الأربعاء 8 صفر 1440 هـ :: 17 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

محنة يوسف في السجن


عناصر المادة
مقدمة
أبرز المحن التي مرت في حياة يوسف -عليه السلام-
محنة إلقاء يوسف في الجب
محنة إغراء امرأة العزيز ليوسف ومراودتها له
محنة إلقاء يوسف في السجن
قصص في سجن العلماء والدعاة
أحكام العبادات في السجن
كيفية مواجهة الفتن والمحن
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
أيها الإخوة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مقدمة
00:00:17
 يسرني أن ألتقي بكم لأستعرض وإياكم ملامح من حياة نبي كريم -صلى الله عليه وعلى نبينا صلاة وسلاماً إلى يوم الدين-.
إنه الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم السلام-.
هذا النبي الكريم الذي أفردت سورة من القرآن الكريم من أجل قصته، وسرد حياته، وذكر الله لنا في القرآن العزيز تفاصيل عن حياة هذا النبي الكريم، يراد من الأجيال المسلمة أن تستفيد منها، وأن تتدبر فيها، وأن تحرص على معرفتها.
والحقيقة أنه ليتملكنا العجب ونحن نتأمل في تفاصيل هذه الحياة الكريمة لهذا النبي الكريم، ونتعجب من تنوع المحن التي توالت في حياته، فهو لا يكاد يخرج من محنة إلا ليدخل محنة جديدة، ليكون بذلك عبداً نبياً تقياً نقياً صقلته المحن، وتوالت عليه الشدائد، فكان لله عابداً طائعاً مخلصاً، لم تشبه الشوائب، وإنما نقته المحن من كل شائبة.
سنتكلم عن محنة يوسف.
أبرز المحن التي مرت في حياة يوسف -عليه السلام-
00:02:28
 ولعل المحن التي مرت في حياة يوسف يكون أبرزها أربع محن أساسية أو رئيسية:
فأولها: محنة حسد إخوته له الذي توج بإلقائه في الجب.
وثانيها: محنته أمام امرأة العزيز عندما عرضت فتنتها عليه لتغويه وتوقعه في الفحشاء، والله لا يحب الفحشاء.
وثالثها: محنة السجن وما لاقاه يوسف داخل السجن، وهذه الغربة والوحشة التي عاشها ﷺ.
ورابعها: محنة المنصب وتبوء هذه المكانة التي صمد يوسف -عليه السلام- فيها، فكانت محنة سراء.
الأولى: محنة حسد وعداوة.
والثانية: محنة شهوة.
والثالثة محنة شدة وسجن وابتلاء بالسجن.
والرابعة: محنة سراء ومنصب وجاه، وصل إليه هذا النبي الكريم، وأنعم الله به عليه.
محنة إلقاء يوسف في الجب
00:04:01
 فأما المحنة الأولى وهي: محنة إلقاء إخوته له في الجب، فهي أنهم حسدوه على مكانته من أبيه، وقالوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [يوسف: 8]، وهم لا يستطيعون أن يصبروا على هذه المكانة التي حصلت ليوسف عند أبيهم، وإن الحسد ليعمي ويصم، ولا يستطيع صاحبه أن يرى الطريق المستقيم بسبب العمى الذي يطغى على بصره وبصيرته، فيتبع ذلك عداوة مستمرة، وسعي دائم لإلحاق الأذى بالمحسود، وإيقاع الضرر به، وهذا ما حصل ليوسف .
ونحن قد تكلمنا في محاضرة سابقة عن الحسد، وأسباب الحسد، وعلاج الحسد، وأنواع الحسد، ولعلنا لن نطيل الكلام عن الحسد في هذا المقام لما سبق أن ذكرناه حوله في محاضرة قديمة.
ولكننا نقول -أيها الإخوة-: إنه لا بد من العدل بين الأولاد، وإنه لا بد من الاعتناء والاهتمام بجميع الأولاد، وإن شريعة الله في المساواة بينه في الأعطيات دليل على أن الله -عز وجل- يريد من المسلم أن يقسم بين أولاده بالسوية، وقال عليه الصلاة والسلام للرجل: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ [رواه مسلم: 1623]، فإذا أردت أن يبرك أولادك كلهم فاحرص على العدل بينهم.
والعدل يكون بالأعطيات المادية وبالتعليم، بل إن السلف -رحمهم الله- كانوا يعدلون حتى في القبلات.
وقد يتفوق أحد الإخوة بين إخوانه ويتميز بشيء من الذكاء أو الحفظ والعبادة والتقوى، فلا شك أنه سيكون له في نفس أبيه مكانة أعظم من مكانة بقية الأبناء، ولكن حكمة الأب يجب أن تكون مانعة من تغلغل الحسد وانتشاره إلى نفوس بقية الإخوة، وذلك بأن يوجه كلاً منهم في طاقته التي يقدر عليها وفي مجاله الذي يُبدع فيه، ولا يشترط أن يكون كل الإخوة سواء، وهذا من محل النظر التربوي في توجيه الطاقات لخدمة هذا الدين وتوزيعها حتى بين أفراد الأسرة الواحدة.
وكذلك فإن على الأب أن يعالج ما وصل من الحسد إلى نفوس أبنائه، وعليه أن يطلب من صاحب النعمة بينهم أن يخفي شيئاً ما من ملامح نعمته حتى لا يكون الحسد هو المواجه به من قبل إخوانه، ولذلك طلب يعقوب من ابنه يوسف أن يكتم الرؤيا التي أراها الله إياه؛ لأن يعقوب النبي قد أحس أن هذه الرؤيا بداية لنعمة عظيمة من الله: لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا [يوسف: 5].
ونعلم أيضاً أن الشيطان يحاول إيقاع العداوة بين أفراد الأسرة الواحدة، وكم من الأسر التي تفرق أفرادها شذر مذر بسبب الحسد والحقد والعداوة!
والتربية هي الكفيلة بإزالة هذه العداوات.
ولمحة أخرى إلى أن الحاسد لا يجوز له مهما اعتمل في نفسه، ومهما ألقى الشيطان فيها من الوساوس، لا يجوز له أن يتعدى على أخيه المسلم، ولا أن يلحق به الضرر، لا بالعين ولا بالأذى من أي نوع من الأنواع.
