الاثنين 13 صفر 1440 هـ :: 22 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

مقومات التربية الناجحة


عناصر المادة
أهمية التربية الإسلامية:
مقومات التربية الناجحة:
منهج التربية الناجحة:
وسائل التربية الناجحة:
صفات المربي الناجح:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
أهمية التربية الإسلامية:
00:00:16
 فقد بينا في درس ماض أهمية التربية الإسلامية، وذكرنا جوانب تتعلق بهذا الموضوع، فمن ذلك: بيان أن التربية الإسلامية هي طريقة الأنبياء الكرام وعلى رأسهم: رسولنا ﷺ.
بينا أن هذا الدين دين عظيم يحتاج إلى شخصيات عظيمة لحمله، وأن ذلك لا يكون إلا بالتربية.
بينا أن التربية مهمة لاكتساب تصورات الشرعية، وأنها مهمة لتوجيه طاقات الإنسان المسلم لينفع نفسه وينفع غيره.
وبينا بأنها مهمة لإزالة الأخلاق الرديئة، وإحلال الأخلاق الحسنة بدلاً منها.
وقد بينا أنها مهمة للتخلص من رواسب الماضي وحياة الجاهلية.
وأنها مهمة لمواجهة الشبهات، ومهمة لمواجهة الشهوات.
ومهمة في توجيه المشاعر والأحاسيس تجاه الأمور الشرعية، ومهمة في إقامة المشاعر الإسلامية والمفاهيم الإسلامية في النفوس كالعزة الإسلامية، وأن التكامل في الشخصية المسلمة لا يحصل بغير تربية، وأن حفظ رأس المال والمحافظة على أفراد المسلمين من الانحراف لا يكون إلا نتيجة التربية.
وأن التربية لها دور عظيم في إيجاد التوافق والانسجام في الوسط الإسلامي، وأن لها ضلعاً كبيراً في مواجهة المحن والشدائد التي تصيب الفرد المسلم، وأنها مهمة في مواجهة كيد الأعداء، وأن إعداد الكوادر التي ستقود الناس وترشدهم وتسير شؤونهم هو وليد التربية الإسلامية.
مقومات التربية الناجحة:
00:02:07
 ونحن في هذه الليلة سنتكلم عن مقومات التربية الناجحة، فإننا بعد أن اقتنعنا بأهمية التربية، وأنه لا بد من التربية، وأن حياة المسلمين بغير تربية لا يمكن أن تسير بالشكل الصحيح، وأن الفوضى والاضطراب الذي يعيشه الناس اليوم نتيجة الخلل في هذا الأمر العظيم، وهو الحاصل بفقدان هذه التربية في عالم المسلمين اليوم.
إن مقومات التربية الناجحة تكون في ثلاث نقاط رئيسية، وهي:
أولاً: المنهج.
وثانياً: الوسائل.
وثالثاً: المربي.
وسنتكلم عن كل واحد من هذه الأمور بشكل مختصر وسريع نظراً؛ لأن هذه الأمور الثلاثة، وتفريعات هذه الأمور تحتاج إلى محاضرات مستقلة.
منهج التربية الناجحة:
00:03:27
 أيها الإخوة: إن التربية لا تكون إلا بمنهج، وإن المنهج يختلف باختلاف عقائد الناس ومشاربهم ومبادئهم.
فلا شك أن التربية الإسلامية لها منهج يختلف ويتميز تماماً عن المناهج البشرية الأخرى التي يربي أهل الجاهليات أفرادهم عليها، وإن الشخص أياً ما كان فهو يتعرض لأنواع من التأثير والتوجيه، وهو يربى ويصاغ بكيفيات معينة.
وإن الفرد في الأمم الكافرة يتشكل بكيفية ناتجة عن المؤثرات الموجودة في المجتمع الكافر الذي يعيش فيه، وكذلك المجتمعات الجاهلية الأخرى، ومجتمعات الفسوق والعصيان تشكل الأفراد الذين يعيشون في هذه المجتمعات بحسب المؤثرات الموجودة في تلك المجتمعات.
ولكن التربية الإسلامية تتميز بمنهج.
وهذا المنهج له ميزات، فمن ذلك: أنه منهج رباني.
فالمنهج الذي تسير عليه التربية الإسلامية ليس منهجاً بشرياً بخلاف كل المناهج الأخرى، لا يوجد تربية اليوم في العالم كله تحوي منهجاً ربانياً إلا التربية الإسلامية.
وهذا فارق مهم جداً يغفل عنه كثير من الناس، فإن كثيراً من المناهج التي يتربى عليها الأفراد في الأمم الأخرى والبلدان الأخرى والمجتمعات الجاهلية الكثيرة الموجودة والممتدة في الأرض إنما هي تسير على مناهج بشرية، وضعها البشر لأنفسهم.
والبشر من أجهل من خلق الله بأنفسهم، ولذلك فإنهم لا يعرفون ما يصلحها كما يعلم ذلك رب العالمين، ولا يمكن المقارنة أصلاً، ولذلك فإن الله قد اختار لهذه الأمة منهجاً متميزاً يتميز أول ما يتميز: أنه من عند الله ، إنه ليس من صنع البشر، وإنما هو منهج من عند العليم الحكيم الخبير سبحانه وتعالى.
وهذا المنهج يتميز ثانياً بأنه منهج شامل، لا يقتصر على جانب دون جانب، أو على فرع دون فرع، وإنما هو عام لجميع ما يصلح الفرد الذي يتربى على هذا المنهج.
وشمولية المنهج تنبع من شمولية مفهوم العبادة الذي جاءت به هذه الشريعة، وأن الدنيا والآخرة طريق واحد.
وهذا المنهج كما أنه يهتم بالقلب والنفس فإنه يهتم بالعقل والجسد وسائر الأشياء التي لا بد للفرد من تنمية فيها، ولا بد من تغذية لها.
وكذلك فإن من شمولية هذا المنهج كما أنه يشمل المجالات التي يحتاج إليها الفرد، فإنه كذلك يشمل الجوانب التي تعطى لهذا الفرد، فلذلك هذا المنهج يشمل العقيدة، يشمل الآداب، يشمل الأخلاق، يشمل الأمور التي ترقق.
وإذا جئت إلى جانب العقيدة مثلاً ستجد الإيمان بأركانه: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
تجد الإيمان بالله –تعالى- بتوحيد ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، والتحذير من أنواع الشرك، الاعتصام بالكتاب والسنة، الموقف من التفرق والفرق المختلفة، وهكذا كان ﷺ يربي من معه من الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، فإن المتتبع لسيرته ﷺ يجد أنه قد ربى أصحابه ليكونوا هداة مهتدين:كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ[البقرة: 151] فما معنى: يزكيكم؟ يعني: يربيكم بالعلم.
كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ [آل عمران: 79]، قال المفسرون: أي يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، فيتدرجون معهم.
فإذاً، من وظيفته عليه الصلاة والسلام: أن يربي الناس بقولهوَيُزَكِّيهِمْ [آل عمران: 164] فما معنى: يزكيهم؟ يعني: يربيهم، ويؤصل فيهم القيم والمبادئ والتصورات الإسلامية.
 لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ  [آل عمران: 164] في جاهلية جهلاء، لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً.
وقد كان هديه ﷺ في تربية أصحابه كذلك في سائر الجوانب التي يشتمل عليها هذا المنهج، فمن جهة العقيدة كان ﷺ يرسخ العقيدة الصحيحة، ويثبت في قلوب المؤمنين أركان التوحيد وأنواع التوحيد وتحقيق التوحيد، يبين لهم من هو الإله الذي يجب عليهم أن يعبدوه، ما هي أسماؤه؟ وما هي صفاته سبحانه وتعالى؟
هو الغفور الرحيم، هو أرحم الراحمين.
يعرفهم أن الله -عز وجل- بكل شيء محيط: إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [هود: 92].
يعرفهم أن الله عليم بكل شيء ومطلع على كل شيء، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ  [يــس: 79]،  وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ  [الأنعام: 18]،  وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ  [المؤمنون: 80].
كان يعلمهم أسماء الله، ويحثهم على تعلمها وحفظها، والعمل بها، ويقول لهم: إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة  [رواه البخاري: 2736، ومسلم: 2677]، إنه وتر يحب الوتر .
وكذلك فإن هذه الآيات التي كان رسول الله ﷺ يتلوها على مسامع القوم كانت تختم بذكر أسماء الله -سبحانه وتعالى-، تناسب ما في التوجيهات المحتوية عليها هذه الآيات.
ولا شك أن صحابة رسول الله ﷺ عرفوا الله بأسمائه وصفاته، فلما عرفوا ذلك كيف يأخذ واحد منهم حكماً من عند غير الله وهو يعلم بأن الله هو الحكم وإليه الحكم، وهو أحكم الحاكمين.
