الخميس 5 ذو الحجة 1439 هـ :: 16 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

كيف تلقي موضوعاً


عناصر المادة
أهمية هذا الموضوع والحاجة إليه:
وسائل حسن الإلقاء:
إخلاص الملقي لله:
معرفة الملقي لكيفية افتتاح الموضوع:
رفع الملقي صوته:
تنويع الملقي للأسلوب:
إقبال الملقي على المخاطبين بوجهه:
توضيح الملقي لكلامه:
إعادة الملقي لبعض الجمل وتكرارها:
استخدام الملقي للإشارة أثناء الكلام:
جودة تحضير الملقي للموضوع:
إلمام الملقي باللغة العربية:
اهتمام الملقي بالبلاغة والبيان والبديع:
ابتعاد الملقي عن وحشي الألفاظ:
تقطيع الملقي للعبارات وعدم استمرار الملقي على نسق واحد:
معرفة الملقي لمخارج الحروف:
تفريق الملقي بين أنماط الجمل:
توضيح الملقي للكلمات الغريبة:
منع الملقي للمقاطعات المشوشة من قبل الحضور:
توجيه الملقي للأسئلة للجمهور:
ذكر الملقي لربه إذا نسي شيئا:
ضبط الملقي للوقت:
ختم الملقي للموضوع :
الإلقاء موهبة وتدريب:
بعض العيوب التي تعتري الملقي:
تغلب الملقي على العقدة النفسية:
تجنب الملقي العبث بأي شيء:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أهمية هذا الموضوع والحاجة إليه:
00:00:28

فهذا موضوعنا بعنوان: كيف تلقي موضوعاً؟
وهذا الأمر نحتاج إليه، يحتاج إليه خطيب الجمعة، والذي يلقي الدروس المنهجية، أو المدرس الذي يلقي في مدرسته وفصله، وكذلك المربي الذي يلقي على من يرعاهم، والمحاضر الذي يحاضر، والواعظ الذي يعظ.
هناك مناسبات كثيرة يحتاج الدعاة إلى الله إلى غشيانها، والكلام فيها، وإلقاء البرامج للمستمعين والمشاهدين فيما أباح الله من الوسائل.
أقول: إن هذه الأشياء وغيرها من الأمور التي تجعل هذا الموضوع مهماً، وهو: معرفة طريقة الإلقاء الصحيحة، وكيف يكون إلقاء الإنسان مؤثراً ومفيداً.

وسائل حسن الإلقاء:
00:01:43

 فهلم بنا لاستعراض بعض الوسائل والأمور المهمة في هذا الموضوع.

إخلاص الملقي لله:
00:01:54

 أولاً: لا بد من الإخلاص لله، رُبَّ كلمات غير معدة سلفاً من شخص مخلص متوكل على الله -عز وجل- يكتب الله بها أثراً عظيماً في نفوس السامعين، ورُبَّ موضوع معد ومحضر تحضيراً ممتازاً يشعر السامعون منه بالسآمة والملل، وأن الملقي يريد أن يكون أستاذاً عليهم، ويفقد سمة التواضع وهو يلقي الموضوع، ويتسلح بالتعالي والكبر على إخوانه وعلى المستمعين، فتكون النتيجة نفوراً ومللاً.
فلا بد لمن يريد أن يلقي موضوعاً:
أولاً: الإخلاص لله ، لا بد له من الإخلاص لله -عز وجل-، تلقي لله لا ليقال عنك: مجيد، تلقي لله لا ليقال عنك: مؤثر، وتلقي لله لا ليقال عنك: فصيح، وتلقي لله لا ليقال عنك: فاهم مفهم.
وكثير من الذين يلقون المواضيع يعتمدون على تحضيرهم وينسون الله والاتكال على الله والاعتماد عليه فيكلهم الله لأنفسهم، وقد يصاب بالتلعثم فجأة، وقد يخطئ أخطاء مضحكة ليست بالحسبان، وقد تخونهم أنفسهم في وقت يحتاجون إلى الثبات وهم يلقون المواضيع والخطب.

معرفة الملقي لكيفية افتتاح الموضوع:
00:03:46

 وثانياً: لا بد من معرفة الافتتاح، كيف نفتتح الموضوع؟
لا شك أننا -معشر المسلمين- نفتتح بالحمد والثناء على الله -عز وجل -؛ كما كان النبي ﷺ يفعل، فكان كثيراً ما يقول الراوي: "فحمد الله وأثنى عليه"
[رواه البخاري: 1044، ومسلم: 901] يعني النبي ﷺ إذا أراد أن يخطب أو يتكلم، يقول: "فحمد الله وأثنى عليه"، ثم قال..، فلا بد من الحمد والثناء على الله.
وكان النبي ﷺ كثيراً ما يفتتح كلامه بخطبة الحاجة المعروفة.
وكان أيضاً يفتتح بالحمد والثناء في مثل حديث مسلم افتتح بكلمات كانت سبباً في إسلام الصحابي الجليل ضماد الأزدي لما قال النبي ﷺ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد
[رواه مسلم: 868]، أسلم الرجل من هذه الكلمات.
وكذلك في الافتتاح لا يمكن أن ينسى المسلم التشهد، كيف والنبي ﷺ قد قال: كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء
[رواه أبو داود: 4841، والترمذي: 1106، وأحمد: 8518، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 169]، اليد المشوهة المصابة بالجذام، هذا حال من يفتتح بغير تشهد.
وكثير من الناس الذين يلقون الموضوعات والمدرسين الذين يلقون الدروس ينسون أن يفتتحوا بالحمد والثناء والتشهد، فيفوتهم أجر عظيم.
ثم بعد ذلك يكون ذكر العنوان جامعاً ومركزاً للأذهان حول ما تريد عرضه على السامعين، وتبيان السبب الباعث على عرض الموضوع، وأهمية الموضوع، واستعراض فقراته الرئيسية.
ثم يكون الولوج مباشرة؛ لأن من أشد ما يكره الناس للمتكلمين المقدمات الطويلة التي تحول بينهم وبين صلب الموضوع، وكثيراً ما تجد الأصوات تتعالى قائلة: أعطنا الزبدة، وهات ما عندك بسرعة، وعجل، أوصلنا للمقصود.
ويمكن أن يكون الافتتاح بعد الحمد والثناء بذكر حادثة أو قصة أحياناً تناسب الوضع.
وكان العلماء يهتمون ببراعة الاستهلال، وهو أن يقدم بين يدي موضوعه مقدمة فيها إشارة لما يريد أن يتكلم عنه، وما سيدخل فيه، ودرج بعض الناس إذا أرادوا الكلام في موضوعات أن يقولوا اعتذارات باردة ينبغي على الإنسان أن يحرص وينتبه لها، لأنها أحياناً تعطي شيئاً من التزكية، كأن يقول: لست بخطيب، ولست بكذا، ولست بكذا، ونحو ذلك، يذم نفسه في الملأ وفيه شيء من المدح، أو أن يقول: ليس لدي ما أقوله ويطنب في ذكر إفلاسه وفقره، وإذا قلنا: إن بعض الناس سيكتشف ذلك فلا فائدة من الإخبار، وإذا قلت: إن بعضهم لن يكتشف ذلك فما داعي الإخبار بالحقيقة المرة.

رفع الملقي صوته:
00:07:58

وينبغي كذلك لمن يلقي موضوعاً: أن يرفع صوته رفعاً يفهم السامعين، ويوصل إليهم الكلام.
ولا شك أن درجة رفع الصوت تختلف بحسب الموضوع، فالذي يلقي خطبة من خطب الجمعة مثلاً يختلف في رفعه لصوته عمن يلقي درساً فقهياً فيه بيان لأحكام شرعية وأقوال العلماء والأدلة، ونحو ذلك.
أما النبي ﷺ فإنه كان إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه، وعلا صوته.
وفي رواية: كان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه ﷺ
[رواه مسلم: 867].
ورفع الصوت أحياناً يكون لإسماع الناس شيئاً له أهمية خاصة، كما جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو: "تخلف النبي ﷺعنا في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقنا العصر" صلاة العصر أدركتهم وغشيتهم، قال: "فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا"، فصارت بعض الأجزاء في الأرجل لم يمسها الماء "فنادى ﷺ بأعلى صوته:  ويل للأعقاب من النار  مرتين أو ثلاثا [رواه البخاري: 60، ومسلم: 241].
استشهاد الملقي بأمثلة القرآن والسنة:
00:09:43
وكذلك من الأمور التي تجعل إلقاء الموضوع إلقاءً حسناً: الاستشهاد بالأمثلة، والقرآن مليء بالأمثال، ضرب الله لنا أمثلة في القرآن كثيرة، وقرب إلى أفهامنا كثيراً من الموضوعات بذكر المثال، ألم تر مثلاً أنه قرب التوحيد والشرك بقوله تعالى:  ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا
[الزمر: 29]، فأما المشرك الذي يعبد عدة آلهة فإنه يكون متوزعاً، مقسم النفس، هائماً على وجهه، لا يدري أي إله يرضي، وأي طرف يجيب، أما الذي يرضي الله فقط، ويعبد الله -عز وجل- فقط، فإنه على صراط مستقيم، متوحد الوجهة، يعرف إلى أين يسير.
أما النبي ﷺ فإنه كان يضرب أثناء عرضه للمواضيع المختلفة أمثلة مختلفة تناسب الأفكار التي يريد إيصالها للناس، فقد ضرب لنا: مثل حامل المسك ونافخ الكير في موضوع الجليس الصالح وجليس السوء
[رواه البخاري: 5534، ومسلم: 2628].
وضرب المثل بالنخلة في المؤمن في انتفاعه ونفعه للناس والآخرين بكل وسيلة [رواه البخاري: 61، ومسلم: 2811].
وضرب لنا مثل المرآة في النصيحة من المؤمن لأخيه: المؤمن مرآة أخيه  [رواه البخاري في الأدب المفرد: 238، وقال الألباني: "حسن الإسناد" كما في صحيح الأدب المفرد: 177].
وضرب لنا مثل خرق السفينة في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما أراد قوم أن يخرقوا السفينة ليأخذوا الماء فلو أن أهل السفينة تركوهم لغرقوا أجمعين [رواه البخاري: 2493].
وضرب لنا ﷺ مثلا بالفتيلة في موضوع الذي يعلم الناس وينسى نفسه مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها [رواه البزار في معجم الزوائد: 869، وقال الألباني: "صحيح لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 130].
واستعمل ﷺأشياء مختلفة، فمثلاً استعمل التمرة، قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة [رواه البخاري: 1413، ومسلم: 1016].
وكذلك استعمل البعوضة لما قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة [رواه البخاري: 4729، ومسلم: 2785].
وخاتم الحديد لما قال للرجل الذي يريد أن يتزوج: التمس ولو خاتماً من حديد [رواه البخاري: 5135، ومسلم: 1425].
وقضيب الأراك لما قال عليه الصلاة والسلام: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة  فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيراً يا رسول الله؟ قال: وإن قضيباً من أراك  [رواه مسلم: 137].
واستعمل الإبرة في: ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر  [رواه مسلم: 2577].
واستعمل الحبة من خردل والشعيرة في حديث الإيمان [رواه البخاري: 22، ومسلم: 184]، وغير ذلك.
المهم أن ضرب الأمثلة في المواضيع الملقاة يكون عاملاً من عوامل التشويق، وسبباً من أسباب التفهيم وتقريب الفكرة، وهو تنويع جيد.

تنويع الملقي للأسلوب:
00:13:54

 وكذلك من الأمور المهمة: تنويع الأسلوب، مثل أسلوب التقرير، والاستفهام، والتعجب، وضرب الأمثال، وقص القصص.
فأسلوب التقرير يختلف عن أسلوب الاستفهام، يختلف عن أسلوب التعجب، فأسلوب الاستفهام مثل حديث: أتدرون من المفلس؟ 
[رواه مسلم: 2581]،  أتدرون ما الغيبة؟ [رواه مسلم: 2589].
وأسلوب تعجب: ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!  [رواه مسلم: 1015].

إقبال الملقي على المخاطبين بوجهه:
00:14:54

 وكذلك: الإقبال على المخاطبين بالوجه، فإن الإقبال على المخاطبين بالوجه مما يسبب الانجذاب في الإلقاء، وقد جاء في حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة" [رواه ابن ماجه: 44، وهو حديث حسن].
وهذا النظر في وجوه المستمعين والناس الحاضرين لا شك أنه يوجد صلة مهمة بين السامع والمتكلم خلال الإلقاء.
وبعض الناس لا يهتم بالنظر إلى السامعين والحاضرين، فتراه ينظر في السماء ويميناً وشمالاً، أو يطلق ببصره طيلة الوقت.
وبعضهم له عذر في تفكيره في الكلام الذي يريد أن يقوله، فهو يركز في التفكير في الكلام، ولكن هذا يوجد حاجزاً بينه وبين الحاضرين، ولا بد من تواصل بين المتكلم والمستمع حتى يدخل الكلام إلى القلب، ولا بد من استعمال عبارات تجعل المستمعين متصلين بالمتكلم، ولذلك لو أن إنساناً مثلاً أثناء إلقائه لموضوع أو عرضه له، قال: وقد يتساءل بعضكم فيقول، أو هنا يرتفع إشكال وهو، أو يأتي باعتراض يقول: هنا قد يبرز اعتراض، ثم يفند هذا الاعتراض، وهكذا..
والنظر إلى السامعين والحاضرين يبين لك أثر كلامك على الناس، واستعمال الكلمات التي فيها إشراك للحاضرين في الموضوع مثل: وقد تتعجبون، أو ربما لا تصدقون، أو تصور معي، ونحو ذلك، إن مثل هذه الألفاظ مهمة في ربط السامع بالمتكلم.
والنظر كما أسلفنا مهم، والعين تخاطب كما أن اللسان يخاطب.
والنظر إلى الناس يتبين لك من خلاله إقبالهم أو إدبارهم، يقظتهم وانتباههم أم رقادهم وشرودهم، انجذابهم أو مللهم، فتغير الأسلوب أو تستمر، تقصر الكلام أو تستمر تبعاً للحالة الموجودة.
ولو كان الإنسان يقرأ من أوراق فلا بد من أن تكون هناك نظرات بين الحين والحين، صحيح أن الخطيب إذا نظر إلى الناس وكلهم ينظرون إليه يشعر بالرهبة والهيبة والرعشة، ولكن يتجلد ويتصبر، فإذا اعتاد الأمر هان عليه، وقد ورد أن النبي ﷺ كان ينظر إلى السماء أثناء الكلام، ولكن ليس هذا هو شأنه الدائم لا ينظر إلى الناس وينظر إلى السماء، بل قد بينا في الحديث أنه كان يقبل بوجهه على المتكلم، ولما أتى شخص من الناس كان فيه فجور وشر أقبل عليه بوجهه إقبالاً عجيباً، حتى تعجب الناس من إقباله عليه، تعجب أهل بيته من إقباله على هذا الرجل الذي فيه شر، لكن النبي ﷺ كان يتألفهم.
أما النظر إلى السماء فقد ورد في صحيح الإمام مسلم: أن النبي ﷺكان كثيراً ما يرفع بصره إلى السماء، وروى أبو داود بإسناد ضعيف: أن النبي ﷺ "كان إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع بصره إلى السماء"
[رواه أبو داود: 4837، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة: 1768].
لكن لو قال إنسان: ما هو الجمع بين حديث النهي عن رفع البصر إلى السماء، والتهديد بأن يحول الله رأس هذا الناظر رأس حمار، أو أن يخطف بصره، وبين هذا الحديث الذي رواه مسلم؟ [رواه البخاري: 427، ومسلم: 691].
فقد ذكر ابن حجر -رحمه الله- الجواب فقال: "وحاصل طريق الجمع بين الحديثين أن النهي خاص بحالة الصلاة" [فتح الباري: 10/596].

توضيح الملقي لكلامه:
00:19:46

 وينبغي أن يكون كلام المتكلم واضحاً، قالت عائشة -رضي الله عنها-: "ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام يبينه، فصل، يحفظه من جلس إليه" [رواه الترمذي في الشمائل وهو حديث صحيح: 213، وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 191].
فمن العيوب: أن يأكل الإنسان أجزاء من الكلمات، أو حروفاً من الكلمات، أو أنه يسرع فيها إسراعاً يهذها هذًا.
فكما أن من عيوب الإلقاء البطء الشديد الذي يسبب الملل، فمن عيوب الإلقاء: الإسراع الشديد الذي تضيع بسببه بعض الكلمات فلا تصل إلى المستمع.

إعادة الملقي لبعض الجمل وتكرارها:
00:20:46

 ولا بأس عند إلقاء موضوع من إعادة بعض جمله وكلماته وأجزائه لأهميتها؛ كما روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه قال: "باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه"، عن أنس عن النبي ﷺ "أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه" [رواه البخاري: 95].
وهذه الكلمات المهمة التي تكون في ثنايا الجمل والفقرات يحسن أن يركز عليها الملقي حتى تستقر في الأذهان، ولهذا وسائل منها: الضغط على الكلمة أثناء التلفظ بها، ومنها: تغيير النبرة عند النطق بالكلمة خفضاً أو رفعاً، إسراعاً أو إبطاءً، أو التوقف عندها قبلها أو بعدها، يتوقف عند الكلمة توفقاً يسيراً قبلها أو بعدها للفت النظر إليها، أو إعادة الكلمة والعبارة كما سبق ذكره في الحديث.
ولا بد من التذكير بعدم الإكثار من التركيز على كلمات كثيرة لئلا يفقد التركيز أهميته، ومن أمثلة السكتات التي كان النبيﷺ يريد من خلالها أن يبين أموراً مهمة هذا الحديث: "خطبنا النبي ﷺ يوم النحر فقال:  أتدرون أي يوم هذا؟  قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس يوم النحر؟  قلنا: بلى، قال: أي شهر هذا؟  قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟  قلنا: بلى، قال:  أي بلد هذا؟  قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس بالبلدة الحرام؟  قلنا: بلى، قال:فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا
[رواه البخاري: 4406، ومسلم: 1679].

