الأربعاء 12 ربيع الآخر 1440 هـ :: 19 ديسمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

كمل شخصيتك


عناصر المادة
تمام الشريعة وكمالها:
صياغة الشخصية وفق الشريعة:
كمال شخصيات الأنبياء والصحابة:
الشين في نقص الشخصية وعدم كمالها:
آثار نقص الشخصية الإسلامية:
أهمية تكميل الشخصية الإسلامية:
بعض نقائص الشخصية وعيوبها:
الشخصيات المتأثرة والمتفاعلة:
أثر ضعف جانب تأثر وتفاعل الشخصية:
وسائل تكميل الشخصية الإسلامية:
جوانب نقص يغفل عنها بعض الناس:
الحاجة للتخصص:
هل التخصص يتنافى مع التكامل المطلوب في الشخصية؟
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فهذه فرصة طيبة أعبر لكم فيها عن سروري بلقائكم، والحديث إليكم، وأنتم في هذه المدينة أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل مجلسنا هذا مجلساً نافعاً مباركاً، وأن يجعلنا ممن يذكرهم سبحانه وتعالى فيمن عنده، وأن يجعلنا من المتواصين بالحق والصبر، وأن يجعلنا من الصابرين والشاكرين والذاكرين الله كثيراً.
تمام الشريعة وكمالها:
00:00:58
 أيها الإخوة: هذا الحديث عن موضوع مهم، ولعل أهميته تكمن في الحاجة إليه في هذا العصر والزمان الذي تدعو الحاجة فيه للتملي والتريث والتمعن في هذا الموضوع.
والموضوع عن تكميل الشخصية الإسلامية، تكميل الشخصية شخصية المسلم.
الشخصية الإسلامية كاملة كما ورد في هذه الشريعة، والله -سبحانه وتعالى- أنزل هذا الدين كاملاً، أنزل هذا الدين كاملاً، وقال الله -عز وجل-:  الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا  [المائدة: 3]، فقد كمل الله هذا الدين، والحمد لله هذه نعمة من الله أن شريعتنا هذه شريعة كاملة.
ومن نعمة الله -عز وجل- علينا: أننا وجدنا في هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، ودينها أتم الأديان، وشريعتها أكمل الشرائع، وشرائع الأنبياء من قبلنا بالنسبة إلى شريعة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- شرائع ناقصة، هي بالنسبة لكل أمة من الأمم كاملة بالنسبة لهم، لكن بالنسبة لنا شرائعهم بالنسبة إلى شرائعنا شرائع ناقصة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.
وهذا هو المعنى المتضمن في حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-:  مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وأجملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان، ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة  [رواه الإمام أحمد: 21243، وقال محققو المسند: "صحيح لغيره"].
ورواه البخاري -رحمه الله تعالى- بلفظ: إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين  صلى الله عليه وسلم [رواه البخاري: 3535، ومسلم: 2286].
فصارت هذه الشريعة هي أكمل الشرائع قاطبة من وجوه كثيرة ومتعددة.
وشرائع الأنبياء من قبلنا منها ما كان فيه التركيز على الحلال والحرام كشريعة موسى، ومنه من كان فيه التركيز على أعمال القلوب كشريعة عيسى، لكن هذه الشريعة كاملة مكملة من جميع الجهات، فهي في الإيمان والعبادات والأعمال والمعاملات فيها ذكر لكل شيء، وتبيان لكل شيء.
والمسلم منا مطالب أن يتشبه بهذه الشريعة في كمالها، فيكمل شخصيته مما جاءت به هذه الشريعة.
وهذا المفهوم، مفهوم التكميل والإتمام، مفهوم إسلامي وشرعي، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قد قال: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق  [رواه أحمد: 8952، وقال محققو المسند: "صحيح، وهذا إسناد قوي"].
صياغة الشخصية وفق الشريعة:
00:05:09
 فنحن إذًا مطالبون بصياغة شخصياتنا على ضوء هذه الشريعة، وأن نتمم شخصياتنا من الوحي الذي جاء في هذا الدين، وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو نعيم -رحمه الله- عن علي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه [الأربعون على مذهب المتحققين، ص: 46].
والله -سبحانه وتعالى- أمرنا أن ندخل في السلم كافة، وأن نأخذ بجميع شرائع الإسلام، وشعب الإسلام والإيمان، وأن نتمثل هذه الشريعة بجميع أبوابها، لسنا مطالبين بالعلم فقط، ولا بالعبادة فقط، ولا بحسن الخلق فقط، ولا بمعرفة الآداب والتمسك بها فقط، وإنما نحن مطالبون بكل ذلك، متعبدون بكل ذلك، ينبغي أن تكون شخصية المسلم متميزة بالعلم والعبادة والخلق والأدب، وجميع هذه الأشياء موجودة متمثلة فيه، وانظر مثلاً إلى إخفاء ذكر بعض شعب الإيمان في الأحاديث، على أي شيء يدل؟
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  الإيمان بضع وسبعون شعبة: فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان  [رواه مسلم: 35].
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز  يعني إذا أعطيت شاة عندك لرجل يحتلبها وينتفع بها فترة من الزمن، ثم يردها إليك، هذه منيحة العنز، هذه من أنواع الصدقات، من أبواب الخير،  أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز  يوجد هناك أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز، وبقية الأربعين أقل منها،  ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنة  [رواه البخاري: 2631].
ذكر ابن حجر -رحمه الله- في شرح الحديث نقلاً عن ابن بطال -رحمه الله-: "ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالأربعين المذكورة، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك خشية أن يكون التعيين لها مزهداً في غيرها من أبواب الخير" [فتح الباري: 5/245].
فإذاً، ما ذكرت الأربعين لكي تحرص على تلمس الأربعين، فتحرص على هذا الباب من أبواب الخير، وعلى هذا النوع من أنواع الصدقة، وعلى هذا المجال من مجالات العمل الصالح، رجاء أن تدرك هذه الأربعين.
وهذا يدل على أنه ينبغي عليك أن تضرب بسهم في كل واد من أودية الخير، وأن تحرص على تكميل نفسك من جميع شعب الإيمان التي هي بضع وسبعون شعبة، ذكر لنا أعلاها وأدناها، وعلينا أن نبحث عن الباقي ونتلمسه في النصوص الشرعية، ونعمل به.
وهذه الأربعون كذلك مع أنها ليست من الأشياء الكبيرة كالصلاة والزكاة، لكن الذي يعمل بواحدة يرجو ثوابها عند الله، مصدق بموعودها يوعد بالجنة.
إذاً، المسألة مهمة، سلعة الله غالية.
كمال شخصيات الأنبياء والصحابة:
00:09:08
 ثم إننا نجد كمال الشخصية موجوداً في شخصيات هذا الدين، وعلى رأسهم نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم صحابته.
أما كمال شخصيته عليه الصلاة والسلام فهو مشهور معلوم، والنصوص كثيرة فيه، كيف كان النبي -عليه الصلاة والسلام- قائماً بأعمال الخير والبر؟ كيف كانت شخصيته عليه الصلاة والسلام كاملة علماً وعملاً. وكذلك شخصيات أصحابه أخذت من هذا التمام والكمال، فهذا أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- لما سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- أصحابه عمن أصبح اليوم صائماً، قال أبو بكر: أنا، لا يريد أن يبين عمله، لكن لا بد من الإجابة، ولم يقلها رياءً ومفاخرة، وإنما قالها إجابة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- سأل: من أصبح منكم اليوم صائما؟  قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا، قال:  فمن تبع منكم اليوم جنازة؟   قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا، قال:   فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟  قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا، قال:  فمن عاد منكم اليوم مريضا؟  قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا" [رواه مسلم: 1028].
فإذاً، هو رضي الله عنه قد كمل نفسه من هذه الخصال من خصال الخير، منها ما هو آداب، أو صدقات، وأبواب الخير كثيرة.
الشين في نقص الشخصية وعدم كمالها:
00:10:31
 وهذا الموضوع مهم -أيها الإخوة- أن نكمل شخصياتنا؛ لأن النقص عيب وشين.
وإذا نظرت في الواقع فرأيت بعض الناس عندهم جوانب من الخير يصلي مع الجماعة، ويقرأ القرآن، يذهب للعمرة والحج، يصوم، يتصدق، لكن في جوانب المعاملة مع الخلق تجده صاحب مثالب ومعايب، وعنده نقائص، هذا المعنى موجود في حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-:  أتدرون من المفلس؟  من المفلس؟ يسألهم عليه الصلاة والسلام، يلفت نظرهم إلى هذا المفهوم  أتدرون من المفلس؟)) الله ورسوله أعلم، قال: ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة  لاحظ ماذا عند الرجل؟، هذا الرجل عنده صلاة وصيام وزكاة، وهو مع ذلك مفلس، يصفه عليه الصلاة والسلام بأنه مفلس، كيف يكون صاحب الصلاة والزكاة والصيام مفلساً؟
اسمع الجواب: يقول: ويأتي  هو يأتي يوم القيامة معه هذه الخصال الطبيبة، لكن في المقابل  يأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا [رواه مسلم: 2581] كم خصلة نحن مشتركون فيها من هذه الخصال الذميمة؟
قد يقول البعض: ما سفكنا دماء، نقول: لكن انظر في الواقع كم شتمنا؟ كم قذفنا؟ كم ضربنا؟
فأقول -أيها الإخوة- نظرة محاسبة لأنفسنا كم عملنا من هذه المعايب والذنوب؟ وهل سنكون يوم القيامة في عداد المفلسين؟ نسأل الله السلامة، ماذا سيحصل؟ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته  يعطى للمظلوم من الظالم، صاحب الصلاة والزكاة والصيام، يعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار))[رواه مسلم: 2581].
إذاً، النقص عيب، لا بد نكمل شخصياتنا؛ لأن هذه الأشياء تورد المهالك، ويمكن الإنسان يدخل النار بسببها، فينبغي أن نكمل شخصياتنا.
ثم إن السلف -رحمهم الله- لما شرحوا الدين أتوا بهذا المفهوم واضحاً في كلامهم، مأخوذاً من الكتاب والسنة والأدلة الشرعية، فمما نقله الإمام ابن بطة -رحمه الله تعالى-في كتاب: "الإبانة الكبرى" نقل عبارات عن بعض السلف، فمنها في هذا الجانب ما نقله عن بعضهم، قوله: "إن من أخلاق المؤمنين قوة في الدين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وقصداً في غنى، وتجملاً في فاقة، ورحمة للمجهود، المتعب، وعطاءً في حق، ونهياً عن شهوة، وكسباً في حلال، وتحرجاً عن طمع، ونشاطاً في هدى، وبراً في استقامة، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم في الحب"، لا يتجاوز، "ولا يدعي ما ليس له، ولا ينابز بالألقاب، ولا يشمت بالمصاب، ولا يضر بالجار، ولا يهمز، في الصلاة متخشع، وإلى الزكاة متسرع، إن صمت لم يغمه الصمت، وإن ضحك لم يعل صوته، في الزلازل وقور، وفي الرخاء شكور، قانع بالذي له، لا يجمح به الغيظ، ولا يغلبه الشح، يخالط الناس ليعلَم أو ليُعلِّم، ويصمت ليسلم، وينطق ليفهم، إن كان مع الذاكرين لم يكتب مع الغافلين، وإن كان مع الغافلين كتب من الذاكرين"؛ لأنه لا يشترك معهم في الغفلة، وإنما يذكر الله، "وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له يوم القيامة" [الإبانة الكبرى: 2/665].
إذًا، فهمهم لسمات الشخصية الإسلامية، لصفات الإنسان المسلم متكامل، صلاة وزكاة، وحلم وعلم، يقين وصبر شكر، تعلم وتعليم، وقار.
إذاً، المسألة متكاملة، هذا فهمهم لشخصية المسلم، هكذا وصفوه.
آثار نقص الشخصية الإسلامية:
00:16:47
 ثم إننا -أيها الإخوة- إذا نظرنا في الواقع وفي أنفسنا وفيمن حولنا وجدنا أن النقائص الموجودة في شخصياتنا لها آثار سلبية علينا وعلى غيرنا، فمثلاً: صاحب الشخصية الناقصة نقصها سلبي عليه، فقد يسبب نقصه، النقص في شخصيته، إذا صار مثلاً النقص في الإيمان يسبب الوقوع في المعاصي، يسبب شقاء النفس، يسبب قلة التوفيق، وإذا كان هذا مرض صار مرض قسوة القلب.
ثم أثر النقص على أهله وأولاده، لا يعاشرها بالمعروف، وهي النقص فيها أن لا تخدمه بالمعروف، والنقص في شخصيته من جهة الأخلاق كذلك ينعكس على الزوجة والأولاد.
نقص في الشخصية -يا جماعة- ينعكس علينا حتى في بيوتنا، لا معاشرة بالمعروف، ولا رحمة بالصبيان، ولا رفق بالبيت، والله -سبحانه وتعالى- إذا أراد بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق، فإذا وجدت البيت فيه شدة وعنت ومعاملة جافية وغليظة، فاسأل الله أن يرزقك خيراً، وأن يمنحك الرفق، فإنه يخشى أن لا تكون ممن أراد بهم خيراً، وممن أراد الله ببيوتهم خيراً.
ثم إن النقص هذا في شخصياتنا ينعكس أيضاً على علاقاتنا بإخواننا، النقص في الآداب يسبب البغض والقطيعة، الكره والتنافر، لا تضحية ولا إيثار، ولا سعة صدر، وحسن استقبال، هذا ينعكس سلبياً على علاقاتنا بإخواننا.
ثم إنه ينعكس أيضاً على الناس عموماً، تأمل لو أن هناك إنسان كمل بعض الأشياء، صلى في الجماعة، اجتنب بعض المحرمات، قام ببعض الواجبات، وحتى التزم ببعض الأشياء في ظاهر شخصيته مثل إطلاق لحيته، ونحو ذلك من السنن والأشياء الواجبة، ثم صار عنده نقص في شخصيته، غلظة في التعامل، خشونة، إخلاف مواعيد، عدم صدق في الحديث، ماذا سيكون أثر هذا على الناس العامة؟
سيلوم الناس أصحاب اللحى، ويكون هذا ظلماً للغير، وفتح باب ينقد الآخرون من خلاله أهل الخير.
وقد يصبح هذا الشخص بنقائصه من الذين يصدون عن سبيل الله، نحن بنقصنا وتصرفاتنا الخاطئة نعكس صورة مشوهة عن الإسلام في أعين غير المسلمين، ونعكس صورة مشوهة لمفهوم الالتزام بالدين في أعين غير الملتزمين بالدين.
أهمية تكميل الشخصية الإسلامية:
00:20:32
 ولا شك أن تكميل الشخصية الإسلامية مهم؛ لأننا من المفترض أن نرث عن الأنبياء دورهم في إصلاح المجتمع، فنذكر الناس إذا غفلوا، ونعلمهم إذا جهلوا، ونقيم الحجة عليهم إذا عاندوا، بالوسائل هذه السلمية، وكذلك بالوسائل العملية كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وتكميل الشخصية مهم؛ لأننا الآن في هذا الزمان نحتاج إلى شخصيات إسلامية تقود.
والناس بالتدريج سئموا من قيادة الكفار، الكفار الغرب وغيرهم لا يصلحون لقيادة العالم، فتجد عندهم مقدمهم وكبيرهم واقع في الفواحش والزنا والسرقات والاختلاسات، والسكر والخمور، وهمه في اللهو واللعب، وعزف القيثارة والمعازف، فمثل هذه الشخصيات لا تصلح لقيادة العالم.
وإذا كانوا قد تحكموا في الناس بالقوة والسلاح لكن قيادتهم فارغة من مضامين الخلق الحسن والأدب الحسن، والعدل؛ لأن العدل ينتج من أي شيء؟ اتباع الشريعة، وإذا زالت الشريعة حل الظلم، ولذلك فقيادتهم للعالم ظالمة، وهذه الرموز التي تقود لا بد أن تفلس، بل هي أفلست، والسقوط وشيك، وبمرور الزمن سيتهيأ المجال لأن تشغل مراكز التوجيه والتأثير في العالم شخصيات أخرى، والشخصيات الأخرى المرشحة هي شخصيات المسلمين، الشخصيات الإسلامية هي المرشحة للقيادة في المستقبل، فلا بد أن يوجد من الشخصيات المكمَلة من إذا أتيح لها المجال لمنصب أو مركز إذا تبوأته أن تؤثر وتقود بالعدل والإحسان:  إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ  [النحل: 90]، لا بد أن يوجد الاستعداد عند المسلمين لهذا الأمر، وهذه مسألة فيها عمق، وقد يتخيل أن فيها بُعد، لكن الله غالب على أمره،  وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ  [الصف: 8].
ثم إننا نجد في الواقع القريب، خذوا أنتم مثلاً أصحاب الشركات والموظفين، وأنت تترقى في سلم الوظيفة ترشح لمنصب، ترشح لوظيفة أعلى من وظيفتك الحالية، وهكذا تتدرج في المستقبل، لو كانت شخصيتك الإسلامية صحيحة ناضجة تكمل شخصيتك، لصار أثرك في منصبك ومركزك ووظيفتك أثراً إيجابياً إسلامياً نافعاً مباركاً، لكن لو كنت صاحب شخصية هزيلة وناقصة، وعندك من المعايب والمثالب والمعاصي والآثام، فإن هذا المركز سيكون وبالاً عليك، وسيظلم الناس من تحتك ولا شك، وسيكون كلام الناس عنك أحياناً كلام عن الدين نفسه الذي أنت تمثله، أو عن الالتزام الذي أنت تمثله ظاهرياً.
ولذلك أقول: إن هذا الموضوع مهم من جهة المستقبل للإسلام، ومن جهة أن الظرف الحالك الذي نمر به يحتاج إلى شخصيات قوية كاملة تقود.
اذكر أبا بكر الصديق في زمن الردة، وكيف كانت شخصيته حاسمة ومهمة في الخروج بالمسلمين من ذلك المضيق.
اذكر شخصية الإمام أحمد -رحمه الله- في المحنة لما ثبت فثبت بثباته ملايين الناس، كانوا ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد ليكتبوا ويعملوا.
اذكر ابن تيمية -رحمه الله- لما ثبت بشخصيته المتميزة بالعلم والحلم، بما جاء على ضوء هذه الشريعة، قيضه الله -عز وجل- لما ثبت في زمن التتر والمتصوفة والمتكلمين والفلاسفة، فأنقذ الله به فئاماً من الناس.
واذكر شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لما صار الشرك عاماً في أنحاء العالم الإسلامي إلا من رحم الله، حتى في هذه الجزيرة عبدت الأصنام والأوثان، واضطربت أليات نساء بني دوس حول ذي الخلصة، أعيدت بعض الأصنام الجاهلية، الذي يقرأ تاريخ دعوة الشيخ يعرف ذلك، بعض أصنام الجاهلية الأولى أعيدت، وبنيت القباب على القبور، وطاف الناس حول الأضرحة، وعُبد الموتى من دون الله، فصارت تلك الشخصية العالمة المجاهدة إنقاذ للناس ورحمة من رب العالمين.
إذاً، الظرف الذي نعيش فيه الآن من تسلط الكفار، الظرف الذي نعيش الآن، نعيش فيه الآن من مظاهر الاستسلام التي تعم العالم الإسلامي والقنوط من رحمة الله، والخزي الموجود، والاستخذاء والضعف يحتاج إلى شخصيات قوية تنقذ الموقف.
وهذه الشخصيات لا يصلح أن تكون شخصيات ناقصة مهلهلة مشوهة، ينبغي أن تكون شخصيات إسلامية، والتغيير حاصل يا جماعة، الله -سبحانه وتعالى- يداول الأيام بين الناس، وكما أن الغلبة اليوم للكفار ظاهرياً،  يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ  ماذا قال مؤمن آل فرعون؟ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا  [غافر: 29]، فبأس الله –لا محالة- سيأتيهم، فمن سيملأ المواقع؟ ومن سيخلفهم؟
الله -سبحانه وتعالى- لا يؤتي النصر الذين لن ينصروه، وإنما ينصر من نصره، وجاهد في سبيله: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  [العنكبوت: 69]، سيحدث التغيير وسيبرق ضوء الفجر.
لكن إذا صرنا على مستوى التغيير والمواجهة والجهاد، والقيام بأمر الله -سبحانه وتعالى- علماً وعملاً، عند ذلك ينصرنا الله -عز وجل-.
وكذلك تكميل الشخصية مهم في الرد على الذين يصمون المسلمين، أهل الدين بالصفات السيئة، فيصمونهم بالتخلف والرجعية والانتهازية والإرهابية، ونحو ذلك، فما الذي يمحو هذه الصورة السيئة عن المسلمين التي يعممها أعداء الإسلام في الأرض إعلامياً، يعممون سمة المسلم بأنه رجعي ومتخلف، وأنه إنسان همجي متوحش وغرضه السلب والنهب والإغارة والقتل والإرهاب؟ ما الذي سيغير هذه الفكرة؟ ما هي الشخصيات التي ستغير هذه الفكرة؟
الشخصيات الإسلامية التي يسعى أصحابها إلى تكميلها، وليست الشخصيات الهزيلة والمهلهلة.
وكذلك فإننا لا نريد أن نكون أولاً وأخيراً من الذين يصدون عن سبيل الله بتصرفاتنا المنحرفة، حتى عند الخادمة التي في بيتك والسائق الموجود،كثير من الناس صدوا عن سبيل الله الخادمات، وصدوا السائقين عن سبيل الله؛ لأن الخادمة والسائق رأوا من رب البيت فسقاً ومجوناً وخلاعة، رأوا منه ظلماً وعتواً ونفوراً ووحشية، ورأوا منه قهراً وإذلالاً، فلذلك ما يفكر المسلم وهو يرى هذا النموذج أمامه، كيف يفكر أن يسلم ويدخل في الدين وهو يرى هذا النموذج أمامه؟ والذي جاء مؤملاً، جاء من بلاد بعيدة من الهند والباكستان، جاء ليعمل وهو مسلم، ثم يجد أمامه الناس، يجد أمامه الناس فيهم هذه النقائص والمعايب والمثالب، وهو يظنهم الآن في هذا المكان في أرض عند الحرم، وفي مهبط المكان الذي هبط فيه الوحي يظنهم أولاد الصحابة، فإذا جاء وجدهم بهذه الحالة من اتباع الهوى والشهوات والجهل.
عاينا أمثلة على بعض المستقدمين يعلمون، بعضهم علموا أهل البيت أشياء يجهلونها، صحيح أن الأكثر العكس؛ لأنه يوجد عندنا من العلم ما ليس موجوداً عند الآخرين بالنسبة والكثرة، لكن الأمثلة في المقابل موجودة، يوجد خادمة مصحفها على رف المطبخ لكن صاحبة البيت كل يوم في سوق، وكل مرة في حفلة وسهرة، هذا ماذا يعني عند الأعاجم غير العرب الأعاجم المسلمين؟ ونحن مخاطبين بالشريعة قبلهم، والذي نزل عندنا الدين قبلهم، لكن نحن المفروض أن نكون قدوة للآخرين، فأصبحنا أو أصبح البعض بسلبياته أصبح من العوائق، أو من الأشياء التي تصد عن دين الله.
وكذلك فإن تكميل الشخصية الإسلامية مهم في إزالة القدوات السيئة من المجتمع؛ لأن الناس يقتدون بشخصيات المغنين والمطربين والفنانين والرياضيين، ونحو ذلك، وكثير منهم فسقة ومجرمون، لا بد من إحلال شخصيات الشهداء والصالحين والصديقين، حتى يقتدي الناس بهؤلاء ويتركون أولئك، حتى يكون هناك نجوم يقتدى بها بدلاً من هذه النجوم الوهمية.                                                                                                                                                                                                               
وأقول -أيها الإخوة- إن المسخ الذي حصل لكثير من شخصيات الناس خصوصاً الذين سافروا إلى الخارج ورجعوا بأفكار غريبة غربية، ورجعوا بأمور مخالفة للدين والشريعة بحكم الواقع الذي ضغط عليهم أو رباهم هناك، إن هذا يجعلنا نفكر مراراً وتكراراً في قضية تكميل الشخصية الإسلامية، ونحن نذكر في مسألة تكميل الشخصية الإسلامية.
ولما نقول: يا مسلم يا عبد الله: كمل شخصيتك، نذكر شخصيات كثيرة، شخصيات الأنبياء التي قصها القرآن:  وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ  [مريم: 56]،  وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ  [مريم: 16]، ذكر رجالاً ونساءً، وذكرهم بصفات في شخصياتهم من القنوت والعبادة، وكثرة الذكر، والحكمة، وأنه لم يكن جباراً شقياً، ولم يكن عصياً، إلى آخر ذلك من الصفات التي وردت لشخصيات الأنبياء.
وصحابة النبي -عليه الصلاة والسلام- الذين أخذوا من تلك الشخصيات، واقتدوا بهم، كملوا شخصياتهم من تلك السير، فجاءت تلك النماذج عطرة، جيدة للغاية.
فأنت -يا أخي يا أيها المسلم، يا عبد الله- أنت تذكر عندما تريد أن تكمل شخصيتك بمسألة العلم مثلاً، تذكر ابن عباس وابن مسعود، ومعاذ بن جبل الذي يأتي وقد سبق العلماء يوم القيامة برمية سهم، يأتي أمام العلماء برمية سهم، وهو أعلم الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم- بالحلال والحرام كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- عن معاذ، وتذكر علم زيد بن ثابت في الفرائض.
وإذا جئت في الحفظ تذكر حفظ أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
إذا جئت في جانب التضحية التي لا بد أن تكمل شخصيتك بها تذكر تضحية مصعب بن عمير، الشاب الذي ترك جو النعومة والغنى والثراء والترف، وصار صاحب أطمار وأكسية بالية، مطارد، مشرد، غريب في المدينة عن أهله وعن وطنه، لكنه كان من الذين فتحوا المدينة بالقرآن ولم تفتح بالسيف، وهو الذي وطد وهيأ للنبي -عليه الصلاة والسلام- الأجواء قبل مقدمه إلى المدينة.
وأنت تذكر في الشجاعة حمزة، وتذكر في الجرأة في قول الحق أبا ذر -رضي الله تعالى عنه-، وتذكر في تحمل المسؤولية أبا دجانة الذي حمل السيف بحقه وأخذه بحقه.
وتذكر في الثبات خبيب بن عدي الذي ثبت حتى آخر قطرة من دمه.
وتذكر في العمل للإسلام حتى آخر لحظة عمرو بن الجموح، الذي أصر أن يطأ بعرجته في الجنة، وخرج وهو في الثمانين في الجهاد.
وإذا تفكرت في مسألة استخدام المنصب والمركز لخدمة الدين، فإنك تذكر النجاشي، وتذكر سعد بن معاذ ورئاسته فيهم.
وإذا جئت لجانب الإيثار تذكر سعد بن الربيع الذي طلب من أخيه الصحابي أن يختار إحدى زوجتيه فيطلقها ليتزوجها هو، ويشاطره في ماله.
وتذكر في الجود والبذل، وهي خصلة مهمة ينبغي أن تكون في شخصيتك، أبا طلحة الأنصاري، لما نزل قول الله:  لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ  [آل عمران: 92] تبرع وتصدق بأحسن ما عنده وهو بيرحاء، بستان عظيم كان قريب من المسجد النبوي، يدخل النبي -عليه الصلاة والسلام- إليه فيشرب من مائه أحياناً.
وأنت تذكر في كتم السر حذيفة، وأن لا تكون مهذاراً ولا كثير الكلام ولا مفشياً للأسرار، المجالس بالأمانة، وكثير من الناس عندهم هذه الخصلة الذميمة وهي إفشاء أسرار الآخرين، والكلام فيما يخص الآخرين، ينبغي أن يكون مستوراً فيعلنه.
وأنت تذكر في حسن العبادة أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- الذي كان بعض الصحابة يجتمعون في الليل يسمعون صوته وهو يقوم الليل، ذلك الذي أوتي مزماراً من مزامير آل داود.
وهكذا في سائر الصفات والخصال التي من المفترض أن تكون في الشخصية الإسلامية؛ منها: التواضع والبعد عن الظهور، شخصية أويس القرني وهو خير التابعين، وهكذا من بعدهم، نحن نقتبس، وينبغي علينا أن نأخذ، ونكمل شخصياتنا من سير السلف، ينبغي أن نكمل شخصياتنا من سير السلف، بالإضافة للشيء الأول وهو القرآن والسنة.
بعض نقائص الشخصية وعيوبها:
00:38:45
  يوجد -أيها الإخوة- في شخصياتنا نقائص وعيوب، فمن ذلك بالنسبة للرجال: ضعف جانب الرجولة، جانب الرجولة الذي هو في الحقيقة من الخصال المهمة، والله -سبحانه وتعالى- وصف خيرة عباده بأنهم رجال:  وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم  [يوسف: 109] الذين اتصفوا بالصفات الحميدة يصفهم سبحانه وتعالى بأنهم رجال: لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ  [التوبة: 108].
ماذا قال الله عن الذاكرين في المساجد؟
 فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ  [النور: 36]، هذه صفاتهم  لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ  [النور: 37 - 38].
كان أحدهم إذا رفع المطرقة، فأذن المؤذن ألقاها وراء ظهره، قال أحد السلف: "كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده يزن للناس خفضه، خفض الميزان، ترك البيع والشراء، وأقبل إلى الصلاة.
قال عمرو بن دينار: "كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة، وقد قاموا إلى الصلاة، وخمروا متاعهم، يعني: غطوا المتاع، فنظر سالم إلى أمتعتهم، الدكاكين مغطاة، وأكوام البضاعة مغطاة، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، متاع في السوق لوحده، الناس في المسجد، فتلا هذه الآية : رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ  [النور: 37]، ثم قال: هم هؤلاء [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 6/63].
الرجولة هي التي تكون من أسباب الثبات:  مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ [الأحزاب: 23].
 قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ  [المائدة: 23].
 وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى  أنت تقرأ الآية وتتأمل وتتملى في هذا الرجل الذي وصف بالرجولة جاء يسعى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ  [يــس: 20 - 21].
أما في قصة موسى: وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ  [القصص: 20].
من هو الرجل الذي يكون من صفاته الشخصية إغاثة الملهوف، والسعي إلى نصرة المظلوم، وإنقاذ الآخر؟، إنقاذ الناس الذين هم في خطر، فيذهب إليه خفية من أقصى المدينة، كم المشوار؟ المشوار بعيد؛ لأنه جاء من أقصى المدينة، وليس هو جاره، جاء من أقصى المدينة: قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ، فإغاثة الملهوف، نصرة المظلوم، إنقاذ حياة البريء، وعلى رأسهم الدعاة إلى الله -سبحانه وتعالى-، السعي في تخليصهم وإبعاد الأذى والشرور والأخطار عنهم، هذه من صفات الرجولة التي ينبغي أن تتصف بها شخصياتنا.
الرجولة التي تسبب القيام لله بالحق، وغضبة لله في أماكن المنكرات، وإذا انتهكت محارم الله، الرجل يغضب لله، والمرأة كذلك تغضب لله -سبحانه وتعالى- فتغير في مكانها.
ومع الأسف إن كثيراً من معاني الرجولة قد فقدت بين الناس، وظن بعضهم أن الرجولة هي تطويل الشوارب، وحلق اللحى، أو الأخذ بالثارات، وقتل الأبرياء.
وبعض الناس يظن أن الرجولة هي التدخين.
وبعضهم يظن أن الرجولة هي رفع الصوت والصياح، وفرض الرأي بالقوة، أو البطش بالعضلات.
لكن الرجولة شيء آخر، هذه قضايا ضعف ومعاصي وآثام.
فالمهم أن الإسلام يحتاج إلى رجال، شخصياتهم قوية، قال عمر: تمنوا، فتمنى كل واحد شيء، قال: لكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة، أتمنى رجال ملء هذه الحجرة رجال أمثال أبي عبيدة [مستدرك الحاكم: 3/252، رقم: 5005] أخوض بهم الغمار، وأحمل بهم الأمم على الإسلام.
فالرجولة ليست سناً أكثر مما هي صفات وشمائل وسجايا وطباع، ماذا نفعت الرجولة الذين قال الله فيهم:  وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا  [الجن: 6]؟
وكأني بهذا الدين في هذا الزمان يهتف بأبنائه، أليس منكم رجل رشيد يحملني ويقوم بأمري؟
شخصياتنا -أيها الإخوة- تحتاج إلى صقل، وتحتاج إلى تربية وتكميل، وتكميلها بتربيتها، فتنظر إلى الجهل الذي في شخصيتك فتحل محله العلم، تنظر إلى القسوة والجفاف الموجود، وتحل محله الإيمان والتقوى التي طريقها العبادة وممارسة الشعائر التعبدية، والإقبال على الفرائض أولاً، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وإتباع ذلك بالمستحبات والنوافل ثانياً،  ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه  [رواه البخاري: 6502]، وهذا هو أشرف حديث في الأولياء، وقد رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه.
الشخصيات المتأثرة والمتفاعلة:
00:45:34
 شخصياتنا إذا أردنا أن نكملها فينبغي أن نحرص على أن تكون هذه الشخصيات شخصيات متأثرة ومتفاعلة، والتأثر والتفاعل ميزة مهمة أن توجد في شخصياتنا؛ لأن التفاعل مع الواقع يؤدي إلى الاستفادة والأخذ والتلقي، والتلمذة والتقبل والاقتداء، وهذا مهم في تقدم الشخصيات.
بعض الناس الآن إذا نظرنا في الواقع، بعضهم وهم قلة، إذا جئته سنة بعد سنة وجدت التغير ملموسا، التقدم حاصل، إجازة بعد إجازة وجدت الرجل علمه زاد، عبادته زادت، أخلاقه ارتفعت ارتقت.
وبعض الناس مثلما هم مكانهم، يراوحون لا زالوا في نفس المكان، لم يتقدموا في شيء، لا علمهم زاد، لا أخلاقهم تحسنت، ولا عبادتهم كثرت، فهم لا زالوا في نفس المستوى الذي عهدتهم فيه، كما خبرتهم، هم هم ما تغير فيهم شيء.
واعلموا -رحمكم الله- أن وجوه أهل الإيمان والعبادة تزدان وتزداد حسناً وبهاءً، ووجوه أهل الشر والمعصية تسوء وتزداد قبحاً ودمامة، وقد نص على ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله- في كتابه العظيم: "الاستقامة"، وذكر من الأشياء قال: وأنت ترى وجوه أهل الطاعة إذا تقدموا بالسن وكبروا رأيتها ازدادت نضرة وجمالاً وعليها نور، وترى أهل المعصية والشر والبدعة يكون أحدهم في مكتمل أمره شاباً وسيماً أو أمرداً جميلاً، لكن لا يزال يواقع الفواحش ويقع فيها ويزاول المنكرات أو يستمر على البدع فيقبح وجهه في الكبر، تراه قبيحا ذميما، مع أنك لو رأيت صورته في شبابه ومقتبل عمره، لوجدته يكون ربما يكون جميل الخلقة، فهكذا الطاعة تحسن حتى المظهر، والمعصية تشوه المظهر، ولذلك ترى أكثر أهل البدع حالهم في القبح والدمامة معروف.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- منهم في هذا الكتاب أهل الرفض قال: هم أقبح الناس منظراً، بل أثبت في كلامه أن بعضهم قد مسخوا قردة وخنازير، لماذا الله -سبحانه وتعالى- مسخ اليهود قردة وخنازير؟ من آثار المعاصي، قبح حتى صورهم الظاهرة، مسخهم في أسوأ البهائم منظراً، قردة وخنازير، قبح قبح، قردة وخنازير.
نحن نحتاج -كما قلت- إلى قضية التأثر والتفاعل حتى نتقدم، يا أخي عائشة -رضي الله عنها- لما حاضت في الحج تأثرت، تظن يعني أنه فاتها شيء، موسم الخير، فاتها الأجر حتى بكت، ودخل عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي تبكي، وسألها فأخبرته بأنها حاضت، فقال:  إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم  [رواه البخاري: 294، ومسلم: 1211].
 إن حيضتك ليست بيدك  [رواه مسلم: 298].
والآن ترى كثيرا من الناس يظنون أن الحيض يمنع الإحرام، يقولون: وصلنا الميقات وما أحرمت المرأة اللي معنا، لماذا يا عباد الله؟ قال: لأنها حائض، طيب الحيض ما يمنع الإحرام.
وكثير من العامة يظنون أن عقد النكاح في الحيض ما يصلح، ولذلك يقولون: هل يجوز أن تعقد وعليها العادة الشهرية؟
نقول: نعم، وما المانع؟ الله -سبحانه وتعالى- حرم الوطء في الحيض، لكن ما حرم العقد.
على أية حال: تأثرت عائشة -رضي الله عنها- لهذا، شوف الآن تأثرت بأمر ليس بيدها، ما هو عن تقصير منها، نزول الحيض ما هو عن تقصير منها، لكن انظر الآن إلى هذه الشخصيات الموجودة في المجتمع، تخرج أوقات العبادات، وتفوت مواسم الخيرات، وتذهب فرص ثمينة للأجر، ولا تجد في نفوسهم تأثراً أو ندماً أبداً، مع أن التفريط منهم، ما هم مثل عائشة ليس منها، التقصير ما هو منها، وهؤلاء التقصير منهم، وتلك رضي الله عنها تأثرت وبكت على شيء ما هو بيدها، وهؤلاء لا يتأثرون ولا يبكون على تفريط واضح وعلى تضييع مع أن الفرص بأيديهم.
وكذلك الإنسان إذا كانت شخصيته فيها تأثر وتفاعل إذا نبه للخطأ ينتبه، إذا علم أنه إثم يستحي من الله، يرجع لأن عنده تأثر، يتفاعل مع الكلام، يتأثر بالنصيحة، بالتوجيه، بالإنكار، لكن الناس إحساساتهم متبلدة، هذا أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنه- دخل الجهاد، ذهب يجاهد، يقاتل بسيفه مع صغر سنه رضي الله تعالى عنه، أدرك رجلاً من الكفار، رفع السيف عليه، الرجل قال: لا إله إلا الله، لكن طعنه، لكنه شعر بشيء من الحرج، حاك في نفسه شيء، ذهب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فقص عليه القصة، النبي -عليه الصلاة والسلام- قال له:  قال: لا إله إلا الله وقتلته؟  قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح؟ قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ ، فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ [رواه مسلم: 96]؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، قال: تمنيت إني دخلت في الإسلام بعد الحادثة، قال له في رواية:  فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟  قلت: يا رسول الله استغفر لي؟ قال:  فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟  قال: فجعل لا يزيد على أن يقول:  فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ [رواه مسلم: 97] هذا رجل خارج في الجهاد ظن أن فعله صحيح، هذا رجل كافر أنكى بالمسلمين، فرفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، قتله، وهؤلاء الناس الآن إذا عاتبتهم على منكر واضح، ما هو شيء فعله باجتهاد وأخطأ، منكر واضح جلي، حكمه معروف عنده، وفتاوى العلماء معروفة عنده، ماذا يفعل؟ لا يتحرك فيه شيء ولا يتأثر، بل قد يستهزئ، وعلى أحسن الأحوال يأتيك باعتذارات باردة أو يقول لك: ما هو من شؤونك، هذا هو حالهم إذا أنكرت عليهم منكراً الآن.
فنقول: إن شخصياتنا يجب أن تكون متأثرة ، جانب الاستقبال فيها قوي حتى نتقدم ونتفاعل، النبي -عليه الصلاة والسلام- لما جاءه قوم من الأعراب مجتابي النمار، مقطعة ثيابهم، لما رأى -صلى الله عليه وسلم- ما بهم من الفاقة والفقر المدقع، صلى الله عليه وسلم تأثر وحزن وقام خطيباً في الناس، وأمر بلالاً فأذن وجمع الناس، ثم أمرهم بالصدقة وحثهم عليها، فجاء الناس بصدقاتهم، منهم من جاء بصرة كادت كفه أن تعجز عنها، بل قد عجزت، ومنهم من جاء بما عنده [رواه مسلم: 1017].
حتى أن بعض الصحابة قالوا: كنا نحامل، كيف يعني؟ يذهبون إلى السوق يشتغلون حمالين، كما ثبت في الحديث الصحيح [رواه البخاري: 1415، ومسلم: 1415] يشتغلون حمالين في السوق، واحد ما عنده صدقة، ما عنده مال، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: تصدقوا، أمرهم بالصدقة، وهذا ما عنده مال، من أين يأتي بالمال؟ وهو لا يريد أن يفوت الأجر، يريد أن يتصدق وأن يلبي رغبة النبي -عليه الصلاة والسلام- وطلبه، ما عنده مال، يذهب إلى السوق ويشتغل حمال، ويأخذ الأجرة ويتصدق منها، أو يتصدق بها، يعني كانت عندهم تأثر، لو نصحوا.
لو قيل لهم: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا في سبيل الله؛ لرأيت الاستجابة حاصلة.
أثر ضعف جانب تأثر وتفاعل الشخصية:
00:55:19
 لكن نحن المشكلة في شخصياتنا أن جانب التأثر والتفاعل ضعيف، ولذلك الاستقبال ضعيف، فمهما جاءت موجات النصائح، موجات الإنكار، موجات التعليم، ما في أثر، أو الأثر ضعيف، والموجة مشوشة، الاستقبال ضعيف مشوش، ما نعمل إلا شيء يسير.
وقد نبخل بالأموال مع أن أحدنا إذا صار أحيل على التقاعد، وصار يأخذ راتبا أقل مما كان يأخذه وهو على رأس العمل، أو فصل من وظيفته أو استغني عن خدماته وراح إلى وظيفة ثانية راتبها أقل، يصير مهموما وحزينا، ولا بد يعمل عملا إضافيا، لماذا؟ قال: ما أريد زوجتي وأولادي يحسون تغيراً في المستوى المعيشي، والفقراء المسلمون، والمجاهدون والمنكوبون الذين ما عندهم مستوى معيشي أصلاً، ما هو دورك بالنسبة لهم؟ هذا مستعد يعمل عمل ثانياً وثالثاً، وإضافياً، يفتح مؤسسة ويشتغل من أجل ما يتغير المستوى المعيشي، هو أصلاً ما ربى أهله على الزهد؛ ولذلك لما اختلف المستوى المعيشي صار عنده نكبة في البيت ومصيبة، وقامت الزوجة والأولاد عليه من جميع الجهات: كيف نخرج الولد من المدرسة الخاصة وندخله مدرسة حكومية؟ كيف تجيب لنا سلعة من كذا وكذا ، وأين الذي كنت تأتي به من قبل؟ كيف نشتري تايوانياً وكنا نشتري أمريكياً؟ كيف نفعل؟ فالآن طبعاً الخطأ منه أصلاً، يعني ما عودهم على شيء دنيوي ولا رباهم على الزهد، ولذلك لما تغيرت الأحوال صار في ضائقة ومشكلة.
على أية حال: أنا أقول: نحن في الأمور الدنيوية نعطي لأنفسنا أحسن الأشياء، ونأكل في أفخر المطاعم، ونطبخ الولائم في المطاعم، ونفعل أشياء، ونلبس ونشتري، ونبذخ على أنفسنا، لكن إذا دعا داعي الصدقة لغيرنا من المسلمين، رأيت الإمساك والشح، معاوية بن الحكم السلمي صحابي جليل، كان في البادية، وجاء يتعلم عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقص عليه قصة، قال: يا رسول الله كانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد، والجوانية، موضع بقرب المدينة، فاطلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، أغضب، لكنني صككتها صكة، ضربت الجارية، رأيت الشاة نقصت من الغنم، ضربت الجارية، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعظم ذلك علي، كيف تضربها؟ فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال:  ائتني بها ، فأتيته بها فقال لها:  أين الله؟  قالت: في السماء، قال:  من أنا؟  قالت: أنت رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة  [رواه مسلم: 537].
هذا الصحابي تأثر لما النبي -عليه الصلاة والسلام- لامه على ضرب الجارية، والناس اليوم يضربون الخدم، والله يحدثني أحد الأطباء في مستشفى من المستشفيات يقول: يا شيخ! تكلموا في خطبة الجمعة، انصحوا الناس عندنا حالات، خادمات التي تجي فيها كسور، والتي فيها جروح، والتي تأتي وقد توشك على الموت والهلاك مما يفتري بها هذا رب البيت، يعني في الإذلال والإهانة والضرب.
فالشاهد -أيها الإخوة- أن هذا الصحابي الجليل تأثر وأعتق، واليوم نحن نعتدي ونقسو ونفعل ونفعل، ذلك لا شك لخلل في شخصياتنا.
وسائل تكميل الشخصية الإسلامية:
00:59:24
 الشخصية الإسلامية -أيها الإخوة- تكميلها -كما قلنا- بالعلم والعبادة والأخلاق والآداب، والعلم كثير، العلم على رأسه العلم بالله وأسمائه وصفاته وتوحيده سبحانه وتعالى، العلم بالإيمان، العلم بالعبادات، كيف نعبد الله؟ إذا عرفنا الله بالتوحيد، فكيف نعبده، فنحتاج إلى تعلم الفقه، فإذا أردنا بعد ما نعبد الله نعامل الخلق، نحتاج في المعاملات إلى معرفة البيوع، وأحكام البيوع، وإذا اغتنى يحتاج إلى معرفة أحكام النكاح؛ لأنه سيتزوج، ولذلك العلماء لما رتبوا أبواب الفقه رتبوها ترتيبا جيداً، موضوعياً ومنهجياً ومنطقياً، فبدؤها بالإيمان والعقيدة، أبواب الإيمان والعقيدة، ثم قالوا: إذا عرف الله يحتاج أن يعرف كيف يعبده، فوضعوا كتاب الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم قالوا: إذا عرف العبادات يحتاج أن يعرف المعاملات، فوضعوا البيوع، ثم قالوا: إذا اغتنى من البيوع، إنه يحتاج أن ينكح، فوضعوا النكاح بعد البيوع، ثم قالوا: إذا نكح، يحتاج ربما يطغى ويضرب ويقتل ويجرح، فوضعوا كتاب القصاص والحدود والشهادات، وما يتبع ذلك.
فالمهم شخصياتنا فيها جهل، تحتاج إلى تكميل بالعلم، فيها قسوة تحتاج إلى أن نهذبها بالعبادات، وفيها سوء واعوجاجات تحتاج إلى تقويم بالأخلاق الحسنة، والآداب في التعامل مع الناس، فإذا كملت الشخصية صارت شخصية مهيبة، صار لك هيبة، هذه الهيبة ضرورية في الدعوة، وإنكار المنكر، جاء في صحيح مسلم عن سعيد بن جبير قال: "مر ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم" يعني: كل سهم خطأ يعطوه لصاحب الطير، طبعاً هل يجوز اتخاذ شيء فيه الروح غرض؟ هدف، نربط طيراً ونتدرب عليه؟ حرام، فلما رأوا ابن عمر قادم تفرقوا، فقال ابن عمر: "من فعل هذا، لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً" [رواه مسلم: 1958]، فالآن شخصية ابن عمر المتكاملة بالعلم والعبادة والدين والأخلاق صار لها هيبة، يعني أقصد أن أقول: تكميل الشخصية يسبب هيبة، هذه الهيبة مهمة في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
جوانب نقص يغفل عنها بعض الناس:
01:02:17
 والموضوع سيطول بنا إذا جلسنا نتكلم في تكميل الشخصية الإسلامية، وقد سبق محاضرة بعنوان: "وسائل تكوين الشخصية الإسلامية" تكمل هذا الموضوع.
ولكن دعونا نختم ببعض الجوانب التي يغفل عنها بعض الناس.
بعض الناس كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ينتهون عن المحرمات لكن يفرطون في الواجبات، يقول: ما يزني ولا يأكل الربا ولا يشرب الخمر ولا.. ولا، لكن في واجبات مثل صلة الرحم، وحقوق الجار مفرط، وهذا من النقائص الموجودة في كثير من الشخصيات، حتى بعض المحسوبين على الالتزام تجده مثلاً ما ينظر للنساء، ما يتفرج على الأفلام، ما يسمع الأغاني، ما يسبل الثياب، يعني في قضية المحظورات نوعاً ما فيه شيء من الاهتمام، لكن في الواجبات في تفريط واضح، يعني في صلة الرحم، بر الوالدين، حقوق الأخوة، في تفريط واضح.
ولذلك أنا أقول: ليس تكميل الشخصية فقط في مسألة الامتناع عن المحظورات وأخذ نقاط القوة.
بعض الناس يظن أنه لا بد تكون الشخصية فيها نقاط قوة، فيظن أنه مسألة نقاط القوة يعني الرحمة والشفقة والرفق واللين هذه ما هي من ضمن نقاط القوة في الشخصية الإسلامية، مع أنها في الحقيقة من نقاط القوة العظيمة في الشخصية الإسلامية، ولنأخذ عدداً من الأمثلة نختم بها الموضوع، كان أبو بكر الصديق هذه أشياء نقلها ابن رجب -رحمه الله- في كتابه العظيم: "جامع العلوم والحكم": كان أبو بكر الصديق يحلب للحي أغنامهم، كان عند العرب عيب المرأة تحلب، العرب الأوائل عيب المرأة تحلب الشاة، كانوا يستقبحون ذلك، يحلبها الرجل، وإذا غاب الرجل الزوج أو الأب يحتاج للجار يحلب له، كان أبو بكر الصديق يحلب لأهل الحي أغنامهم، المرأة المحتاجة يحلب لها، المرأة المحتاجة اللي عندهم غنم ونساء في البيت يحلب لهم أبو بكر الصديق، فلما استخلف صار خليفة، أمير المؤمنين وخليفة، قالت جارية منهم -يعني من نساء الحي- بعد ما صار أبو بكر خليفة: الآن لا يحلبها، خلاص الآن صار قائد الدولة، ورئيس الدولة، وأمير المؤمنين وخليفة، خليفة يسير جيوشا، يتحمل مسؤوليات، يلتفت لنا على غنمنا ويحلبها، الآن لا يحلبها، فسمع بذلك أبو بكر -رضي الله عنه- فقال: بلى، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله.
وكان عمر -رضي الله عنه- يتعاهد الأرامل، فيستقي لهن الماء بالليل، يتعاهد الأرامل ويستقي لهن الماء بالليل.
ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، طلحة رأى عمر يدخل بيت امرأة في الليل، قال: هذا كيف يعني يدخل، فدخل إليها طلحة نهاراً، دخل إلى بيت هذه المرأة، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، الآن الواحد صار أبوه وأمه وجده وجدته إذا صار مشلولاً إذا صار كذا، يعني كيف يشيل عنه الأذى، هذه صارت من، وهذا عمر رضي الله عنه يزيل الأذى عن امرأة، عجوز ومقعدة عمياء، ويأتي لها بما يصلحها، فقال طلحة لنفسه: ثكلتك أمك يا طلحة عثرات عمر تتبع.
وكان أبو وائل -رحمه الله- يطوف على نساء الحي وعجائزهم كل يوم، فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن.
وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني" [ينظر: جامع العلوم والحكم: 2/295]. فقضية يعني الرفق والشفقة واللين وخدمة الآخرين، هذه ما هي، بعض الناس يغفلون عنها، يقول: هذه ما هي من نقاط القوة في الشخصية، بالعكس هذه من نقاط القوة العظيمة في الشخصية.
السلام على الصبيان في البخاري عن أنس -رضي الله عنه- أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعله" [رواه البخاري: 6247، ومسلم: 2168].
فأين هذه الشخصيات التي فيها هذا جانب التكامل في العلم والعبادة والأخلاق والآداب، وحتى جوانب الرفق واللين والعطف والشفقة والرحمة بالصبيان موجودة؟
فإذاً -أيها الإخوة- هذه الشخصية الإسلامية تحتاج إلى تكميل، وذكرنا بعض أهمية الموضوع، وبعض الجوانب التي نحتاجها لتكميل شخصياتنا، واستعرضنا بعض قصص السلف في الموضوع، والجوانب المشرقة في ذلك التاريخ العظيم الذي جله مشرق ونور وضاء، منارات يهتدي بها الخلف من تاريخ وشخصيات السلف.
الحاجة للتخصص:
01:08:00
 أيها الإخوة: إن واقع المسلمين الآن يحتاج في بعض الجوانب وبعض الأحوال إلى تخصص، يعني: كثرت الثغرات، من جهة العلم في نقص في العلم، يحتاج النقص هذا إلى شخصيات تتفرغ للعلم، من جهة الإغاثة هناك حاجة ماسة لدرجة أنها تستدعي تخصص أناس في هذا الجانب، في قضايا الجهاد الحاجة ماسة تستدعي لتخصص أناس في هذا الجانب، وهكذا من الأشياء، حتى مساعدة ودلالة الشباب في الزواج على النساء الخيرات يحتاج إلى تخصص ناس في هذا الجانب، البحث عن عوائل فقيرة، إلخ..، أشياء كثيرة، إنكار المنكر.
هل التخصص يتنافى مع التكامل المطلوب في الشخصية؟
01:09:16
 فهل السؤال هو: هل التخصص يتنافى مع التكامل المطلوب؟ هل التخصص الذي يفرضه الواقع ويدعو إليه الحكمة؟ هل يتنافى مع التكامل المطلوب؟
-طبعاً- هذا الجواب: لا يتنافى.
السبب: أن المسلم ينبغي أن يكون عنده حد أدنى في كل شيء، فمثلا: ما يمكن واحد أن يقول: أنا ما علي من العلم، وسأشتغل بالإغاثة أو الجهاد أو مساعدة الفقراء، خطأ، يجب أن يكون هناك حد أدنى من العلم وهو ما تصح به عباداتك ومعاملاتك، إذا تنكح تحتاج أن تعرف أحكام النكاح، وإذا أردت أن تبيع ينبغي أن تعرف أحكام البيوع.
أما الصلاة لا بد أن تعرف أحكام الصلاة والطهارة والزكاة، هذه أشياء ممارسة دائمة، الصيام إن كنت قادراً، والزكاة إن كان عندك مال، تحتاج أن تعرف، في أشياء لابد أن تعرفها الآن، وأشياء ممكن تعرفها في المستقبل إذا احتجت إليها، إذا أردت أن تنكح، إذا أردت أن تطلق، إذا أردت أن تبيع، فتوفر الحد الأدنى في كل جانب مهم، وبذلك تبقى الشخصية الإسلامية في نوع من التكامل، ما يمكن الواحد يقول: أنا أطلب العلم ما علي من الصدقات، ولن أتبرع بشيء، هذا خطأ واعوجاج، أين إخراج الشح من نفسك ببذل الصدقات؟
صحيح أنك لا تذهب للعوائل وتبحث عنها وتوصل الأشياء بنفسك، لكن قدم.
فإذاً، وجود الحد الأدنى يبقي التكامل مع وجود التخصص المطلوب.
ثانياً: لا بد أن نقر بالجوانب الأخرى، يعني صاحب التخصص يقر بالحاجة إلى الأشياء الأخرى، ولا يقول: أنا مجالي وفقط، ومجال غيري ما هو مهم، كل واحد في مجال يبدع فيه بحسب إمكاناته وقدراته التي أعطاه الله إياه.
وكذلك أن يشارك بما يستطيع في الجوانب الأخرى، فمثلاً المشتغل مثلاً بالجهاد أو غيره قد يوجد لديه أوقات للتعلم، ما هو دائماً القتال شغال، يوجد فترات استراحة، فهل يقول: أنا ما أتعلم لأنه ما هو من اختصاصي ولا من شؤوني، هذا شغل العلماء؟
لا، هذا خطأ وانحراف، فنقول: أنت يا صاحب التخصص ينبغي عليك أن تشتغل في المجالات الأخرى ما دام عندك إمكانات، وما دامت الفرصة متاحة لك، وبذلك نحافظ على أكبر قدر من التكامل المطلوب مع الاختصاص المطلوب.
وصلى الله على نبينا محمد.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.