وشر الحاسد عظيم، ولهذا ورد في سورة الفلق الاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد، وهؤلاء الناس الذين عزموا على التوبة قبل الذنب، وقالوا: اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف: 9] علمنا من كلام أهل العلم أن النية بالتوبة قبل الإقدام على الذنب نية فاسدة، وأنه لا يجوز للإنسان أن يقول: أذنب ثم أتوب فأمحو هذه الذنوب، وكم من أناس لعب عليهم الشيطان من هذا الباب، فقال لهم: اعملوا ما شئتم من المعاصي ثم حجوا لله حجة واحدة تمحوا لكم، أليس الذي يحج يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؟
فلذلك ترى هؤلاء يعصون الله دائماً، ثم يقولون: عمرة أو حجة، وننتهي من هذه الذنوب الكثيرة التي تراكمت علينا من السنين الماضية؛ فإن التوبة عبادة عظيمة، ولا يجوز أن يتلاعب بها، والله يعلم هل هذا الشخص متلاعب أو لا، فيتوب عليه أو لا يتوب.
ولما ألقي يوسف  في الجب في ذلك المكان المظلم الموحش المخوف الذي يحصل بسببه الرعب، ولم يكن في قلوب إخوته من الرحمة ما يمنعهم من هذه الجريمة، ومن الإقدام عليها، بل كان أحسن حالهم أن عدلوا عن قتله إلى رميه بالجب، عله يلتقطه بعض السيارة من المسافرين، فيأخذونه معهم إلى بلاد بعيدة، ويغيب عن وجههم هذا الشخص الذي أرقهم وأزعجهم بهذه المكانة عند أبيهم.
وإن انعدام الرحمة والشفقة التي تكون في قلوب كثير من الناس دليل على ضعف الإيمان، إذ لو أنهم كانوا يراقبون الله ما أقدموا على هذا العمل، بقي يوسف ما شاء الله له أن يبقى في ذلك الجب وحيداً مستوحشاً، ولكن الله -عز وجل- كان يؤنس غربته ويزيل وحشته: وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [يوسف: 15].
ثم جاءت السيارة وجاءت القافلة واستخرجوا يوسف من هذا الجب بحبل السقاء والدلو المتعلق به يوسف -عليه السلام-، واستبشروا عندما رأوه وأخذوه ليبيعوه في أرض مصر، وباعوه إلى العزيز؛ فأخذه العزيز إلى قصره، وانتقل يوسف من ظلمة الجب إلى نعيم القصر، وشتان وشتان بين ظلمة الجب ووحشته، وبين نعيم القصر وملذاته.
وتأمل كيف أنه سينتقل بعد فترة أخرى إلى ظلمة السجن ووحشته بعد أن كان في نعيم القصر وحبوره ولذاته ومسراته.
ونوع الله على يوسف أنواع المحن، فخرج يوسف نقياً، وثبت في هذه المحن كلها ليدلل على أنه عبد مصطفى من الله -عز وجل-، وعلى أن الله آتاه حكماً وعلماً، وأن الله رباه فعلاً ليثبت يوسف أمام المحن فيكون قدوة لمن بعده، وعاش يوسف في ذلك القصر، وفي ذلك النعيم، مدللاً مكرماً منعماً، يستوصي به أهل القصر خيراً: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [يوسف: 21]، وعوضه الله في هذه الفترة عن ذلك الصبر على إلقاء إخوته له في الجب، فأكرمه وأنعم عليه، ولذلك قال يوسف بعد ذلك: مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف: 23] فنقلني من ظلمة الجب إلى سعة القصر.
وكان صبر يوسف على إلقاء إخوته له في الجب من النوع الذي لا اختيار فيه؛ فإن الأشياء التي تحل بالإنسان على أنواع؛ فمنه ما يكون صبره عليه اختياراً، ومنه ما يكون صبره عليه اضطراراً؛ لأنه ليس هناك إلا الصبر، فماذا كان بيد يوسف أن يفعل وهو ملقى في البئر؟ لا شيء، لكن لما صبر أمام امرأة العزيز كان صبره فيه اختيار، بمعنى أنه كان يمكن أن يقع في الفاحشة أو لا يقع، لكنه اختار العفة، وعدم والوقوع، فكان صبره على امرأة العزيز أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب.
والنوع الثالث الذي هو الصبر على المصائب، وهذا الذي حصل في السجن، أيضاً كما حصل في إلقاء إخوته له في الجب.
فالصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على الأقدار، كلها فعلها يوسف ، فعبد الله وصبر على الواجب، وامتنع عن الوقوع في الفاحشة، وصبر عن المحرم، واحتسب عندما ألقاه إخوته في الجب، وعندما سجن، وصبر على القضاء والمصيبة التي حلت به.
محنة إغراء امرأة العزيز ليوسف ومراودتها له
00:15:21
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ [يوسف: 22 - 23]؛ فأعده الله لما بلغ أشده في القصر، أعده الله بأن آتاه الحكمة وآتاه العلم، فلما حصلت الفتنة أمام المرأة صبر يوسف؛ لأن الله آتاه حكماً وعلماً.
وهذا يدل على أهمية الإعداد لمواجهة المتاعب، وأهمية التربية لمواجهة الفتن، وأهمية أخذ النفس بالصبر لمواجهة المحن وأنواع الابتلاءات لينتقل يوسف إلى نوع جديد من المحنة، وتدعوه امرأة العزيز وهي سيدته وهو العبد الغريب في البلد، وهي المرأة ذات المنصب والجمال، وغلقت الأبواب، وغاب الرقيب، وكان الزوج قليل الغيرة، واستعانت عليه بمكر النسوة، والتهديد بالسجن، ودعته إلى الفاحشة، وضغطت عليه بعد ذلك لما لم يوافق:هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ[يوسف: 23].
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ هم الفعل وَهَمَّ بِهَا[يوسف: 24] هم الخاطر الذي يدور في النفس دون أن يتحول إلى فكرة وإرادة وعزيمة وعمل.
لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ[يوسف: 24] وهداه الله -عز وجل-، فلم يقع في الفاحشة، ورفض ذلك، وهرب من موقع الفتنة، وهذا ما يجب على الشاب إذا وقع في ورطة أن يهرب من موقع الفتنة.
وهذه المحنة التي عرضته لها امرأة العزيز تبين لنا مساوئ الخدم في البيوت.
وتبين لنا المنكرات التي تقع في المجتمع المخملي أو القصور، وما تحويه من البلاوي والآفات.
