الأربعاء 4 ذو الحجة 1439 هـ :: 15 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

حكمة إبراهيم الخليل عليه السلام


عناصر المادة
نشأة إبراهيم عليه السلام
ابتلاء الله لإبراهيم
دعوة إبراهيم أباه للتوحيد
خطورة تقليد الآباء والأجداد
مناظرة إبراهيم لقومه وللنمرود
بعض صفات إبراهيم الأخرى

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب70-71

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

نشأة إبراهيم عليه السلام
00:01:22

عباد الله:

إن الله قص علينا في كتابه من أخبار الأنبياء ما هو فعلاً مجال للاقتداء والائتساء بأولئك الأنبياء، بل إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم، وبهديهم، فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ سورة الأنعام90، والأنبياء على مراتب، فضل الله بعضهم على بعض، تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍسورة البقرة253، وأفضل الأنبياء على الإطلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي يليه في الفضل والمرتبة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، هذا النبي الجليل الكريم، الذي قام يدعو إلى الوحدانية، ويحارب الشرك، وهذا ما أهم ما تميزت به دعوته من خلال عمله، ومناظراته مع أهل الكفر، وكان مع ذلك إنساناً، تتجلى فيه المعاني الجليلة، التي أودعها الله في نفسه، وكان شخصية متكاملة، وهو بحق أبو الأنبياء، وهو الذي آتاه الله نبوة عظيمة، ومرتبة جليلة، ولد إبراهيم عليه السلام في أرض بابل، وهي أرض الكلدانيين كما ذكر مؤرخو الإسلام، واسم أبيه آزر، كما قال الله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَسورة الأنعام74، وقال الطبري رحمه الله: قال عامة السلف من أهل العلم كان مولد إبراهيم عليه السلام في عهد نمرود هذا الملك الطاغية الظالم الغشوم الذي جعل نفسه إلهاً يعبد، وحمل الناس على ذلك، وفي هذه البيئة الفاسدة من عبادة الأوثان والأصنام؛ عاش إبراهيم عليه السلام، لا يوجد أثر للوحدانية، ولا للتوحيد؛ لأن البشرية كانت قد انحرفت في ذلك الوقت، فأراد الله أن يعيدها إلى التوحيد فابتعث فيهم إبراهيم،

 
عاش إبراهيم عليه السلام، لا يوجد أثر للوحدانية، ولا للتوحيد؛ لأن البشرية كانت قد انحرفت في ذلك الوقت، فأراد الله أن يعيدها إلى التوحيد فابتعث فيهم إبراهيم،
 

عاش إبراهيم عليه السلام في هذه البيئة، ولما شب تزوج بسارة، وكانت عقيماً لا تلد، وكان منذ صغره صائب الرأي، ثاقب الفكر، راجح العقل، قوي الحجة، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَسورة الأنبياء51.

ابتلاء الله لإبراهيم
00:04:41

وقد ابتلاه الله بكلمات، قيل: هي سنن الفطرة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فأتمهن فجازاه الله بالإمامة، وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًاسورة البقرة124، وهكذا لا تكون المراتب العالية إلا بعد المجاهدة، فمن أراد أن يكون قدوة للناس، وأن يكون إماماً يؤتم به، فلا بد أن يكون مجاهداً لنفسه حاملاً لها على طاعة الله، والتزام أوامره، لما أدى الأمانة رزقه الإمامة، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىسورة النجم37بما أمره الله به، وكان من صبره وجلده أنه اختتن كبيراً، كما جاء في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدُّوم)[رواه البخاري3356]بالتشديد اسم آلة، وفي رواية (بالقدوم)[رواه البخاري3356]وهو اسم موضع.

