الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 هـ :: 19 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

أقبل على نفسك


عناصر المادة
التعب على النفس طريق الفلاح والتمكين:
الأمور الداعية لهذا الموضوع:
استعداداً للدار الآخرة وموقف الحساب:
الخروج من الحال التي عليها الأمة:
قلة المربين:
التربية الجماعية والتربية الفردية:
ضرورة وجود الوسائل والبرامج لإصلاح النفس:
ترويض النفس على رعاية الوقت:
أهمية وجود المحفٍّز والمشجِّع على فعل الطاعات:
الابتعاد عن معوقات الطريق:
المواظبة على العمل وعدم الانقطاع:
ضرورة وجود المربي القدوة:
وقفة محاسبة ومصارحة للنفس:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله الذي خلق أنفسنا، وأمرنا بتزكيتها، وأثنى على من زكّى النفس:  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى  [الأعلى: 14] و  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا  [الشمس: 9]، هذه النفس التي سنُسأل عنها يوم القيامة، هذا الحساب الفردي: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ  [المدثر: 38]،  وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا  [مريم: 95] ،  بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ  [القيامة: 14].
إن الكيّس يا عباد الله من دان نفسه
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته *** لتطلب الربح فيما فيه خسران
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

[من نونية أبي الفرج البستي].
هذه النفس نقبل عليها لتنجو يوم القيامة، هذه النفس التي لا بد من تزكيتها بفعل الطاعات، ومنعها من الهلاك بترك المنكرات، لا بد من حملها على طريق الله، وتجنيبها سُبُل الشيطان
ففي قمع أهواء النفس اعتزازها *** وفي نيلها ما تشتهي ذل سرمدي
فلا تشتغل إلا بما يكسب العلى *** ولا ترضى للنفس النفيسة بالردي

[من قصيدة الآداب الشرعية والمنح المرعية:3/589].
لا بد من التعب، إنه طريق محفوف بالمجاهدات، لا بد أن تتعب على نفسك، يا أخي، أيتها الأخت المسلمة اتعبي على نفسكِ، ما لم يتعب على نفسه اليوم فإنها سترديه غداً.
التعب على النفس طريق الفلاح والتمكين:
00:01:33
 إن التعب على النفس طريق الفلاح والتمكين قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا  [الشمس: 9]، قال السعدي: "طهّر نفسه من الذنوب، ونقّاها من العيوب، ورقّاها بطاعة الله، وعلاّها بالعلم النافع والعمل الصالح، قال تعالى:  وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا  [الشمس: 10]، أخفى نفسه الكريمة التي ليست حقيقة بإخفائها وذلك بالتدنُّس بالرذائل، والدنو من العيوب والذنوب، وترك ما يكمّلها وينمِّيها، واستعمال ما يشينها ويدسيها" [تفسير السعدي: 926]
قال ابن القيم: "لو كانت النفس شريفة كبيرة لم ترض بالدون، فأصلُ الخير كله بتوفيق الله ومشيئته، وشرفُ النفس ونبلها، وأصل الشر خستها ودناءتها وصغرها، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا  [الشمس: 9، 10]، أي: أفلح من كبّرها وكثّرها ونمّاها بطاعة الله، وخاب من صغّرها وحقّرها بمعاصي الله، فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار، فالنفس الشريفة العليّة لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش ولا بالسرقة والخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل، أما النفس المهينة فإنها ترضى بهذا وأدون منه" [الفوائد لابن القيم: 177].
الأمور الداعية لهذا الموضوع:
00:02:51
 إن الذي يدعونا إلى هذا الموضوع والاهتمام به؛ إصلاح النفس، الإقبال على النفس، معرفة كيف تكون سياسة النفس، الإقبال عليها بتزكيتها أمور:
أولاً: إن الدين متين، ويحتاج إلى الأقوياء والأكفياء، إنه يحتاج إلى حمل وجِلاد، ونشر وجهاد، ولا بد لحامل هذا الدين أن يكون على قدر المسؤولية، وعلى نصيب من التربية العالية التي تؤهله لحمل الدين، ألم تر أن الله قال لنبيه في أول الأمر:  يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا  إعداد النفس نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا  لماذا؟ استعداداً للقضية الكبيرة، قال الله: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا  [المزمل: 1 - 5].
المتأمل في الآيات يرى أن الله أمر نبيه بالإكثار من تلاوة القرآن وقيام الليل؛ ليستعدّ لتلقي التكاليف.
هذا دينٌ قوي متين، أوامره كبيرة، تنفيذها يحتاج إلى جُهد، وإعداد النفوس لأجل ذلك، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا  القرآن الثقيل هو: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، ولهذا كان ثقيلاً، إنها تبعة ثقيلة، إنها مسئولية عظيمة تحتاج إلى حمل من أبناء هذا القرآن الذين يُتهمون اليوم تارة بالتزمُّت، وتارة بالإرهاب، وتارة بالرجعية والتخلُّف، وهم يريدون اليوم أن يجابهوا هذه القوى العاتية التي تريد إزهاق روح الإسلام،  وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ  [التوبة: 32]، إنه إعداد النفس لحمل هذا الدين، وامتثال أوامر هذا الدين، ونشر هذا الدين في العالمين.
إنها قضية تحتاج إلى بذل وتضحية، إنها تحتاج إلى إقدام وجرأة في الحق، إن التبِعة الضخمة لا بد لها من إعداد مسبق، يا أخي، إذا كان الكفار يخططون ويصبرون ويتواصون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ  [الذاريات: 53]، فما بالك بأهل الحق الذين ينبغي أن يكون شأنهم في العماد رفيع، وأن يكون نشرهم لهذا الدين في البلاد كبير؟.
إن المسألة ليست شيئاً يحدث بين لحظة وأخرى، إنها قضية عمل متواصل، وأخذ بالأسباب.
رأى عمر رجلاً معه جمل أجرب، قال: "ما تفعل بهذا الجمل الجرب؟" قال: أدعو الله أن يشفيه، قال: "يا أخا العرب، هلا جعلت مع الدعاء شيئاً من القطران"، هلا جعلت مع الدعاء قطراناً، وهذا القطران الذي تُطلى به الجمال الجرب لدواء هذه العلة.
استعداداً للدار الآخرة وموقف الحساب: 
00:05:46
 ثانياً: أهمية هذا الموضوع تكمن أيضاً في أن كل إنسان يُحاسب يوم القيامة وحده، وقال -سبحانه وتعالى-: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا  [مريم: 93 - 95]،  إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  ذليلاً منقاداً غير متعاصٍ سيأتي رغماً عنه لا يمتنع، الملائكة تحاصرهم، والإنس والجن حولهم سبعة صفوف من الملائكة في أرض المحشر، وينزل من كل سماء ملائكتها،  لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا  ويأتي لله للحساب  وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  [الفجر: 22]  جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: 94]، لا مال ولا ولد، ولا زوجة، ولا أحد ينفع، لا ينفع إلا العمل الصالح، ماذا فعلت لنفسك اليوم سينفعك غداً، قال -عليه الصلاة والسلام-:  ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم  من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة  [رواه البخاري: 7512، ومسلم: 1016].
ثالثاً: إن تربية النفس سببٌ لنصرة الدين، وتغير حال المسلمين، إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ  [الرعد: 11]، وكيف سيتغير حالنا؟ وكيف سننتقل من الذل إلى العز، ومن الهزيمة إلى الانتصار، ومن الانحسار إلى الامتداد، ومن أن نكون متُسلّطاً علينا إلى أن نرجع قادة، إنه بتربية نفوس المؤمنين لتعود مرة أخرى إلى الأخذ بزمام القيادة.
إن هذا الإعداد للنفوس إنه فعلاً يؤدي إلى خروج نماذج الدين بحاجة إليها.
قال عمر لعمرو وقد أرسل إليه مدداً: "أما بعد، فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف، الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد" [فتوح مصر والمغرب: 83].
إن أهمية هذه النفوس التي تأهلت للقيادة بتربية صالحة، إنها أهمية كبيرة، اجتمع أصحاب عمر إليه، فقال لهم: "تمنوا، قال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله، قال: تمنوا، قال أحدهم: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به، قال عمر: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين، قال: "ولكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله" [فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: 2/740]. فرضي الله عن عمر، لقد عرف قيمة الرجال، وحاجة الأمة إلى الرجال
والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنى
ولذلك فإنك ترى في كثير من الأحيان جموعاً لا تسمن ولا تغني، وعند النائبات ينتدب الرجال أنفسهم فيكون الواحد كالألف، ولقد ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- أعداداً من الصحابة كل واحد منهم يصلح أن يكون للخلافة، وقاد أسامةُ الجيشَ وكان عمره حينها يقارب ثمانية عشر عاماً، ، ولا يعلم جيشاً في الإسلام في عهد الصحابة أسلم ولا أغنم من جيش أسامة، فإنه ذهب وغنم وانتصر ورجع ولم يفقد منه شيء واحد.
الخروج من الحال التي عليها الأمة:
00:09:27
 رابعاً: إن هذه التربية واستكمال النفس فيه الإعانة على المخرج من التردي الذي حصل للأمة.
وكذلك فإن فيه إصلاح للفساد الذي حصل نتيجة التراكمات الكثيرة من هذه الجاهليات والركام الذي حصل من أعداء الإسلام، فقد قذفت أرحام المجتمعات إلى المدارس والشوارع بشخصيات كثيرة للأولاد، لكن ما حال هؤلاء الأولاد؟ ما أخلاق هؤلاء الأولاد؟ ما دين هؤلاء الأولاد؟ ما عبادة هؤلاء الأولاد؟ ما عقيدة هؤلاء الأولاد؟
المسألة تحتاج إلى إعادة صياغة، لقد صاغت القنوات الفضائية اليوم، وصاغت الأفكار المنحرفة، وصاغت الشهوات المحرمة، صاغت عقول وقلوب ونفوس الكثيرين، لقد مُلئت بالجهل والشهوة والشُّبهة، ولا سبيل إلى إعادة الأمر إلى نصابه إلا بإصلاح النفوس، وسياستها وتربيتها على طريق الحق حتى تعود على الفطرة، كما خلقها الله -سبحانه وتعالى-،  خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم .
قلة المربين:
00:10:40
 ومن الأسباب أيضاً: قلة المربين في هذا الوقت.
لقد كان زمن السلف زاخراً بالمربين من العلماء، والعبّاد، والزهّاد، والقادة، والدعاة، الذين كان يلجأ إليهم الناس بعد الله، وكانوا يجتمعون عليهم فيتعلمون منهم، وينظرون إليهم فيقتدون بهم، ويأتونهم فيسألونهم، ويلتمسون منهم النصائح، فكم مربياً اليوم يوجد، ومن هم المؤهلون اليوم لتعليم الشباب وتربيتهم؟، من هم الأهل اليوم أن يكونوا قادة وقدوات، ولذلك فإن هذه القضية -إقبالك على نفسك- يا أخي مسئولية كبيرة لمنع تسلسل الضعف واستشرائه في الأجيال، ومنع أو تبطئة توريث الضعف العلمي والإيماني، وكذلك تجاوز سلبيات ما يوجد حتى في بعض من يُقتدى به، وكذا النقص الحاصل عند هؤلاء.