وتبين لنا لماذا حرم الله خلوة المرأة بالرجل، والرجل بالمرأة.
وتبين لنا أهمية الصبر على الشهوات وضبط النفس عند ثوران الغريزة.
وتبين لنا أن كيد النسوة عظيم.
وتبين لنا أن الإنسان يجب عليه أن يفر من موقع الفتنة، وهرب يوسف نحو الباب وهي تسعى وراءه حتى أمسكت بقميصه من شدة سعيها، وأراقت ماء وجهها، وهي في هذا المنصب العظيم والمركز الكبير لتطلب من غلام عبد عندها أن يفعل بها الفاحشة.
وهذا العمل الذي يسببه عدم انضباط الشهوة بميزان الشرع، وسرت الفضيحة:وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ[يوسف: 25]، وادعت على يوسف ادعاءً باطلاً، وأنقذه الله بشهادة رجل كبير ذو لحية حكم بينهما بذكائه؛ كما ورد في رواية ابن عباس الصحيحة وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ[يوسف: 26 - 28].
وصبر يوسف ، ولا يستطيع الفكاك وأين يذهب؟
ولا زالت المرأة على دعوتها له، وتسربت الأنباء في البلاد، ولا بد أن يكون في القصر من الخدم والناس من ينقل الأخبار ويسربها، وسرت الشائعات في المجتمع، وقال النساء نساء الطبقة الثرية من صديقات امرأة العزيز وغيرهن:امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ[يوسف: 30 - 31].
وعندما اكتملت أسباب المحنة على يوسف من دعوة المرأة، واستعانتها بكيد النسوة، وهددته بالسجن، وأنها ستذله، وتجعله من الصاغرين، لجأ يوسف إلى الله، وهذا من العجائب في قصة يوسف أنه مع الله دائماً، فهو يقول:مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف: 23]،رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ[يوسف: 33]،أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا [يوسف: 90]،رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ[يوسف: 101]، وهكذا كان يوسف مع ربه دائماً طيلة الوقت طيلة المحن وعلى تنوع الشدائد والابتلاءات ويوسف مع ربه -سبحانه وتعالى-، وهو يطلب المدد من الله، ويدعو ربه في وقت المحنة، ويقول:رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ[يوسف: 33]، وهذا من كمال الإيمان في نفسه أن يفضل السجن ووحشته وعذابه وألمه على الوقوع في الفاحشة، ومَن مِن الناس يستطيع أن يصبر على ذلك إلا المتقون؟ ولكن أقل الناس هم المتقون.
ثم ينتقل وقد سبق أن ذكرنا تفاصيل في موضوع يوسف وامرأة العزيز في كلامنا عن الشهوات، ومنهج الإسلام في تهذيب الغريزة ومعالجة الشهوات، ولذلك لن نطيل في هذه المحنة.
أيها الإخوة: لا بد للشباب بالذات من دراسة قصة يوسف في هذه الموقعة نظراً لانتشار الشهوات في هذه العصر، وكثرة المغريات، وأن غريزة الشباب الشهوة في الشباب قوية، وأن من أسباب المواجهة دراسة قصة يوسف بخلاف ما قاله بعض المشككين المنحرفين الضالين لما قال: إنني لا أرى أن تذاع قصة سورة يوسف في الراديو في المذياع؛ لأنها تخرب أخلاق الشباب -تعالى الله عن هذه الفرية وعن هذا الكذب علواً كبيراً-، وما قصها الله علينا إلا لنعتبر ونتدبر، ولكن هذه كلمة من حملات المشككين، ومن ضمن الأشياء الكثيرة التي تكاد للإسلام وأهله.
وأحياناً يستجر الإنسان إلى مواقف مثل هذه، وأحياناً يكتشف الإنسان فجأة أنه لوحده مع الخادمة، أو مع بنت عمه، أو مع قريبة أجنبية، أو مع امرأة أجنبية، يكتشف فجأة أن هكذا الوضع، فماذا عليه أن يفعل؟
أن يغادر الموقع فوراً.
وكثير من الناس يحصل له هذا الآن، يكتشف أنه الآن لوحده مع المرأة في البيت بدون تخطيط أحياناً يقع هذا، فماذا يفعل؟
يتقي الله -عز وجل-.
ولو حوصر ودعي إلى الفاحشة فإنه المسلم لا يمكن أن ينسى قولة يوسف:مَعَاذَ اللّهِ[يوسف: 23]، لا يمكن أن أفعل هذه الفاحشة أبداً، وكيف أدنس نفسي وأقذر حالي وشأني بالوقوع في هذه الكبيرة من الكبائر وهي الزنا، فأهتك عرضاً، وأقذف ماءً في مكان محرم لا يجوز.
ولذلك فإن المسلم يتذكر يوسف إذا وقع في مثل محنة يوسف، ولو أنه لن يصل إلى محنة شاب محنة يوسف، فإننا لا نذكر أبداً قصة اجتمعت فيها المغريات على إنسان كما اجتمعت على يوسف مع امرأة العزيز.
وينتقل يوسف إلى السجن، قد كان في سجن صغير أوقعه فيه إخوته فترة من الزمن.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند
محنة إلقاء يوسف في السجن
00:24:57
ثم انتقلت القضية إلى محنة وفتنة امرأة العزيز، وها هو الآن يلقى في غيابة السجن بعدما ألقي في غيابة الجب، وهو يختار السجن على ذلك، وهذا السجن ابتلاء من الله -عز وجل-، وهكذا كان السجن دائماً بالنسبة للمصلحين والدعاة إلى الله، كان السجن من وسائل الابتلاء والتمحيص التي يمحص بها الله المؤمنين: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ[البقرة: 155]، فالابتلاء بالسجن هو من نوع الابتلاء بالخوف؛ لأن السجين يكون خائفاً مما يلقى في قلبه من الرعب، ومن أهوال السجن وعذابه وشدته، وهكذا حصل ليوسف -عليه السلام-، ورسول الله ﷺحوصر في الشعب هو ومن معه.
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ[العنكبوت: 2]، فلا بد من الابتلاء.
والسجن من الابتلاءات في طريق الدعوة:أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، هل يظن الناس أن يقولوا نحن مسلمون بدون ضريبة وبدون مقابل بدون مصاعب وبدون عوائق؟
ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة [رواه الترمذي: 2450، وقال الألباني: "صحيح لغيره" كما في صيح الترغيب والترهيب: 3377]؛ ولأن سلعة الله غالية حفت بالمكاره، والسجن من المكاره، لا تتمنوا لقاء العدو أبداً، ولا تتمنى أن تدخل السجن، ولا تتمنى أن تسجن، لكن إذا لقيتموهم، وإذا دخلت السجن فاصبر.