دعوة إبراهيم أباه للتوحيد
00:06:00

 ولما عرف إبراهيم التوحيد صار إلى الله تعالى بخطى ثابتة يدعو قومه، فكان أول ما بدأ به دعوة أبيه إلى الإسلام وإلى التوحيد، كان أبوه من عباد الأصنام، ومن سدنتها فبدأ به، كما قال الله: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَسورة الشعراء214، وهكذا الترتيب في الدعوة يا معشر الدعاة، ويا أيها الكرام في مجال الدعوة يبدأ بالأقربين، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّاسورة مريم41-45، فماذا كان جواب الأب الظالم الغشوم؟ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ، هل أنت تريد أن تبتعد وتترك هذه الآلهة وتخرج عن عبادتها، لَئِن لَّمْ تَنتَهِعن هذه المفارقة للآلهة، وهذه الدعوة التي أتيت بها لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّاسورة مريم46فارقني وابتعد عني وإلا رجمتك، هذا كان جوابه، فبماذا أجاب الولد البار بأبيه المشرك، قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّاسورة مريم47، هذا هو الأسلوب الدعوي الجذاب الذي حاول فيه إبراهيم الخليل أن يكسر حدة أبيه، وأن يعيده إلى جادة الصواب، لقد استخدم هذا الأسلوب الموجب للعطف والحنان لكي يهدئ من ثورة أبيه المشرك، ويحاول اجتذابه.

لم يبدأ إبراهيم بالحديث عن غزارة علمه، أو قوة حجته، وإنما تكلم بهذا النداء يا أبت، المنطوي على غاية التواضع لهذا الأب لعله يهتدي، كما أنه لم يصف أباه بالجهل ونفسه بالعلم، وإنما قال: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِيوهكذا تكون الدعوة مع كبار السن، ومع الآباء والأجداد، التلطف والرفق، وإدخال عامل العاطفة والحنان، والمناشدة، والنداء، والترقب علَّ الله أن يفتح بذلك قلباً أغلف، أو أذناً صماء، أو عيناً عمياء، وهذا استغفار الابن لأبيه كان في بداية دعوته، لما لم يتبين له بعد إصرار أبيه على الشرك، وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ، لكن لما تبين له أنه عدو لله، ومات على الشرك تبرأ منه، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ سورة التوبة114، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح الإمام البخاري: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة -سواد وغبرة- فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إني وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين، فيقال: يا إبراهيم انظر ما بين رجليك، فينظر فإذا هو بذيخ يعني ضبع ملتطخ قذر منتن، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار).[رواه البخاري3350].

قال الحافظ رحمه الله: وفي رواية إبراهيم بن طهمان (فيؤخذ منه فيقول: يا إبراهيم أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني، قال: انظر أسفل، فينظر فإذا ذيخ يتمرغ في نتنته)[رواه النسائي11311]ضبع في صورة قبيحة ورائحة منتنة.

وفي رواية أيوب: (فيمسخ الله أباه ضبعاً فيأخذ بأنفه) يعني إبراهيم يأخذ بأصابعه أنفه من نتن الرائحة، (فيقول: يا عبدي أبوك هو؟ فيقول: لا وعزتك)[رواه الحاكم8750]. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قيل الحكمة في مسخه لتنفر نفس إبراهيم منه؛ لئلا يبقى في النار على صورته فيكون غضاضة على إبراهيم، وهكذا ينتهي الأب المجرم بهذا المصير المخزي لما رفض سماع كلام الولد الصالح.

خطورة تقليد الآباء والأجداد
00:12:16

فماذا عسانا نقول لأولئك القوم الذين غلوا في طغيانهم وفجورهم، فلما هدى الله من أولادهم إلى الصراط المستقيم من قاموا لهم بالنصيحة، وبينوا لهم الطريق القويم، ولكن أخذتهم العزة بالإثم فلا يريدون الرجوع عن طريق الغواية إلى طريق الحق والهداية، ويصرون على الباطل، ويستهزئون بالولد الصالح وهو يدعوهم إلى الله تعالى، وإلى ترك الفجور والخنا على الكبر، والشيب، وترك الخمرة في نهاية العمر، ولكن لا فائدة، فأي مصير ينتظرهم وهم المعرضون عن التذكير والنصح، فتباً لتلك الأفئدة فما أقواها على النار، لا تقوى على النار.