ثم مهما أوتي هؤلاء المربون من المنزلة والمعرفة والفراسة فإنه لا يمكن معرفة ما في نفس الواحد منهم، وقد يكون فيها من عُجْب وشهوة ورياء ما لا يعالجه إلا أنت، ويكون فيها من الأدواء ما لا يعرفه إلا أنت، أنت المسؤول الأول والأخير، ثم إنه قد اكتنف كثيراً من الجهود التربوية اليوم؛ نقص في البرامج وقلّة، يحتاج الأمر إلى إعانة ومساهمة ومساعدة، ولا أحسن من أن تقوم أنت بنفسك بهذه المساعدة على تربية نفسك، أن تعينه على تربية نفسك.
ثم إن المرأة في هذا الزمن أحوج ما يكون إلى التربية في غمرة التغيرات، يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، يكون اليوم على الجادة يصبح على البدعة غداً، تراه اليوم على طريقة السلف فإذا هو قد صار من غلاة هؤلاء الذين يحكّمون العقول في النصوص، ويعتدون على النصوص، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويريدون أنواعاً أخرى من الإسلام غير ما أنزله الله -عز وجل-، ويسمونه تارة: التنوير والتطوير والتغيير ونحو ذلك.
وأيضاً فإن الأعباء كثيرة اليوم على أهل الاستقامة، ولا يحملها إلا أصحاب الهمة، ولا يمكن أن يوجد هؤلاء إلا بأن يقبل كل واحد على نفسه ليستكمل فضائلها ويربيها.
وأيضاً، فإن العالم ينظر إلينا اليوم، والعالم يزداد كل يوم نظرة إلى المسلمين، والله -عز وجل- يقدّر أحداثاً تجعل العالم يلتفت إلى أهل الإسلام، و تزداد عناية العالم بهذه المنطقة في وسط العالم؛ أم القرى ومن حولها، تثبت الأحداث يومياً ازدياد النظرة والاهتمام العالمي بهذه المنطقة، وصاروا يقرؤون وينظرون ويتفحصون، ما هو هذا الدين؟ ومن هم أهله؟، ولقد قال قائلهم أحد المستشرقين لما درس الدين: يا له من دين لو كان له رجال.
ولذلك إذا كان اليوم ينظرون إليّ وإليك وإليه ليعرفوا ما هذا الدين، فلا بد أن نكون على مستوى هذا النظر؛ لأنهم سينظرون ليعرفوا ما هذا الدين، والله يجري من الحوادث ما يجعل الناس يهتمون بالأمر وينظرون إليه، ألم تر أنه لما أراد أن يبعث نبيه في مكة قدّر حادثة الفيل من أبرهة الحبشي ليأتي بفيلته وجنوده حتى يقصفهم الله بالطير الأبابيل لتلتفت العرب كلها إلى مكة، وليلتفت العالم إلى مكة لهذا الحدث العجيب؛ وهو الطير الأبابيل المتتابعة تقصف هؤلاء بحجارة من سجيل، فيقولون: واعجبا لهذه البلدة، البلد الأمين، واعجبا لهذا البيت الذي حماه الله، لماذا؟ ماذا سيحدث في هذا العام؟ ولادة محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- وبعده بأربعين سنة البعثة النبوية، لفت أنظار العالم إلى المكان أنها قضية إلهية، وأنت ترى اليوم العالم كلهم يهتمون بالإسلام ينظرون، لقد نفدت كثير من الطبعات لترجمات معاني القرآن الكريم في عدد من المكتبات في أنحاء العالم، الناس ينظرون، وازداد الإقبال على مواقع الإنترنت الإسلامية، الناس ينظرون، تتبع أخبار المسلمين، صارت بلاد المسلمين اليوم محط أنظار العالم، وثروات المسلمين أيضاً محطاً لأطماع العالم، وهم يريدون أن يعرفوا ما هذا الدين؟، ومن هم هؤلاء المسلمون؟، وإذا لم نكن أنا وأنت وهو على مستوى النظر الذي يُنظر به إلينا اليوم فمن الذي سيكون سبب الإعجاب من الآخرين الذي ينشر الله به الدين.
التربية الجماعية والتربية الفردية:
00:15:48
 إننا نعلم أن التربية منها ما يكون جماعياً، ومنها ما يكون فردياً ذاتياً، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان مع أصحابه في مكة أيضاً يجمعهم ويلتقي بهم ويعلّمهم، وكان -صلى الله عليه وسلم- يلتقي بأصحابه في المدينة ويجمعهم ويعظهم في المسجد وفي غيره، حتى النساء يجعل لهن موعداً يأتيهن، ويأتيهن في خطبة العيد فيخصهن بالموعظة، وكانت هناك تربية أرقمية، ثم مسجدية، ثم منبرية، كانوا في مكة لا مساجد ولا منابر، والشيء المتاح أن تلتقي هذه المجموعة من المسلمين في دار الأرقم خفية، فيعلّمهم كتاب الله ويقرأ عليهم، ويلتقي ببعضهم في شعاب مكة، وربما التقوا في غار كما حكى عبد الله بن مسعود وخرجت حيّة قال:  التمسوها  فهربت، ونزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-:  وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا  [رواه البخاري: 3317، ومسلم: 2234].
كان مع أصحابه يصلي بهم فيقيض الله له نفراً من الجن يستمعون القرآن، ويأتي النفر من المدينة لتكون البيعة في العقبة يجتمعون في منى في مكان يواعدهم فيه، فلما هاجر النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى المدينة بنى المسجد، وصارت التربية في المسجد والناس يأتون للمسجد، ثم اتُخِذ المنبر، وصار المنبر هو الذي يرتقى عليه ليكون التبليغ أكبر، وليكون الإعلان، وكان ظهر راحلته في الحج منبراً -عليه الصلاة والسلام-، يعتلي -عليه الصلاة والسلام- راحلته يبلغ وهو مستو عليها -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك كل واحد مسؤول عن نفسه، وكل واحد من الصحابة يربي نفسه، وكل واحد يقوم الليل بمفرده، وكل يستغفر بالأسحار بمفرده، وكل يتصدق خفية بمفرده، كانت صنائع الخير وأعمال المعروف يؤتى بها أيضاً فردية كما تكون جماعية، كان الخطان معاً، كان الاعتقاد أن الإنسان لا ينجيه يوم القيامة لا يدافع عنه أحد إلا عمله الصالح،  وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا  [مريم: 95].
ولذلك لا بد أن يسير هذان الخطان، وأن يخدم أحدهما الآخر ليصبا في بوتقة الإصلاح.
يا أخي نتحدث في كثير من الأحيان والأخوات عن شكايات، نشتكي من كذا، ونشتكي من كذا، وقليلاً ما نسأل ماذا يجب علينا؟ ولا بد من علاج لهذا الأمر.
إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأتيه الصحابة ليس فقط ليشتكوا إليه ما حصل، ليس فقط، عندما يأتي ماعز، يأتي يقول: "يا رسول الله طهّرني" [رواه مسلم: 1695]، أو يأتي رجل يقول: "يا رسول الله احترقتُ" [رواه مسلم: 1112]. أو هلكتُ وقعت على امرأتي في رمضان، أو واحد يأتي ليشتكي للنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه عالج امرأة في بستان في المدينة في طرف المدينة، وأنه قبلها دون الزنا، ثم يقول يسأل عما يفعل، وإنما أيضاً كانوا بالإضافة لما يشكون إليه من الحال كانوا أيضاً يسألون ماذا يعملون، لم تكن القضية شكاية حال حنظلة بقوله: "نافق حنظلة"
[رواه مسلم: 2750].
ليست القضية فقط: "نافق حنظلة" ليأخذ جواب الشُّبهة، وإنما كانوا أيضاً يأتون فيسألون ماذا يعملون، مثلاً: يأتي شخص يقول: دلني "على عمل إذا عملته دخلت الجنة"، رواه البخاري، يأتي آخر ليقول: "دلني على عمل ينفعني الله به" [رواه الترمذي: 388، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: 388].
يأتي شخص ليقول: "قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك" [رواه مسلم: 38].
ويأتي الأشخاص الكثيرون إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون ماذا يعملون؟، يريدون أن يمارسوا أعمالاً، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يدلهم، ويقول لواحد:  الإيمان بالله، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد [رواه مسلم: 85].
و يقول أحدهم:  أمسك عن الشر صدقة منك على نفسك  [رواه مسلم: 84]
وهكذا يدلهم -صلى الله عليه وسلم- على الأشياء المختلفة التي توافق طاقة كل واحد منهم وهو -عليه الصلاة والسلام- عالم بنفوس الرجال، يعرف الأشخاص ويدلهم على ما يصلح لهم.
لقد كثر الكلام اليوم وقلّ العمل، وكثيرة هي المسموعات، لكن صارت النتائج ليست على المستوى المطلوب، لماذا؟ لماذا قلّت البركة؟ لماذا؟ لقد صار هناك هوى متبّعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، صار هناك شُحّاً، صار هناك الشُّح كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، [رواه الترمذي: 3058، وابن ماجة: 4014، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب].
 صار هناك هوى متبّع وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وصار هناك رغبة في الإسراع بالأشياء، ورغبة في ضغط الأشياء، صار العالم اليوم في عصر السرعة لا يصبرون، والشباب منهم لا يصبرون، يريدون الأشياء السريعة، كان مجلّداً فصار كتاباً فصار كتيبّاً، فصار مطوية، فصار لوحة من وجهين، إنهم يريدون ضغط كل الأشياء، وإعمال برامج الضغط على كل الأشياء، يريدونها هكذا سريعة متلاحقة، لقد أثّر فيهم الإعلام والقنوات، أشياء سريعة متلاحقة، عناوين مختصرة، ليس عندنا وقت للتفاصيل، كيف هذا؟ كيف يمكن أن تتم تربيةً في مثل هذا الجو النفسي؟
اتعب على نفسك، يا أخي العلماء حتى صاروا علماء تعبوا على أنفسهم، والدعاة حتى صاروا مؤثّرين تعبوا على أنفسهم، وهكذا أهل الخير والبر والإحسان ما صاروا كرماء إلا بمجاهدة النفس في الإنفاق، ونفقة بعد نفقة وعطاء بعد عطاء صارت نفوسهم قابلة للعطاء، تعطي باستمرار، عندهم جود يتصفون بالكرم، وإذا دعوا استجابوا، وإذا سمعوا الداعي للإنفاق تصدقوا.