لقد عبدوا الله -عز وجل- بمقتضى هذه الأسماء والصفات، فعظم الله في نفوسهم، وأصبح رضا الله هو غاية مقصدهم وسعيهم، واستشعروا أن الله يراقبهم في كل حين وفي كل وقت، وأنه مطلع عليهم سبحانه وتعالى، اعتقدوا أن له العظمة والكبرياء، فكيف يتكبرون ويتعاظمون على خلق الله، وهم يعلمون أن العظمة والكبرياء رداءه وإزاره سبحانه وتعالى؟
وكيف يتحاكمون إلى غيره وهم يعلمون أن الحكم المطلق له سبحانه وتعالى؟
كيف يصرفون إلى غيره نوعاً من أنواع العبادة وهم يعلمون توحيد الألوهية حق العلم، وهم يعلمون ما طلبه منهم، ما أمرهم به، وما نهاهم عنه، وما ألزمهم به، فلم يتأخروا عن ذلك؟
لقد سارعوا وتشجعوا وهم يعلمون أنه سبحانه وتعالى يكافئ ويعطي وينعم ويثيب ويجزي خير الجزاء من أطاعه.
وكيف يقدمون على اقتراف المحرمات والمنكرات وهم يعلمون أنه سبحانه وتعالى شديد العقاب، وأنه يجزي السيئة بالسيئة، وأنه سبحانه وتعالى يعذب الذين خرجوا عن منهجه وحادوا عن شريعته؟
وكذلك فإن صحابة رسول الله ﷺ جردوا التوحيد لله، كما كان جد نبيهم: إبراهيم يقول: إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 162 - 163].
وقد آتت هذه التربية على العقيدة أكلها، فكان صحابته عليه الصلاة والسلام عالمين معلمين هداة مهتدين مجاهدين يربون الناس.
وكذلك فإن هذه التربية قد أثمرت خشية الله -عز وجل-؛ لأنها تنبع من التركيز على اليوم الآخر أيضاً، والتركيز على اليوم الآخر من المقاصد المهمة التي جاء بها القرآن العظيم وأحاديث رسول الله ﷺ.
لقد كانت الآيات التي فيها ذكر اليوم الآخر تتوالى وتتابع في القرآن العظيم حتى أورثت في حس الواحد منهم خشية لله ومراقبة وتحسباً أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من لقي الله وأتاه بقلب سليم.
لقد كان الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان بعلم الله الشامل ومشيئته وكتابته سبحانه وتعالى للأقدار والمقادير وخلقه لأفعال العباد، وأن أفعالهم لا تخرج عن مشيئته سبحانه وتعالى، لقد كان ذلك كله يورث في نفوسهم مزيداً وكثيراً من الأمور التي فيها الصبر على الأقدار، والثبات في المحن والشدائد والجهاد، وأنه لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا [التوبة: 51].
وكذلك فإنهم قد أدركوا الغاية التي من أجلها خلقوا، وأن الله -عز وجل- قد خلقهم لعبادته سبحانه وتعالى في جميع الأوقات والأحيان.
ولقد كانت المعركة التي دارت بين الرعيل الأول وبين المشركين معركة عقيدة ناتجة من مفاصلة الصحابة لهؤلاء المشركين مفاصلة تنبع من التميز الذي تميزت به عقيدة القوم رضي الله تعالى عنهم.
كانوا يعرفون أن معبودات الجاهلية لابد من إزالتها، وكانوا يعرفون أنه لا بد من القتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .
هذا المنهج أيضاً منهج التربية بالإضافة إلى العقيدة يشمل التزكية بالعبادات، فرسول الله ﷺ كان يعلمهم بشخصه وأفعاله وكلامه، وما ينزل عليه من الوحي أهمية تزكية النفس بالعبادات.
التزكية بالعبادات بأنواعها من أنواع الصلاة مثلاً، صلاة الفرض مع الجماعة، والسنن الرواتب، صلاة الوتر، قيام الليل، الضحى، وكان القرآن يركز على هذا: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 1 - 4] لماذا؟ لأن العبادة مهمة جداً لاستعداد النفس لتلقي المهمة الكبيرة والتكليف الثقيل  إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 1].
والاعتكاف والحج والعمرة وصيام الفرض والنافلة، وسجدة الشكر، وصلاة التوبة، وزيارة القبور، والتكبير إلى المساجد، وأذكار اليوم والليلة، وأذكار المناسبات المختلفة، ذكر الله على كل حال، تلاوة القرآن وتدبره، الاستغفار والتوبة إلى الله، الصلاة على النبي ﷺ، الاستعاذة بالله، كانت هذه الأشياء من أنواع العبادات العملية الجسدية اللسانية القلبية.
هذه العبادات كانت كلها كانت كلها تدل على أن أولئك القوم يسيرون في منهج محكم، له هذه الميزات وهذه الخصائص.
وكانت العبادات القلبية: التدبر، التقوى، الإخلاص، الرجاء، خوف الله سبحانه وتعالى، شكر الله عز وجل، الورع، الزهد، المسارعة إلى الخيرات، الدافع الداخلي، الدعاء، التوبة، المحاسبة، إلى آخره من أنواع العبادات، هذه كلها كانت عبادات قلب وعبادات جسد يشترك فيها اللسان والقلب والجسد والجوارح، تتواطأ معاً لتشكل تلك الركيزة المهمة من ركائز هذا المنهج، منهج التربية، وهي تزكية النفس بأنواع العبادات.
وهذه العبادات ضرورية لإعداد هذا الشخص الذي سينطلق في الأرض بعد ذلك، وسيفتح بلاد العالم شرقاً وغرباً.
هذا مهم جداً لأخذ الأهبة للتكليف الشاق.
إن المداومة على العبادات هي التي تطهر النفس وتورث فيها أموراً كثيرة، لا تطيق بقية النفوس ممن لم تزك بأنواع العبادات، لا تطيق تحمل هذه التكاليف وهذه المشاق.
وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يصلون في أول الأمر، ويستخفون بصلاتهم، كانوا إذا جهروا بالصلاة سب المشركون آلهتهم وسبوا الله ، فكانوا يسرون بالصلاة حتى لا يؤدي الأمر إلى الكفرة بأن يفعلوا هذه المفسدة العظيمة، وكانت الآيات في السور المكية تهتم بهذا الجانب كثيراً، ولم تغفله السور المدنية أبداً: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ [المؤمنون: 1- 10].
وكان رسول الله ﷺ يطبق هذه التزكية العبادية، فكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، مؤتمراً بقوله سبحانه وتعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا  [المزمل: 2].
كان يقوم ويصلي، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: 114].
وكان المسلمون يسبحون الله بكرة وعشياً امتثالاً لأمر الله -عز وجل-: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا  [طـه: 130].
 وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ  [العنكبوت: 45]، إلى غير ذلك من أنواع العبادات.
كانوا ينصتون عند سماع القرآن:  وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  [الأعراف: 204].
ويتلقون التذكرة بقلوب مفتوحة:  وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ  [الذاريات: 55].
ومن جوانب المنهج هذا في قضية تنوع المجالات: الأخلاق، فإن الأخلاق ركيزة من الركائز التي لا بد أن يقوم عليها منهج التربية، منهج من غير أخلاق لا يورث التزكية المطلوبة في نفوس أصحابه، وكانﷺ حريصاً على تربية الصحابة على مكارم الأخلاق، وتنقيتهم من الرذائل.
كان هو القدوة:  وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ  [القلم: 4].
كانت هذه الأخلاق واضحة حتى أن الصحابة لما ناقشوا غيرهم من الكفار كانوا يقولون لهم الأخلاق التي علمهم إياها ﷺ كما حصل في مناقشة جعفر بن أبي طالب للنجاشي، وغير ذلك من مناقشة حتى أعداء المسلمين مثل أبي سفيان لما كان كافراً مع هرقل.
وكانت الآيات تنزل في بيان الأخلاق:  وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: 63].
ويقول كذلك سبحانه وتعالى:  وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا  [الفرقان: 72].
ويقول الله -عز وجل- أيضاً في مسألة الأخلاق في سورة بني إسرائيل أو سورة الإسراء آيات كثيرة جداً:وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا[الإسراء: 23].
ويقول: وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ [الإسراء: 26 - 27].
ويقول:  وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا  [الإسراء: 29].
ويقول أيضاً سبحانه وتعالى مبيناً عظم هذه الأخلاق:  وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً [الإسراء: 36 - 37].
وهذا لقمان يعلم ولده وهو يعظه داخل الموعظة الأخلاق فيقول لابنه وهو يعظه يقول له:  يا بني  إلى أن يقول: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان: 18]، ويقول: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: 19] مجموعة كبيرة من الأخلاق التي جاء بها الإسلام، وجاءت بها الشريعة.