وبعض الناس يقولون إذا تعرض للسجن: لماذا حصل لي هذا؟ أنا يمكن أن أصبر على الفقر، لكن لا أصبر على السجن، أنا يمكن أن أصبر على محن أخرى، وعندما ينزل السجن بواحد فإنه ليس مختاراً فيه، بمعنى أنه لا يجوز أن يعترض على الله في هذه المحنة، ولا أن يقول: يا رب لم أدخلتني السجن؟ ولم قضيت علي بهذا؟ بل إنه يستقبل ذلك بالصبر على هذا الابتلاء، ولست أنت الذي تضع أسئلة الامتحان، الطالب لا يضع أسئلة الامتحان ويقول: اختبروني في هذا، ولا تختبروني في ذاك، وإنما يصبر على ما يكون من الامتحان، ويسأل الله التثبيت.
والابتلاءات ليست على كيفنا، ولا على هوانا، ولا على اختيارنا، ولكن إذا نزلت لا بد أن نصبر.
قصص في سجن العلماء والدعاة
00:28:10
وسجن يوسف ابتلاء نزل به، فدخل يوسف السجن ودخل وراء يوسف من الدعاة إلى الله والعلماء والأنبياء الكثير الكثير: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: 8].
حبس أبو جعفر المنصور أبا حنيفة؛ لأنه رفض تولي القضاء.
وابن كثير يذم في أبي جعفر المنصور مما فعله في آل البيت في كتابه البداية والنهاية.
وحبس أبو جعفر كما حُبس سفيان الثوري وعباد بن كثير.
وانحبس الإمام أحمد في سجن المأمون.
وحبس البويطي في نفس المحنة محنة خلق القرآن في عهد الواثق.
وحبس الليث بن سعد ساعة من نهار.
ودخل شمس الأئمة السرخسي لما وعظ بعض الحكام فغضب عليه وحبسه في جب.
وسجن الإمام ابن تيمية -رحمه الله- في برج القاهرة، ثم في جب قلعتها، ثم سجن مرة أخرى في قلعة دمشق.
وسجن عدد كبير من العلماء والدعاة إلى الله -عز وجل- في العصر الحديث.
ولما دخل هؤلاء السجن ماذا فعلوا؟ لما دخل يوسف السجن ماذا فعل؟
وهذه قصة معبرة كان من أحفاد رسول الله ﷺرجل من المؤمنين اسمه: عبد الله بن الحسن بن علي حبسه أبو جعفر المنصور مخافة أن يثور عليه، فمكث في السجن مع أهله مدة ثلاث سنين، يقول ابن كثير: لا يسمعون أذاناً ولا يعرفون وقت الصلاة إلا بالتلاوة [البداية والنهاية: 13/352]، ومدة تلاوة أحزاب القرآن، فقال في حبسه ذاك معبراً عن حاله عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحياء
إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالرؤيا -التي ترى في المنام-، فجل حديثنا *** إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
وطوى دوننا الأخبار سجن ممنع *** له حارس تهدا العيون ولا يهدا
قبرنا ولم ندفن ونحن بمعزل *** عن الناس لا نخشى فنغشى ولا نغشى
ألا أحد يأوي لأهل محلة *** مقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا
ولما سجن من الدعاة المعاصرين سيد قطب -رحمه الله- وغيره من العاملين، وعبروا عن هذه المحن التي نزلت بهم، وقال سيد -رحمه الله- قصيدته العصماء:
أخي أنت حر وراء السدود *** أخي أنت حر بتلك القيود
إذا كنت بالله مستعصماً *** فماذا يضيرك كيد العبيد
ويقول مبيناً أثر السجن على نفسه:
أخي إنني اليوم صلب المراس *** أدك صخور الجبال الرواسي
غداً سأشيح بفأس الخلاص *** رؤوس الأفاعي إلى أن تبيد
سجن يوسف بلا مناقشة ولا محاكمة، ولم يستطع أن يدلي بأقواله ولا أن يدافع عن نفسه ولا جعلوا له محامياً، جلس في السجن سنين طويلة دون محاكمة، مجرد تدبير وكيد من امرأة العزيز: ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف: 35].
ولا بد من سجن يوسف ليتوهم المجتمع أن امرأة العزيز بريئة، وأن يوسف هو المذنب، سجن يوسف كان للتغطية على الحدث، ولإيهام الناس، ولكن الله مع المظلوم، ولا بد أن تظهر براءته ولو بعد حين ولو بعد موته، وإذا لم تظهر في الدنيا ستظهر يوم القيامة، يوم يقوم الأشهاد.
 وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ [يوسف: 32] فدخل يوسف السجن؛ لأنه أكره على الفاحشة ولم يستجب، ولم يتمكن يوسف طيلة أيام السجن أن يرفع مظلمته لأحد لينظر فيها، ولماذا هو مسجون، وحاول يوسف أن يذكر لأحد المسجونين معه.
 وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ [يوسف: 36] فقال لأحدهما بعد فترة لما قرب الإفراج عنه: اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ [يوسف: 42] يا أيها الساقي اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ  أي الملك وقل له قصتي، فأنسى الشيطان هذا الساقي ذكر الله، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: 42] ثم خرج الساقي ليخبر الملك بقصة يوسف المسجون، ليظهر الله براءة يوسف بعد ذلك.
وهذا الطلب من يوسف ليس فيه أي تنازل عن شيء من الدين والعقيدة، وإنما هو محاولة المظلوم أن يتوصل إلى حل ليثبت براءته، ماذا فعل يوسف في السجن؟
إن يوسف قد اشتغل بعبادة الله -عز وجل- والدعوة إليه سبحانه وتعالى.
إن يوسف كان مشتغلاً بالعبادة وبالدعوة إلى الله، ولذلك فإنه قام بالنصيحة والتذكير: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: 39]، لما جاءا إليه يسألانه ربط بينه وبينهما علاقة ثقة: لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف: 37]، ثم قال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ ، الأرباب المتفرقون في مصر في ذلك الوقت خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء  [يوسف: 39 - 40] أشياء وهمية حقيقة.
