الثلاثاء 3 ذو الحجة 1439 هـ :: 14 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

قصة ذي القرنين


عناصر المادة
نص القصة:
المعنى الإجمالي للقصة:
الأخذ بالأسباب:
رحلة ذي القرنين إلى المغرب والمشرق:
بناء السد ومنع يأجوج ومأجوج من الفساد:
خروج يأجوج ومأجوج:
الفوائد المستفادة من القصة:
نص القصة:
00:00:04
 من قصص القرآن العظيمة التي قصها الله علينا في كتابه قصة ذي القرنين قال الله تعالى:  وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا  [الكهف: 83-89] الآيات، من هو ذو القرنين؟ هل كان نبيًا؟ هل كان رسولاً؟ هل كان ملكًا؟ أم ماذا؟
المعنى الإجمالي للقصة:
00:01:17
 اختلف أهل التفسير في ذي القرنين:
فقيل: كان نبيًا، وهذا ضعيف، وقيل: كان ملكًا. واستغربه ابن كثير رحمه الله، فهو قول غريب جداً، قال ابن كثير: "والصحيح أنه كان ملكًا من الملوك العادلين". [البداية والنهاية: 2/103].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان ذو القرنين ملكًا صالحًا، رضي الله عمله، وأثنى عليه في كتابه". [البداية والنهاية: 2 /103].
وسئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذي القرنين؟ فلم يقل: لم يكن نبيًا ولا رسولاً ولا ملكًا، ولكن كان عبدًا صالحًا. [تفسير ابن كثير: 5/189].
وصحح الحافظ ابن حجر رحمه الله إسناد هذا الأثر في فتح الباري. [فتح الباري: 6/383].
ثم إن بعض الناس قالوا: إنه هو الإسكندر المقدوني الذي بنى مدينة الإسكندرية، ولكن هذا قول باطل.
قال ابن كثير رحمه الله: "وإنما نبهنا عليه -يعني على هذا القول- لأن كثيرًا من الناس يعتقدون أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرطاطاليس وزيره" أرسطو الفيلسوف، "فيقع بسبب ذلك خطأ كبير، وفساد عريض طويل كثير، فإن الأول ذو القرنين كان عبدًا مؤمنًا صالحًا وملكًا عادلاً، وأما الثاني: فكان مشركًا، وكان وزيره فيلسوفًا" فإذًا أرسطو كان كافرًا، قال: "فأين هذا من هذا" أين ذي القرنين من الإسكندر المقدوني الذي كان وزيره أرسطو، "لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور"، هكذا قال ابن كثير رحمه الله. [البداية والنهاية: 2/106].
وكذلك رجح الحافظ ابن حجر أنه ليس الإسكندر، فقال: الحق أن ذا القرنين غير الإسكندر، واستدل بعدة وجوه: منها: إيمان هذا وكفر ذاك. [فتح الباري: 6/382].
إذا عرفنا أنه عبد صالح ملك عادل، وليس هو الإسكندر المقدوني، لماذا سمي بذي القرنين؟
قيل: لأنه كان له في رأسه شبه القرنين.
وقال وهب بن منبه: كان له قرنان من نحاس في رأسه، قال ابن كثير: "وهذا ضعيف".
وقال بعض أهل الكتاب: "سمي بذي القرنين؛ لأنه ملك فارس والروم، فلقب بهذا.
وقيل: لأنه بلغ قرني الشمس شرقًا وغربًا، وملك ما بينهما من الأرض، قال ابن كثير: "وهذا أشبه من غيره" يعني هذا أقرب إلى الصواب من غيره من الأقوال، وهو قول الزهري رحمه الله.  [البداية والنهاية: 2/103].
إذًا اتسع ملك ذي القرنين يمينا وشمالًا، أو شرقًا وغربًا فسمي بذي القرنين، قيل: إنه ملك الأرض أربعة: اثنان مسلمان: سليمان عليه السلام، وذو القرنين، واثنان كافران: إسكندر المقدوني، وبختنصر، والله أعلم.
أما بالنسبة لهذه القصة فإن الله سبحانه وتعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: 83]، إذًا حصل سؤال من أهل الكتاب للنبي عليه الصلاة والسلام وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا  [الكهف: 83]، "من" للتبعيض.