فهل نحن -أيها الإخوة- اليوم عندما نتكلم عن منهج التربية هل نحن فعلاً نتمثل هذه الأخلاق في نفوسنا؟ أين الحلم؟ أين سعة الصدر؟ أين حسن الظن؟ أين الحياء؟ أين الجود؟ أين الكرم؟ أين الشجاعة؟ أين الإيثار؟ أين الأمانة؟ أين الإنصاف والعدل؟ أين التأني؟ أين التفاؤل؟ أين التواضع؟ أين الرحمة؟ وأين الشفقة؟ وأين الرفق؟ وأين شكر الناس؟ وأين الوفاء بالوعد؟ وأين الصبر؟ وأين العفة؟ وأين القناعة؟ وأين حفظ السر؟ وأين قضاء الحاجات؟ وأين التيسير؟ وأين مداراة الخلق؟
هناك إذاً أخلاق كثيرة يقوم منهج التربية الإسلامية عليها ويعتمدها، هذا المنهج المتكامل الذي يشمل جانب الأخلاق.
وهذا المنهج أيضاً بشموليته يشمل جانب الآداب الشرعية، ولذلك فإن هذه الشريعة نتيجة تعامل البشر مع جاءت بآداب بين المسلمين، لا بد أن منهج التربية يشمل هذه الآداب وإلا لصار منهجاً ناقصاً، منهجاً يعتوره الخلل والنقص، يعتوره العيب كل العيب إذا خلا من الآداب.
هل نحن -أيها الإخوة- نعلم مثلاً آداب بر الوالدين، وصلة الرحم، وآداب الطعام والشراب، آداب الوليمة، آداب المجلس، آداب النوم، آداب المشي، آداب الخلاء، حتى آداب الانتعال، آداب اللباس، آداب السفر، آداب الاستئذان، آداب التعزية، التهنئة، التناجي، التثاؤب، التزاور، النكاح والعشرة الزوجية، الرؤى والأحلام، آداب السلام، وآداب الضحك، وآداب الكلام والصمت، وآداب المعاتبة، والآداب التي ينبغي أن يلتزم بها الذي يدخل المساجد، وآداب النصيحة، وآداب المزاح، وآداب المدح، وآداب عيادة المريض، وآداب العطاس، وآداب رحمة الصغير وتوقير الكبير، آداب الصحبة، آداب التقبيل والمعانقة والمصافحة، آداب الاعتذار، أدب الحوار، أدب التجشؤ، أدب الجوار، إكرام الضيف، آداب الأخوة، وغير ذلك من الآداب الكثيرة التي اشتملت عليها شريعتنا وملتنا المحمدية وطريقة نبينا ﷺ.
إن هذا المنهج حقاً منهج متكامل يربي في نفوس أصحابه، وينبغي أن يتربوا على هذه الأشياء.
وكذلك فإنهﷺ كان يربي أصحابه على منهج: نشر المنهج.
ونشر المنهج يحتاج إلى علم، فمن الذي يعلم اليوم منهج طلب العلم الصحيح، ويتحمس لطلب العلم، ويعرف موقف طالب العلم مع الشيوخ وفي الحلق العلمية ومع الأقران ومع الكتب والقراءة والبحث والمناظرة.
ويعلم كذلك الآداب التي ينبغي أن يكون عليها طالب العلم في أثناء طلبه للعلم، إلى غير ذلك.
الدعوة إلى الله لنشر المنهج أيضاً، وتبليغ العلم الذي تعلمه طالب العلم، وما هي أساليب الدعوة، وصفات الداعية، وأنواع المدعوين، والعوائق التي تكون في طريق الدعوة إلى الله .
والدعوة قد يعقبها جهاد؛ لأن الناس قد لا يستجيبون، والناس لا بد أن يتربوا على الجهاد، والتربية على الجهاد من أساسيات المنهج الإسلامي في التربية، معرفة سبل المجرمين، والأسس التي تبنى عليها وحدة المسلمين، وأحوال المسلمين في العالم الأقليات الإسلامية الموجودة، وهذه الأشياء التي تؤدي إلى نشر المنهج.
وكان عليه الصلاة والسلام يهتم أن يربي في نفوس أصحابه نشر المنهج، ولذلك فقد انطلقوا في حياته وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام ينشرون هذا المنهج في الأرض.
ولا شك أن هذا المنهج -كما ذكرنا- يهتم بالقلب والعقل والجسد، يهتم بالنفس ومشاعر النفس، فهو يحتوي على توازن، وهذه سمة مهمة من سمات هذا المنهج، فهو لا يهتم بالقلب فقط ليخرج لنا أناس عندهم رقة بالغة، وأنهم يتأثرون بالوعظ جداً فقط، وأنهم يبكون كثيراً من خشية الله، لكن لا يفقهون شيئاً في الدين أو أجسادهم ضعيفة لا يهتمون بالاستعداد وأخذ العدة لجهاد الكفار، كلا.
إن هذا المنهج يعتمد على التوازن في العطاء الذي يعطى لأفراده.
بعض المناهج الأرضية تهتم بالعقل فقط، فتخرج العقليات التي تعرف كيف تستنبط وتستنتج، وكيف تكتشف وتخترع.
بعض المناهج الضالة الأرضية تهتم بالأمور الروحية المنحرفة اهتمامات منحرفة كأصحاب رياضة اليوقا أو الطرق الصوفية المنحرفة مثلاً، وهكذا.
وبعض الناس قد يهتمون بالتربية العلمية فقط، فينتج عندهم قسوة في القلب، ويجيدون تفريع المسائل والمناظرة والمجادلة، ويحفظون الأدلة والمسائل، لكن ليس عندهم رقة قلب يجيدون فيها وعظ الناس، ليس عندهم أساليب دعوة يجتذبون بها الناس.
وبعض الناس قد يهمهم الاستعدادات الجسدية، ويحبون التدرب على تدريب الجسد، والتدرب على السلاح ويحبون الأمور التي فيها إظهار القوة وإظهار العضلات ومعسكرات التدريب والذهاب وهكذا، نعم إنهم قد يجيدون ذلك، لكنهم لا يفقهون في دين الله إلا نزراً يسيراً لا يصلح معه أن يكونوا مسلمين حقاً ينشرون هذا المنهج وهذه الرسالة.
فهل وعينا -أيها الإخوة- معنى كلمة التوازن التي يشتمل عليها هذا المنهج منهج التربية الإسلامية؟
إن هذا المنهج من صفاته أنه منهج واقعي لا يطير في الناس ويحلق بهم في الخيال ويأتيهم بأشياء غير قابلة للتطبيق، بل إنه منهج للبشر، قابل للتطبيق في الواقع، ولذلك كان النبي ﷺ من البشر، ما كان ملكاً وإلا لقال الناس إننا لا نستطيع أن نجاري هذا الملك، إنه لا يجوع كما نجوع، وليس عنده شهوات كما عندنا شهوات، وليس جسداً مثلنا يتعب ويكل، ولذلك جاءهم رسول من البشر ليبين لهم واقعية هذا الدين، وإمكانية تطبيق هذا الدين في الواقع.
وإن هذا المنهج من ضمن ما يهتم به منهج التربية الإسلامية: مراعاة النفوس أو النفس بما فيها من المشاعر والأحاسيس، توجيه هذه المشاعر وهذه الأحاسيس، الاعتناء بالنفس.
هناك في النفس البشرية -أيها الإخوة- أوتار متقابلة، إن فيها خوفاً ورجاءً، وفيها حباً وبغضاً، وفيها فردية وجماعية.
إن في هذه النفس خطوطاً متقابلة وكثيرة، وهذا المنهج من سماته: أنه يهتم بنزعات النفس، ولنأخذ على سبيل المثال: الخوف والرجاء، في كل نفس خوف ورجاء، ولكن هذا الخوف قد يكون خوفاً فاسداً، والرجاء قد يكون رجاءً منحرفاً، فهذه التربية بهذا المنهج تربي الشخص في مسألة الخوف أن يخاف من الله، وأن لا يخاف من البشر، أن لا يخاف من الموت، فتنفع التربية عند الجهاد في سبيل الله؛ لأن المجاهد يعلم أن كل نفس ذائقة الموت، و أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  [النساء: 78]، وأنه لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ[آل عمران: 154] خرجوا من فرشهم إلى المكان الذي قدر الله أن يقتلوا فيه، المضجع الذي سيقتلون فيه،لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا[التوبة: 51]، وهكذا.. وهكذا.. يخرج هذا الشخص الذي تربى على هذا المنهج إنساناً مضحياً يعلم بأنه لا شيء يرهبه فينشر هذا المنهج، ولو احتاج إلى قتال فهو مستعد أن يقاتل، مستعد أن يجاهد، مستعد أن يضحي بنفسه، يخوض غمار الحروب ولا يرهب الأعداء، بل إنه يخترق الصفوف غير هياب ولا وجل مما يمكن أن يصيبه.