ولذلك أطلق عليها أسماء إذ ليس لها حقيقة ووجود وتأثير من جهة أنها تضر أو تنفع ليس لها وجود من هذه الناحية، ولذلك قال: مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ[يوسف: 40].
ثم يقرر لهم مسألة الحاكمية، وأن الحكم لله، وأن أي تشريع من عند غير الله مرفوض: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: 40].
اشتغل يوسف بالدعوة، هذا هو الباب الموجود الآن المفتوح، فلتسلكه وتلج فيه وتدعو، وهكذا يكون حال المخلصين عندما يدخلون السجن يبدؤون بالدعوة إلى الله في وسط المساجين، وهكذا فعل ابن تيمية -رحمه الله- لما دخل السجن صار رأى أهل السجن على منكرات عظيمة، وتضييع للصلوات، واشتغال عن ذكر الله، ولعب بالنرد، فأمرهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وعلمهم الصلاة والدين، فصلح حال السجن جداً، وتحول إلى مركز عبادة وخير وذكر، وكان السجناء إذا انتهت مدتهم يختارون البقاء مع ابن تيمية في السجن لكي يتعلموا منه ولازموه، وهدى الله على يديه كثيراً من المجرمين، وهكذا يحدث في كل سجن يدخل فيه دعاة إلى الله، فيجدون أناساً منحرفين وقد يجدون شيوعيين، وقد حصلت حوارات بين بعض الدعاة إلى الله وبين الشيوعيين في أقبية السجون، وكانوا يتناقشون أثناء الأعمال الشاقة وفي الزنازين إذا اجتمعوا، أو على صحاف الطعام، ونحو ذلك، فهدى الله أناساً من الملاحدة على أيدي أناس من الدعاة، واجتمع بعض الدعاة إلى الله بمهربين وأهل فسق وفجور وتجار مخدرات، ونحو ذلك، فهداهم الله، حتى وصل الحال أنه في بعض السجون الأمريكية إدارة السجن تتحمس لمجيء الدعاة إلى الله إلى السجن؛ لأنهم يلاحظون أن المسلمين الدعاة إذا جاؤوا إلى السجن فإن أحوال السجناء تتحسن كثيراً عندما يسمعون كلام هؤلاء الدعاة المسلمين، فلذلك لما رأوا هذا التأثير صار بعضهم يفتح أبواب السجن، ويفرح إذا جاء دعاة مسلمون إلىى السجن في أميركا لكي ينصح ويوجه ويعلم هناك، وأسلم بعض المساجين في السجن من وراء قيام بعض الدعاة بالدعوة في السجن.
ونسمع بين فترة وأخرى، هذا أحد الإخوان يقول لي: كنت ذاهبا إلى الصلاة هنا في الحزام فشاهدت رجلاً فلبيني يسير في الطريق كأنه يقصد المسجد، ففتحت له السيارة لأركبه فيها، وسألته: أين يذهب؟ فقال: إلى المسجد، فتعجبت من حاله، وقلت له: كيف أسلمت؟ وأين أسلمت؟ قال: أسلمت في السجن، وخرج الرجل ليكون مسلماً يعبد الله، ويشاهد مفاسد المسلمين، وربما هو سائق ويرى بلاوي المسلمين، وصابر على إسلامه.
وهذه الدعوة إلى الله تذكر الداعية أنه وقف لله -تعالى- لا يمكن أن يتوقف عن مهماته حتى في السجن الذي هو يكون حبس للنفس وتكبيل وتقييد، لكن الدعوة ليس لها حدود ولو في السجن في دعوة ولو في السجن، ويكشف يوسف -عليه السلام- لهذين الرجلين واقع البلد المرير والمأساة العظيمة بعدم تحكيم شرع الله:إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ[يوسف: 40]،إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي [يوسف: 37  - 38] الأنبياء.
يوسف كان يعبد الله في السجن ويجتهد في العبادة، ولذلك قال له صاحباه:إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: 36]، كيف عرف أنه من المحسنين إلا وهو يعبد الله كثيراً بحيث أن هذه العبادة قد رسخت في نفسي الرجلين الذين يريا يوسف أنه من المحسنين فعلاً، وهذا جندب بن كعب الأسدي من الصحابة سجن بالكوفة؛ لأنه قتل ساحراً، وكان على السجن رجل نصراني، فلما رأى الصحابي يصوم النهار ويقوم الليل في السجن قال النصراني: والله إن قوماً هذا شرهم، هذا شرهم الذي أدخلوه السجن إذا كان هذا هو شرهم لقوم صدق، النصراني يقول لما رأى الصحابي يعبد الله في السجن: إذا كان هؤلاء الناس هذا شرهم الذي وضعوه في السجن، هذا شأنه معنى ذلك هؤلاء ناس أهل صدق، فأسلم الرجل النصراني لما رأى من عبادة الصحابي.
أحكام العبادات في السجن
00:42:09
ولذلك الفقهاء اعتنوا بتفاصيل العبادات للسجين، فذكروا أحكام العبادات في السجن، فقالوا مثلاً: ولا يجوز منع السجين من أداء العبادات ولا من سنن الفطرة كحلق العانة، ونتف الإبط، وقص الأظفار، والاغتسال، وهكذا..
وقالوا أيضاً: إذا فقد الماء يتيمم، وإذا لم يجد ماء ولا تراباً صلى بحسب حاله، وهذا رأي الإمام البخاري -رحمه الله- والنووي وابن تيمية، وعنون البخاري: "باب إذا لم يجد ماءً ولا تراباً" [صحيح البخاري: 1/74]، والله يقول:فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن: 16].
وإذا اشتبه عليه وقت الصلاة في السجن ولم يكن هناك وسيلة للعلم، لا بالشمس ولا بالساعات، ولا بخبر الثقة؛ فإنه يلزمه أن يجتهد في وقت الصلاة، فإن أخبره ثقة بدخول الوقت عن مشاهدة عمل به ولزمه ذلك، وإلا يجب عليه أن يجتهد ولا يلزم باجتهاد غيره؛ لأنه لا يجب عليه التقليد.
وقال الفقهاء: وينبغي على السجين إذا كان ممن يوثق به أن يرفع صوته بالأذان إن علم بدخول الوقت ليعلم غيره من السجناء المضيق عليهم الذين لا يستطيعون معرفة الوقت، ويذكر بالفريضة، ويحيي السنة، وتنموا المشاعر الإيمانية في السجناء.