إذًا لن يقدم لهم كل التفاصيل وكل الأحداث، وإنما سيقدم لهم أهم الأشياء التي فيها عبرة وعظة، وكلمة  مِنْهُ  تدل على ذلك، فليس هذا عرضًا مفصلاً دقيقًا شاملاً لسيرة ذي القرنين، وليس القضية فيها تفصيل واستيعاب، إنما الذي يعيننا هو مواقع العبرة والعظة، ومواقف الدروس والدلالات والفوائد، ولهذا فإن المسلم لا يبحث عن تفاصيل لا مستند صحيح لها، وإنما يكتفي بما عرضه القرآن الكريم والسنة النبوية، والتفصيلات التي أغفلها القرآن الكريم لا فائدة منها لنا، ولو كان فيها فائدة لذكرها لنا، ثم لا سبيل لنا للوقوف عليها بطريق صحيح، فلماذا نتعب أنفسنا في الجري وراءها، ومحاولة معرفتها.
الأخذ بالأسباب:
00:07:21
  إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا  [الكهف: 84-85]، إذًا أعطيناه ملكًا عظيمًا ممكنًا فيه،  إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ  [الكهف: 84]، من جميع ما يؤتي الملوك عز وجل، فمثلاً الملوك يؤتون جنودًا وأسلحة وآلات حربية، ونحو ذلك من الأموال، إذًا كان عند ذي القرنين جنود، جيش، أسلحة، أموال،  إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ  والتمكين له أسباب، إذًا توافر لذي القرنين أسباب التمكين، ولذلك ملك مشارق الأرض ومغاربها، ودانت له البلاد، وخضع له العباد، وخدمته الأمم من العرب والعجم،  وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، من أسباب الملك والقوة، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: 84] وطريقًا موصلا إليه،  فَأَتْبَعَ سَبَبًا  [الكهف:85].
وهذه في الحقيقة فائدة عظيمة جدا، وآتيناه من كل شيء سببًا، يعني فتحنا له الطرق للحصول على أسباب القوة، يسرناها له من علم، وقدرة، وآلة، وعقل،  فَأَتْبَعَ سَبَبًا ، أي سلك السبل الموصلة إلى تحقيق أسباب القوة، والحصول عليها، إذًا فتح الله الطرق وهو سلكها، فالله يسر له الأمور لتحصيل أسباب القوة، وهو استثمرها، الله عز وجل أعطاه إمكانات واستعملها،  وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا  [الكهف: 84-85].
وهذه هي الحكمة أن الإنسان عليه أن يستثمر ما آتاه الله من أمور؛ ليحصل على أسباب القوة، أعطاه الله أسبابًا موصلة، واستعان بذلك على قهر البلدان لتخضع لحكم الإسلام والتوحيد، وسهل الله له الوصول إلى أقاصي العمران، ففعلاً وصل إلى أقاصي العمران، وعمل بتلك الأسباب، هذه الأسباب التي ينبغي على من صارت بيده أن يستعملها لمرضاة الله، ونشر دينه، لقد أخذ ذو القرنين بالأسباب واستفاد مما منحه الله إياه من مظاهر ووسائل وطرق أحسن استغلالها وتوظيفها،  فَأَتْبَعَ سَبَبًا  كثيرون الذين يمنحهم الله أسباب القوة لكن لا يستعملونها في طاعة الله إذا استثمروها، وكثير منهم لا يستثمرها أصلا فعنده عقل لا يستعمله، وعنده مال لا يستثمره، وعنده طاقة بشرية تحته من أولاد وغيرهم أيضاً معطلة، لكسله وتواكله وتوانيه لا يستعمل هذه الأسباب، فلا يؤدي به ذلك إلى النجاح، وهذا درس بليغ ينبغي التوقف عنده والتفكير فيه.