ثم انطلق إبراهيم الخليل في دعوة قومه،إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ* فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَسورة الصافات85-87، ماذا كان جواب القوم، وبأي شيء اصطدم إبراهيم الخليل في أول دعوته، لقد اصطدم بجدار عجيب، لقد اصطدم بعقبة كؤود، لقد اصطدم بعائق كبير إنه تقليد الآباء والأجداد، فكان الرد من قومه على دعوته قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَسورة الشعراء74،وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍسورة الأنبياء51-54، واليوم يكون عائق تقليد الآباء والأجداد؛ عائقاً كبيراً يصد عن ترك العادات والتقاليد المخزية المنافية للشريعة، المشينة التي تنتشر في أوساط الناس لجهلهم، فكلما أردت أن تعلم شخصاً شيئاً من أحكام الصلاة ونحو ذلك، قال: وجدت أبي هكذا يصلي، ويستمر الخطأ على الخطأ، ويستمر المخطئ على الخطأ، وهكذا لو قلت: هذه عادة قبيحة، هذا جهل، قال: هكذا وجدنا أنفسنا منذ صغرنا، وعلى هذا تربينا ونشأنا، لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين، فماذا؟ فما معنى إذن الاستمرار على العادات والتقاليد المخالفة للشريعة، والشعور بالعيب والنقص إذا تركها الشخص، لا شك أن في ذلك سفاهة عقل، وبعد عن الحق، وتقديم للآباء والأجداد على الله ورسوله، وهذا مبدأ في غاية الخطورة، يلمس ويذوق منه الدعاة الويل في واقع الناس.

 
فما معنى إذن الاستمرار على العادات والتقاليد المخالفة للشريعة، والشعور بالعيب والنقص إذا تركها الشخص، لا شك أن في ذلك سفاهة عقل، وبعد عن الحق، وتقديم للآباء والأجداد على الله ورسوله، وهذا مبدأ في غاية الخطورة، يلمس ويذوق منه الدعاة الويل في واقع الناس.
 