ولو لم يجد إلا ثوباً نجساً فإنه يصلي فيه، وإذا لم يجد ملابس صلى عرياناً.
ويستحب له القعود عند بعض أهل العلم، ويصلي العراة جماعة في السجن بإمامهم ويكون وسطهم، ويغضوا أبصارهم أثناء الصلاة.
ويصلي في المكان النجس إن اضطر إلى ذلك، ويتجنب النجاسة قدر الإمكان في قعوده وسجوده بمجافاة باليدين والرجلين عما استطاع من النجاسات، وإذا كان تحته عند مكان السجود نجاسة فإنه لا يجب أن يسجد عليها، بل ينحني أسفل ما يكون دون أن يمس ويلاقي ويلامس النجاسة.
وقال الفقهاء: إذا اشتبهت عليه القبلة في السجن يتحرى ويصلي.
وكذلك السجين المصلوب المربوط الذي لا يستطيع الحركة يؤدي الصلاة بحسب حاله:فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن: 16].
ويسقط عن السجين استقبال القبلة لعجزه إذا كان لا يستطيع أن يعرف القبلة، ولا إعادة عليه كما رجح شيخ الإسلام ابن تيمية.
وإذا خاف أن يعلم آسروه بصلاته وأنهم يقتلونه إذا صلى فإنه يصلي بطرف عينه، ولا يترك الصلاة،وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم[رواه البخاري: 7288، ومسلم: 1337].
ويصلي المسجونون جماعة إن استطاعوا، قال الإمام أحمد -رحمه الله-: كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد، وظاهر هذا يشمل صلاة الجمعة، وبهذا قال بعض العلماء، فإن استطاعوا الخروج لصلاة الجمعة خرجوا وإلا صلوا مكانهم وجمعوا كما رأى بعض أهل العلم، وإن لم يتمكنوا صلوها ظهراً.
ولما حبس الخليفة الواثق البويطي من أصحاب الشافعي في محنة خلق القرآن، وكان البويطي يقول بعدم خلق القرآن وأن القرآن منزل غير مخلوق، كان البويطي -رحمه الله- إذا جاء يوم الجمعة وهو في السجن يستعد للصلاة ويغتسل وإذا عثر على طيب يتطيب، فإذا سمع النداء وهو في السجن يمشي إلى باب السجن فيعترضه السجان ويرده ويقول له: يرحمك الله عافاك الله ارجع ارجع، فيقول البويطي -رحمه الله-: اللهم إني أجبت داعيك فمنعوني" [الكتاب: مرآة الجنان وعبرة اليقظان: 2/76 - 77] إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ[الجمعة: 9] يأخذ بكل الأسباب ويمشي ولو خطوات إلى الباب، ردوه رجع، قال أنا يا رب طبقت،إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وأنا ذهبت إلى ذكر الله وردوني منعوني.
وإذا علم المسجون بدخول الشهر وجب عليه الصيام، وإذا لم يعلم اجتهد في دخول الشهر وفي خروجه، واجتهد في الإفطار عند الغروب اجتهاداً، ولا يلزمه الإعادة عند بعض أهل العلم؛ لأنه فعل ما باستطاعته.
وأما الإضراب عن الطعام فإنها بدعة أتتنا من الكفار ليس في الدين اسمه إضراب عن الطعام، والله -عز وجل- لا يرضى عن المسلم أن يعطل حاسة من حواسه بالإضراب عن الطعام، أو يقتل نفسه بالإضراب عن الطعام أبداً، وهذه بدعة جاءتنا من الكفار.
-طبعاً- يا جماعة الآن فيه مسلمون في سجون اليهود، فيه مسلمون في سجون كثيرة في العالم، هؤلاء المساجين عشرات ألآلاف أو أكثر في السجون في العالم، هؤلاء المسلمون كيف يعيشون الآن؟  وما هي أوضاعهم؟ وهل يعبدونه؟ وكيف يعلمون الأحكام الشرعية؟
ولذلك في الابتلاء لا بد له من الاستعداد والعلم الشرعي هذا مهم جداً؛ لأن الإنسان قد تمر به حالات يحتاج فيها للعلم وليس ثمة كتب ولا علماء، فليس له إلا الرصيد الذي كان يجمعه في الماضي.
وأما إذا كان المسجون في سجن إسلامي، بمعنى أنه إنسان مجرم وسجن؛ فإنه يعان على العبادة طبعاً كما كان الصحابة يفعلون في السجون التي يضعون فيها المجرمين، فكانوا يعينونهم على الصلاة، ويخرجونهم للجمعة والعيدين، ويرجعونهم، وقضية احترامهم في الطعام:وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا[الإنسان: 8]، ويأتون لهم بالوعاظ والمذكرين.
أصلاً السجن إذا كان المشرف عليه رجل مسلم وهو في مكان مسلم فإنه تحصل فيه أشياء كثيرة جداً من المعروف، وقد حصل عندنا هنا والحمد لله في بعض السجون ناس كثيرين اهتدوا، ومجرمون انصلحت أحوالهم، وناس كفار أسلموا، إذا حصل الاهتمام، وفيه مسؤولية على عاتق الدعاة إلى الله -عز وجل- في الدعوة إلى الله، وزيارة المساجين، ووعظهم، وتخويفهم بالله، والصلاة بهم.
وقد كان الخلفاء الراشدون ومن بعدهم، عمر بن عبد العزيز اشتهر بإصلاح السجون، وهارون الرشيد اشتهر بإصلاح السجون، وغيرهم ممن كان يفعل المعروف حتى في المساجين.
وكان السجن يُعقل المذنب، وهو يزيد في عقل البريء أحياناً.
وعمر لما سجن الحطيئة؛ لأنه كان يهجوه تسبب السجن في تعقيله ومنعه عن امتناعه عن هذا الهجاء، والتعدي على أعراض المسلمين، وقال مخاطباً عمر:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ *** زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة *** فاغفر عليك سلام الله يا عمر
[المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: 5/309].
ودخل يوسف السجن يدعو إلى الله، ويعبد الله -سبحانه وتعالى-، فازداد أجره، وارتفعت مكانته عند رب العالمين، وصبر، فأثابه الله على صبره منة عظيمة.
السجن يصقل النفس ويثبت على المبدأ.