استخدام الملقي للإشارة أثناء الكلام:
00:23:23

 وكان النبي ﷺ يستخدم الإشارة أثناء الكلام.
الإشارة ملفتة للنظر، طاردة للشرود، فالناظر يرى الإشارة، ويسمع العبارة.
وكلما أشركت المستمعين معك بحواس أكثر كلما كان فهمهم واستيعابهم أكثر.
خذ هذه الأمثلة: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين ، فأشار بإصبعيه السبابة والوسطى
[رواه البخاري: 6005].
والإشارة بهاتين الأصبعين وردت في أحاديث كثيرة، وقال: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه [رواه البخاري: 481، ومسلم: 2585].
وقال: التقوى هاهنا  ويشير إلى صدره ثلاث مرات [رواه مسلم: 2564].
وكان أحياناً يغير الجلسة، لما تكلم عن أكبر الكبائر قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت [رواه البخاري: 2654، ومسلم: 87].
ولا بد من مراعاة عدم الإكثار من الحركات والإشارات؛ لأن كثرتها تصرف السامع عن الانتباه، وإنما يأتي بها في مواضعها الملائمة، ويجعلها موافقة للكلمة، وأن لا يحجب عن الناظرين وجهه بيده أو يديه.

جودة تحضير الملقي للموضوع:
00:25:00

 ومن الأمور التي تجعل الإلقاء ناجحاً، عامل مهم جداً من أهم العوامل وهو: جودة التحضير للموضوع.
يجب أن لا يفهم مما سبق عندما تكلمنا في قضية التوكل على الله أن نترك الأخذ بالأسباب، فإن من أعظم وسائل نجاح إلقاء الموضوع: جودة تحضيره، وحفظ الأدلة والشواهد وإعداد القصص والأمثال، ومراعاة المدخل، وطريقة العرض، وتزوير الكلمة في النفس سلفاً؛ كما قال عمر -رضي الله عنه- قال: "فلما سكت" يعني خطيب الأنصار "أردت أن أتكلم، وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر"
[رواه البخاري: 6830]، يقول عمر: "زورت" يعني في نفسي أعددت مقالة لهذا الخطب الجسيم، أعددت مقالة أردت أن أقولها.
ولا شك أن درجة الإعداد تختلف بحسب الموضوع، أو بحسب الحالة، فإعداد خطبة الجمعة غير إعداد الموعظة، أو إعداد الكلمة التي بعد الصلاة غير إعداد خطبة العيد، غير الخطبة التي أمر صلاح الدين أو عين شيخاً معيناً أن يخطبها ويلقيها في المسجد الأقصى أول جمعة بعد تحريره من أيدي النصارى، هذا أمر يسهر له الليل لتحضيره.
والذي يلقي من غير تحضير قد يكون شخصاً موهوباً يستطيع أن يحضر في ذات الوقت، وأن يرتب الكلمة، وأن ينسقها في ذهنه، فهذا شيء ممتاز.
لكن كثيراً من الناس قد لا يستطيعون ذلك، قد لا يكون طالب علم، ولا حافظاً مستحضراً للأدلة، أو جريئاً سريع البديهة، يحتاج أكثر الناس عند الإلقاء إلى تحضير، لا بد من الإعداد الجيد، الذي يلقي من غير إعداد كالذي يخوض معركة بعدة فاسدة أو بلا عدة أصلاً.
والتحضير هذا يحتاج إلى محاضرة مستقلة: كيف تحضر موضوعاً؟ لعلها تكون في وقت آخر إن شاء الله، لكن المختصر لا بد من جودة التحضير، جمع النقاط، انتقاء النقاط الجيدة، وطرح النقاط الرديئة، أو غير المهمة.
وإن كان الإنسان لا يحسن أن يتكلم ارتجالاً فيكتب النقاط ليذكر نفسه بها أثناء الكلام، وإن كان لا يستطيع هذا يكتب الكلام كله، اكتب ما ستقوله وما تريد أن تقوله، فتنفي عن نفسك كثيراً من الكلمات الرديئة أو غير المهمة.

إلمام الملقي باللغة العربية:
00:28:14

 ثم لا بد -أيها الإخوة- عند إلقاء الموضوعات من الإلمام باللغة العربية، وأن يكون هناك اهتمام من قبلك يا أيها الملقي باللغة؛ لأن اللحن في الكلام والخطأ أقبح من الجدري في الوجه.
ويتضايق من عنده إلمام ومعرفة باللغة من الخطيب أو المتكلم الذي يرفع المنصوب، وينصب المجرور، ويجر المجزوم، لذلك لا بد من محاولة دراسة متن مختصر في اللغة العربية، كمتن الآجرومية مثلاً على شيخ أو مدرس للغة العربية، ثم التطبيق، القراءة في الجماعة، ويصوب الحاضرون بعضهم لبعض، وأثناء إلقاء موضوع مع الأصحاب يكون التصحيح وتبيين الصواب، قال بعض السلف: "رحم الله امرأ أصلح من لسانه"، وقيل: إن عبد الله بن عمر كان يضرب ولده على اللحن، اللحن يعني الخطأ في اللغة.
وقال بعضهم:
رأيت لسان المرء رائد عقله *** وعنوانه فانظر بماذا تعنون
ولا تعد إصلاح اللسان فإنه *** يخبر عما عنده ويبين
ويعجبني زي الفتى وجماله *** فيسقط من عيني ساعة يلحن
رأى أبو الأسود الدؤلي أحمالاً للتجار، بضاعة، مكتوب عليها: لأبو فلان، مكتوب على هذه البضاعة: لأبو فلان، ما هو الصحيح؟ لأبي فلان، فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون
[أدب المجالسة، ص: 62].
وفي رواية: أن أعرابياً سليم اللسان جاء من البادية فدخل السوق فسمعهم يلحنون، فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون، ونحن لا نلحن ولا نربح.

اهتمام الملقي بالبلاغة والبيان والبديع:
00:30:30

 وكذلك: الاهتمام بالبلاغة والبيان والبديع، قيل لبشر بن مالك: ما البلاغة؟ قال: التقرب من المعنى، والتباعد عن حشو الكلام، ودلالة بقليل على كثير.
وقيل: البلاغة ليست كثرة الكلام، ولا خفة اللسان، ولكن إصابة المعنى.
وقيل لرجل: ما البلاغة؟ فقال: حسن الإشارة، وإيضاح الدلالة، والبصر بالحجة، وانتهاز موضع الفرصة.
وقال خالد بن صفوان: خير الكلام ما ظرفت معانيه، وشرفت مبانيه، فالتذت به آذان سامعيه.
وقال الحسن بن سهل العسكري في كتاب "الصناعتين": الكلام -أيدك الله- يحسم بسلاسته، وسهولته، ونصاعته، وتخير لفظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وموافقة مآخره لمباديه، فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقاً، وبالتحفظ خليقاً.
ولا بأس من استعمال السجع غير المتكلف، هناك سجع متكلف، وسجع غير متكلف، انظر مثلاً في قوله ﷺ: يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام
[رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 1334، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح الترغيب: 949] تلاحظ هذا السجع الجميل ليس بمتكلف، ولكنه طبيعي خرج من النبي ﷺ الذي أعطي جوامع الكلم.

ابتعاد الملقي عن وحشي الألفاظ:
00:32:31

 وكذلك لا بد من الابتعاد عن وحشي الألفاظ، ألم تر أنه صلى الله عليه وسلم كره لنا التشدق في الكلام، بل إنه قد أخبر بمثل شنيع، فقال:  «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة [رواه الترمذي: 2853، وقال الألباني: "صحيح" كما في السلسلة الصحيحة: 880] هل رأيت البقرة كيف تتخلل بلسانها؟ كره لنا ﷺ التكلف في الكلام، والتشدق، والإتيان بالألفاظ الغريبة الوحشية، والتقعر في الكلام، والتفاصح في الكلام، كره لنا هذا وشبه من يفعل ذلك بالبقرة التي تتخلل بلسانها.
ولا شك أن التقعر في الكلام واستخدام الألفاظ الوحشية والغريبة مما يسبب عدم الفهم، ويسبب النفور أيضاً، دخل أبو علقمة على أَعين الطبيب، أبو علقمة هذا لغوي كان مشهوراً باستخدام الألفاظ، أو كان يستخدم الألفاظ الغريبة، دخل أبو علقمة على أعين الطبيب، هذا اللغوي لما مرض كيف يصف مرضه؟ قال: أمتع الله بك إني أكلت من لحوم هذه الجوازل، فطسئت طسأة فأصابني وجع ما بين الوابلة، طرف الكبد إلى دأية العنق، يعني الفقرة، فلم يزل يربو وينمي حتى خالط الخلب والشراسيف، فهل عندك دواء؟ هذا الآن اللغوي يقول للطبيب هذا الكلام، فقال أعين: نعم، خذ خربقاً وشلفقاً وشبرقاً فزهزقه وزقزقه، واغسله بماء روث واشربه، فقال أبو علقمة: لم أفهم عنك، فقال أعين: أفهمتك كما أفهمتني.
ومر أبو علقمة ببعض الطرق بالبصرة فهاجت به مِرة، يعني المرارة، عصارة المرارة هاجت به، فنزل على الأرض من الألم، فسقط ووثب عليه قوم، يعني ظنوه صرعته الجن، فأقبلوا يعصرون إبهامه ويؤذنون في أذنه، ظنوا به جن، فأقبلوا عليه يعصرون إبهامه ويؤذنون في أذنه، فأفلت من أيديهم، وقال: ما لكم تتكأكئون علي كما تتكأكئون على ذي جنة، افرنقعوا عني، فقال رجل منهم: دعوه فإن شيطانه هندي، أما تسمعونه يتكلم بالهندية؟
وجلس أعرابي إلى أبي المكنون النحوي في حلقته وهو يريد أن يدعو بدعاء الاستسقاء، فشرع في الدعاء وبدأ فيه، ثم قال: ومن أراد بنا سوء فأحط ذلك السوء به كإحاطة القلائد على كرائد الولائد، ثم أرسخه على هامته كرسوخ السجيل على هام أصحاب الفيل، ثم قال: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً مجلجلاً مسحنفراً، هزجاً سحاً طبقاً غدقاً مثعنجراً، طبعاً لاحظ بعض الألفاظ وردت في الحديث، وبعض الألفاظ من تقعراته، فقال الأعرابي: يا خليفة نوح هذا الطوفان ورب الكعبة، دعني آوي إلى جبل يعصمني من الماء.
ثم لا بد إذا كان الإنسان يقرأ من ورقة مثلاً أن يضبط بالشكل لضعفنا في اللغة، يعني يَحسن أن يضبط بالشكل ما يقرأ، وينتبه للأخطاء، ويوضح الحروف، ولا يسرع في الكتابة؛ حتى لو كتبت لنفسك بسرعة دون توضيح فقد تقرأ الخاء غيناً، أو الحاء هاءً يحدث لها تصحيف، أو تكون النقطة بعيدة عن الحرف فتصعد إلى الحاء في سطر علوي فتصيرها جيماً، أو تنزل على الحاء السفلية فتصيرها خاءً، وينبغي وضع الشكل فوق الحرف.

تقطيع الملقي للعبارات وعدم استمرار الملقي على نسق واحد:
00:37:27

 ثم تقطيع العبارات، الصمت المناسب بين الكلمات أو الجمل يؤدي إلى فرز المعاني ومنع اختلاطها، والاستمرار بالكلام على نسق واحد باطراد دون توقف قد يتعب الملقي والمتلقي ولا بد من راحة.
ودمج العبارات بعضها ببعض من غير إعطاء فواصل زمنية صامتة يؤدي إلى اختلاط الأمر على السامع، ولذلك الوقت مهم في تبيين المعنى، والوقت مهم في استراحة المتكلم بأخذ النفس والمتلقي في السماع، ولماذا كان هناك الوقف في القرآن؟
هذا من العلوم المهمة، وقد صنف العلماء فيه مصنفات مهمة، فمثلا: ينبغي أن يعلم أن هناك وقفاً ممنوعاً محرماً، فلا يجوز أن يقول الإنسان: فاعلم أنه لا إله، ويقف، فاعلم أنه لا إله، أو يقول: إن الله لا يستحيي، ويقف، حرام محرم.
وقد يكون وقفاً قبيحاً يغير المعنى أيضاً كما لو أنه قرأ: وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله، ويقف، فيكون معنى ما قاله أن يوسف أكل المتاع.
وهناك وقف تام، ووقف حسن، ووقف جائز، ويكون وقفاً صحيحاً والوصل أولى، أو الوصل صحيح والوقف أولى، هذا من علوم القرآن.
وفي خلال الإلقاء هناك وقفات قصيرة من غير أخذ شهيق للتفريق بين الكلمات والمقاطع في الكلمة أحياناً، مثل حرف اللين مع حرف صحيح، أو وقفة متوسطة للتفريق بين جملة وأخرى، أو للتركيز على جملة مهمة أو كلمة مهمة، أو وقفة طويلة يأخذ فيها الشهيق تستعمل للتفريق بين المعاني والأفكار، وغالباً تكون في نهاية الفقرة أو الجملة الكاملة المعنى.
ويجب ألا تكون طويلة إلى الحد الذي يؤدي إلى انقطاع سلسلة الأفكار.
ويمكن للملقي من ورقة أن يشير إلى أماكن الوقفات المناسبة وينظمها سلفاً بالتقطيع والنقاط والفواصل.
ولا بد من إجادة مكان أخذ النفس حتى لا تجهض الكلمة أو الجملة عند الإلقاء.

معرفة الملقي لمخارج الحروف:
00:40:17

 وكذلك أن يتعلم الملقي مخارج الحروف، فما الذي يفرق بين الدال والضاد، والذال والظاء، والكاف والقاف؟ ما هو الفرق الرئيسي بين هذه الأحرف؟
التفخيم والترقيق.
الدال إذا فخمتها صارت ظاءً، والضاد إذا رققتها صارت دالا، والطاء إذا رققتها صارت تاءً، ما ترى أهل الدرعاء يقولون: أكلنا بتاتة.
الشاهد أن عدم معرفة صفات الحروف يسبب انقلاب المعنى؛ لأنك إذا غيرت الحرف انقلب المعنى.

تفريق الملقي بين أنماط الجمل:
00:41:24

 وكذلك التفريق أثناء الإلقاء بين أنماط الجمل، فلست تلفظ الجملة الإثباتية كما تلفظ الجملة الاستفهامية، كما تلفظ الجملة المنفية.
فالجملة الاستفهامية مثل: أتدرون ما الغيبة؟ 
[سبق تخريجه]، هذه جملة استفهامية.
والجملة المنفية: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه  
[رواه البخاري: 13، ومسلم: 45].
والجملة الإثباتية، أي جملة تبدأ ب "إن" على سبيل المثال: إن الصدق يهدي إلى الجنة [رواه البخاري: 6094، ومسلم: 2607].
لاحظ هذه الجمل كل واحدة لها طريقة في الإلقاء: إن الصدق يهدي إلى الجنة ،  أتدرون ما الغيبة؟  لا والله [رواه البخاري: 428، ومسلم: 524]،  لا والذي نفسي بيده  [رواه البخاري: 6632].
فإذاً، كل واحدة من الجمل كل نوع له طريقة.
كما أن النبرة في الكلام ستختلف لو كان الموضوع فيه فرح أو فيه حزن مثلاً.
وكذلك لا بد من التفريق بين إلقاء الداعية، أو إلقاء الخطيب، أو طالب العلم، أو إلقاء كما يكون الفرق بين إلقاء هؤلاء وإلقاء الممثل والمسرحي، بعضهم عندهم يدرسون فنون الإلقاء في التمثيل والمسرح.
-طبعاً- كثير منه فيه تكلف وسخافة، ولكن المقصود هنا الإشارة إلى الفرق بين حال الخطيب وهو يخطب، أو حال الشخص وهو يلقي درساً، أو وهو يلقي موعظة كل واحدة لها نبرة.

توضيح الملقي للكلمات الغريبة:
00:43:30

 وكذلك لا بد من توضيح الاصطلاحات التي تعرض أثناء الموضوع، والكلمات الغريبة، فيُبين المعنى، حتى لا تتشوش الأفكار.

منع الملقي للمقاطعات المشوشة من قبل الحضور:
00:43:44

 وينبغي منع المقاطعات المشوشة.
من عيوبنا في المجالس إذا ألقينا الموضوعات: أننا ننشغل بصب الشاي، وتقديم الضيافة، ثم إذا انتهى واحد سأله الواقف: هل يريد المزيد؟ وسيقول: لا، ويحجب الواقف نظر المتكلم عن بعض الناس، ونظر هؤلاء عن المتكلم.
فنقول: إذا أردتم أن تكونوا جادين في إلقاء الموضوعات في جلساتكم فعليكم ألا تشوشوا هذا بمقاطعات بهذه الضيافات، اجعلوا لها وقتاً خاصاً، استراحة أثناء الموضوع يؤتى فيها بالشاي مثلاً وغيره.
هذه مجالس السلف لما كانوا يتكلمون ويلقون فيها كان الناس فيها كأن على رؤوسهم الطير، ولو ألقيت إبرة لسمع صوتها.

توجيه الملقي للأسئلة للجمهور:
00:44:47

 وإعطاء المجال للأسئلة أو توجيه الأسئلة من الأمور المعينة على فهم الموضوع الذي يلقى.
طبعاً هناك أشياء ليس فيها أسئلة كخطبة الجمعة مثلاً لا يسأل الخطيب فيها الناس ويريد الجواب في العادة، لا يفعل ذلك، أو أن واحداً يسأل الآخر عن شيء أثناء الخطبة.
وكذلك يحدث أحياناً أن يتطرق إلى الأذهان سؤال أثناء عرض الدرس، فالملقي يستحسن أن يجعل وقتاً لطرح الأسئلة كلما انتهت فقرة كبيرة جعل وقتاً محدداً للأسئلة لئلا يضيع الوقت، أو إذا كان الدرس قصيراً أو معتدلاً جعل الأسئلة في نهاية الموضوع مثلاً بحسب المصلحة.
أما بالنسبة لإزالة السآمة والملل أثناء الإلقاء، فإذا كان الموضوع قصصياً ومن السيرة، وطريقة الإلقاء شيقة، فإن الناس قد لا يملون ولا تحتاج إلى شيء لإزالة الملل؛ لأنه غير موجود أصلاً، لكن في الدروس العلمية، وسياق أقوال العلماء، والأدلة المتعارضة، وذكر الترجيح، هذه الدروس المكثفة يحتاج الإنسان إلى طرد النعاس عن بعض الحاضرين، الدروس التي فيها سرد طويل ينبغي فيها إعادة الشارد وإيقاظ من به سِنة، وتنبيهه، يزال الملل بأشياء، فمنها: طرح سؤال على الحاضرين، تغيير الجو بأن ينتقل الكلام إلى السامعين، أو إيراد طرفة جائزة شرعاً يحصل فيها تلطيف للجو، وترويح عن النفوس، أو اختصار الكلام، أو زيادة إضاءة، أو فتح نافذة، أو إتيان بشيء من المشروبات التي يجعل لها وقت، أو أخذ راحة، يتوقف مثلاً لأخذ راحة.
أقول: هذا من الأمور المهمة التي ينبغي الانتباه لها في إلقاء الموضوعات.

ذكر الملقي لربه إذا نسي شيئا:
00:47:17

 إذا نسيت نقطة وأنت تلقي وأنت ترتجف، فاذكر ربك إذا نسيت، وأعد النقطة السابقة فربما يتصل في ذهنك، تتصل النقطة السابقة بالنقطة المنسية فتأتي، أو لخص ما سبق منتظراً أن تأتي النقطة المنسية، والإعادة ولو كانت فيها شيء من التكرار خير من الصمت المطبق الطويل، وربما سأل الإنسان من عنده أن يعينوه، أو سأل سؤالاً يأتيه الجواب، تأتيك الفكرة المنسية ريثما يأتيك الجواب.
وبعضهم قد يقول يأتي بحيل يقول: هل الصوت جيد؟ هل الجميع يسمع بوضوح؟ وهو لا يقصد هذا وإنما يقصد أن تأتي الفكرة المنسية.

ضبط الملقي للوقت:
00:48:27

 ومن الأمور المهمة جداً: ضبط الوقت، المقدمة كم لها؟ الموضوع ينقسم إلى كم قسم؟ والخاتمة كم لها؟ كم ستعطي لأقسام الموضوع، كل فقرة ستتكلم عنها في كم دقيقة من الوقت؟
بعض الناس إذا تكلم نسي نفسه ولا يحسب حساب الوقت الذي سيأخذه هو، وقد يكون هناك موضوع سيلقى بعد موضوعه، أو كلمة ستلقى بعد كلمته، أو أنه يسهب في نقطة، ويختصر في نقطة مهمة نظراً لضيق الوقت، فمراعاة الوقت وضبط الوقت من الأمور المهمة جداً في الإلقاء.
وبعض الناس يكتبون عدد الدقائق يكتبونه على أطراف الورقة، هذا كم يأخذ، وهذا كم يأخذ، ويجعل أمامه ساعة حتى يضبط نفسه، وبعض الناس قد يجيد ضبط نفسه تلقائياً.
فالمهم أنه لا بد من مراعاة هذه المسألة.

ختم الملقي للموضوع :
00:50:16

أما بالنسبة للخاتمة وإنهاء الكلام فلا شك أننا نحن المسلمين ننهي كلامنا بذكر الله كما نبدأ بذكر الله، وقد يقول الخطيب: أستغفر الله لي ولكم، وقد يختم المتكلم بالصلاة على النبي ﷺ.
وبالنسبة للخاتمة، خاتمة الموضوع ليست الخاتمة النهائية: أستغفر الله لي ولكم، أو صلى الله على نبينا محمد مثلاً، هذا آخر ما يقال، أو في دعاء كفارة المجلس، أو ختام الكلام.
الخاتمة، خاتمة الموضوع أمر مهم؛ لأنه آخر ما يبقى في أذهان المستمعين، فينبغي أن يجهزه بعناية خاصة.
وبعض الناس لا يعرف كيف يختم، وبعضهم يختم فجأة يذهل الموجودين، وبعضهم يختم ويعيد الدخول مرة أخرى في الموضوع، وبعضهم يبحث عن مخرج فلا يهتدي لمخرج، ولا يستطيع الخروج، ولا يتوصل إلى نهاية أبداً، فهو يعيد ويكرر باحثاً عن مخرج ولا يجد مخرجاً، فليكتب هذه الكلمة أو الخطبة خير له.
ومن الأمور المهمة في الخاتمة: إعادة اختصار الموضوع وعرض النقاط حتى تتركز في أذهان المستمعين.

الإلقاء موهبة وتدريب:
00:51:21

 
واعلموا -أيها الإخوة- أن الإلقاء موهبة، وكذلك الإلقاء الجيد وليد التدريب، والإنسان قد لا يلقي موضوعاً طويلاً من البداية، أو يلقي موضوعاً صعباً يحتاج إلى مزيد شرح وإيضاح، أو أنه يلقي خطبة فجأة على مجموعة كبيرة من الناس يتدرج في الإلقاء فيلقي على إخوانه شيئاً، ثم قد يلقي كلمة بسيطة في مسجد، أو يلقي شيئاً في قاعة الدراسة، وبحثاً على الطلاب، ثم ينتقل بعد ذلك لإلقاء خطبة في مسجد على مستوى أوسع، ونحو ذلك، ويلقي في وسط أناس لا يعرفهم، هذا بعد أن يكون قد ألقى وسط أناس يعرفهم؛ لأن الوجوه المألوفة والصداقة مع المستمعين هذا مما يسهل عليك الإلقاء في البداية، ولذلك أقول: لا بد من التدرج.
وليس الخطابة أمراً سهلاً، بل إن عدداً من الخطباء قد يصاب بأمور صعبة على نفسه، إذا أراد أن يخطب المرة الأولى في الخطابة، وتسمع أحياناً عن قصص في هذا مثل إذا غاب الخطيب واضطر الناس في المسجد إلى الطلب من أحد الموجودين أن يقوم فيخطب، وليس هناك أحد مجهزاً خطبة؛ لأن الكل في حسبانهم أن باب المنبر سيفتح ويدخل الخطيب، ولذلك فإن إلقاء خطبة مفاجئة هو أمر صعب لا يستطيعه إلا الجرآء الذين عندهم قوة وصبر، قوة نفس وتحمل؛ لأن أعين الناظرين إليك وأنت على المنبر كالسهام التي تخترقك، ولذلك يقال: إنه في مسجد من المساجد تأخر الخطيب ما جاء، فرأوا واحداً من هؤلاء الموجودين يعني صاحب لحية، وفي الصفوف المقدمة مبكراً، فضغطوا عليه قم فيك الخير والبركة قم قم، قام المسكين متعثراً متردداً فصعد الدرجات متثاقلاً، فلما وقف واستدار إليهم فوجد أنه لوحده في المنبر فوق المنبر وكل الناس ينظرون إليه، فمن هيبة الموقف أغمي عليه وسقط.
وهناك عدد من الخطباء كما يروى في الكتب يصابون بعملية يرتج عليهم، يعني يقفل ويغلق عليه ما يدري ماذا يتكلم، ولا يدري ماذا يقول.
وقد يكون بعضهم عنده نوع من الظرافة يتخلص بها من الموقف المحرج، من أول ما كانوا يكتبون في أوراق ويصعدون، يصعدون المنبر من غير أوراق، ويرتجلون الخطبة ارتجالاً.
صعد روح بن حاتم المنبر فلما رآهم قد فتحوا أسماعهم، وشقوا أبصارهم، حصر، ارتج عليه، فقال: نكسوا رؤوسكم، وغضوا أبصاركم، فإن أول كل مركب صعب.
وإذا يسر الله فتح قفل يسر.
وصعد أحد الظلمة وكان خطيباً على المنبر، فحمد الله ثم ارتج عليه، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وبعد.. وبعد.. ما في كلام، فجعل يقول: أما بعد.. أما بعد.. وقبالة وجهه رجل أصلع، فقال: أما بعد.. يا أصلع، فوالله ما غلطني غير صلعتك، هاتوه فأمر به فضرب أسواطاً عند المنبر، يعني هذه الخطبة. وخطب آخر فقال: أما بعد.. أما بعد.. وجعل لا يدري ماذا يقول، ثم نظر فإذا إنسان ينظر إليه فقال: قاتلك الله، ترى ما أنا فيه وتلمحني ببصرك أيضاً.
وارتج على عبد الله بن عامر بالبصرة وهو أميرها في خطبة عيد الأضحى -ترى هذه حالة نفسية، يعني قد لا يتخيل الشخص حال الخطيب إذا أغلقت دونه الأبواب، ولم يجد شيئاً يقوله وهو يرتجل وليس عنده شيء ولا ورقة- ارتج عليه في خطبة عيد الأضحى فمكث ساعة، ثم قال: والله لا أجمع عليكم عياً وبخلاً، من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها علي
[سير أعلام النبلاء: 3/19]يعني الأضاحي على حسابي.
وكان عبد ربه اليشكري أميراً على المدائن، فصعد المنبر فحمد الله، وارتج عليه فسكت، ثم قال: والله إني لأكون في بيتي فتجيء على لساني ألف كلمة، فإذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها من صدري، ولقد كنت وما في الأيام يوم أحب إلي من يوم الجمعة، فصرت يعني معنى كلامه إذا جاءت الجمعة أغتم، وما ذلك إلا لخطبتكم هذه.
ودعي رجل ليلقي كلمة في نكاح فحصر، أراد أن يقول ماذا يتكلم؟ ماذا يقول؟ ما هو المناسب؟ ما وجد شيئاً، فقال:  لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ، فقالت أم العروس: عجل الله موتك لهذا دعوناك!
وهذه مسألة الخطابة مسألة تدريب وتعود، والإنسان إذا كان يخشى على نفسه يكتب الخطبة.
كما أن هذا -والله المستعان- حال أكثر الخطباء اليوم، يعني نحن الآن فينا من الضعف ما لا نستطيع أن نرتجل ونحفظ النصوص، ونتفوه بهذه الكلمات بخطبة متقنة، فيحتاج الإنسان أن يكتب.

بعض العيوب التي تعتري الملقي:
00:58:00

وكذلك الإلقاء، الملقي تعتريه عيوب، فقد يكون عنده لثغة، وهي التردد في الكلام أو قبل كلمة معينة أو قبل بداية الجملة، وقد يكون عنده تأتأة يتردد عند حرف التاء، أو فأفأة يتردد عند حرف الفاء، أو لثغة مثل أن يغير الراء غيناً، لا يستطيع أن ينطق بالراء، أو تمتمة يتردد اللسان في حرف التاء، ورتلة وهي قلب الراء -كما قلنا- غين أو واو، يعني هذه من العيوب.
بعضها لها علاجات يعني عند الأطباء النفسانيين لها علاجات، وبعضها يحتاج إلى تدريب، أو هو العلاج أكثره تدريب وإن كان التدريب شاقاً، وقد قيل لرجل كان لديه فطنة، وكان يقلب الراء غيناً لا يجيده، قل: أمر الأمير بحفر بئر في قارعة الطريق، فقال: أوعز القائد أن يقلب قليب في الجادة، القليب هو البئر، والجادة هي قارعة الطريق، فكان بعضهم يتخلص من الحروف التي لا يجيد نطقها بكلمات ليس فيها هذا الحرف، وهذا يحتاج إلى ثروة لغوية، يعني مثل كتاب: جواهر الألفاظ، هذا كتاب جيد في المترادفات، "إحكام صنعة الكلام في البديع والبلاغة" أيضاً كتاب مهم.
الشاهد: أن هناك كتب تتكلم عن مثل هذه الأمور التي ذكرناها.

تغلب الملقي على العقدة النفسية:
00:59:55

ولا بد أن يتغلب الملقي على العقدة النفسية، خصوصاً في الإلقاء للمرة الأولى، كالارتباك، وعدم القدرة على التفكير، والتلعثم، وتضاعف سرعة النبض، وبعضهم قد يفضل أن يبقى خلف طاولة أو منبر شبه مغلق ولا يستطيع أن يقف في مكان مفتوح ليس أمامه إلا مكبر الصوت.

تجنب الملقي العبث بأي شيء:
01:00:15

 وينبغي أيضاً على الملقي أن يتجنب العبث بالأزرار أو اللعب بشيء بالقلم، أو التشبث بقوة غير طبيعية، أو فرك اليدين، أو حك اللحية المتواصل، أو العبث بالشارب، وكثرة تعديل الغترة، وتقليب الأوراق وطيها تقليباً مزعجاً، لأن هذا يشوش أفكار المستمعين الناظرين إليه.
هذا ما تيسر ذكره من الأمور المعينة على حسن الإلقاء.
ونسأل الله أن يجعلنا من الدعاة إلى سبيله الذين يبذلون النفس والنفيس في مرضاته سبحانه، ونسأله أن يجعل ما أعطانا من القوة والبيان عوناً على طاعته، وألا يجعلنا ممن يستخدمون ما آتاهم من المواهب في الشر والصد عن سبيله.
ونختم بدعاء موسى لما أرسله الله إلى فرعون فقال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي
[طـه: 25 - 28].
فنسأل الله أن يشرح صدورنا، وأن ييسر أمورنا، وأن يرزقنا البيان والحجة، وأن يجعلها عوناً على الدعوة إلى سبيله.
والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.