وهذا الخوف الذي قد يكون عند بعض الناس عقدة من العقد يوجهه هذا المنهج ليكون خوفاً من الله .
وهذا المنهج يراعي بشرية الشخص، فهو يراعي أنه قد يخاف من الأشياء المؤذية والأشياء المؤلمة، ولذلك فإنه يعتمد مسألة البعد عن الأمور المؤذية، وعن الأمور التي تسبب الضرر.
والله أمر عباده بأن لا يخافوا الطغاة والمتجبرين فقال:فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[آل عمران: 175].
وإذا جئت على مسألة الرزق فإن بعض الناس يخافون على أرزاقهم، ويقولون: سيقطع رزقي، أو فلان سيقطع رزقي، فخوف قطع الرزق لا يكون إلا من الله ، هو الذي يقطع الرزق وهو الذي يصله:أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ[الملك: 21}،هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ [فاطر: 3]، فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ[العنكبوت: 17]، وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات: 22]، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58].
وعندما يخشى بعض الناس من غيره أن يضره مثلاً فإن خوف الضر من الناس قد جاءت الشريعة بهدمه لتبني الخوف من الله ، وأنه هو الذي يضر وينفع حقيقة: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا[يونس: 49]، أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا[المائدة: 76] فينشأ المسلم لا يخاف قوى الأرض: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: 175]، أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ [الزمر: 36].
يذكر صفات المؤمنين أنهم  يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 50]، وأنهم  يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور: 37]، وأنهم  وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان: 7].
والرجاء من الخطوط الموجودة في النفس البشرية، والبشر يرجون النفع ويرجون النعيم، يرجون أنواع الملذات ويتجهون إليها بنفوسهم من الأموال والشهوات والجاه والقوة والسلطان.
والإسلام لا يحرم المتاع النظيف ولا يدعو إلى الرهبنة: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (32) سورة الأعراف].
لكن هذا المنهج بتربيته لأفراده لا يستحب لهم أن يوغلوا في متاع الأرض الزائل: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ [آل عمران: 14 - 15].
 الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا  [الكهف: 46].
يوجه هذا المنهج الفرد أن يرجو رحمة الله ، ويرجو ثواب الله -عز وجل-، بدلاً من أن يركز على ثواب الدنيا، يقول للأفراد: ما عند الله خير وأبقى، ويبين لهم من نعيم الجنة أشياء تنسيهم النعيم الموجود في الأرض: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [النور: 8 - 16] إلى آخر الآيات التي تذكر النعم الموجودة في الجنة.
فيتوجه الناس إلى طلب هذه النعم، ولا ينشغلوا في الوحل والطين الأرضي والملذات الدنيوية.
يوجد في النفس البشرية خطوطاً متقابلة أخرى كالحب والبغض مثلاً، فجاء هذا المنهج ليراعي هذه الخطوط، وليربي ويوجه هذه المشاعر في النفس، الحب لا بد منه لكل أحد، فبدلاً من أن يحب الصور ويعشق الأجساد، ويغرق في الملذات والشهوات المحرمة يوجهه إلى حب الله ، حب الرسول ﷺ، حب أولياء الله، الحب في الله، حب الأعمال الصالحة، محبة ما يحبه الله، الله يحب المحسنين، والله يحب الصادقين، إلى آخر هذه الأمور.
والصحابة يحبون من هاجر إليهم، الأنصار يحبون المهاجرين، فيوجه الحب ليكون في أشياء أخرى غير الحب الذي نرى الآن أهل الجاهلية غارقين فيه يكتبون قصائد، ويكتبون أموراً من الترهات والتوافه، وترسل هذه الأشياء وتتداول، ويغنى بها أمام الناس، وتكون مجالاً لتبادل أحاديث الحب والغرام بين المنحرفين والمنحرفات، وغير ذلك من أنواع الفسق والمجون.
أليست الشريعة؟ أليس هذا المنهج قد وجه هذه الطاقة في النفس؟ طاقة الحب لأن تكون فعلاً طاقة نزيهة، طاقة فيها عبادة، تتحول إلى عبادة، ويؤجر عليها الإنسان.
ولا تنسى الشريعة ولا ينسى هذا المنهج أيضاً قضية الحب الفطري الموجود في الإنسان، كحب الرجل لزوجته، وحبه لأولاده، وهذا المنهج لا يهمل محبة الإنسان للمال، ويحبون المال حباً جماً، ويأكلون التراث أكلاً لما، فهو لا ينسى، ويسمح للإنسان أن يتملك من المال من الوجه الشرعي ما ينفقه في الوجه الشرعي، والبغض، يحول البغض بدلاً من أن يكون عنصر كراهية وتدمير بين أفراد المجتمع إلى بغض لأعداء الله، بغض للكفار، بغض للمنافقين، بغض للأشياء التي يكرهها الله مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر، وجميع أنواع المحرمات والمنكرات.
هذه النفس فيها من الخطوط المتقابلة مثلاً خطي الفردية والجماعية، فهي تحب الأشياء أن تعمل بشكل فيه نوع من الأنانية، وهي كذلك تحب المجتمعات وغشيان المجتمعات؛ لأن الإنسان مدني بطبعه واجتماعي بطبعه، فهذا المنهج يركز في خط الفردية مثلاً على المسؤولية أمام الله وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا  (95) سورة مريم] تبعات الأعمال على الشخص فقط،  وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى  [فاطر: 18]، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ  [المدثر: 38].
وكذلك تركز على مسألة اتصال الفرد بالله ، وأن الفرد ينبغي أن يكون عنده عقيدة بربه -عز وجل-، وأن يكون هناك خشوع لله ومراقبة لله، مراقبة فردية، واعظ الله في قلب كل مسلم، هذه قضية فردية يحس بها الفرد المسلم وهو يتربى على هذا المنهج.
فإذا جئت إلى الجهة الجماعية سنجد أنه بدلاً من أن يتعاونوا على الإثم والعدوان، ويجتمعوا على المنكرات، فإن هذا المنهج يوجههم أن يكونوا جماعيين في جوانب العبادة، صلاة الجماعة، الجهاد صفاً كأنهم بنيان مرصوص، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ  [التوبة: 71]، أمرهم شورى بينهم،  وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2].
 مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ  [الفتح: 29] فتكون روح الجماعية روح بناءه تبني في الأرض ولا تهدم.
هذا المنهج يتميز أيضاً بتقديم الأولويات، فيبدأ المنهج بالعقيدة، تصحيح العقيدة وأنواع التوحيد، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا ، تحقيق معنى: لا إله إلا الله في الأرض.
وهكذا كان القرآن المكي يركز على هذه القضية، ولم يأتهم فيقول لهم في مبدأ الأمر: اتركوا الزنا وشرب الخمر، ولو قال لهم ذلك لما أطاعوا وما استجابوا، لكن لما بدأ معهم بالعقيدة حسب الأولويات فقد حصلت الفائدة، وحصلت الاستجابة كما قالت عائشة -رضي الله عنها- والحديث في صحيح البخاري.
وكان ﷺ بإمكانه أن يعلنها للناس دعوة إصلاح اجتماعي، فيرفع راية الإصلاح الاجتماعي، فيقول مثلاً: نحارب الطبقية، ونحارب التسلط والظلم ونأخذ من الأغنياء المال نعطيه للفقراء، ويقول لهم: لا تزنوا فتختلط أنسابكم ، ولكنه ﷺ لم يفعل ذلك أبداً بل حتى لم يرض أن يكون ملكاً عليهم؛ لأنه يعلم عليه الصلاة والسلام أن البدء ليس بالإصلاحات الترقيعية، ولا بالاهتمامات الجزئية، وأن المسألة مسألة منهج أساسي، قضية عقيدة، قضية مفاصلة، وقضية تميز عن هؤلاء القوم، وأن المنهجين لا يلتقيان:  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [الكافرون: 1 - 2].
فشرع عليه الصلاة والسلام في بناء العقيدة، والدعوة إلى إخلاص التوحيد، جنسية المسلم عقيدته، وانتماؤه إلى الوسط الإسلامي، الولاء لله ورسوله والمؤمنين، والعداء لأعداء الله .
ويغير تصورات ويبني تصورات ويغير عادات ويؤسس عادات أخرى.
فإذاً، المنهج هو باختصار الكتاب والسنة، ولا شك في ذلك، وقد بينا ملامح هذا المنهج، وبينا شمولية هذا المنهج والجوانب التي يدخل فيها هذا المنهج في النفس البشرية، وهذا المنهج كغيره من المناهج يحتاج إلى وسائل، لابد من وسائل يقدم المنهج من خلالها، لابد من وسائل يوصل المنهج إلى الناس من خلالها.