وقد يكون نعمة من جهة التفرغ للعلم والعبادة التي كانت لا تستطاع كأيام الرخاء، ولذلك ألف ابن تيمية -رحمه الله- كتباً عديدة في السجن، وألف شمس الأئمة السرخسي مؤلفات أخرى، وكم حفظ أناس القرآن في السجن، وما تأليف سيد قطب -رحمه الله- وكتابته لأجزاء من ظلال القرآن في ذلك المكان إلا شاهد عيان على هذا الكلام.
وقد تحدث من المحاورات بين السجين والسجان أمور فيكون فيها دعوة إلى الله من السجين للسجان أحياناً، وحصل للإمام أحمد كلام مثل هذا فقد سأله السجان يوماً: هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال له الإمام أحمد: أنت من الظلمة أنفسهم.
وكان بعض السجانين يستحون من بعض الدعاة إلى الله وهم يقيدونهم ويقولون لهم وهم يضعون القيد: لا مؤاخذة يا شيخ.
وابن تيمية -رحمه الله- لا بد أن نقف وقفات عند رسائله التي كتبت في السجن وحصلت.
-طبعاً- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كان رجلاً فذاً متميزاً بمزايا كثيرة جداً، وجاهد وعلم وتعلم، وصبر وصابر، وسجن مع الأسف من الدعايات والتشويشات التي حصلت عليه ومن الحسدة ما جاء السجن من أعداء الإسلام، لكن جاء من الحسدة والبغاة، وكان إذا سمع بإنسان فاضل في السجن ذهب إليه ليخرجه من السجن إذا كان هو خارج السجن.
وكان رحمه الله -تعالى- من الذين شهدت لهم سجون مصر والشام بفضله، ونظراً لانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أطاعه الناس وأحبوه، وكثر أتباعه، فعمل حاسدوه لجعله في السجن.
وبسبب تأليف رسالة الحموية في الأسماء والصفات في صفات الله تعرض ابن تيمية للسجن -رحمه الله تعالى-، وأحضر إلى مصر، وسجن في القلعة، ودخل معه السجن أخواه عبد الله وعبد الرحمن، ثم أخرج رحمه الله، وسجن مرة أخرى لما سجن في مصر خرج ابن تيمية وبعدما سجن في مصر ليمكث في مصر سبع سنوات كانت سنوات خصبة جداً من تعليم الناس في مصر، ودعوتهم إلى الله، وذهب إلى الإسكندرية، وعلم هناك أيضاً، ولما دخل السجن في قلعة دمشق، قال:فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ[الحديد: 13].
والذي يتمعن في رسائل ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في السجن يجد نفساً شفافة وروحاً قوية حصلت له، وكانت به عندما أرسلها من سجنه رحمه الله، انظر مثلاً ماذا يقول في رسالته التي خرجت من سجنه بالإسكندرية، يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم:وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[الضحى: 11]، والذي أعرف به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا وفي الآخرة، وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة، فإني والله العظيم الذي لا إله إلا هو في نعم من الله ما رأيت مثلها في عمري كله" أين يقول هذا الكلام؟ في السجن، "وقد فتح الله -سبحانه وتعالى- من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن بالبال، ولا يدور في الخيال، وهذا يعرف بعضها بالذوق من له نصيب من معرفة الله وتوحيده، وحقائق الإيمان، فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه، إنما هو في معرفة الله -سبحانه وتعالى- وتوحيده، والإيمان به، وقد قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول فيها إن كان أهل الجنة في هذه الحال إنهم لفي عيش طيب، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: أرحنا بالصلاة يا بلال، ولا يقول: أرحنا منها كما يقول من تثقل عليه الصلاة، كما قال الله -تعالى-: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ  [البقرة: 45]" [مجموع الفتاوى: 28/30- 31] الصلاة كبيرة وثقيلة إلا على الخاشعين سهلة وميسورة.
ثم قال رحمه الله: "وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه" [مجموع الفتاوى: 28/32].
ثم يقول: "والإنسان ظالم جاهل كما قال الله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ [الأحزاب: 72] الآية[مجموع الفتاوى: 28/34].
ثم يقول: "والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم، قال تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ [آل عمران: 151].
ولما خوفوا الخليل بما يعبدونه ويشركون به قال الخليل: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام: 81] [مجموع الفتاوى: 28/35 - 36].
وفي الجملة فإن نعم الله التي أنعم بها علي وأنا في هذا المكان في السجن أعظم قدراً وأكثر عدداً ما لا يمكن حصره، وأكثر ما ينقص علي الجماعة" [مجموع الفتاوى: 28/41] يعني أنتم يا إخواني أعز شيء علي هذه الذي ينقصني الاجتماع بالإخوة، وهذا من تقديره رحمه الله للجماعة وللإخوان في الله، يقول: "فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم، وأن يفتح لهم من معرفة الله وطاعته والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات.
والمقصود إخبار الجماعة بأن نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير، ونحن بحمد الله في زيادة من نعم الله وإن لم يمكن خدمة الجماعة باللقاء فأنا داع لهم بالليل والنهار" لا ينسى أصحابه في الدعاء حتى وهو في السجن "قياماً ببعض الواجب من حقهم وتقرباً إلى الله -تعالى- في معاملته فيهم، والذي آمر به كل شخص منهم أن يتقي الله، ويعمل لله مستعيناً بالله، مجاهداً في سبيل الله، ويكون دعاؤه وغيره بحسب ذلك كما أمر الله به ورسوله، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات" إلخ [مجموع الفتاوى: 28/44- 45].
وكذلك فإنه رحمه الله -تعالى- قد أرسل رسائل أخرى بعضها قد حصلت عليه في السجن، وراسل بها أناساً من المبتدعة وناصحهم وأرسل رحمه الله رسائل أخرى كثيرة للنصارى، وأرسل للصوفية الضلال، ونحو ذلك.
والشاهد -أيها الإخوة-: أن محنة يوسف في السجن صارت سنة سنها لجميع الدعاة والعاملين فيما يفعلون إذا أدخلوا السجن.