ضرورة وجود الوسائل والبرامج لإصلاح النفس:
00:22:51
 لا بد أن يكون لنا برامج عملية لأجل سياسة أنفسنا، لا بد أن نسعى سعياً حثيثاً لأجل إصلاح هذه النفوس، ماذا نحتاج في هذه الخطوات العملية؟ نحتاج إلى وسائل، نحتاج إلى برامج، نحتاج إلى طرق، نحتاج إلى تلافي وسائل، أو تلافي أسباب ضعف هذه التربية للنفس، إننا نحتاج اليوم فيما نحتاجه بالإضافة للقدوات وبالإضافة للمربين وبالإضافة إلى ما نسلكه من السبل نحتاج إلى دافع ذاتي، لا نريد القضية أن تأتي من خارج وتفرض علينا، لا نريد من الشخص أن يتوب إذا مات أبوه أو صار له حادث سيارة، نريد من الواحد أن يكون عنده دافع للتوبة بدون أن تحدث حوادث كبيرة خارجية ننتظر الضغوط الخارجية حتى تتم الاستجابة، لا، نريد أن يكون الدافع ذاتي، نريد أن يكون هكذا عند النساء وعند الرجال، نريد أن نعرف الهدف مباشرة، لقد انتشرت الرويبضات في هذا الزمان، لقد صار الكسل والإهمال عند الكثيرين، الخوف من الناس أكثر من الخوف من الله، والهامشية والسلبية والفراغ وعدم الاهتمام والانشغال بأهواء النفس، وبالترف وبالملهيات، وعدم الصبر على المغريات، وإيثار الدعة، والكسل والرفاهية والانهزامية والإحباط، إنها أشياء كثيرة تتوالى علينا، ونريد أن نأتي على أنفسنا، وأن نستكمل فضائلها في جانب العقيدة، نريد أن نؤسسها على تقوى من الله ورضوان، نريد أن تكون مرتبطة بالله -عز وجل-، نريد التزكية الحقيقية، نريد أن نعبد الله كأننا نراه، نريد أن نخشى الله -سبحانه وتعالى-، نريد أن نعظمه، وأن نلجأ إليه وأن نوقره  مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا  [نوح: 13]، وأن نخافه بالغيب -سبحانه وتعالى-، وسواء كنا مع الناس ما كنا مع الناس نخشى الله، نسأله الخشية في الغيب والشهادة، وكلمة الإخلاص كلمة الإخلاص في كل وقت، وفي الغضب وفي الرضا، نريد أن تكون هناك نوافل بعد الفرائض، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه [رواه البخاري: 6502].
نريد أن يكون هناك تنوع لدينا في الأشياء باللسان وبالجسد وبالمال، بالقلب، نريد أن تكون العبوديات على جميع الجوارح، نريد سنناً قلبية وفعلية وعبادة بالليل والنهار، نريد شيئاً مستمراً دائماً وليس منقطعاُ، نريد عبادات متدرجة ترتقي حتى يحافظ الإنسان على صلاة ليل طويلة، وعلى صدقات كثيرة، وأعمال بر وخير مستمرة، نريد أن نعرف الأولويات، فنقدم الواجب على المستحب، نريد أن نعرف فروض الكفايات، وفرض الكفاية عينٌ ما لم تحصل الكفاية، ونريد أن نعرف بعد ذلك ما هو الأدنى فالأدنى، وهناك المجاهدة والقيام على النفس لترويضها على هذه الأشياء، والنفس كالطفل أن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، فجاهد النفس والشيطان واعصهما، وإن هما محضاك النصح فاتهم؛ لأن الشيطان لا ينصح، وقاسمهما وحلف بالله إني لكما لمن الناصحين، لكنه كذاب دلاهما بغرور، نريد أن نقتحم المكاره، حفت الجنة بالمكاره، ما في طريق للجنة إلا عبر المكاره، نريد أن نقاوم الشهوات، نريد عبادة على منهاج النبوة، ليست ببدع، نريد عبادة حقيقية ليست برياء ولا سمعة، نريد اقتداء بالسلف في هذا، نريد عجائب القرآن التي تطير النوم، نريد الخوف من النار الذي يذهب النوم                     
منع القرآن بوعده ووعيده *** مقل العيون بليلها لا تهجع
فهموا عن الملك العظيم كلامه *** فهماً تذل له الرقاب وتخضع

[لطائف المعارف لابن رجب: 173].
قال الكرابيسي: "بتُ عند الشافعي غير ليلة كان يصلي نحو ثلث الليل، ما رأيته يزيد على خمسين آية، لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه، كيف يصلي ثلث الليل بخمسين آية؟ "ما يمر على آية إلا يقف عندها متفكراً متدبراً مكرراً، وإذا كانت آية رحمة سأل الله له وللمؤمنين، وإذا كانت آية عذاب تعوّذ بالله وسأل النجاة لنفسه وللمؤمنين، وكأنما جمع الرجاء والرهبة جميعاً". [سير أعلام النبلاء: 10/35].
سمعتك يا قرآن والليل غافلٌ *** سريتَ تهزّ القلوب سبحان من أسرى
فتحنا بك الدنيا فأشرق صبحها *** وطفنا ربوع الكون نملؤها أجراً
 
هؤلاء لما جاءهم الموت كان عندهم من الأعمال ما ثبتهم عند نزع الروح، "لا تبك يا بني فقد ختمتُ القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة" [سير أعلام النبلاء: 9/44]. عبد الله بن إدريس.
إبراهيم بن هانئ النيسابوري كان عند الموت صائماً، أتوه بماء قال: غابت الشمس؟ قالوا: لا، فرده، وقال: "لمثل هذا فليعمل العاملون" ثم مات.
قال ثابت الُبناني: "لا يسمى عابد أبداً عابداً وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان: الصوم والصلاة؛ لأنهما من لحمه ودمه" [حلية الأولياء: 2/318].
قال محمد بن يوسف: "كان سفيان الثوري -رحمه الله- يقيمنا في الليل ويقول: "قوموا يا شباب، صلوا ما دمتم شباباً، إذا لم تصلوا اليوم فمتى؟" [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1/96].
يقول كثير من الكسالى هذه حكايات خيالية، لكن:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم***
[من قصيدة المتنبي].
نحن ما تكلمنا الآن عمن يختم القرآن في ليلة، وإنما تحدثنا عن بعض هذه النماذج التي بإمكان الإنسان أن يعملها إذا أراد.
فحيا هلا إن كنت ذا همّة فقد ***حدا بك حادي الشوق فاطوي المراحل
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد *** ودعه فإن العزم يكفيك حاملاً

[مدارج السالكين: 3/9].
 
أقبل على النفس علمها يا أخي، علِّمها دين الله، علمها ما تحتاجه، قوّم لسانك بالقرآن، التجويد الذي لا بد منه حتى تتلوه كما يحب الله، ألم تعلم أن الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة؟، وممكن تندم على أي علم تصرف وقتك فيه إلا معاني القرآن كما قال ابن تيمية -رحمه الله- في وصية لطلبة العلم، أنه ندم على أشياء كثيرة إلا صرف الأوقات في تعلم معاني القرآن، مع معاني القرآن، تدور معها، ليأخذ التفسير منك بالحظ الوافر، وبالإضافة لهذا شرح معاني السنة؛ لأن الوحي هو القرآن والسنة، وما يكون من علوم آلة من لغة ومصطلح ونحوها، فإنه لأجل فهم تلك، وأصول الفقه لضبط الفقه، وحتى لا يحصل الشطح في الفهم، ولا يحصل الانحراف كما يحصل عند الكثيرين اليوم.
يا إخوان، إن هذا التعليم للنفس معاني القرآن والسنة، هذا التعليم ضروري جداً، هذا الاجتهاد الجامع بين العلم والعبادة على الصلة بالله، ومعرفة الله وشيء يقر في القلب، ماذا وقر في قلب أبي بكر؟
وهكذا صار أولئك القادة قدوات، "اختلفتُ إلى الحسن عشر سنين، فليس من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع قبل ذلك" [معجم ابن المقرئ: 249]، هذه سعة العلم، وما يخرج من اللسان من أشياء تتحف وتنعش ويحي به الله القلوب بعد موتها  خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه  [رواه البخاري: 5027].
يقول الصحابي أبو عبد الرحمن ابن السلمي: "ذاك الذي أقعدني مقعدي هذا"، يقول: "أقبلتُ على زيد بن ثابت فقرأت عليه القرآن ثلاث عشرة سنة، ليس حفظ أبو شهر وامشي، لا لا، ليس ثقافة ساندوتشات كل شيء مضغوط وركب ونزب على كل الأشياء لا، نحن الآن نحتاج فعلاً إلى روية في أخذ العلم حتى يرسخ ويحصل النفع به، "أقبلت على زيد فقرأت عليه القرآن ثلاث عشرة سنة، كانوا يقرؤون التلاميذ القرآن عشراً عشراً، ما نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما فيها، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً"
كان الجلوس إلى قوم يعظمون الله، يجلس إلى فلان أبكي مما يبني في قواعد الإيمان في نفسي، كان الواحد يحس منهم بمنّة العالم عليه، قال أحمد: "ما أحد مس محبرة ولا قلماً إلا وللشافعي في عنقه منّة"
قال الشافعي: "إذا ذكر العلماء فمالك نجم"، ما هو الواحد اليوم إذا أخذ الفائدة كتم عمن أخذها، وقالها كأنه أبوها الذي ولدها، لا، كان الاعتراف بالفضل لأصحاب الفضل، ولو كتب ابن حجر فتح الباري، لو كتبه بعدما مضى سنين طويلة في طلب العلم لا يستنكف أن يكتب: وقال الشيخ ابن أبي جمرة -رحمه الله- وقال شيخنا البلقيني، وقال فلان، وسمعت من شيخي كذا، ولا يزال يُبارك لهم في علمهم وهم يتواضعون ويعملون وينسبون الفضل لأهله، وهكذا يكون الواحد منهم مستمعاً للكلمة فتعمل عملها في نفسه وتسير، فهو يتذكر كلمة المربي والشيخ سنين طويلة، فتظهر أمامه كالبرهان، إذا أراد أن يعصي الله ظهرت كالبرهان،  وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ  [يوسف: 24]، والأخلاق، أقبل على النفس واستكمل فضائلها، نحتاج للأخلاق نحتاج إلى بناء نفسي سليم على مخالفة هواها، سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه في النار، ما ذكر الله الهوى إلا ذمه، وهؤلاء اليوم في الأغاني يقولون الهوى والهوى وهوانا ويهوي، وهوى بهم في النار سبعين خريفاً، في كلمات تقال مما تغضب الرب -عز وجل-، والغاوي الذي يتبع هواه، وأهل الهوى أهل البدع، إيانا وهؤلاء الذين يبذرون بذور الضلالة في النفوس، وبعض الناس يقولون نستمع، وننتقي، ولا زالوا في البداية، فكيف يستمع لمن ليس له عقيدة سليمة ومنهج سوي وعمل بالعلم ودعوة إلى الله -سبحانه وتعالى-؟ يأخذ التزكية عمّن زكى نفسه.