وسائل التربية الناجحة:
00:44:35
 الوسائل -أيها الإخوة- بحد ذاتها لا تميز منهجاً عن غيره، الوسيلة هي أداة لنقل المنهج أياً كان المنهج، قد يكون منهجاً منحرفاً، وقد يكون منهجاً صحيحاً، خذ على سبيل المثال مثلاً: القصة، القصة وسيلة من وسائل التربية.
لكن القصة هذه قد تكون مجرد تذوق أدبي، وأشياء فنية، وقد تكون القصة وسيلة لتهييج الشهوات وإباحية وإغراق في لذة الأجسادـ.
قد تكون القصة مجرد تسلية، وقد تكون القصة عبرة وفكرة وقدوة صالحة يقدم من خلالها أمور من هذا المنهج الذي جاءت به هذه الشريعة.
ولذلك فقد نستعمل نحن القصة ويستعملها غيرنا، قد نستعمل نحن أموراً ووسائل ويستخدمها غيرنا من أعداء الله كالعلمانيين، وغيرهم.
وهذا الشعر مثلاً يستخدمه حسان بن ثابت لينافح عن الإسلام، ويستخدمه دعاة القومية العربية الذين يدعون إلى أن تجتمع الأمة على القومية العربية، هذه الدعوة الجاهلية المنتنة، ولن تجتمع الأمة على هذه الدعوة مطلقاً كما يثبت التاريخ الحاضر أن العرب دائماً في فرقة وعداوة لا يجمعهم أبداً إلا هذا الدين، وهذا أمر تاريخي لا يجمع العرب إلا الإسلام.
ووسائل التربية الإسلامية كثيرة، ونضرب على سبيل المثال، وهذا كلام ذكره الشيخ محمد قطب -نفع الله به ورحمنا جميعاً وإياه في الدنيا وفي الآخرة-، ذكره في كتابه: "منهج التربية الإسلامية"، فذكر أموراً منها مثلاً من الوسائل: التربية بالقدوة، والتربية بالموعظة، والتربية بالعقوبة، والتربية بالقصة، والتربية بالتعويد، والتربية بملء الفراغ، وتوجيه الطاقات، والتربية بالأحداث.
وهذه الوسائل تحتاج من الدعاة، تحتاج من الناس، تحتاج من المسلمين أن يفقهوا أثر هذه الوسائل ليستثمروها في تربية أنفسهم وتربية الناس.
التربية بالقدوة من أكثر أنواع التربية فعالية وقوة، فإن الإنسان لا يتأثر بشيء ما يتأثر بأمر يشاهده أمامه.
إن الناس لا يتأثرون بالكلام كما يتأثرون بالقدوات الحية التي تطبق الكلام، لا يتأثرون بشيء تأثرهم بالناس الذين والقدوات الذين يتعاملون معهم، عندما يرون الأمور ليست في الكتب فقط، وإنما هي موجودة في كيانات تتحرك أمامهم وتتعامل معهم.
النفس لا تتلقى من كتاب ومن خطبة كما تتلقى وتقتدي وتقتبس من شخص يطبق أمامهم.
ولذلك فإن الإسلام ليس حلماً، وهذا المنهج ليس خيالاً، وإنما هو سلوكاً وتطبيقاً عملياً.
وقد تأثر الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- بالقدوة الأولى: محمد ﷺ الذي كان يربي الناس بأفعاله وأقواله، لم تكن أقواله فقط هي التي تؤثر في أصحابه، وإنما كانت أفعاله وتمثله لأوامر ربه المؤثر الأكبر في الناس الذين عايشوه ورأوه وسمعوا منه وعاشوا معه ورافقوه، جاهدوا معه.
التربية بالقدوة هي التربية الأولى من ناحية التأثير.
والقدوات -أيها الإخوة- في المجتمع الإسلامي ينبغي أن تكثر، كان مجتمع الصحابة مليئاً بالقدوات، مليئاً بالقدوات إلى درجة كبيرة وعالية جداً، ولذلك صار أثره في العالم كبيراً جداً، لكن الآن فتش في المجتمع الذي نعيش فيه، كم شخصاً يصلح أن يقال عنه أنه قدوة فعلاً؟ قلة من الناس.
من الناس لا أقوال ولا أفعال توافق الشريعة.
ومن الناس من عنده أقوال طيبة، وأفعال تخالف الشريعة، ومن الناس من يطبق، ولكن تطبيقه قليل.
والذي يصلح أن يقال عنه:  قدوة حقاً هم قلة من الناس.
وهذا من أسباب التخلف المجتمع الإسلامي في هذا الزمان.
من أسباب تخلف المسلمين: قلة القدوات الموجودة في الواقع، الناس يتأثرون بأي شيء؟ إذا لم يوجد قدوات يتأثر الناس بأي شيء؟ لا بد من وجود قدوات.
والتربية بالقدوة هي الأقوى والأمكن في النفس والأعمق أثراً بلا شك.
قدواتنا والحمد لله من الأموات كثر جداً، ومن الأحياء لن تعدم الأمة من وجود قدوات، ولو كانوا قلة لكن موجودين.
وهذا يدفع الإنسان المسلم أن يبحث في الواقع الذي يعيش فيه عن هؤلاء القدوات ليتأثر بهم.
الشاهد: أننا إذا كونا مجموعة كبيرة من القدوات، فإن المنهج سينتشر في الأرض انتشاراً عظيماً؛ لأن هؤلاء القدوات يدعون الناس بأفعالهم قبل أقوالهم.
كثير من الذين أسلموا من الكفار أسلموا نتيجة التأثر بالشخصيات التي عايشوها أو رأوها وسمعوها.
وعدد الذين أسلموا من تأثرهم بالأشخاص أكثر من عدد الذين أسلموا من قراءة نسخ مترجمة للقرآن.
عدد الذين أسلموا بالدعوة والمعايشة أكبر من عدد الذين أسلموا نتيجة قراءة نشرات ومواعظ.
ولذلك فإن كل وسط ينبغي أن يثبت ويدلل على صحته بوجود عدد من القدوات فيه.
وهذه القدوات قد تكون متكاملة، أو يكمل بعضها بعضاً.
والقدوات الحية لا بد منها، بعض الناس يقول: هناك قدوات ميتة، لكن حتى في حياته عليه الصلاة والسلام كان الرجل عندما يأتي بشيء عظيم يقلده الناس فيقتدون به مع وجود الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لا بد من جود عدد من القدوات ليس واحداً، لا بد من وجود عدد حتى يتأثر الناس.
والوسيلة الثانية للتربية: التربية بالموعظة:
والنفس -أيها الإخوة- مستعدة لتتأثر، كل واحد يوجد عنده وجدان وضمير، واعظ الله في القلوب موجود، لكنه في بعضها عظيم وفي بعضها ضعيف، فالإنسان مستعد أن يستجيب للموعظة أساساً فطرياً، مستعد يستجيب للموعظة بشرط أن يوجد هناك من يحسن الوعظ، والله -عز وجل- وعظنا وقال: إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ  (58) سورة النساء].
وأخبر عن لقمان أنه وعظ ابنه: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ  (13) سورة لقمان].
وأخبر أن القرآن هو موعظة حقيقة:  هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ  [آل عمران: 138].
ورسول الله ﷺ كان يعظ أصحابه: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا.
قال عليه الصلاة والسلام للناس يعظهم:  لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ، فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين من البكاء.
فرسول الله عليه الصلاة والسلام كان يعظ.
ونحن مع الأسف -أيها الإخوة- جانب الوعظ عندنا ضعيف.
وقد يوجد بعض الناس، بعض الدعاة المربين، يحسنون وعظ العامة، لكنهم لا يحسنون وعظ أنفسهم.
وبعض جلسات العلم تتمنى أن يوجد فيها وعظ، لكنك أحياناً لا تجد فيها إلا أقوالاً، وسرد أقوال ،وترجيحات واستدلالات واستنباطات، لكن فيها شيء من القسوة القلبية؛ لأنها لا تحتوي على وعظ.
والناس يتأثرون بالوعظ كثيراً، وهذه وسيلة ولكنها ليست هي كل شيء، والذين يظنون أننا إذا أحسنا الوعظ فقد انتهت المهمة هم أناس مخطئون، فإن الوعظ هو وسيلة تكميلية مع بقية الوسائل لتحقيق المنهج.
فهذا الوعظ هو الذي يرقق القلب، وهو الذي يورث في النفس حس الاستجابة والتفاعل مع الآيات والأحاديث، التفاعل مع الأوامر والنواهي، تصبح الأوامر والنواهي ليست أشياء جامدة قد يرفض وقد يطيع، وإنما يحس أنه لا بد له من التلقي للتنفيذ.