ثم خرج يوسف لما تبينت براءته ولم يخرج في البداية لما قالوا له: إن العزيز يريدك، وإنما قال أول شيء  ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ  [يوسف: 50]؟ فأحضرهم العزيز واعترفوا، واعترفت امرأة العزيز:  الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ [يوسف: 51]، والنسوة اعترفن: قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ [يوسف: 51]، ولما تبينت براءة يوسف على ملأ من الناس خرج يوسف، لو أن الواحد مكان يوسف لخرج مباشرة، ولكن يوسف انتظر حتى ثبتت براءته، وتبنت المصلحة العظيمة في ذلك، ثم خرج يوسف، خرج وعرض أن يتولى الخزائن ووفق له على هذا الطلب، وانتقل يوسف إلى شيء جديد يختلف تماماً عن السجن، إنه التملك على خزائن مصر، وتبوء هذا المنصب العظيم، فماذا حصل ليوسف -عليه السلام- لما تبوأ المنصب ووصل إلى هذا المكان؟ هل ظلم الناس وغشهم؟ هل أمسك بكل أعدائه وقتلهم أو انتقم منهم؛ لأنهم كادوا له في الماضي وآذوه، لما جاء إخوانه فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ[يوسف: 58] هل انتقم منهم وسجنهم؛ لأنهم قد آذوه وكادوا أن يقتلوه ورموه في الجب؟ أم أنه أكرمهم؟
ولذلك -أيها الإخوة- ليس كل الذي يصل إلى منصب يحسن فيه، بل إن كثيراً من الناس الذين وصلوا إلى مناصب بعد الابتلاءات نسوا تماماً الشدة، وقالوا:إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص: 78]، وقالوا كما قال الأبرص والأقرع:  ورثت هذا المال كابراً عن كابر [رواه البخاري: 3464، ومسلم: 2964]، وأنتم كنتم في شدة وضيق قبل قليل؟!
ولذلك بعض الناس يصبرون في محنة الضراء، لكن لا يصبرون في فتنة السراء، وبعض الناس يصبرون على الأذى وعلى الضرب وعلى السجن، لكن لا يصبرون على المال وعلى المنصب وعلى الجاه.
فتأمل عظم هذا النبي الكريم الذي صبر على جميع أنواع المحن في السراء والضراء، ولذلك من هنا نبعت عظمة يوسف -عليه السلام-، وكيف صار عظيماً صلى الله عليه وعلى نبينا بسبب هذا، ومع ذلك لما جاء إخوته واستدعى أباه وأمه وإخوانه وجاؤوا إليه، قال مثنياً على ربه أولاً: وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف: 100]، وهو في ذلك المنصب العظيم يقول ما نسي أن الله أنعم عليه بالخروج من السجن وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: 100] رماها على من؟ على الشيطان، ما قال: من بعد أن اعتدى إخواني علي، ومن بعد ما كادوني.
ثم قال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ اعترف لله أن الملك أتى من الله، وليس من كده هو، ولا من صبره، ولا من جهده:  رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ  [يوسف: 101].
فهذه -أيها الإخوة- نبذة عن المحن التي صادفت يوسف -عليه السلام-.
كيفية مواجهة الفتن والمحن
01:02:08
 ونحن الآن في خضم هذه الأحداث، وفي معترك هذه الفتن والمحن نسأل الله أن يعافينا، ونسأل الله أن لا يفتننا، ونسأله إذا أراد بعباده فتنة أن يقبضنا إليه غير مفتونين.
ولكن -أيها الإخوة- إذا حصلت الفتنة فماذا ينبغي أن نفعل؟
إذا فرضت عليك المعركة، وفرضت عليك الفتنة، فلا بد أن تصبر، لا تتمنوا لقاء العدو [رواه البخاري: 3026، ومسلم: 1741]، ويضبط المسلم نفسه، ولا يتهور في أي مسألة من المسائل أبداً، وإنما يحتفظ بقوة نفسه وقوة إخوانه ليوم جهاد صدق يعز الله به الإسلام، وفي وقت الاستضعاف لا بد أن يحافظ المسلمون على قوتهم ما أمكن، وأن لا ينزلقوا في أي هاوية من المهاوي، خلافاً لما يفعله بعض المتعجلة كما أشرنا إلى ذلك عدة مرات، ويا ليت قومي يفقهون.
وبالمقابل فإن على الإنسان المسلم أن يحسن تربية نفسه وتربية إخوانه، ويتربى معهم، ويتعلم، فإنك لا تدري ماذا تخبئ لك الأيام.
وبالجملة فإن الإقبال على الله  -عز وجل- والضراعة إليه في أن يكف عنا البأس والشر هي الكفيلة بأن ترفع عنا العذاب، وأن تعيد إلينا العزة والقوة التي وعد الله بها عباده المؤمنين بأنه سيمكنهم في الأرض.
وإننا لو استعرضنا تاريخ الدعوات لوجدنا أنها تبدأ بالاستضعاف، وتنتهي بالتمكين، واحفظوا هذه العبارة: تبدأ بالاستضعاف وتنتهي بالتمكين، ويكون في هذا المشوار الطويل من الاستضعاف إلى التمكين كثير من الفتن، وكثير من الابتلاءات، وإذا قدمت الابتلاءات فلا بد أن يري الإنسان الله من نفسه خيراً، فأروا لله من أنفسكم خيراً، وإياكم والزيغ، وإياكم والضلالة.
وإن بعض الانحرافات قد نشأت في السجن مثل فتنة التكفير، تكفير المجتمع بمن فيه، ولذلك فإننا لا بد أن نحرص على الاستمرار على العقيدة، وعدم الانحراف، والضغط عندنا لا يمكن أن يولد انحرافاً أبداً، وعند    الجهلة يمكن أن يولد الضغط انحرافاً، وأرجو أن تتأملوا هذه العبارة جيداً، الضغط عندنا لا يمكن أن يولد انحرافاً، الضغط عندنا يزيدنا إيماناً وصلابة، وعند بعض الناس يولد الضغط انحرافاً وتهوراً، نعوذ بالله من ذلك ومن شر ذلك.
ويا ليت شباب الإسلام يعون في هذه المرحلة الحرجة ظروف الموقف، ويقدرون دقته، ويعون الأحداث وما وراءها، وينتبهون إلى مسألة الأسلوب الصحيح في الدعوة، وإنكار المنكر، واجتناب كل هاوية يقود إليها التهور والتسرع والتعجل، ونحن الآن في مرحلة لا بد أن نحفظ فيها للإسلام قوة رجاله، ولسنا في مرحلة تضييع الطاقات ولا بعثرتها، ولا في مرحلة قيادة هذه الجموع إلى الهاوية بعمل عشوائي أو تصرف شاذ لا تقره قواعد الشريعة في جلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها.