم أنهم أحرار، لكل باب واحد منهم. فأعتقتهم رجاء أن يمنعها الله من النار من أبوابها بهذا[انظر: التحويف من النار، ص: 82].
جاء في بعض القصص أيضًا: أن رجلا ولدت له زوجته ست بنات، فقال لما حملت: إن ولدت السابعة بنتًا، فأنت طالق، أو هددها، قال: إن ولدت السابعة بنتًا، فسأطلقك، فلما جاءها المخاض كان في نوم، فرأى في المنام: أنه أخذ به إلى النار، إلى الباب الأول، ليلقى فيها، فإذا ابنته الأولى قد سدته، تمنعهم من إدخاله فيها، فذهبوا به إلى الباب الثاني، فوجد ابنته الثانية، قد سدته، تمنعهم من إدخاله فيها، فذهبوا به إلى بابها الثالث، فوجد ابنته الثالثة، تمنعهم من إدخاله فيها، حتى أتوا على الأبواب الستة، فأتوا به إلى الباب السابع، فإذا به مفتوح، فهموا بإلقائه فيها، ولم يجد من يقف عليه، فاستيقظ فزعًا، يقول: اللهم اجعلها بنتًا، اللهم اجعلها بنتًا، فولدت زوجته ببنت، فأحسن مثواها [].
وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: من كانت له [رواه أبو يعلى: 1764، والطبراني في الكبير: 14243].
وفي رواية:  من كان له، ثلاث بنات فصبر عليهن، فأطعمهن وسقاهن وكساهن  من جدته  يعني من ماله وغناه  كن له حجابًا من النار [رواه ابن ماجه: 3669، وأحمد: 17439، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 2959].
خزنة النار وزبانيتها:
00:50:38
 ماذا عن خزنة النار وزبانيتها؟
أما الخزنة والزبانية، فإنهم يستقبلون الكفار بالشدة والقسوة والفضاضة، فبعد أن تفتح الأبواب، يسأل الخزنة أهل النار عن سبب ورودهم إليها، وهم على الأبواب ينتظرون أن يقذف بهم فيها، فيعترفون أنهم كانوا في الدنيا معرضين، مجرمين، كافرين.
وهؤلاء الخزنة لهم صفات فظيعة، وأخلاق شديدة، لا يعرفون الرحمة قط، وقد خلقوا لعذاب هؤلاء، قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6].
قال المفسرون:  غِلَاظٌ يعني: طباعهم غليظة، قد نزع الله من قلوبهم الرحمة بالكافرين.
 شِدَادٌ أي تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج [تفسير القرآن العظيم: 8/168].
وقيل: غلاظ الأقوال، شداد الأفعال.
وقيل: غلاظ في أخذهم أهل النار، شداد عليهم.
يقال: فلان شديد على فلان، إذا قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب[الجامع لأحكام القرآن: 18/ 196].
وقيل: الغلاظ في أجسادهم، الشداد في قوتهم.
 عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يخالفون الله في أمره:  وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6].
الزبانية لا يرحمون إذا استرحموا، قال بعضهم: حبب إليهم عذاب أهل النار كما حبب لبني آدم أكل الطعام والشراب.
وهؤلاء الزبانية يسقون الناس إلى النار، هؤلاء الزبانية يعذبون أهل النار، والملائكة قد ساقت أهل النار من قبل أفواجًا وجماعات وأممًا:  كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك: 8]؟
فيضطرون للاعتراف بالحقيقة:  قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ [الملك: 9].
وبعد أن يلقوا فيها، ويقاسوا حرها وزمهريرها؛ لأن من عذاب جهنم البرد الشديد، كما أن من عذابها الحر الشديد، ولكن يغلب على عذابها شدة الحر، وشدة البرد فيها، لا تخفف شيئًا من الحر، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:  فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير [رواه البخاري: 3260، ومسلم: 1432].
بعد ما يعانوا من زمهريرها، وحرها، تناديهم خزنة النار، وبعد أن يلقوا فيها، ويعانوا من حرها وزمهريها، يصيحون، ينادون خزنة النار بالتخفيف عنهم:  وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ [غافر: 49].
ولكن الله -عز وجل- قد أمر الزبانية بالتعذيب، وألا يرحموا هؤلاء، ولا يستجيبون لهم، ويقول تعالى:  اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108].
وتقول الخزنة تقول لهم:  أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ [غافر: 50].
فلا يزيدهم رد الخزنة إلا نكالاً، ويقطع لهم بالمكوث الدائم في دار البوار، ولا يستفيدون شيئًا من الاستغاثة بهم: لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: 78].
عدد خزنة النار وزبانيتها:
00:54:25
 كم عدد خزنة النار وزبانية جهنم؟
قال بعضهم: إن عددهم كثير لا يحصيه إلا الله -عز وجل-.
وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:  يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها  [رواه مسلم: 7343].
وورد في قوله تعالى:  وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ [المدثر: 27 - 29]يعني تحرق البشرة:  عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ  [المدثر: 30]فذكر أن عددهم تسعة عشر.
ذهب بعض العلماء: إلى أن  تِسْعَةَ عَشَرَ هم الرؤساء والنقباء.
وليس هذا بالظاهر؛ لأن العدد جاء واضحًا في الآية: أنه  تِسْعَةَ عَشَرَ تحديدًا، وهو الراجح.
قال عز وجل:  وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا ؛لأن المشركين عندما سمعوا: أنهم  تِسْعَةَ عَشَرَ فقط، فتنوا، وقالوا: كل مجموعة يتكفلوا بواحد، استهزاء وسخرية، فجعل الله العدد فتنة لهؤلاء الكفرة:  لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [المدثر: 31].
فإذًا، قوله تعالى:  وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً [المدثر: 31]غلاظ شداد، زبانية:  وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً [المدثر: 31]؛لأن أبا جهل، قال: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم بواحد منهم فتغلبونهم، فقال الله: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً شديدي الخلقة.
وقيل: إن أبا الأشدين، واسمه: كلدة بن أسيد بن خلف، قال: يا معشر قريش أكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر[انظر: تفسير القرآن العظيم: 8/269] اغترارًا وإعجابًا بنفسه.
فمعنى ذلك: أنه ماذا فهمت قريش، ولسانها العربي، والقرآن يقرأ عليها؟
فهموا: أن العدد:  تِسْعَةَ عَشَرَ فقط، وهذا هو الظاهر، وهذا هو الراجح، قال البيهقي: "وأكثر المفسرين على أنهم تِسْعَةَ عَشَرَ ملكًا مع مالك خازن النار".
قال ابن رجب: "والمشهور بين السلف والخلف: أن الفتنة إنما جاءت من حيث ذكر عدد الملائكة الذين اغتر الكفار بقلتهم، وظنوا أنهم يمكنهم مدافعتهم، وممانعتهم، ولم يعلموا أن كل واحد من الملائكة لا يمكن للبشر كلهم مقاومته".
جاء في حديث فيه ضعف، عند الترمذي، في حوار النبي -عليه الصلاة والسلام- مع اليهود: أنهم قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟ قال:  هكذا وهكذا  يعني في مرة عشرة، وفي مرة تسعة، قالوا: نعم"[رواه الترمذي: 3327، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 3348].
والعدد هذا هو فتنة للكفار بلا شك، ولكنه كاف جداً لتعذيبهم في النار.
وكبير خزنة النار، مالك -عليه السلام-، جاء ذكره في كتاب الله، فقال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ [الزخرف: 77]قرأها النبي -عليه الصلاة والسلام- على المنبر:  وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ  [رواه البخاري: 4819].
يعني يقبض أرواحنا، فيريحنا مما نحن فيه؛ لأن الله قال:  لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا [فاطر: 36].
وقال:  ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى [الأعلى: 13]لا هي حياة، ولا هي موت.
فلما سألوا الموت، أجابهم مالك:  إِنَّكُم مَّاكِثُونَ [الزخرف: 77].
قال بعضهم: أجابهم بعد مدة.
وعن سمرة بن جندب قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، فقال:  من رأى منكم الليلة رؤيا؟  فإن رأى أحد قصها، فيقول ما شاء الله، فسألنا يومًا، فقال:  هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال:  لكني رأيت الليلة رجلين أتاني، فأخذا بيدي  وذكر الحديث، وفيه:  وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها في نهاية الحديث النبي -عليه الصلاة والسلام- لما سأل من هذا؟ ومن هذا؟ ومن هذا؟ ذكر له أن الذي يوقد النار مالك خازن النار[رواه البخاري: 1386].
جاء في الزبانية، قوله تعالى:  سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق: 18].
عن ابن عباس قال: مر أبو جهل، فقال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: "ألم أنهك؟" يعني عن الصلاة عند الكعبة:  أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى  [العلق: 9- 10] فانتهره النبي -صلى الله عليه وسلم-، رد عليه بقسوة، بجرأة، فقال له أبو جهل: لم تنتهرني يا محمد، فوالله لقد علمت ما بها رجل أكثر ناديًا مني؟ أنا أكثر قريش ناديًا، يعني وأصحابًا وجلساء، فقال جبريل -عليه السلام- للنبي -عليه الصلاة والسلام-:  فَلْيَدْعُ نَادِيَه [العلق: 17]فقال ابن عباس: والله لو دعا ناديه، لأخذته زبانية العذاب" [رواه الترمذي:3349، وأحمد: 2321، وصحح إسناده أحمد شاكر -رحمه الله-، وكذلك صححه الألباني في صحيح الترمذي: 2668].
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو قال لأعفرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه، هو الآن الكفار، مشركو قريش يراقبون المشهد، النبي -عليه الصلاة والسلام- يصلي عند الكعبة، وسجد، وأبو جهل متجه إليه ليطأ على رقبته، وهو ساجد؛ لأنه حلف أن يفعل ذلك، فما فجأهم منه، فوجئ الجميع إلا وهو ينكص على عقبيه متراجعًا، ويتقي بيديه، ويرجع إلى الخلف، فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندق من نار وهولاً وأجنحة، فأخبر النبي  -عليه الصلاة والسلام- بما قال أبو جهل، أنه تراجع يتقي بيديه، ويقول: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولاً وأجنحة، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-:  لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا  قطعوه، فأنزل الله -عز وجل-:  كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى [العلق: 6- 13]يعني أبا جهل:  أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق: 14 - 19] [الحديث رواه مسلم في صحيحه:7243].
إذًا، هؤلاء الزبانية سيدعوهم الله -عز وجل-، ولو كان أبا جهل تقدم لدعا الملائكة ربهم، فتخطفوه، وقطعوه عضوًا عضوًا.
ويوم القيامة في النار، سيأمر الله الزبانية، بإنزال العذاب بأبي جهل، ومن معه في النار.
فهؤلاء الزبانية الشداد، أعد الله خصيصًا لعذاب أهل النار، فسوف يكون على أيديهم التعذيب، فإن جهنم بدون زبانية كافية في العذاب، لو أطبق عليهم فيها، من غير أحد، يقوم بعمليات التعذيب، فإنها وحدها فرن، تنور، عظيم جداً، كاف في العذاب، فكيف إذا كانت هناك ملائكة، مخصصة لتجريعهم العذاب؟
صبوا فوق رؤوسهم الحميم، يضربونهم بالمطارق، يعذبونهم، هذا يفعل بهم، غير هذه النار المحيطة بهم في كل جانب، حتى قال بعضهم: يوضع في تابوت في تابوت في تابوت من نار، من جميع الجوانب، هو أصلاً محاط بالنار من جميع الجوانب، فكيف وهنالك من يذيقه أصنافًا أخرى من العذاب؟
وسيأتي معنا أنواع التعذيب في النار، وأن القضية ليست فقط إحراق، وإنما في أشياء كثيرة، في أنواع وفنون من العذاب في جهنم، وهنالك من يقوم على التعذيب ويتولاه، هذا ما أعد الله لأهل الكفر به، ولمن عصاه.
فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يحرمنا على النار، وأن يقينا عذاب جهنم، وأن يصرف عنا عذابها، ونسأله -عز وجل- أن يتوب علينا، ويغفر لنا ذنوبنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.