ننظر اليوم إلى أشخاص كانوا على الجادة، كانوا على الصراط المستقيم، أشخاص كانوا على الدين القويم، كانوا على المنهج السوي، كانوا يعظمون السلف، كانوا يستدلون بالقرآن والسنة على وجهها كما قال أهل العلم، كانوا يأخذون بكلام الثقات من العلماء، يجالسون فلان في ثلاثيته وأربعانيته واثنينيته وأحادية فلان، ويجلسون مع بعض هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالتنويريين، ويصبغون على نفوسهم صبغة الإصلاحيين، وإنما هم في الحقيقة من كبار المفسدين والمخربين، يريدون أن يخربوا فتاوى العلماء الثقات، ويصرفوا الناس عن فتاوى العلماء الثقات، ويأتونك بأحكام جديدة، عبارة عن مجموعة تساهلات وتخريب لهذا الدين، ومصادمة للنصوص الشرعية بحجة المصلحة المزعومة، وأي مصلحة غير اتباع النص، اتباع النص هو المصلحة كلها، ثم بعد ذلك يقولون: هناك متغيرات ولا بد أن نغير بعض الأشياء التي توافق المتغيرات، وهناك أشياء عالمية، وماذا تريد أن نفعل؟ يقول: لا بد أن نطوّع الشريعة نجعلها حديداً مرناً، نجعلها معدناً مرناً نطوعه ونشكله ونقولبه، ونأتي بإسلام عصري إسلام جديد، فإذا بهؤلاء الذين كانوا على الجادة وعلى الطريقة صارت لهم أفكار غير، صار لهم منهج غير، وأقوال خطيرة جداً، ثم تُتاح لهم الفرصة في الفضائيات والمجلات والمقابلات، فغرهم الغرور، وينزلهم الشيطان تلك المنزلة، والواحد يقول: طلع تعليقي في قناة كذا، الذي علقك فشنقك، والآخر يقول: أنا أكتب، الجرائد تنشر لي، وبعضها لا ينشر لك إلا لأنك منهم، إلا لأنك تعينهم على باطلهم، إلا لأن كلامك يصب فيما يخدمهم، وبعض الناس في الحقيقة عندهم تغفيل، مغفل يساق، ولذلك الذي يستكمل النفس يكون واعياً غير هؤلاء الذين يجلسون مع أصحاب الخصومات،  وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ  [النساء: 140].
قال مصعب بن سعد: "لا تجالس مفتوناً فإنه لن يخطئك منه إلا إحدى اثنتين: إما أن يفتنك فتتابعه، وإما أن يؤذيك قبل أن تفارقه" [الحجة في بيان المحجة: 2/523]. أين فلان -يا إخوان- كان يجلس معنا، قال: والله غير أصحابه، مع من صار يجلس؟ والله مع ناس من علية القوم، وناس من المثقفين أو  من التجار الأغنياء مثلاً، ماذا يفعلون وعندهم أفكار أخرى، وعندهم منهج مبحبح مرحرح، وهكذا صار الجلسات غير، وتعدلت اللحية كأنها كانت معوجة فتعدلت الآن بزعمه، وتغيرت الثياب وتغير الشكل، لا تمكنن سمعك من صاحب هوى.
قال يونس بن عبيد: "ولا تخلو بامرأة ليست لك بمحرم، ولو أن تقرأ عليها القرآن" [سير أعلام النبلاء: 6/293].
وقال أبو قلابة يوصي أيوب: "ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك، فينبذ فيه من شاءوا"
[شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1/152].
وبعضهم يجلس مع المنافقين، يجلس مع المنافقين، وجهه إليهم،  وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ  [آل عمران: 119]، وهكذا إذا خلوا إلى أصحابهم لكي يكونوا معهم، لا بد أن يكون عندنا في نفوسنا تجرُّد من الهوى، لا بد أن يكون عندنا إنصاف،  وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا  [الأنعام: 152]، من أراد الإنصاف فليجعل نفسه مكان خصمه، كما أوصى الأئمة والعلماء، والعتاب رائد الإنصاف وشفيع المودة، وأيضاً فإن الله يحب الإنصاف، قال ابن القيم: "هو أفضل حلية تحلى بها الرجل خصوصاً من نصب نفسه حكماً بين الأقوال والمذاهب، وقد قال تعالى:  وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ  [الشورى: 15]، فورثة الرسول منصبهم العدل"، العدل والإنصاف لا بد أن يكون عندنا مجاهدة نفس لتكون سليمة الصدر  وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا  [الحجر: 47] ،  لَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا  [الحشر: 9]، مما أوتي من هو أفضل منهم، بل يثنون عليهم، يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، قال النبي -عليه  الصلاة والسلام-:  أيُّ الناس أفضل؟  قالوا: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال:  هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد  [رواه ابن ماجه: 4216، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 2889]. هذا الصدر السليم الذي يجعلك تنام مرتاحاً مستريحاً، الفرق بين سلامة الصدر والبله، أن سلامة القلب تكون مع عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيعرف الشر ويحذره، ليس مغفلاً، إن عنده وعي، هو يعرف الشر، لستُ بخب ولا يخدعني الخب، فما أروع عمر، لا يخدع ولا يُخدع.
قال ابن القيم: إنه يفتح للعبد باب السلامة فيجعل قلبه نقياً من الغش والدغل والغل، قال عن سلامة الصدر: "ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم".
ترويض النفس على رعاية الوقت:
00:42:26
 إن ترويض النفس على رعاية الوقت، وهذا الليل والنهار الذي يمضي، واغتنام اللحظات في غاية الأهمية، مهما كان الإنسان عنده قدرات قليلة يمكن بتوفيق الله أن يصل إلى أهداف عالية، تجدون الناس معادن،  خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا  [رواه البخاري: 3353، ومسلم: 2378].
فلا بد من الفقه، والحرص، والجلد، لقد سبقت السلحفاة الأرنب في تلك القصة؛ لأنها كانت مواظبة، وهو مغرور، لا بد لنا من همة عالية، هذه الهمة التي تجعلنا نصل إلى تحقيق الأهداف، ومن تهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر، فأشعل همتك، وتخير من المنازل أعلاها، وارتدي من الحلل أبهاها، فأنت لها أهل، النجاح بين يديك، وأمام ناظريك بإذن الله، فخذه ولا تعجز، وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ  [النحل: 78]. أدوات التعلم عندك موجودة، أدوات التعلم عندك في نفسك رزق من الله -سبحانه وتعالى-، وأعلى الهمم همة اتصلت بالحق -سبحانه وتعالى- طلباً وقصداً، اقصد وجه الله، وأوصلت إلى الخلق دين الله نصحاً ودعوة، هذه همة الرسل، ولله ما أعجب أصحاب الهمم في تفاوت مراتبهم، وعلوها، إنهم نحو العرش ينظرون، وإلى الله -سبحانه وتعالى- يدعون، وليس في علو الهمة إفراط، فأعلِ همتك مهما استطعت،  وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ  [الذاريات: 55]، طالع سير العظماء حتى تستكمل فضائل النفس، اقتدِ بالأنبياء، وعليك بالصالحين وصاحب أصحاب الهمم العالية، إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي، وعليك بالتفاؤل واصبر، والصبر مثل اسمه مر مذاقه لكن عواقبه أحلى من العسل
واعلم يا أخي أن للنفوس إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت نفسك أعطها المستحبات بعد الواجبات، وإذا أدبرت ورأيت لنفسك صدوداً، ورأيت لنفسك كللاً فألزمها بالواجبات وامنعها من المحرمات، وكل ما حصلت فرصة اغتنمها،
إذا هبّت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون
وربما تأتي فرصة ولا تتكرر، ولذلك قال:  اغتنم خمساً قبل خمس، حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك  [رواه النسائي في الكبرى: 11832، والبيهقي في الشعب: 9767، والحاكم في المستدرك: 7846، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1077].
فالعمر كالكأس يبدو في أوائله صفو وآخره في قعره كدر، وكذلك فإننا إذا صرنا تحت، ما خير العيش؟
فما للمرء خيرٌ في حياة *** إذا ما عُد من سقط المتاع
[مجاني الأدب في حدائق العرب: 2/78].
ليس هناك علم بدون عبادة.
لما جاء طالب حديث لأحمد -رحمه الله-، وضع له أحمد إناءً من ماء لما أراد أن ينام، فقام أحمد في الصبح فوجد الماء كما هو، فقال: أف طالب حديث ليس له نصيب من قيام الليل.
أيها الإخوة، نفوسنا تحتاج إلى سياسة، نفوسنا تحتاج إلى مداراة، والنفس كالزوجة العاصية، يعني وعظ تأديب، والنفس كالزوجة العاصية في المداراة والسياسة، تدارى عن نشوزها بالوعظ، فإن لم تصلح فبالهجر، فإن لم تستقم فبالضرب، لكن أي ضرب، هل هو ضرب الصوفية، يعلّق سوطاً يقول: أضرب به نفسي إذا تقاعست؟، لا، إن في سياط التأديب نفعاً عظيماً، المواعظ، النفس تحب الممنوعات وتشتاق إليها، ألم تر أن آدم لما منع من ثمرة من شجرة واحدة في الجنة، وأبيحت له كل الأشجار، انجذب إلى الممنوع، مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ  [الأعراف: 20]، قيل: لو أمر الناس بالجوع لصبروا، ولو نهوا عن تفتيت البعر، لقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه فيه أشياء أكيد بالتأكيد، وأحب شيء إلى الإنسان ما منع، ولكن المؤمن لما منعه الله من شيء يعلم أن فيه مضرة، ما منع فيه إلا لمضرة، لا ما منع منه إلا لمضرة، ولذلك فهو يجتنبه.
أهمية وجود المحفٍّز والمشجِّع على فعل الطاعات: 
00:47:42
 ثم من سياسة نفوسنا وهي تسير إلى الله -سبحانه وتعالى- أن يكون هناك حادي، الحادي في السفر ماذا يفعل؟ يهوّن على الإبل كلال السفر، الحادي حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، كيف يحدو بنفوس المؤمنين فتنشط في العمل؟ بتذكيرها بالأجر، وهذه فائدة معرفة الأجور والترغيب في الأعمال، فإن مشقة الطريق يهونها معرفة الأجر، معرفة الثواب، ولذلك يستمر الإنسان في العمل، وأنت مع صاحبك الصالح يعينك أيضاً ويكون حادياً، صار مع صاحب له فمر ببئر، فأراد أن يشرب، قال: اصبر للبئر التي بعدها، فلما وصل التي بعدها، قال: أريد أن أشرب، قال اصبر إلى التي بعدها، حتى وصلا، فشرب، قال: أرأيت أن بإمكانك أن تصبر، وأن تعلل نفسك بأن ما تحتاجه سيأتي.
ومن سياسة النفس أن لها شرة ولها فترة، لها كما قلنا إقبال ولها إدبار، قال عمر -رضي الله عنه-: "إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن أدبرت فألزموها الفرائض" [مدارج السالكين: 3/122].
فالفتور يحصل، ولا بد منه، إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة.
وأيضاً فإننا كلما ذكرنا الجنة كلما عملنا أشياء وامتنعنا عن أشياء، ولا بد أن تكون الجنة هذه حاضرة في أذهاننا باستمرار، ولما قام معاوية على المنبر، وهو يعلم أن من الناس -رضي الله عنه- من كان في نفسه شيء، فتكلم من يرى أنه أحق منا بهذا الأمر فليطلع لنا قرنه، قال ابن عمر: "فأحببت أن أقول وأردت أن أقول الذي أولى بهذا الأمر من ضربك وأباك على الإسلام" لأن معاوية -رضي الله عنه- تأخر إسلامه، فكان هو وأبوه ممن تأخر إسلامهم ومعلوم متى أسلم هو وأبوه، عام الفتح، إذن، أراد ابن عمر أن يتكلم قال: نحن قبلك في الإسلام، قال: "فذكرتُ الجنة فسكت، سكت ابن عمر، لقد كان يريد أن يرد، لكنه سكت، لماذا؟ ذكر الجنة.
الابتعاد عن معوقات الطريق:
00:50:38
 وقد ابتُلينا اليوم بأشياء وأمور كثيرة جداً تعوق عن مواصلة الطريق، فواحد يقول: أنا منافق، وأنا لا أريد أن أكون مع الأخيار، وأنا لا أريد أن أكون صاحب وجهين، وأنا أفعل أشياء من ورائكم وأنتم لا تعرفونها، وليس عندي استعداد لهذه الازدواجية، وأنا... إلى آخره، ماذا سيحدث من جراء هذا؟ يتحسن حالك إذا اعتزلتهم؟ كلا،  وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ  [الكهف: 28].
بعض الناس يقول: هذه من النفوس المستعصية، تجده بدلاً من أن يشتغل بإصلاح نفسه يشتغل بذم الخلق، ويتكلم في فلان وعلان، وغاية ما يفعل أنه قابعٌ خلف لوحة المفاتيح على جهاز الكمبيوتر، يتكلم في فلان وعلان طعناً وقذفاً وتجريحاً وسباً وشتماً، ولا نشك أن بعضهم قد وظِّفوا من قبل أعداء الإسلام، واضح جداً من الساحات الحوارية أن هنالك من وظِّف لإحداث الشقاق بين المسلمين، والطعن في المسلمين؛ لأن أعداء الإسلام يعرفون خطورة مثل هذه الأشياء وتأثيرها، ولا شك أنهم بمخططاتهم قد عملوا كثيراً على توظيف، وربما سمعتم مؤخراً أن رأس الصليبية في العالم تريد أن توظف خمسين ألفاً من هذا العالم العربي في خدمة مخططاتها، تحتاج إلى مترجمين وإلى وإلى، وتحتاج إلى من يبذر الفُرقة، ويبث السموم ويزرع الفتنة، وبهذا يحصل لهم النصر عندما نصبح متشرذمين.
ثم إن بعض النفوس الموجودة الآن عندها تساهل في النقد، وما عنده حصانة لأحد، لا عالم ولا داعية ولا شيخ ولا مربي ولا قدوة، وهكذا يكتب في أي أحد، ثم إنك ترى الأسماء شمس الحق، نور الإسلام، الحقيقة المطلقة، فإذا هو غلام لم تنبت له لحية بعد ويتكلم في الكبار والصغار!، وإذا جمعت بعض المشرفين كما يقال وإذا القضية ما هذا الحال، وما هذه الإطلالات، وكل واحد يمدح الآخر على ما يقوله وما يظهر به، وهذا عصر الرويبضات،  الرجل التافه يتكلم في شأن العامة من الناس  [رواه أحمد: 8440، وابن ماجه: 4036، والحاكم: 8439، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 3650]، وهكذا وجدنا حقيقة نماذج سيئة جداً اليوم قد أطغتها القنوات والمواقع، عصر الانفتاح الإعلامي هذا جعل عدداً من الناس يظهرون وليسوا بأهل للظهور، ويتكلمون وليسوا بأهل للكلام، ويكتبون وليسوا بأهل للكتابة، ويحكمون ويفصلون وليسوا بأهل للحكم، ويفتون وليسوا بأهل للفتوى، ويدرسون وليسوا بأهل للتدريس، وهؤلاء أصحاب هوى، وإذا رأوا الأمور الشاقة تركوها.
المواظبة على العمل وعدم الانقطاع:
00:54:09
 إن مما ينبغي أن نروض أنفسنا عليه: المواظبة على العمل وعدم الانقطاع، من الأعمال ما تطيقون المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، لا بد أن يكون هناك مجاهدة  وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  [العنكبوت: 69].
لا بد أن يكون هناك تكامل، أقبل على النفس واستكمل فضائلها، قد يجتمع لك أنواع من الفضائل، فقد تجد الإنسان عنده علم وصاحب دعوة، وصاحب كرم، وأخلاق إلى آخره، لكن في مجال الشهوات ضعيف، فيدخل عليه الشيطان من باب الشهوات، فيرديه من باب الشهوات ويسقط، فيذهب علمه، وتذهب دعوته، ويذهب خلقه.
قال ابن القيم في بيان مدخل آخر ومزلق في قضية التعامل مع النفس؛ وهو الاستسلام للشبهات، أو الإكثار منها والسؤال عنها، وتبّني الشُّبهة، والانشغال بالشُّبهة، قال لي شيخ الإسلام -رضي الله عنه-: "وقد جعلتُ أورد عليه إيراداً بعد إيراد لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، القارورة الزجاجة الشفافة تمر الشبهات بظاهرها، ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، انظر إلى التشبيه، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات".
قال ابن القيم: "فما أعلم أني انتفعتُ بوصية في دفع الشُّبهات كانتفاعي بذلك"
قال -رحمه الله- أيضاً: "وسألتُ يوماً شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة وقطع الآفات والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها، فقال لي جملة كلام، وهذه القضية في معالجة النفس وإصلاح النفس مهمة، هل ينشغل الإنسان بإصلاح عيوب نفسه تماماً، كل الشغل للعيوب، ينبش عن العيوب فقط، إن التفتيش عن العيوب مهم، ومحاسبة النفس مهمة، وإصلاح الخلل في النفس مهم، هذا عنده بخل، هذا عنده شُح، هذا عنده عجب، هذا عنده كبر، هذا عنده كذب، هذا عنده رياء، هذا عنده أنانية، لكن أن تنصرف كل الوقت في هذه القضية، وربما يشغلك عن شيء أهم، وإذا تركت تفتيش عيوب نفسك أضر بك وصرت مغروراً، ولا بد من التوسط.
قال ابن القيم: "سألتُ يوماً شيخ الإسلام -رحمه الله- عن هذه المسألة، وقطع الآفات، والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها، فقال لي في جملة كلامه: "النفس مثل الباطوس، ما هو الباطوس؟ من قبل ما كان هناك شبكات صرف صحي، فكانوا يضعون النفايات في حفر عميقة يضعون فيها النفايات ويدفنونها، قال: "النفس مثل الباطوس، كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإنك لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئاً ظهر غيره، وقال بعض الشيوخ: مثال آفات النفس مثال الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع، ولم يمكنه السفر، متى ستنتهي الحيات والعقارب من الطريق؟ ولكن لتكن همتك المسير، والإعراض عنها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله، ثم امض على سيرك، قال: "فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جداً، وأثنى على قائله"[مدارج السالكين: 2/299].
فالآن إذا واحد انشغل اشتغل فقط بالسلبيات، فمتى يكون الانشغال بالإيجابيات، ولذلك قال في هذه المسألة: امش في الطريق اشتغل، إذا عرض لك شيء في نفسك عُجب كبر تِيه غرور، رياء، عالجه، تصدى له، اقتله وواصل المسير، هذه هي السياسة للنفس الصحيحة والإيجابية، وهذه هي السياسة الناجحة لأجل الاستمرار في الطريق والعمل، وإلا لربما لبّس الشيطان وقال أنت مليان عيوب ما تصلح للدعوة، أنت مليان عيوب ما تصلح لا تعمل، أنت الآن تعمل ماذا؟ أصلح أولاً اشتغل بالإصلاح وهكذا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن  [رواه أحمد: 21403، والترمذي: 1987، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 97].   
وقال ابن القيم: "قال لي شيخ الإسلام وسأله عن الشيطان، ماذا يعمل معه أدافعه أجاهده، قال: "فإن رجع أدافعه أجاهده، قال: فإن رجع أدافعه أجاهده، قال: هذا لا ينتهي، إذا هاش عليك كلب الغنم، ماذا تفعل؟ أدافعه، قال: عليك بالراعي، أخبر الراعي يصرفه عنك، معنى ذلك: الشيطان إذا أتاك أن تجاهد وتصارع الشيطان، لكن لا تنسَ أن تلجأ إلى رب الشيطان فيكفه عنك، ولذلك تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. [تفسير القرطبي: 7/348].
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت  [رواه الترمذي: 5067، والترمذي: 3392، وصححه الالباني في السلسلة: 2753].
هذه أشياء تتعلق بما يكون من سياسة النفس، ومن ذلك إصلاح عيوب النفس، ومجاهدة الكبر فيها بحملها على التواضع، لكن كيف نحمل النفس على التواضع؟ هناك طرق مبتدعة، هناك تربية منحرفة للنفس كما يوجد عند الصوفية، التربية بتعذيب النفس، إذلال النفس بأشياء غير شرعية، مثلاً: إغماض العينين في الأماكن المظلمة، الأذكار المبتدعة، الامتناع عن النكاح، الامتناع عن اللحم، يحاول ألا ينام ولا يأكل أطول فترة ممكنة.
جاء شخص إلى أحد رؤوس الصوفية، جاء إلى أبي يزيد البسطامي، قال: أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر ولا أفطر، وأقوم الليل ولا أنام، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكره شيئاً، وأنا أصدّق به وأحبه، قال أبو يزيد: لو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة" [إحياء علوم الدين: 4/358].
انظر كيف يصرف الصوفية أتباعهم عن العبادات الشرعية إلى أشياء أخرى، قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك، قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم، قال: قل لي حتى أعمله، قال: لا تقبله، قال: فاذكره لي حتى أعمل، قال: اذهب الساعة إلى المزيّن، يعني الحلاق، فاحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة، وعلّق في عنقك مخلاة مملوءة جوزاً، واجمع الصبيان حولك، وقل: كل من صفعني صفعة أعطيته جوزاً، وادخل السوق وطف الأسواق كلها عند الشهود، وعند من يعرفك وأنت على ذلك، حالق اللحية، فقال الرجل: سبحان الله، تقول لي مثل هذا؟، فقال أبو يزيد: "قولك سبحان الله شرك، قال: وكيف؟ قال: لأنك عظّمتَ نفسك فسبّحتها وما سبّحت ربك، مع أن التسبيح عند سماع الشيء العجيب هذا عبادة، قال: هذا لا أفعله، دلني على غيره، قال: ابتدئ بهذا قبل كل شيء، قلت: لا أطيقه، قال: ألم أقل لك لا تقبل، وهكذا الملامتية من الصوفية الذين يجعلون أنفسهم في مواضع المعصية ويتظاهرون بالمعصية ليلومهم الناس، لماذا؟ قالوا: تواضعاً حتى نكسر النفس، ولذلك لما رأى بعضهم كلباً يمشي في الطين، قام ومد ظهره على الأرض؛ كي يمشي الكلب فوقه، لماذا؟ قال: أكسر النفس تواضعاً، هذه أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.
كان أبو بكر -رضي الله عنه- يحمل الثياب إلى السوق ويتجر فيها، واشترى عمر -رضي الله عنه- لحماً فعلقه بيده وحمله إلى بيته، وحمل قربة ماء فقيل: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، قال: "لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت في نفسي نخوة، فأحببتُ أن أكسرها، ومضى بالقربة إلى بيت امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها"
[مدارج السالكين: 2/315].
واشترى علي -رضي الله عنه- تمراً، فحمله في ملحفة، فقال له قائل: أحمل عنك يا أمير المؤمنين، قال: "لا، أبو العيال أحق أن يحمل"، وأقبل أبو هريرة وهو أمير البلد يوماً من السوق وقد حمل حزمة حطب، فقال لرجل: أوسع الطريق للأمير، هذه نماذج على التواضع، لكن ليس كنماذج أولئك المنحرفين الذين يريدون تربية النفس بطرق غير شرعية.
قدِم عمر بن الخطاب الجابية على جمل أورق تلوح صلعته للشمس، ليس هناك ناس مظللين عليه، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصتفق رجلاه في الرحل بلا ركاب، وطاؤه كساء إنبجاني ذو صوف، هو وطائه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة محشوة ليفاً، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل، وعليه قميص من كرابيس، قد تخرّق جنبه، وفي الطريق كانت مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع موقيه فأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، فصكّ في صدر أبي عبيدة، وقال له: لو غيرك يا أبا عبيدة قالها، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلب العزة بغير ذلك أذلكم الله" فإذا ابتغيتم العز بالمواكب الفارهة والخدم والحشم والزينة، ليس هكذا يبتغى العز، واليوم الأغنياء يبتغونه هكذا، يبتغون العزة بهذا، يقوم الناس على رءوسهم، ولا بد من ألفاظ وإتكيت معين، وهكذا إذا مشى، وإذا نزل، وإذا انصرف، وإذا قام وإذا دخل لا بد أن يقوموا له، يبتغون العزة في غير الإسلام، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله، لا تطروني [رواه البخاري: 3445].
ودخل عليه رجل فكلمه فجعل الرجل ترعد فرائصه، اللحمة تضطرب العضلة، فقال: هوّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد، ودخل رجل المسجد، فقال: أيكم محمد؟ كيف ما عرف النبي -عليه الصلاة والسلام-، لأنه جالس مع مجموعة مثله مثل غيره، ما تميز عنهم بشيء، ما تميز عنهم بشيء، والنبي -عليه الصلاة والسلام- متكئ بين ظهراني أصحابه.
دخل رجل في مجلس أحد العلماء الذين ماتوا -رحمهم الله-، وركز على الذين ماتوا، وكان هذا العالم ضريراً، ومن تواضع العالم أنه ما كان يجلس في صدر المجلس، كان يجلس على جنب، والخادم الذي مع العالم الشيخ اللي يصب الشاي والقهوة رجل له لحية بيضاء كثة، والشيخ لحيته قصيرة خفيفة، هو خلقة، لحية الشيخ خفيفة والشيخ ضرير وجالس على يمين المجلس، ما جلس في صدر المجلس، فجاء السائل فتح الباب، فقال: السلام عليكم، فسلّم ورد السلام، قال: عندي سؤال يا شيخ، كذا كذا، يوجّه الكلام للفراش، قال: فلما سكت أجاب الشيخ، قال: أنت عليك، قال: اسكت يا الأعمى ما أعنيك أنت أعني الشيخ! لماذا؟ هكذا ما كانوا يتصدرون، أحد العلماء جالس في مكتبه على الكرسي الذي بجانب الطاولة، ما جلس على كرسي المكتب، هكذا تواضعاً، جاء واحد ودخل عندي قضية طلاق، أين أذهب؟ قال: اذهب للشيخ في المكتب، فتح الباب وجد واحد جالس مثل المراجعين، كأنه يعني شخص يراجع، فقال: الشيخ ليس هناك، أين الشيخ، قالوا: في المكتب، قال ليس في المكتب، أنا ذهبتُ ما وجدته في المكتب، قال: اذهب انتظر في المكتب سيأتي بعد قليل، فتح الباب، جلس والعالم الشيخ أمامه، فهذا الأعرابي جلس وجد أمامه قال له: قم جيب شاهي، قم هات الشاهي، فقام العالم وراح وجاب شاي تفضل وجلس شرب الشاي تأخر، خرج، قال: أين الشيخ؟ قالوا: الشيخ في المكتب، قال: هذا المكتب، قالوا: هذا الشيخ.
من تواضع لله رفعه، واليوم كل واحد أبداً متصدّر، وأغماراً صغاراً، ومع ذلك انظر إلى الساحات وما يُكتب فيها، وكل واحد يفتي، وفي القضايا العلمية في قضايا الأمة، والكلام الكبير ويتكلمون بذلك.
ولا بد أن يكون أن تكون طريقتنا في سياسة أنفسنا وتربية أنفسنا وعلاج أنفسنا واستكمال نقائص أنفسنا أن تكون طريقة سلفية نقية، أن تكون مأخوذة من أهل العلم، من أهل الدين، من أهل الالتزام بالإسلام، أما أن نذهب لبعض نفايات الغرب والشرق، وما يسمى بهذه النظريات الجديدة، ويقولون: نريد نستخدم إل إن إل بي في حفظ القرآن، وهذه ممكن بطرق، هاتوا ماذا عندكم في تربية النفس؟ قال: القاعدة الأولى: ثق بنفسك، ثق بنفسك، كن صاحب شخصية، لا تتنازل بسهولة، ناقش بقوة، طيب يعني هذه العبارات ماذا ستعلم الشباب؟ لا تتنازل بسهولة، كن صاحب شخصية، لا تتنازل بسهولة، يربون الناس بمثل هذه النظريات على الغرور والإعجاب.
ولذلك نشأت الآن ناشئة إذا نصحت الواحد فيهم في غاية الاستعلاء والكبر، وقد ظهرت شخصية الباحث من خلال الرسالة، يعني شخصية الباحث، لازم كل مرة يقول: قلتُ، أو...، ولو كان اكتفى بترجيح أحد العلماء مثلاً، لا بد أن يخطئ أو يصوّب حتى تظهر شخصيته؟ ومن هو بجانب هؤلاء العلماء حتى يخطئ ويصوّب، ولذلك حتى لو أراد أن يخطّئ ينقل من كلام العلماء الآخرين على عدم رجحان هذا القول، أو على خطأ هذا القول، أما تجد الواحد اليوم قال النووي، قلتُ: وهذا خطأ، قال ابن حجر، قلت: وما قاله ابن حجر ضعيف، قال ابن تيمية، قلتُ: وما قال شيخ الإسلام مرجوح!، يا أخي أنت تتكلم مع من، من أنت؟.
ثم عبارات: نحن نصنع الأجيال، نحن نصنع الحياة، صنع الحياة، صناع الحياة، سألت شيخينا عبد الرحمن البراك حفظه الله عن صناعة الحياة، قلت: يا شيخ ما رأيك في هذه العبارة: صناعة الحياة، صُنّاع الحياة، نحن نصنع الحياة، بعض الناس يريدون أن يعملوا دعاية تجارية، نحن نصنع الحياة، قال: في القلب منها نفرة ووحشة، هذه العبارة "صناعة الحياة" الله -عز وجل- الذي يخلق الحياة،  صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ  [النمل: 88].
وهو الذي يحيي -سبحانه وتعالى-، لكن هذه الأشياء هذه النظريات الحديثة فيها كلام من هذا، نحن نصنع التاريخ ونصنع الحياة ونعمل، يعبرون بتعبيرات كأن القضاء والقدر ليس له مكان، لكن الذي يطلع من بعض هذه الدورات أنا أقول لكم من واقع نظر وتجربة ببعض الأشياء، ومقابلة بعض الأشخاص، الذي يخرج من بعض هذه الدورات تختل عقيدته في القضاء والقدر، نعم وثقة زائدة ومفرطة، ونسيان التوكل على الله، وكأن الأسباب هي كل شيء، لماذا؟ كيف تصبح مليونيراً؟ فقط فكر ثم قرر، الدليل: سئل كيف صرتَ؟ قال: فكرت أن أكون مليونيراً، ثم قررت فأصبحت مليونيراً! وهذه سخافة يا أخي، كل واحد يفكر يصبح مليونيراً؟ قرر، قررت ستهطل عليك الأموال، يعني غريب!
وهذه نظريات إنيو إيج والإن إل بي، والإدارة الحديثة، والأشياء، أين التوكل على الله؟ ما هذا الكلام؟ قرر، فكر وقرر وستلاحظ أن الأموال ستتدفق عليك.
قيل: سئل الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-: هل تجب الثقة بالنفس؟ قال: لا تجب ولا تجوز، يعني ما يجوز يكون الاعتماد على النفس فقط، لازم يكون الاعتماد على الله، إنما كيف يكون الإنسان قوي النفس؟ قوي النفس بالحق، قوي النفس بالإيمان، عندما يكون صاحب علم متيقن من علمه، ما يترك علمه للظنون، والتشكيكات، والجهل، مثال على الثقة الصحيحة بالله، الثقة الصحيحة بالعلم، الثقة بالله، والثقة الصحيح بالعلم الذي في نفسك، عندما تتعلم مسألة وتعرفها بدليلها وتأخذها عن أهل العلم، ثم ترى أن كثيراً من الناس يخالفون ذلك، أي مسألة، خذ مثلاً شراء الذهب بالأقساط، أنت قرأت وتعلمت أن شراء الذهب بالأقساط حرام؛ لأن شراء الذهب لا بد أن يكون يداً بيد، فلما ذهبت إلى سوق الذهب وإذا كل الناس أكثر الناس ماشيين على هذا، شراء الذهب بالأقساط، وشراء الذهب على المرتب في آخر الشهر، وشراء الذهب ببطاقة فيزا والحساب في آخر الشهر، وشراء الذهب ... فهل أنت تشك في الذي عندك وتقول يمكن أنا غلطان، لا، هنا يكون تكون الثقة بالله تؤدي إلى التمسك بما تعلمه الإنسان من الحق، ويقول: أنا أعرف الحق، أنا أثبت عليه، أنا عرفته وتعلمته بدليله وتلقيته من أهل العلم، فأشك فيه وآخذ بقول هؤلاء؟ مثال آخر: في رمضان الماضي نشر هؤلاء الفلكيون وتبجحوا وتواقحوا وقالوا لا يمكن أن يرى الهلال بعد تسعة وعشرين، رمضان السنة هذه ثلاثين، لماذا؟ لا يمكن رؤيته، والحسابات تقول إنه سيولد في كذا وسبع درجات وتحت الأفق ولن يظهر إلا بعد ... طيب كلام كثير، وإذا بالناس يرون الهلال يرون الهلال بعد تسعة وعشرين ليلة ثلاثين، فإذا بها ليلة واحد ورؤي الهلال، وكم الذين سجلوا شهاداتهم في هذه البلد فقط، كم الذين سجلوا شهاداتهم في المحاكم غير الذين ما سجلوا؟، أحد عشر واحد الذين رأوا الهلال هذه السنة التي ذهبت في البلد، هنا أحد عشر واحد ويثبت الرؤية شرعاً، جاء واحد قال لي في مجلس: أظن صيامنا غلط ونحن نقصنا يوم؟ قلت: نعم، قال: صيامنا خطأ ونحن نقصنا يوماً، لماذا؟ هو دكتور!، لماذا يا أخي؟ قال: لأن الفلكيين قالوا لا يُرى ونحن جربنا  ودخلت مواقع إنترنت ونسمع فلكيين عالميين وقالوا: لا يمكن يرى، قلت: و هؤلاء الناس، الجمع الذين رأوا الهلال، قال: لا يمكن شافوا شيء ثاني، قلت: يا أخي هلال أنت تعرف هلال يعني شكل الهلال يعني معروف الهلال شكله، قال: يمكن، هو تجمع نجوم على شكل هلال، يا أخي حديث:  صوموا لرؤيته  [رواه البخاري: 1909، ومسلم: 1081].
قال: يمكن الرؤية، العلم، خلاص يعني؟ على أي أساس نتناقش إذا لم نرض بالأدلة فيها، ولا نرضى بالشهود، فإذا نطعن الحديث، نحاول نوجد له ملفات، وأشياء ونغير العلم، الرؤية ما رأى ليس رؤية العين، وإنما العلم الحديث، والناس الذين في الماضي الذي ما كان عندهم علم حديث كيف يفعلون، والآن هناك أَحَدَ عَشَرَ واحداً عندك كلهم نكذبهم هؤلاء، ولذلك فعلاً انظر هذا الطغيان، هذا بعض العلم الدنيوي يولّد الطغيان.  
وبعض هذه النظريات والطرق وهذه الأشياء التي يعملون لها دورات الآن، فتنة الدورات وليس كل الدورات، هناك دورات جيدة، هناك دورات في مهارات الاتصال، ودورات في التعامل، ودورات هناك دورات جيدة، لكن هناك دورات منحرفة أنشأت في النفوس تقديس العلم الحديث، أنشأت في النفوس الطغيان، وعدم قبول الحق، أنشأت في النفوس الغرور، جاء واحد ينصح واحداً، قال: يا أخي صارحني أنت لماذا فعلت كذا؟ قال: أنا ما أصارحك، لماذا؟ قال: نحن قرأنا وأخذنا في الدورة أن الواحد ما يقول كل شيء في نفسه، لماذا؟ قال: لأنه أنا مثل الصدفة أعز ما فيها اللؤلؤة، فإذا فتحت وكشفت لك نفسي وأعطيتك أغلى ما فيها، ماذا يبقى عندي؟ سبحان الله، الحل؟ إذن أني ما أصارح، يا أخي المؤمن واضح، المؤمن واضح، يقول ما في قلبه، يصارح، لماذا؟ قال: لأنه علمونا في الدورة أنه لا بد أن تحيط نفسك بهالة من الغموض، لا بد تحيط نفسك بهالة، هذه الدورات التي استفدنا، طلعنا الآن الحمد لله على كل حال حتى تعظم نفسك وتصير لك شخصية لا بد أن تحيط نفسك بهالة من الغموض، هذه اللي خرجنا فيه، ثم يعني بعضهم يقول لك هذا -مثلاً- القرآن، ممكن نحفظه بثلاثة أيام!، وصحيح البخاري في يوم و...، لماذا؟ قال: القراءة السريعة، ماذا تعني؟ قال: هناك قراءة اسمها: القراءة السريعة! والعلم اكتشف القراءة التصويرية، ما هي القراءة التصويرية، فقط تنظر طبّق لي، أرني، سبحان الله، يريدون هناك طرق ما اكتشفها الإمام أحمد، ولا البخاري، ولا شُعبة، ولا سفيان، ولا ابن معين؟ ولا حفّاظ العالم الإسلامي الذين مروا على هذه الأمة، وهؤلاء اكتشفوا، أروونا أنبئونا بعلم طلعوا لنا واحداً حفظ البخاري في يوم، ورونا أين هذا الذي حفظ البخاري في يوم؟، القراءة التصويرية، أنت ممكن تمرن نفسك على القراءة مثلاً تزداد مثلاً الصفحات اللي تقرأها مثلاً ممكن لكن أنك يعني تظن أنك ستأتي بما لم تأت به الأوائل، كيف هذا، ثم بعضهم يقول: نحن عندنا الآن مبادئ جديدة  لقضية الارتقاء بالنفس، في نظرية الطاقة، ونظرية الأشياء الخفية، نظرية ...، يا أخي إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ  [الأنبياء: 45]، والمشكلة أن بعض هذه الأشياء التي تؤخذ في هذه الدورات الحديثة على حساب العبادات، وكلها مربوطة بقضية اللذة والألم، اللذة والألم، اللذة والألم، كلها أشياء دنيوية، لا يربطونك بالله، ولا باليوم الآخر، ولا بأي شيء أخروي ولا بثواب ولا بعقاب، أصلاً هي نظريات غربية مأخوذة من الغرب الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ليس عندهم أصلاً الجنة والنار والثواب والعقاب، ولذلك يخرج الواحد من هذه الدورات أحياناً مسمّم الأفكار، عنده أشياء غريبة، أجنبية عن الدين، والذين يعرفون الأشياء المفيدة من غير المفيدة قلة، وليت همّة بعض طلبة العلم المجيدين تتجه إلى أخذ الدورات هذه التي تعمل فيها الآن الدورات بالألوف المؤلفة لاستخراج الانحرافات الموجودة فيها لتحذير الناس منها، ويقال فيها حق كذا وكذا وكذا، فيها باطل كذا وكذا وكذا.
جاء الآن ما يزاحم القرآن والسنة، عندما يقع الشباب نهباً لبعض هذه الثقافات الأجنبية الوافدة، وأنها هي التي تصوغ شخصياتهم، وتعالج عيوبهم الشخصية، وهي التي تنمّي القدرات، وتعمل فيها بعض الحق فيها بعض الأشياء الجيدة، لكن فيها أشياء باطلة، لكن أريد أن أقول: إن كثرة الغوص فيها يجعل الواحد ينشغل عن الكتاب والسنة، يصير التربية بهذه الأشياء الأجنبية الوافدة، وليس بالقرآن والسنة.
إن بعض الناس قد يعتمد أيضاً في تربيته لنفسه أنواعاً من الأباطيل كأخذ جدول مثلاً وصح وخطأ، وعلامات مثلاً    صليت اليوم حط صح، واحد من خمسة كذا، إذا صليت كذا، هل أديت السنن، هل قمت الليل؟، هل صليت الضحى؟، هل فعلت كذا؟، ضع وعلامة صح وخطأ واجمع العلامات وإذا أنت جبت كذا فأنت وإذا جبت كذا فأنت، كتب عليها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله طريقة مبتدعة في محاسبة النفس.
ضرورة وجود المربي القدوة:
01:23:50
 إنه لا بد من مربين، والمربي قدوة، المربي يحفظ الإنسان بفضل الله -بعد الله- من كثير من الانحرافات.
مهم جداً أن يوجد مربي وقدوة، لكن إن وجد، لا أنه ما يمكنك أن تربي نفسك، عندك منهج تربي نفسك عليه، والمربي يكون بينك وبين الله -عز وجل-، المربي يقودك إلى الله، وإذا وصلت إلى المنهج وإذا مسكت الطريق، إذا صرت تعبد الله على بصيرة، هذا هو دوره، قد قام به وفعله، ما وظيفة الدعاة؟ يدلون الناس على الخير، يوصلون الناس إلى طريق الحق، أحياناً يقول بعض الناس: ما يمكن نرتقي ولا يمكن ندعو ولا يمكن كذا لأن عندنا معاصي، أنت تريد أن تضيف إلى معاصيك معصية أخرى وهي ترك الدعوة إلى الله وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
بعض الناس يغرق في الأخبار، يقول: أريد أن أثقّف نفسي في الواقع، فتجد أن الأخبار ومواقع الأخبار ومتابعة الجرائد ومتابعة إذاعات ومتابعة النشرات ومتابعة المواقع تأخذ منه أكثر من نصف يومه، أكثر من نصف يومه، فماذا فعلت في قراءة القرآن والأشياء الأخرى وأنت تقرأ من دخان أنفاس بني آدم الذي يجلب السواد إلى القلب، وأشياء يعني الإغراق ليس الخطأ في معرفة ما يدور هذا مهم، لكن الخطأ هو الإغراق فيه، والإلتهاء به عما هو أهم؛ مما ينجيك يوم القيامة، انظر اليوم إلى حجم دخول الشباب على المنتديات، انظر إلى انشغالاتهم بالعلاقات والحوارات والتعارف والارتباطات وإلى آخره، وما أنشأت من أنواع المحرمات، صار الشباب اليوم يريدون كل شيء جاهز كل شيء معلّب، كل شيء مضغوط، يريدون كل شيء سريعاً، ما هو الفرق بين أخذ الغذاء عن طريق محاليل وريدية وبين أكل هنيء مريء تأكله بتروي ويدخل إلى بعد بسم الله إلى جسمك؟، هل تظن أن المحاليل الوريدية المحاليل مغذيات مثلاً تريد مغذيات بعضهم يريدونها على طريقة المغذيات، والمشكلة أن الأشياء الموجودة اليوم من الأجهزة هذه فعلاً خرّبت التلقي عند الكثيرين، التلفزيون يعطيك المعلومات بطريقة سهلة جداً، وصار الناس يعيشون في أزمة في قضية التلقي، الإذاعات، تلفزيونات، إنترنت، أشياء كثيرة جداً تزحم عقل الواحد اليوم جرائد تزحم عقلك الأخبار، ولو صار شيء في كولومبيا وفي الأرجنتين وفي بنما وفي هندوراس وفي كذا، وما يحدث في أوكرانيا أشياء زحمة ما عاد عند الواحد وقت يقرأ القرآن ويتلذذ بمعانيه ويتأمل في مخلوقات الله كم واحد اليوم يتأمل في مخلوقات الله؟ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  [الأعراف: 185]، كم واحد ينظر في ملكوت السموات والأرض؟ ولماذا ما صاروا ينظرون في ملكوت السموات والأرض؟ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  [الغاشية: 17].
 وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ  [الأعراف: 54]، لماذا لا ينظروا إلى ما جعل الله في هذا الكون؟، إشغال تام بهذه الأشياء الإلكترونية الحديثة المسموعة، المقروءة، المرئية، زحمة على دماغ الواحد.
ولذلك حتى بعض الكفار في هولندا كان في يوم في الأسبوع ممنوع فيه التلفزيون، وفي يوم محدد من أربعة لعشرة، الآن قنوات تقلب ليلاً نهاراً، الشخصيات صارت شخصيات استهلاكية، الواحد يقرأ يقلّب من قناة إلى قناة، إلى جريدة، إلى نشرة إلى موقع إنترنت، صرنا مستهلكين، ما عند الواحد وقت حتى لأهله ولا لأولاده ولا لنفسه ولا هو يقرأ القرآن ولا يقرأ في كتب أهل العلم أو يتعلم العلم أو يثني الركب عند العلماء، صرنا شخصيات استهلاكية، يا جماعة بناء النفس يحتاج إلى نفس طويل،  حتى الأدوية صار أخذها شيئاً غير طبيعي سريع المفعول، المضاد الحيوي الذي كان بسبعة أيام صار بثلاثة أيام وبيوم ممكن أيضاً، يؤخذ وانتهى أعطيناه، ويكتب عليه: مرة نيو ثم إكسترا، ثم أكتف، مثل الطبخ بالمكرويف والطبخ على الحطب، هي تخرج في دقائق، لكن كيف تخرج؟ ثم يكتشفون شيئاً فشيئاً أضرار لهذه الأشياء الحديثة، لا يستطاع العلم براحة الجسد، إذا ما تعبت في طلب العلم ليس هناك علم يحقن، الآن الشباب يقولون نريد أعطونا شيئاً سريعاً مستعجلاً، حقن كبسولات، ممكن تحط صحيح البخاري في كبسولات؟، ويقولون: حفظ طيب حفظ الصحيحين في شهر، حفظ الجمع بين الصحيحين، جيد، لكن ماذا فعلت بعده من المحافظة عليه، دورة حفظ القرآن في شهرين جيد، ماذا فعلت بعدها للمحافظة عليها؟، يا أخي لما نقول اعتكاف حبس النفس لطاعة الله، يعني تدخل المسجد، إيش آخذ معي في الاعتكاف، قال واحد من الشباب كاتب ما حكم أخذ اللابتوبات جمع مؤنث سالم، لابتوبات في الاعتكاف، لابتوبات وإنترنت، والجوال شغال أشياء، يا أخي الاعتكاف تأخذ مصحفاً وتدخل فقط، ليس هناك شيء آخر، وإذا في المسجد مصحف خذ نفسك واذهب إلى المسجد.
يريدون اليوم علماً يأتي بلا تعب، الاستعجال الثمرة يفسدها، من الأشياء التي أفسدت نفوس بعض الشباب فتح مجال المشاركة في القنوات في المنتديات إلى آخره، وصار الواحد يطلع في سادس ابتدائي، يطلع يقول كلمة أنا عندي مشاركة تفضل، كذا.
وقد يكون شيئاً تشجيعياً حصل مثلاً من بعض الأبوين وقال شيئاً مفيداً، لكن أحياناً يكون شيء ضار، ويكون الكلام تافه، ويخرج واحد يتصل على القناة الفضائية يتكلم، ثم يجي ثاني يقول له: أنا أمس ما سمعتوني صوتي سمعه الملايين، ماذا قلت؟ قال: أي شيء، فقط كنت مشغولاً إني أمسك الخط، مشغول يمسك الخط، وما هو مشغول بماذا يحضر، ولماذا ماذا يريد أن يقول ولماذا، هل هو من مرضاة الله أو لا، ناس ماسكين سره على المايك في غرفة البالتوك يريد المايك، عطوه المايك في الأخير ليبيض البيضة الفاسدة العجيبة ليقول سكت دهراً ونطق هجراً، وما وصارت فقط تعال شارك، شارك في الإنترنت، شارك ...، تعال وكن معنا مشرف تعال فقط احذف الأشياء التي ليست مفيدة، كيف أنت، أنا ممكن أعرف بعض الأشياء لكن بعضها ما أعرفها، الآن أنا لست مؤهلاً، لا لا فقط شارك، وإذا ما يمكن تبعث لقد فتحنا لكم مجال إس إم إس، أرسلوا رسائلكم، صار العالم مشغولين، وأتيح المجال، ظهر اسمي في التلفزيون، ظهر اسمي في شريط الأخبار، ظهر اسمي في شريط الكذا، المهم طلع اسمي في ... مشغولين بالشهرة وحب الكلام، وأشياء تدعو لنفخ الشخصيات، اثنا عشر ساعة على الإنترنت، في الأخير واحد قال: يا جماعة أنا تبتُ إلى الله هذا اسمي وهذا الباسورد واحد يأخذه يخلصني بس، أنا ما صليت الجماعة كذا، ولا صليت بعض الصلوات فاتتني؛ لأني غارق في هذا البلاء.
الساحة الآن مليئة بالمعاصي الفردية، يوجد الخصوصية التي يسمونها: "البرايفسي" التي أدت إلى حصول هذه المعاصي في الإنترنت في الأفلام في الفضائيات، أشياء تفسد الواحد لو كان وحده، شفت المرأة في قعر بيتها وما عندها أحد أبداً ممكن تفسد في قعر بيتها، صارت المعاصي الآن أسهل في الأول في الوقوع، كانت المعصية من زمان تقع بعد صراع وبعد فترة طويلة الواحد يقع في معصية، ومن زمان الواحد إذا أراد أن يعصي، يفكر، غاية ما هنالك أن يرى صورة، الآن لا، تعدت القضية ذهبوا إلى المراقص، وعبروا الجسر، وذهبوا للملاهي والفنادق التي فيها معاصي، وصار مشاركة، قبل عشرين سنة خمسة وعشرين سنة إذا خطرت المعصية مثلاً في أذهان الشباب كذا ممكن تكون صورة بالدس، الآن الأمور تطورت، هناك أماكن كثيرة تسافر إليها من أجل المعاصي، وكل يوم فتح صور وراء صور وراء صور وراء مواقع وراء أشكال وراء ألوان من العورات، وأنواع الفواحش وقنوات وأشياء، والذي يريد أن يرى حياً يذهب، هناك فنادق وأماكن تعرض هذا وأشياء، وأزعجوا زوجاتهم في الطلبات اصبغي شعرك وإذا كان أملس جعديه وإذا كان أجعد ملسيه وانفخي البراطم، وانفخي الجفون وجددي مدري، ولونك لا يعجبني، يا ابن الحلال خلقة الله هذه خلقة الله يعني تغيير خلق الله ملعون فاعله، وما راح يعجبه شيء، أنت تفتكر أنه لو غيرت له هذا ستكفه، أنت تقول الآن لو غيّرت له هذا، ستعفه؟ لا؛ لأن الطلبات مستمرة، بسبب تتابع هذه الرؤية، وشيء وراء شيء، ولازم تعملي لي كذا، وأنا رأيت هذا المنظر لازم تطبقي في كذا.
حقيقة نحن نعيش في زمن مخيف للغاية، مخيف جداً، وإذا الواحد كل واحد ما اهتم بنفسه، وما راعى نفسه سيضيع سيضيع، نحن أدخلنا الآن بأشياء عالمية، أدخلنا في قضايا كثيرة، أشغلنا في قضايا كثيرة تفسد العقيدة والدين والأخلاق وتلهي عن العبادات، والله -سبحانه وتعالى- قال: لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ  [المنافقون: 9]. وعلى تجارة بسطة، التجارة لا تلهيه، الآن ليست بسطة، الآن القضية أكبر من هذا بكثير،  زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران: 14].، الرفاهية، السيارات، الجوالات، الزينات، أنواع الأشياء، ليتهم يأخذون منها بقدر ما ينفعهم، ليتهم يأخذون منها بقدر ما يحتاجون، لا، إشغال وراء إشغال، ثم ترى الأشياء، أنا شاب عمري خمسة عشر عاماً ملتزم، إذا خلوتُ غلبتني نفسي على سماع الغناء، أنا شاب ملتزم إلا أن الشهوة تغلبني على الاستمناء، أنا شاب ملتزم أُبتليت بالتعلق بالمردان، أنا شاب ولكني أنظر إلى النساء ولا أستطيع...، كثُرت الابتلاءات، حصلت هذه المعاصي الكثيرة من فساد البيئات، فكيف إذا كانت أشياء تفسد المنهج، وتفسد الدين، وتفسد العقيدة.
وقفة محاسبة ومصارحة للنفس:
01:35:32
 في النتيجة النهائية لا بد أن يكون لنا وقفة مع أنفسنا ومصارحة وعودة إلى الله -سبحانه وتعالى-، لا بد أن يكون لنا إقبال على الله، وسعي في النجاة بهذه النفس، وأن نفكر في اليوم الآخر، لا بد أن نحيي واعظ الله في قلوبنا، واعظ الله الذي يقول لك:  ويلك لا تفتحه ويحك إنك إن تفتحه تلجه  [رواه أحمد: 17634، والحاكم في المستدرك: 245، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 3887]. كل ما هممت أن تفتح باب إلى المعصية زجرك.
لا بد أن نأخذ العلم النافع وليس أي علم، لا بد أن نحرص على العمل
هتف العلم بالعمل *** فإن أجابه وإلا ارتحل
[جامع بيان العلم وفضله: 1/707].
إذا علمنا وقعنا في معصية لا بد أن نتوب وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ  [آل عمران: 135]، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، ولا بد أن نشغل أنفسنا بالطاعات، نفسك إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، زوجة عمر بن عبد العزيز تقول: تفرغ لنا يا أمير المؤمنين، قال:
قد جاء شغل شاغل وعدلتَ عن طرق السلامة *** ذهب الفراغ فلا فراغ لنا إلى يوم القيامة
 
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يقينا شر أنفسنا، وأن يهدينا سبل السلام، ويخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، ونختم مجلسنا هذا بالحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.