مناظرة إبراهيم لقومه وللنمرود
00:16:07

كان إبراهيم عليه السلام رجلاً أوتي حجة من الله، مؤيداً بالوحي، ينطق لسانه بالحق والحكمة، فبدأ في مناظرة قومه، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَسورة الأنعام75فهو من المؤمنين، هو من المسلمين، لم يشرك إبراهيم قط، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ والقوم موجودون حضور شهود رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَسورة الأنعام76 فكيف أتخذ رباً يأفل، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَسورة الأنعام77-78، كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، فأراد بهذه الطريقة الذكية أن يستدرجهم بالكوكب والقمر والشمس إلى إقامة الحجة عليهم، والقوم يشاهدون هذه الظاهرة، وقال إبراهيم في نهاية كلامه إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَسورة الأنعام79-80، خوفوه بالآلهة، خوفوه بالأنداد والأصنام، ولكن إبراهيم يقول: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْلم يخلطوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍبشرك أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَسورة الأنعام81-82، أقام عليهم الحجة فأفحمهم وأسكتهم، ولذلك قال الله: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌسورة الأنعام83، ولا يجوز -أيها الإخوة- الاعتقاد بأي حال من الأحوال أن إبراهيم كان مشركاً، أو أنه كان لا يعرف ربه، أو أنه كان محتاراً شاكاً، فهذا قول الضلال، فإن إبراهيم موحد، وإن هذه طريقة للدعوة، وللاستدراج، وللإقناع، والتنزل مع الخصم، وليست تدل بأي حال من الأحوال أبداً على إن إبراهيم كان مشركاً، أو مشككاً، أو متحيراً، فإن الله قال عنه: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَسورة البقرة135، وقال العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله: "ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوماً ما"، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَسورة البقرة135، ولا في أي وقت من الأوقات، لم يكن إبراهيم عليه السلام من المشركين، ولم يكن إبراهيم بذلك الرجل الذي يناقش الضعفاء والعامة، ويترك الأقوياء والكبراء، وإنما كان يثبت الحق عند الجميع، لم يكن ليخاف في الله لومة لائم، ولذلك لما وصلت القضية إلى النمرود قام إبراهيم لله بالحجة، رجل قام أمام إمام جائر وبين يديه فأمره ونهاه، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ، ألم ترى إليه هذا الحقير، ألم ترى إليه تتعجب منه ومن حاله وغروره أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ، بدلاً من أن يشكر هذه النعمة إذا به يكفر ويشرك أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ، بدلاً من أن يشكر نعمة الملك إذا به يدعي أنه رب، ويقول إبراهيم أمامه: إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ بكل صلافة ووقاحة، أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ فيأخذ رجلاً ويقتله وآخر حكم عليه بالقتل فيعفو عنه ويقول: أحييته، فلما يرى الداعية الحصيف أن هناك مجال للطاغية، أو للفاسق والفاجر في المناقشة في أمر الحق فيه واضح، ولكن يريد أن يرد، ينتقل إلى أمر لا يمكن فيه أن يرد، قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، دهش وتحير واضطرب وتغير، وأسقط في يده، فماذا عساه أن يقول الآن؟ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ سورة البقرة258، هكذا قام إبراهيم لله بالحجة على هذا الطاغية، وجاءت نهاية المطاف عندما انتهز إبراهيم فرصة خروج قومه في عيد لهم إلى خارج البلد على عادة منهم، وتقليد من التقاليد، بعد أن أقام عليهم الحجة، قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَسورة الأنبياء54-58، لما خرجوا ادعى إبراهيم المرض فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌسورة الصافات88-89، وذلك لكي يعقد لهم هذا الخطة التي تبين لهم في النهاية سفه الرأي وضلاله، فلما خرجوا، دخل بيت الأصنام وراغ عليهم ضرباً باليمين بفأس في يده راح يكسرها حتى جعلها جذاذاً حطاماً مكسرة كلها إلا كبيراً لهم، وضع الفأس في يده، إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار، أراد أن ينبههم أيضاً فكيف بالله الواحد القهار! ترك الكبير والفأس معلقة في يد الكبير، كأنه يقول لهم: إنه غار من أن تعبد معه هذه الصغار، ليقول لهم بطريقة غير مباشرة: فكيف بالواحد القهار تعبدون معه هذه الأحجار، فرجع القوم من عيدهم، ويا لهول ما رأوا؛ لأن أعظم شيء عندهم عبادة هذه الأصنام، فكان الهم الوحيد لهم قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَسورة الأنبياء59، وبدأ التحقيق والبحث والسؤال، وجمع الأقوال، واتجهت الأنظار إلى إبراهيم الخليل، قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُسورة الأنبياء60، إذن كان فتىً عندما فعل ذلك، كان في مقتبل العمر،قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ سورة الأنبياء 61هذه المحاكمة والنهاية للإجرام الذي فعله بدأت المحاكمة العلنية، وتقاطر الناس من كل مكان، وبدأ التحقيق مع هذا الذي فعل، قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُسورة الأنبياء62، كان بإمكانه أن يقول من البداية أنا فعلتها، ولا يخشى في الله لومة لائم، لكن عنده أمل أن يقتنع القوم، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَسورة الأنبياء63، قيل: هي تورية، وقيل: إن كان ينطق فهو الذي فعلها، استخدم إبراهيم عليه السلام هذا الأسلوب لإقناع قومه قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَسورة الأنبياء63، وهنا كأن القوم قد أسقط في أيديهم، فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ *ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَسورة الأنبياء64-65، لم يحروا جواباً، ولم ينطقوا بكلمة؛ لأن الحجة قوية فعلاً، هل فعله هذا، إذا كان لم يفعله هذا وفعله إبراهيم، فلماذا نعبد هذا إذن، وهو لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، نعبد الأصنام التي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها!، وإن كان فعله هذا غيرة على نفسه من الصغار فكيف إذن بالواحد القهار، فنكسوا على رؤوسهم، لقد ألجمتهم الحجة والكلمة البينة القاطعة، وهكذا يجب أن تكون الدعوة، بلسان واضح صريح، وحجة بينة دامغة تسكت المعاند، وتلقمه حجراً.

قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَسورة الأنبياء66-67، ولكن العناد الذي ابتلي به كثير من الناس، العناد والمكابرة رغم وضوح الحق، قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَسورة الأنبياء68وانتقموا من أجلها، جمعوا الحطب، وأججوا النيران، وألقوا إبراهيم جزاءً أمام الناس، ولكن الذي خلق النار قادر على أن يسلب منها خاصية الإحراق، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَسورة الأنبياء69، فبرداً قلع منها الحر، وسلاماً لا يؤذيه لا حرها ولا بردها، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَسورة الأنبياء70.

وهكذا ينجي الله أولياءه وعباده الصالحين من الشرور إذا هم توكلوا عليه، وأنابوا إليه، وهذا درس عظيم ينبغي أن يتملى فيه كل إنسان يقوم لله بالحجة، وكل الدواب كانت تنفخ النار عن إبراهيم إلا الوزغ، فلذلك أمرنا بقتله، إن إبراهيم لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه، فلذلك كان فيها أجراً لمن قتلها، (من قتل وزغاً من أول ضربة كان له مائة حسنة)[رواه مسلم2240]، كله تذكير بعهد إبراهيم، وأمر إبراهيم، وكان لعائشة رمح تقتل به الأوزاغ.

قال ابن عباس: "كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل" حسبي الله يكفيني، ونعم الوكيل، ولذلك نجاه الله من النار، إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب ولأولي الأبصار، فاعقلوا واتعظوا يا أيها المسلمون من سيرة هذا النبي الجليل، أحبوه من قلوبكم لما قام لله بالحجة والحق، أحبوه لأنه كان إماماً وقدوة، أحبوه لأنه كان موحداً لا يخاف في الله لومة لائم.

اللهم اجعلنا على ملة إبراهيم، وارزقنا اتباع التوحيد والدين القويم، إنك أنت الغفور الرحيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام المتقين، وحامل لواء الحمد يوم الدين، وصاحب الشفاعة العظمى الذي يرغب إليه الخلائق كلهم حتى إبراهيم، كما جاء في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

بعض صفات إبراهيم الأخرى
00:30:37

أيها المسلمون:

لم يكن إبراهيم داعية إلى التوحيد فحسب، وإنما كان إنساناً كريماً، يكرم الضيف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كان أول من أضاف الضيف إبراهيم)[رواه ابن أبي شيبة في المصنف26467]ومعلوم خبر الملائكة الذين أتوا إليه، وكانوا يريدون القضاء على قوم لوط الذي كان من آل إبراهيم، موحداً مثله، هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَسورة الذاريات24-25فرحب بهم ولو أنه لا يعرفهم، وفتح الباب لأجلهم، دخلوا عليه فقالوا: سلاماً يعني: بابه مفتوح للضيوف، فراغ إلى أهله خفية حتى لا يشعروا بالحرج؛ لأنه يريد أن يقدم لهم ضيافة، فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍسورة الذاريات26، على وجه السرعة، عجل مشوي على الرضف المحمى طعام نفيس للضيوف، ولم يقل تعالوا وإنما قربه إليهم، ودعاهم إلى الأكل فقال: أَلَا تَأْكُلُونَسورة الذاريات27حتى يبتدئوا لأن الناس يجلسون على الطعام ينتظرون إشارة المضيف، وهو يسارع يقول: أَلَا تَأْكُلُونَسورة الذاريات27، وسائر أنواع كرم الضيف تجدها في سيرته عليه السلام، وهو يكرم أولئك الملائكة الذين لم يأكلوا لأنهم لا يأكلون، لقد كان إبراهيم مسلماً لأمر ربه، لا يخرج عن طاعته، وكان استسلامه لأمر الله عجيباً يتمثل ذلك في عدة مواقف، منها فعله مع ولده في حادثة الذبح المشهورة، فإبراهيم ما كان ينجب من زوجته، فزوجته لا تنجب، ومع ذلك يدعو الله، ولو كان في الكبر، يقول: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ سورة الصافات100، لم يقل: هب لي ولد ذكر، وإنما من الصالحين، يريد صالحاً؛ لأن مجرد الولد قد يكون عاراً وشناراً على أبويه، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ سورة الصافات100، فتعلم يا عبد الله يا أيها المتزوج كيف تطلب الولد من الله من سيرة أبيك إبراهيم، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ سورة الصافات100، المهم أن يكون صالحاً، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ *فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ لما كبر الولد وشب، وأطاق السعي مع أبيه إذا بهذا الابتلاء العظيم من الله يرى إبراهيم في المنام رؤيا، ورؤيا الأنبياء حق، قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى، الولد من تربية الوالد، قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَاالولد والوالد، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِقلبه على قفاه لكي لا يشاهد علامات التألم عند الذبح فربما يتردد، قلبه على وجهه، وصار الذبح من القفا، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِوشرع ولكن الله كان يريد أن يبتلي ابتلاءً يرفع به درجة ذلك النبي وولده، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُسورة الصافات101-106، أن يذبح الولد الذي جاءه الآن بعد انتظار سنين طويلة دون إنجاب، بعدما بلغ معه السعي، فأي استسلام هذا، وأي طاعة لأمر الله، وفداه الله بذبح عظيم صار شعاراً وسنة، إلى الآن يذبح الناس الضحايا تذكيراً بسيرة ذلك النبي الكريم.