التلقي للتنفيذ مفهوم يأتي بالوعظ أكثر مما يأتي بالطرح الفكري المجرد الجامد.
ومن أنواع التربية كذلك: التربية بالعقوبة:
حين لا تفلح القدوة، ولا تفلح الموعظة، فإن العقوبة من الوسائل المجدية والناجعة، وليست العقوبة هي أول ما يخطر ببال المربي بطبيعة الحال، ولا هي أقرب سبيل، فلا بد من استكمال واستنفاذ الوسائل الأخرى، لا بد من القدوة، لا بد من الموعظة، لا بد من الصبر على الانحرافات النفسية، ثم إذا لم نجد سبيلاً فإن آخر الدواء الكي.
والشريعة قد جاءت بأشياء من العقوبات، والذي يتأمل الحدود الشرعية مثلاً الحدود الشرعية والعقوبات التعزيرية في الشريعة يعلم بأن الشريعة فيها مجال للعقوبة؛ لأن الله العليم الحكيم يعلم أن هناك نفوس لا تستقيم إلا بالعقوبة.
ولكن العقوبة أيضاً درجات، من الناس من يكفيه التلويح من بعيد فيخاف، ومنهم من ينفعه إبداء الغضب الصريح، ومنهم من يكفيه التهديد بعذاب مؤجل إلى وقت، ومنهم من لا بد له من تقريب العصا ورؤيته لها بعينيه كي يتعظ، ومنهم من لا يتعظ إلا إذا مس العقاب جسده.
فإذاً، العقوبة درجات، والعقوبة قد تكون عقوبات نفسية وقد تكون عقوبات جسدية، عقوبات فيها حرمان من أشياء من ميزات، أو إيقاع أشياء مؤلمة.
وتأمل في حال المجتمعات الكفرية التي ألغت العقوبة بالكلية كيف آل أمرهم إلى التدهور وإلى التمرد، وترى الإنسان عندهم ربما يعمل الجريمة ليدخل السجن؛ لأن السجن هو نوع من أنواع الترفيه، ونوع من أنواع جلب كسب الطعام والشراب الذي لا يجده في الشارع، ثم يتهموننا بعد ذلك بالوحشية لتطبيق الحدود -قاتلهم الله أنى يؤفكون-.
وأنت ترى في الإسلام أن من منهج التربية للطفل المسلم مثلاً أن يضرب على الصلاة لعشر إذا لم يصل.
والزوجة الناشز، فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء: 34] ثم يأتي بعد ذلك الضرب الذي لا يكون مبرحاً ولا يكسر عظماً ولا يجرح جلداً جسداً، ولا في ضرب على الوجه، إلى آخر ذلك من الشروط الشرعية في العقوبة.
ولقد كانت قصته عليه الصلاة والسلام مع كعب بن مالك لما أمر بمقاطعته هو ومن معه الثلاثة الذين خلفوا، كانت تلك بليغة جداً، وكان ذلك درساً لم ينسه كعب أبداً في حياته، كانت المقاطعة الكلامية عقوبة حكيمة، وليست عقوبة تعسفية كما يحلو للبعض أن يفعل أحياناً، فيقاطع بالكلام أناساً سيبتعدون عنه بزيادة عندما يقاطعهم.
العقوبة بحرمان بعض الأشياء لها أثر في النفس، أذكر أن شيخاً كان يدرس بعض الطلبة، فلاحظ منهم نوعاً من التهاون وعدم الانضباط في حلقتهم، وعدم إجادتهم وإنصاتهم، فكان من عقوبته لهم: أنه حرمهم من بعض المجالس لكي يشعروا بالفرق بين جو الاستفادة والجو الذي تضيع فيه الأوقات.
وهذه العقوبة كلها مرتبطة بالحكمة، إذا كانت الحكمة موجودة كانت العقوبة سليمة، وإذا كانت الحكمة غير موجودة فإن غالب العقوبات ستكون تعسفية ولا فائدة منها، بل إن منها المضرة.
والتربية بالقصة من أنواع التربية كذلك، والإنسان الذي يقرأ قصة  ويسمع قصة بوعي أو دون وعي لابد أن يتخذ موقفاً من أحداث القصة وشخصيات القصة، وربما يتخيل نفسه في موقع الأحداث، ولأن الله يعلم مدى تأثير القصص في النفوس فقد أنزل في كتابه أنواعاً وعدداً من القصص، قصص تبين حياة الأنبياء مع أقوامهم، وتبين أحداث، وأنت إذا استعرضت قصة موسى مع فرعون، وقصة موسى مع السحرة، والرجل المؤمن من آل فرعون، وقصة إبراهيم الخليل، وقصة نوح، وقصة هود، وقصة صالح، وقصة شعيب، وقصة لوط، وقصص كثيرة في القرآن، وقصة ابني آدم، وقصة الإفك التي أنزلها الله في القرآن، وقصة أصحاب الفيل، وقصة طالوت ومن معه، وقصة يوسف وما فيها من العبر العظيمة والأحداث الجسيمة التي احتوتها هذه القصة، وقصة سبأ الذين أعرضوا فماذا فعل الله بهم، وكيف عاقبهم.
القرآن فيه قصص كثيرة جداً، ما كثرت القصص في القرآن إلا لحكمة، ما كثرت إلا وفيها فوائد، إلا وفيها عظات، حتى أن بعض القصص تكون على شكل ضرب المثل، ضرب الله مثلاً رجلين، ضرب الله مثلاً عبداً، ضرب الله مثلاً، أحياناً يكون مثل، وقد يكون لم يحصل، كما قال بعض المفسرين في قصة الرجلين الذين كان لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً.
وبعضهم يقول: أنها قد حصلت فعلاً.
على أية حال: القصص لها أنواع وأقسام في القرآن الكريم.
قصص تحتوي على إرساء تصورات أخلاق وآداب، تحتوي على جوانب مهمة ينبغي أن ترسخ في النفس.
وهذه الوسائل -أيها الإخوة- لابد أن تفرد كل منها، لكي توضح القضية، التربية بالقصة تحتاج إلى محاضرة منفصلة، والتربية بالعقوبة تحتاج إلى محاضرة منفصلة، والتربية بالقدوة تحتاج إلى محاضرة منفصلة.
التربية بالتعويد الآن، الإسلام جاء بتغير عادات سيئة في الجاهلية: الشرك، وأد البنات، شرب الخمر، الزنا، وجاء بعادات حميدة.
والعادة كلما تكررت تأصلت.
ولذلك الصلاة ثقيلة جداً على الذين لم يتعودوا عليها، لكنها خفيفة على من تعود عليها.
فالإسلام يحمل المسلم ويربي فيه التعود على العادات الحميدة.
ثم أنه يشعر المسلم وينبهه أن لا تتحول عباداته إلى عادات.
ومن وسائل التربية كذلك ونحن نذكر رءوس أقلام الآن: تفريغ الطاقة وتوجيه الطاقة وتحويل مجراها من الشر إلى الخير.
في النفس طاقات، طاقة الحب، طاقة البغض، الطاقة الجسدية، العنفوان، القوة الجسدية، طاقة الغضب، تحويل هذه الطاقات إلى المجرى الصحيح، الغضب لله، القوة الجسدية في الجهاد، لمساعدة المحتاجين، إغاثة الملهوف، أن يطبخ ويعجن لأهله، أن يكسب رزقه، وملء الفراغ.
كان الكفار يجتمعون في النوادي على موائد الخمر والميسر، وسماع الشعر الضال، والخناء والفجور، فماذا جاء الإسلام؟
جاء بجمع الناس في صلاة الجماعة، التزاور في الله، الأعياد الشرعية، الأخوة، فملأ الإسلام أوقات الناس بالأمور التي ترضي الله.
والتربية بالأحداث نوع مهم جداً من أنواع التربية.
صحيح أننا لا نملك اختراع الأحداث، ولا خلق الأحداث، لكن المهم هو استغلال الحدث للعبرة والتوجيه، وصقل النفوس، وتهذيب النفوس.
أيها الإخوة: الأحداث تمتاز بالحرارة وهي ثقيلة الوقع، فيها تفاعل وانفعال.
والأحداث المهمة التي تكون ذات أثر تربوي قد لا تحدث كل يوم، ولذلك إذا حدثت لا بد من استغلالها بتعقيبات بليغة؛ لأن الحديد المحمي يسهل طرقه وتشكيله، وأما إذا برد فهيهات أن تشكل منه شيئاً.
وليت تقوم هناك بين الدارسين لطرق التربية دارسة تتم بينهم دراسة عن أسباب النزول.
أسباب النزول عبارة عن تعقيبات على أحداث معينة، كيف ساهمت أسباب النزول في التربية في تربية الجيل الأول؟ كيف كانت التعقيبات على الغزوات؟
إن الكلام عن التعقيبات القرآنية على غزوة أحد لوحدها لتأخذ ساعات طويلة إذا أراد الإنسان أن يوضح بشكل قوي ماذا كانت تحتوي عليه تلك التعقيبات، كانت الآيات فعلاً تربي المسلمين في غزوة أحد وفي غيرها: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ، في أول الأمر كانت الغلبة لكم، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين.
لقد كان درساً شديداً تعلمه المسلمون بالدماء والأشلاء وتقديم الشهداء ليتعلموا عاقبة التنازع والفشل ومعصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعدم الالتزام بكلام القائد، والانشغال بجمع الغنائم والمتاع الدنيوي.
لقد كان درساً بليغاً، لم يكن درساً فكرياً، وإنما كان درساً عملياً، وفي غزوة حنين لما أعجبتكم كثرتكم ماذا حصل؟ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض ، ضاقت، وليتم مدبرين النتيجة ثم وليتم مدبرين.
وهذه الآيات التي فيها تعليق لا شك أنها ذات أثر وأثر بليغ جداً في التربية.
فاستغلال المربي للحدث بتعقيبات حكيمة توضح المفهوم والتصور الذي يراد إقراره، ربط الناس بالله عن طريق الأحداث، هذا من أنجح الأساليب في التربية.
ومن أنواع التربية كذلك: التربية بالحلق:
لقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام عقد الحلق في المسجد، وجاءت الشريعة بفضل الحلق في المسجد وفي غير المسجد.
الحلق فيها وعظ، الحلق فيها تعليم، الحلق فيها مصابرة على الجلوس مجالس العلم.
الحلق فيها تبادل للخبرات، وتبادل للأفكار.
الحلق فيها تعويد على النفس في الانضباط.
ولذلك فإن التربية بالحلق من أنواع التربية أو وسائل التربية المهمة.
وقد كان عليه الصلاة والسلام يلتقي بأصحابه.
والحلق من وسائل الالتقاء ولا شك.
ومن وسائل التربية كذلك: تكوين الأجواء والمجتمعات والبيئات المصغرة التي يحس فيها الفرد بالانتماء، ويجد فيها أنواع التعلم والتكامل، إيجاد القدوات، الناس الآن بحسب وجودهم في البلدان، وبحسب وجودهم في الأعمال والوظائف والمدارس متوزعين بحسب أعمالهم ودراساتهم، لابد من إيجاد أجواء يكون فيها تربية في كل مكان يوجد فيه هؤلاء الأشخاص.
هذه الأجواء والبيئات المصغرة التي لها دور عظيم وأثر كبير خصوصاً في الجاهلية التي نعيش فيها تربي في الشخص أشياء كثيرة جداً.
يجد في هذه البيئات القدوة، يجد في البيئات القدرة على الحركة، التعاون على البر والتقوى، التسديد والنصيحة، التكامل في الجهود والشخصيات، يجد فيها العزاء من ضغط الجاهلية الأليم، ويجد فيها القوة التي تعينه على المواجهة، ويجد فيها معاني الأخوة والمساعدة والعون والإيثار ويمارس التضحية بنفسه والإيثار بنفسه، ويجد فيها الحماية من المغريات وجواذب المحيطات السيئة والتجمعات الجاهلية.
إن هذه البيئات التي يحصل فيها الالتقاء.
والالتقاء -أيها الإخوة- وسيلة عظيمة جداً للتربية.
لقد كان عليه الصلاة والسلام يلتقي بأصحابه، في المرحلة المكية كان يلتقي بهم كثيراً، ويلتقي بهم سراً.
كانت الالتقاءات تزيدهم ترابطاً وألفة ومحبة، يقول الأستاذ محمد قطب: إن اللقاء في الفسحة قد ينشئ مشاعر طيبة في نفوس الناس، ولكن المحك الحقيقي هو اللقاء في الضيق، فإذا تمت المودة في اللقاء على الضيق فهي المودة الأصيلة الباقية الثابتة؛ لأنها الخلاصة الصافية من مشاعر النفوس، وذلك هو الذي كان والذي فعله المسلمون من الالتقاء في دار الأرقم مستترين من بطش قريش أورثهم صلابة وقوة في دينهم.
إن رؤية أخ لك على الهدى يؤنس طريقك ويشعرك أنك لست وحدك على الطريق.
إن هذا الالتقاء بحد ذاته وسيلة مهمة للتربية.
صفات المربي الناجح:
01:12:18
 وننتقل -أيها الإخوة- الآن إلى القسم الثالث والأخير من محاضرة الليلة وهي: المربي.
فإننا قد تكلمنا على منهج التربية، وتكلمنا على الوسائل، وبقي الكلام الآن عن المربي وهو الذي عليه العبء في القيام بالعملية التربوية والذي بدونه قلما يحدث هناك أثر وتحدث هناك نتيجة.
إن التربية في هذا العالم موهبة تجعل إنساناً من الناس بتركيبه الجسمي والعقلي والنفسي والقلبي أقدر على التربية والتوجيه من إنسان آخر، إنه علم وخبرة وفن يتعلمها الإنسان من الكتب ومن تجارب الآخرين، ومن تجاربه الشخصية، وربما كانت التجارب الشخصية هي الأقوى مفعولاً في تعلم المربي.
المربي لا بد أن يكون له صفات معينة، فإنه لا يصلح لأي إنسان أن يكون مربياً مع أننا نتمنى أن يكون المسلمون مربين، نتمنى أن يكثر عدد المربين كثير جداً؛ لأن كثرة عدد المربين هي التي تنشر المنهج فعلاً، فإن المنهج لا ينتشر لوحده، والوسائل إذا لم يكن هناك أناس يمارسون الوسائل فكيف سيتربى الآخرون؟ لا بد أن يكون المربي أولاً ذو شخصية أعلى من الذي يتلقى منه؛ لأن المتلقي لا يتلقى إلا إذا أحس بأن هناك إنساناً أعلى منه يتلقى منه، فإن النفس في العادة  لا تأخذ من الأدنى ولا من الند والمثيل والمقارن.
وهذا العلو والتفوق في شخصية المربي ينبغي أن يكون شاملاً للجوانب الإيمانية والعقلية والخلقية والنفسية والأدبية، وغير ذلك.
إن الطفل يتلقى من أبيه لشعوره بالفارق بينه وبين أبيه في جوانب عديدة، ويتلقى في السنوات الأولى بسهولة ويسر، ثم تبدأ بعد ذلك المشاكل، وكلما كبر الطفل احتاج أن تظل شخصية الوالدين أكبر منه ليستمر التلقي، وهنا يسقط بعض الآباء في الاختبار، إما لأن شخصياتهم قد أصبحت ليست أكبر من شخصية أولادهم بالقدر الكافي، أو لأنها ليست أكبر على الإطلاق، ولذلك لا يوجد كثير من الأبناء شخصياتهم أحسن وأفضل وفيها تكامل وميزات لا توجد في شخصيات آبائهم، فكيف يحدث التلقي إذاً؟
إذا كانت المسألة عندما يكبر الولد مع أبيه بهذه الصعوبة، فكيف بحال الشخص عندما يريد أن يربي أشخاصاً في مثل سنه أو متقاربين معه في السن؟ من الشباب الذين معك في الدراسة أو الوظيفة مثلاً؟
ولذلك كان لابد من الإعداد للشخصيات لتوفير جوانب من التكامل تفرض على الآخرين الاحترام، وتفرض على الآخرين التلقي.
لا بد أن يكون هناك علم شرعي فيه أدلة وتجرد ووضوح وشمول لجوانب العلم الشرعي حتى تستطيع أن تكون متفوقاً يتلقى الآخرون منك، لا بد أن تكون صاحب أخلاق، يتأثر الآخرون بمواقفك النبيلة، وأخلاقك الحميدة، فينجذبون إليك، لا بد أن تكون هناك آداب يتأدب بها المربي من نحو ما ذكرناه من أنواع الآداب ليحس الناس حوله أن شخص فوق العادة.
لا بد أن يكون المربي صاحب تقوى، صاحب إيمان؛ لأن التقوى والإيمان هي التي تساعده في الوعظ، هي التي تجعل كلماته تتحرك في نفوس الآخرين، فإن كثيراً من الذين قد يشتغلون بالتربية فيهم من قسوة القلب وقلة التقوى وعدم الخشوع ما يجعل كلماتهم باردة جوفاء لا تحرك ساكناً في نفوس الآخرين.
وهذا التكامل في الشخصية في هذه الجوانب هو الذي يجعل المتلقي يتلقى وإلا فإنه لن يتلقى.
ونحن نعيش في أجواء التسديد والمقاربة، لا بد لنا من السعي لتكميل شخصياتنا، لكي نعمل أشرف مهمة وأشرف عمل وهو التربية، فإن العالم الرباني المربي الحقيقي هو الذي يقوم بوظيفة الرسل وهو الذي ورث الهداية النبوية والمهمة العظيمة.
وكذلك فإن من صفات المربي: أن يكون قادراً على الإعطاء:
فأما صاحب التجربة الفكرية أو الرجل المثالي الذي لا يمارس التطبيق الواقعي، أو الشخص المنعزل العزوف عن الناس الذي لا يحب المخالطة، ولا الصبر على التفهيم والعلم، ليس عنده قدرة على الإعطاء، مع أنه قد يكون فيه صفات عالية جداً، فيه ميزات كبيرة، ولكن لنضرب مثلاً: هناك عدد من الأساتذة الجامعيين من أصحاب الشهادات العالية والمكانات العلمية المرموقة لا يستطيعون أن يفهموا الطلاب، لماذا؟ ليس عنده ممارسة ولا تجربة في التعليم، يأخذ شهادة الدكتوراه من هناك ليأتي هنا فيشتغل مباشرة في التدريس بدون أن يكون عنده تجربة، وبذلك لا يفهم عليه الطلاب، لا يفهمون منه.
وقد يأتي شخص أصغر منه معيد في الجامعة يفهم منه الطلاب أكثر مما يفهمون من هذا الدكتور صاحب الاختصاص والشهادة العالية.
ولذلك فإن القدرة على العطاء التي هي صفة مهمة من صفات المربي لا تؤخذ وتكتسب إلا بالممارسة.
ولا بد أن يكون المربي كذلك: حسن العطاء، فإنه لا يكفي أن يكون صاحب ميزات شخصية عالية، وقادر على الإعطاء، لا بد أن يكون حسناً في العطاء، فإن حسن الطريقة هي التي تورث الفائدة وإلا ضاع الأثر المطلوب؛ لأن بعض الناس يعطون بطريقة خاطئة، فيورث ذلك انقلاب القضية إلى ضدها، أو ضياع الأثر، وذلك عندما يقدم المربي ما لديه بطريقة منفرة، ولذلك قال الله لنبيه: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159] فشعور المتلقي أن المربي يحبه ويريد الخير له، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ  [آل عمران: 159] هذا الشعور هو حسن الطريقة المقصود وحسن العطاء المقصود.
وصحيح أن اللين له مواضع، والحزم له مواضع، لكن الحكمة هي التي تجعل المربي يضع هذا في محل، وهذا في محل، ولذلك قال الله -عز وجل- بعد قوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ [آل عمران: 159]، فهنا يأتي الحسم والعزم.
كلامنا على المربي -أيها الإخوة- ليس كلاماً عن مربٍ معين، فإن الزوج مربٍ، والأب مربٍ، الزوج مربٍ لزوجته، والأب مربٍ لأولاده، والمدرس مربٍ لطلابه، والعالم مربٍ لمن عنده من التلاميذ، والصديق والأخ الكبير مربٍ لإخوانه.
إننا نتكلم عن تربية عامة وتربية شاملة ينبغي أن تكون موجودة في المجتمع الإسلامي.
من صفات المربي: أن يكون قادراً على الاهتمام بالآخرين، فإن بعض الناس الذين قد يشتغلون في التربية يوجد عندهم نوع من الإهمال أو الكسل يعطل أدوارهم التربوية، فهو قد يهتم أحياناً ثم يهمل أحياناً كثيرة، والمتلقي لا يمكنه أن يتربى مع شخص يحس أنه لا يهتم به ولا بشئونه ولا بمشاعره وأحاسيسه، ولا باهتماماته وتطلعاته، ولا يحاول أن يفهم نفسيته.
إن هذا يعطل التربية أشد تعطيل.
ومن الصفات المهمة في المربي أيضاً: القدرة على المتابعة والتوجيه المستمر، فليس الاهتمام المؤقت كافياً لنجاح العملية التربوية، فلا بد أن يكون مستمراً لا ينقطع؛ لأنه ليس اهتمام بالمناسبة تنتهي بانتهاء المناسبة، بل إنه دائم؛ لأن النفس البشرية مليئة بالالتواءات والانحرافات.
النفس البشرية ليست آلة تضغط على زر من أزرارها ثم تتركها فهي تتحرك لوحدها، وإنما العجينة البشرية عجينة عصية تحتاج إلى متابعة دائماً، والدوافع دائمة البروز، وكل يوم في مشكلات.
والشخص الذي لا يجد في نفسه طاقة وقدرة على المتابعة والتوجيه المستمر لن يكون مربياً ناجحاً.
صحيح أنه قد يصلح في عمليات المساعدة والمساندة في العملية التربوية، ولكنه ليس مربياً مستقلاً قائماً يعمل عمله على أتم وجه.
وينبغي هنا أن يشعر المربي: أن هذه المتابعة ليست كتماً للأنفاس، ولا إحصاءً للحركات، ولا تجسساً ومراقبة تلغي الثقة من المتلقي بنفسه، أو تجعله عبداً للمربي، فإن التربية الإسلامية هي تربية قادة، وليست تربية عبيد.
والإلحاح له وجه، والتغاضي له وجه، وهذه الأمور تنبع من الحكمة كما ذكرنا قبل قليل.
ثم إن من صفات المربي: أنه يستطيع أن يقود من يربيهم بهذا المنهج الشرعي، عنده إرادة، وعنده عزيمة، وعنده قوة في شخصيته.
وهذه القيادة مهمة؛ لأنه لا فائدة من توجيهات تصدر بغير استجابة من الآخرين.
وسبحان موزع الطاقات وموزع الأرزاق، فإنه سبحانه وتعالى يجعل أفراداً بفطرتهم أو باستعداداتهم الشخصية قادرين على القيادة، وقد يحرم هذه القدرة أو هذه الطاقة من أناس آخرين.
ولكن الذي يستطيع أن ينمي في نفسه هذا الجانب أو يتمتع به أصلاً لا بد أن يوجهه في الخير، فإن أخوف ما يخاف عليه النبي ﷺ على الأمة الأئمة المضلين، أئمة يؤتم بهم، قادة يقودون، أصحاب شخصيات مؤثرة وقوية، لكن في الشر.
فإذاً، هذه الصفات من الشخصية التي تتميز وترتفع عن شخصية الآخرين، وأن تكون لديها ما تعطي، وأن تكون حسنة العطاء، وأن تكون قادرة على الاهتمام وقادرة على المتابعة والتوجيه المستمر وقادرة على القيام بالقيادة  التي تفرض الطاعة بالمعروف.
إن هذه الميزات تذكر الآن لا لنقول إنه ليس هناك تربية بدونها، كلا كلا، بل إننا نقول: إنه ينبغي علينا أن نحاول إيجاد هذه الجوانب، ولكننا -أيها الإخوة- دائماً وأبداً نكرر إنه في كثير من الأحيان لا توجد هذه الميزات وهذه السمات في الشخصيات، فماذا يفعل الإنسان؟
التربية عملية صعبة وشاقة، تأمل الآن لو أن أباً يربي أطفاله في بيته، فكيف يكون الحال في تربية ثلاثين طفلاً في فصل؟ كيف يكون الحال في تربية جماعة من الناس؟ فكيف يكون الحال بقيادة أمة؟
ولذلك كان الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- عظماء حقاً عندما كانوا مربين، قادة يقودون الأمم التي عاشوا فيها.
وكان تكامل شخصياتهم عاملاً مهماً جداً في نجاح التربية التي أوصلوها لمن معهم.
لكننا -ختاماً- نقول:إن الشخص قد يكون في بيئة وقد يكون في محل لا يجد فيه مربياً بهذه الميزات وهذه الصفات فماذا يفعل؟ هل يقف مكتوف اليدين؟ ويقول: إن قدري هذا أن أبقى بدون تربية؟ كلا كلا، فإن هناك نوعاً مهماً جداً من التربية لم نتكلم عنه ألا وهو: التربية الفردية، قيام الإنسان بتربية نفسه، أياً ما كانت قدراته، وأياً ما كانت طاقاته فإنه ينبغي عليه أن يقوم بتربية نفسه، وهذا موضوع مهم وطويل ويحتاج إلى محاضرة خاصة، لعل الوقت يسعفنا بالكلام عليها مستقبلاً إن شاء الله.
وإن عملية التربية لهي عملية ممتعة حقاً إذا قام بها الإنسان المسلم يرجو الله -سبحانه وتعالى-.
ونسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا وإياكم من المربين الصالحين الذين يربون الناس بالحق وبه يعدلون.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.