أيها الإخوة:

لقد كان إبراهيم عليه السلام آية من آيات الله سبحانه وتعالى، كان إبراهيم نبياً كريماً، تجلى استسلامه أيضاً لله لما ترك ولده وأم الولد في مكة في أرض ليس فيها بشر ولا زرع؛ لأن الله أمره بهذا، ورفض أن يتردد ومضى حتى علمت ولحقت به أم الولد تقول: أين تتركنا في هذا المكان، حتى علمت أن الله أمره بهذا فقالت: لن يضيعنا.

إبراهيم يرجع يتفقد أولاده وتركته، إبراهيم يرعى مصلحة الأسرة فلما يرى هذه الزوجة فيها فساد واعوجاج يأمر بطلاقها، ولما يرى الزوجة التي تليها عند ولده صالحة بارة يأمر بإبقائها، إبراهيم الذي يستعين بولده لبناء البيت وهو يدعو أن يبعث الله فيهم من بعده نبياً حتى تستمر الدعوة ويستمر التوحيد؛ لأنه يعلم أنه ميت، فإبراهيم حريص على المستقبل، على مستقبل هذه البشرية، ولذلك فإن لهذا النبي الكريم من المناقب أموراً كثيرة، منها: أنه أول من يكسى من الخلائق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نتبع في الحج كثيراً من شعائر إبراهيم، كونوا على مشاعركم هذه فإنكم اليوم على إرث من إرث إبراهيم، ونحن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى كما أمرنا، وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّىسورة البقرة125، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب إبراهيم حباً شديداً، حتى سمى ولده باسمه، (إنه ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم)[رواه مسلم2315]، ولما شبه الأنبياء قال: (أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم)[رواه البخاري3355]يعني نفسه، ولقد استفدنا أيها الإخوة من إبراهيم حياً وميتاً، واستفدنا من إبراهيم بعد وفاته، بهذه السيرة التي ذكرها الله لنا، ونستفيد منه بكفالة أولاد المسلمين الذين ماتوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(أطفال المؤمنين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة)[رواه البيهقي في القضاء والقدر634]فهنيئاً لك يا عبد الله يا من مات لك ولد وأنت في الإسلام، ثابت على هذا الدين صابراً ومحتسباً لأمر الله، فإن ولدك عند إبراهيم، لقد استفدنا من إبراهيم بعد وفاته يكفل أولاد المسلمين، وهذه وصية من إبراهيم لنا بعد وفاته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام)[رواه الترمذي3462]هذا إبراهيم يسلم علينا، نحن أمة النبي صلى الله عليه وسلم (يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)[رواه الترمذي3462]فمن شاء أن ينفذ وصية إبراهيم له، وأن يقوم بهذه الوصية من إبراهيم بعد موته فليأخذها إذن بكثرة ذكر الله "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".

اللهم أعز الإسلام المسلمين، ودمر اليهود والمشركين، اللهم عليكم بأعداء الدين، اللهم إنهم طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم سوط عذاب، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يخافك ويتقيك، اجعلنا من عبادك الأخيار، وجندك الأبرار، وارحمنا في هذه الساعة، في هذا المكان يا أرحم الراحمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه البخاري3356.
2 - رواه البخاري3356.
3 - رواه البخاري3350.
4 - رواه النسائي11311.
5 - رواه الحاكم8750.
6 - رواه مسلم2240.
7 - رواه ابن أبي شيبة في المصنف26467.
8 - رواه مسلم2315.
9 - رواه البخاري3355.
10 - رواه البيهقي في القضاء والقدر634.
11 - رواه الترمذي3462.
12 - رواه الترمذي3462.