رحلة ذي القرنين إلى المغرب والمشرق: 
00:11:10
 وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ  [الكهف:84-86] نهاية الأرض من جهة المغرب، وهل لها نهاية من جهة المغرب؟ نعم اليابسة التي بعدها محيط، نهاية اليابسة التي بعدها المحيط من جهة الغرب، هذه النهاية هنا في هذا المكان لما نظر في تلك الجهة وصل إلى أقصى اليابسة من الجهة التي ما وراءها إلا الماء، ونظر في البحر وجد الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  [الكهف:83-89]   حامية ،  حمئة  قراءتان، فمعنى: كلمة  حَمِئَةٍ كثيرة الحمئة وهو الطين الأسود، وكذلك فإننا نقول: أيضاً إن هذا الغروب للشمس في العين الحمئة في نظر العين البشرية، يعني العين البشرية ترى الشمس تنزل في الماء إذا غربت، لكن هي في الحقيقة لا تنزل في البحر، لكن إذا نظرت إليها وهي تغرب في جهة البحر يتراءى لك أنها تنزل في الماء، فهذا معنى:  وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف:86] يعني فيما يتبادر للعيان، فيما يراه الشخص في المشاهدة البشرية في عينه المجردة، سيراها كأنها تغييب في الماء،  وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا [الكهف:86] في تلك الجهة من أقصى المغرب إمام للعين، كانوا كفارًا فخيره الله بين أن يعذبهم وبين أن يتركهم، فقال:  إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [الكهف:86]، عذبهم بالقتل إن أردت، أو اتخذ فيهم أمرًا حسنًا بدعوتهم إلى الحق، وتعليمهم الشرائع، فاختار ذو القرنين دعوتهم إلى الله، لكن الذي يتمرد  أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ  [الكهف: 87]، بالقتل في الدنيا  ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ  [الكهف: 87]، فيها  عَذَابًا نُكْرًا  [الكهف: 87] منكرًا فظيعًا بنار جهنم،  وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا  [الكهف: 86].
أمة من الأمم الأرض العظيمة، وكان الله قد مكنه فيهم، وحكمه فيهم، وأظفره عليهم، وخيره بين أن يقتل ويسبي، أو يمن ويفدي، فاختار الدعوة بالحسنى أولاً، لكن الذي لا يستجيب سيكون مصيره القتل،  وَأَمَّا مَنْ آمَنَ  [الكهف: 88]، تابعنا على الدعوة، ودخل في الدين، ووحد الله عبده لا شريك له،  فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى  [الكهف: 88]، الدار الآخرة بدخول الجنة،  وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: 88].
بالنسبة لنا في الدنيا معروفًا وهذا يدل على أن ذا القرنين كان ملكًا، عادلاً، صالحًا، مؤمنًا بالبعث والحساب والجزاء، وأنه يعرف بأن القضية عند الله في النهاية عذاب أو نعيم، وهذا معناه أنه يسعى في مرضاة ربه  ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا  [الكهف: 89-90].
قوم متخلفين جداً ما عندهم لا بيوت تقيهم من الشمس، ولا ملابس، عراة، وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترًا، فليس عندهم أي تمدن، لا يعرفون البيوت، ولا صناعة الملابس، كذلك معناه  ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا  [الكهف: 89]، كذلك،  حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ [الكهف: 90].
فهو إذًا أتبع سببًا حتى بلغ مطلع الشمس، كما أتبع سببًا حتى بلغ مغربها،  وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا  [الكهف: 91] أحطنا بما عند مطلع الشمس علمًا، لا يخفى علينا علمًا بالخلق وأحوالهم، والناس الموجودين هناك، والأمم وأنواع البشر.
بناء السد ومنع يأجوج ومأجوج من الفساد:
00:16:44
  ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا  [الكهف: 92-93]، أتبع طريقًا ثالثًا معترضًا بين المشرق والمغرب، لا هو في الشرق، ولا  في الغرب، لا في أقصى الشرق ولا في أقصى الغرب، حتى بلغ الجبلين العظيمين اللذين سد ما بينهما،  وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا  [الكهف: 93]، من وراء هذين الجبلين أمة  لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا  [الكهف: 93].
عندهم قلة فطنة، وقلة حيلة، وقلة تدبير، لغة غريبة أمة مجهولة،  قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ  [الكهف: 89-97]، اشتكوا إليه شكوا حالهم،  إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا  [الكهف: 94-95].
فلما بلغ هذين الجبلين المتناوحين، بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على هذه البلاد فيعيثون فيها فسادًا، يهلكون حرثهم ونسلهم، كما ثبت في الصحيحين عن الأعداد الهائلة ليأجوج ومأجوج أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:  إن الله تعالى يقول: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول الله عز وجل: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين  إلى النار، وواحد إلى الجنة،  فحينئذ يشيب الصغير   وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا [الحج:2]، [رواه البخاري: 3348، ومسلم: 222].
هنا الصحابة أشفقوا، وصعب عليهم جداً، إذا كان البشر تسعمائة وتسعة وتسعين في النار وواحد للجنة، يعني: هذه النسبة.
إذًا ما هو المصير، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام المشقة التي حصلت بوجوه أصحابه، وهذا الحزن لهذه المعلومة الخطيرة جدًا في نسبة أهل الجنة من أهل النار خفف ذلك عليهم صلى الله عليه وسلم، وقال:  إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج [رواه الترمذي: 3169، وصححه الألباني صحيح الترمذي: 2534].
فإذا أردت أن تتصور هذه النسبة تصورًا صحيحًا فلا بدّ أن تدخل في الحسبة يأجوج ومأجوج، يأجوج ومأجوج هؤلاء أعداد رهيبة جداً، هؤلاء أعداد إذا جاؤوا إلى بحيرة طبرية يشربها أولهم فيقول آخرهم: لقد كان هنا مرة ماء، يعني: أول القوم يشربون البحيرة كلها، بحيرة طبرية كلها يشربونها، ولا تكفيهم بحيرة طبرية تكفي فقط أولهم، أما آخرهم فلا يجدون ماء يشربونه من هذه البحيرة، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم:  ما كانتا في شيء إلا كثرتاه  هؤلاء الترك القوم الذين وصل إليهم ذو القرنين اشتكوا من يأجوج ومأجوج، قالوا: يفسدون علينا يخربون يقتلون ينهبون،  فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا  [الكهف: 94] أجرة عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف: 94] هذا استفهام على جهة التوسل،  فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ ، يطلبون منه طلبًا رقيقًا بأدب،  عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا  يعني: ردمًا، والردم يجعل بعضه على بعض حتى يتصل بحيث لا يستطيع هؤلاء أن يدخلوا من الثغرة التي بين الجبلين، فأنت تردمها وتشدها لنا، بحيث أنهم لا يستطيعون العبور إلينا، وفي هذه الآية دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، أن سجن المفسدين في الأرض في السجون أمر مشروع، والدليل تصرف ذو القرنين، فإنه بنى سدًا حبس يأجوج ومأجوج عن الخروج للإفساد، قالوا: وكذلك من هو معروف بالإفساد، يخرج من بيته للإفساد يخرب بين اثنين، بين جارين، بين زوج وزوجته، بين أب وابنه، يخرب علاقات تجارية بين شريك وشريكه، هذا يفسد فقط، يتلف يعتدي يغتصب، قالوا: هذا يسجن إذا ما يندفع شره إلا بالسجن يسجن، الدليل قصة ذي القرنين، إن هؤلاء القوم المساكين الضعاف الذين عجزوا عن صد هجمات يأجوج ومأجوج، والوقف في وجههم، ومنع إفسادهم، هؤلاء العاجزين عن الدفاع عن أرضهم ومقاومة المعتدين، لجؤوا إلى قوة خارجية إلى قوة ذي القرنين، يطلبون منه حل مشكلاتهم، والدفاع عن أراضيهم، قوم اتكاليون كسالى، أو أن عندهم أشياء من التخلف وعدم القدرة، ولذلك أوكلوا إلى ذي القرنين حل هذه المشكلة، وطلبوا منه ذلك، وما أشبه هؤلاء بعرب اليوم، الذين يريدون من الأجانب أن يحلوا مشكلاتهم، وعلى رأسها مشكلة فلسطين، وأن يحولوها إلى الأمم المتحدة، ومجالس الأمن، والمؤتمرات الدولية، ويبقون الكرة هناك ليلعب بهم، فهؤلاء الذين يطلبون حل قضيتهم من أولئك، ويقفون موقف المتفرج، يطلبون الرحمة ممن من الظالم الغشوم، يطلبون حل المشكلة ممن من الذي يعقدها، ويسومهم سوء العذاب، فما هكذا تحفظ الأوطان، ولا هكذا يصد اعتداء اليهود، ولا هكذا تبطل المكائد، لقد أراد هؤلاء من ذي القرنين أن يقوم بالمهمة نيابة عنهم، ويمنع الاعتداء، وقالوا: نعطيك فلوس أجرة.
فهل قبل ذو القرنين هذه الأموال كلها؟ وإنما قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الكهف: 95]، الذي مكنني فيه من أسباب القوة، وجعلني فيه قادرًا على المال، والملك، والجند، والقوة، وسائر الأسباب خير مما تريدون أن تبذلوه لي من الخرج، فلا حاجة لي به، لكن هنا تبرز الموهبة العظيمة لذي قرنين في استثمار الطاقات البشرية، وفي نقل الناس المتخلفين إلى ناس منتجين، وتحويل الناس الكسالى إلى قوم عاملين، قال:  فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف:95] قوموا اشتغلوا معي، هيا انفضوا غبار الكسل والنوم، أعينوني بقوة، ثم وضع لهم مخطط العمل، وطلب منهم طلبات محددة، وأنت إذا أردت أن تنقل ناس كسالى من عالم الخمول إلى عالم العمل، ليس فقط أن تخطب فيهم خطبة عصماء، وتقول: ألا تريدون العمل، ألا تقومون يجب عليك القيام النشاط، وإنما تضع خطة، وتطالبهم بالعمل بناء على هذه الخطة، وهناك أهداف محددة،  آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف:96] اجمعوا لي قطع الحديد، وذو القرنين عنده قوة ممكن يجمع بالاستغناء عنهم، لكن هو يريد أن يحول هذه الأمة الفاشلة، المتخلفة، الكسولة، إلى أمة منتجة، تساعد، وتعمل، وتشتغل، وتنتج، ولذلك قال:  فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ  [الكهف: 95-96].
هاتوا قطع الحديد راكموا بعضه فوق بعض،  حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ  [الكهف: 96]، فإذًا جمعوا قطع الحديد، وارتفعت القطع بعضها فوق بعض، وصارت كومًا كبيرًا،  حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ  [الكهف: 96] بين الجبلين، إذًا الثغرة هذه سدت، صار بين الجبلين كله قطع حديد،  حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ  [الكهف: 96] ساوهما، أي الجبلين،  قَالَ انْفُخُوا  [الكهف: 96]، هذا عمل آخر، تؤججون نارًا، لكي ينصهر هذا الحديد، ويلتحم بعضه مع بعض، وإيقاد النار يحتاج إلى نفخ بالمنافخ،  حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا [الكهف: 96].
 إذًا  قَالَ انْفُخُوا  [الكهف: 96] على قطع الحديد هذه بالكيران الكيران التي فيها إيقاد النار، واشتعال مزيد من الاشتعال،  حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ [الكهف: 96]، أي: هذا المنفوخ جعله نارًا تتأجج، لقد وضعت قطع الحديد، ثم أوقد عليها الحطب والفحم بالمنافخ حتى حميت، والحديد إذا أوقد عليه، ماذا يصبح كالنار، حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف: 96] ما هو القطر؟ النحاس المذاب، وهذا النحاس المذاب سيغلف هذا السد الحديدي الذي انصهر فكان قطعة واحدة، التحم بعضه ببعض من الحرارة، ثم أفرغ عليه النحاس المذاب.
قال علماء المعادن: إن الحديد المغلف بالنحاس المذاب سبيكة قوية جداً من أقوى السبائك التي يعرفها البشر، إن اقتحام جدار من حديد ملبس بالنحاس من أصعب الأِشياء، فإذا أردت سبيكة قوية جداً فإن هذا الذي علمه ذو القرنين بأولئك القوم المتخلفين هذا النحاس المذاب المصبوب على الحديد،  آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف:96] ما هي النتيجة؟ النتيجة الوصول إلى سد عظيم غير قابل للاختراق،  فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ  [الكهف:97]، لم يستطيعوا أن يتسلقوه وينزلوا من فوق،  وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا  [الكهف: 97] لا استطاعوا أن يتجاوزوه،  أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: 97]  أيهما أصعب أن يظهروه أو أن ينقضوه؟ أيهما أسهل؟  فَمَا اسْطَاعُوا ،  وَمَا اسْتَطَاعُوا  الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى، استطاعوا أبلغ من اسطاعوا، قال:  فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: 97].
فإذا عرفت أن استطاع فيها مزيد قدرة على اسطاع، فمعنى ذلك أن النقض أصعب،  فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا إذًا هكذا سيكون الحال إلى ظهور يأجوج ومأجوج، الذين يحفرون في السد كل يوم حتى يقول الذي عليهم: ستحفرونه غداً -إن شاء الله-، فينقبوه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، وتحدث المصائب العظيمة، حتى يأذن الله بهلاكهم.
خروج يأجوج ومأجوج:
00:32:08
 إذًا من يوم ما جعل هذا السد عليهم ذو القرنين ويأجوج ومأجوج يوميًا يحاولون حفر السد، وكلما فتحوا فيه فتحة صغيرة بعدما يتعبون الحفر آخر النهار، يرجعون للاستراحة، فتنغلق بإذن الله، كل يوم يريدون أن يفتحوا فيها فتحة بعد التعب الشديد يذهبون للراحة فتنغلق بإذن الله، وعليهم قائد، فإذا جاء يوم خروج يأجوج ومأجوج  حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الأنبياء:96] فالشخص القائد منهم سيقول لهم: غداً ستحفرونه إن شاء الله، فلما يقول: إن شاء الله سيحفرونه فعلاً، ويخرجون على الناس، فماذا سيحدث إذا خرجوا على الناس؟ وماذا سيكون حال المسلمين في ذلك الوقت؟
الجواب يكون المسلمون  قد انتهوا لتوهم من الدجال، والملاحم العظيمة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه  ، أي من الدجال،  فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة ، إذًا هؤلاء قوم من الصامدين المسلمين المحسنين أبلوا بلاء حسنًا، عيسى مكافأة لهم على ثباتهم سيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة،  فبينما هو كذلك  بعد الانتهاء من الفتنة العظيمة جداً، بعد الانتهاء من قتال الدجال مع اليهود، بعد الانتهاء من الملحمة الكبيرة، والفتنة التي عمت الأرض الدجال، والقضاء على الدجال، بينما عيسى مع أصحابه المسلمين  إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم  لا يدان: يعني لا استطاعة.
فإذًا كيف يعرف عيسى أن يأجوج ومأجوج نقضوا السد وخرجوا على العالم؟ بوحي من الله، يقول الله لعيسى:  لا يدان لأحد لا استطاعة لأحد بمقاومتهم،  فحرز عبادي إلى الطور  اذهب وأنت المؤمنون معك يا عيسى كلكم إلى جبل الطور، وتحصن هناك، ((ويبعث الله يأجوج ومأجوج  وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ  [الأنبياء: 96].
كل طريق وكل ممر في الأرض يأجوج ومأجوج يخترقونه ويمرون عبره،  فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم  يعني في شدة وقلة في الطعام،  حتى يكون راس الثور خير من مائة دينار  الدينار أربع غرامات وربع من الذهب، يعني: رأس الثور أحسن من نصف كيلو ذهب، قال:  فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه  إلى الله بالدعاء،  فيرسل الله عليهم النغف  على يأجوج ومأجوج، والنغف ديدان تكون بأنوف الغنم عادة، مثل الديدان هذه الصغيرة تبعث على رقاب يأجوج ومأجوج، تتسلط عليهم بأمر الله، الديدان تأكل في رقاب يأجوج ومأجوج، ولا يستطيعون الخلاص، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة كلهم، ولك أن تتخيل الأرض مليئة بجيف يأجوج ومأجوج كلها، من فتنة يأجوج ومأجوج:  أنهم يرسلون بسهم إلى السماء، فترجع إليهم مخضبة بالدم بإذن الله، فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء  [رواه ابن ماجة: 4079، وصححه الألباني صحيح ابن ماجة: 3297].
فتنة، فيبعث الله الديدان عليهم  فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ، ثم يقول المسلمون بعضهم لبعض: من الذي يستطلع لنا ماذا حصل ليأجوج ومأجوج؟
فيتطوع واحد من المسلمين يوطن نفسه على أنه ميت، يعني: ميت بائع نفسه ينظر الخبر، قد يستطيع أن يخبرهم ما حصل ليأجوج ومأجوج أو لا يستطيع، المهم أنه وطن نفسه على الموت، وطلع فإذا بالأرض مملؤة بالجيف، قال:  ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم  الأرض الآن صارت غير قابلة للعيش عليها، لأنها كلها مليئة بجثث يأجوج ومأجوج المنتنة،  فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله ، إذًا يتضرعون إلى الله، ويدعون، ويطلبون، ويلحون بتخليصهم من هذا التلوث الذي لوث الأرض كلها،  فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت  كبيرة،  فتحملهم  تحمل جثث يأجوج ومأجوج  فتطرحهم حيث شاء الله ، يعني: في البحر،  ثم يرسل الله مطرًا  الآن لابدّ من غسل الأرض بعد إزالة الجثث والجيف،  ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر ، يعني: هذا المطر يخترق كل شيء حتى ناطحات السحاب،  فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة  [رواه مسلم: 2937].
ثم بعد ذلك يكون ما يكون من ظهور البركات وحكم الأرض بالشريعة، وحصول الخير العظيم والسلم، تصبح الأرض كلها فيها سلام، هنا يحدث السلام العالمي في ذلك الوقت، إذًا السلام العالمي في عهد عيسى عليه السلام، قبل عهده عليه السلام الجهاد ماض إلى يوم القيامة.
الفوائد المستفادة من القصة:
00:40:30
 إن هذه القصة العظيمة فيها تعليم العباد الأخذ بالأسباب.
وأن الله سبحانه وتعالى يمكن للمؤمن في هذه القصة الانطلاق في الدعوة إلى الله شرقًا وغربًا، كما انطلق ذو القرنين يمينًا وشمالاً في الأرض يدعو إلى ربه، يركب البحر يجتاز القفار، هكذا ينبغي على الداعية لينشر دين الله، ذو القرنين أراد أن يخضع العالم للشريعة للإسلام للتوحيد، استثمار الطاقات في نصرة الدين.
درس واضح من قصة ذي القرنين إن البدء باللين، والبدء بالدعوة قبل القتال، هو المتعين.
إن الملك العادل متعفف عن أموال رعيته، قال لهم: قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الكهف: 95]، لا حاجة لي بأموالكم.
إن تعريف الآخرين ثمرة العمل ليعرفوا قدره مهم، ولهذا قال ذو القرنين بتواضع -هذا درس في التواضع أيضاً- لما اكتمل المشروع العظيم ببناء السد:  قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي  [الكهف: 98]، فنسبها إلى الله لا إلى نفسه، ما قال: هذا بذكائي، بتخطيطي، هذا رحمة من ربي، ثم إن ذا القرنين مؤمن بالله واليوم الآخر، ولذلك لما بنى السد، قال:  فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا  [الكهف: 98]، فذكرهم باليوم الآخر، وما سيكون في آخر الزمان.
هذا ممكن مثال على الصدقة الجارية، لأن العمل الذي فعله ذو القرنين من منع الفساد على البشر مستمر إلى الآن، وبعد الآن، وإلى قيام الساعة، صدقة جارية، عمل سد منع الفساد، كم ألف سنة فساد يأجوج ومأجوج ممتنع عن البشرية، بسبب السد الذي أقامه ذو القرنين.
وهكذا تتخلد هذه الشخصيات بجميل الثناء، وجليل الآثار، يتركون وراءهم آثارًا حسنة، لماذا قال إبراهيم:  وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: 84].
يثنون عليه في الأجيال المتأخرة، وهذا الحديث فيه دليل على أن السلطان يجب عليه أن يحمي الرعية، كما قال القرطبي رحمه الله وفي هذه الآية وهو في الأندلس، وكان النصارى قد اخترقوا بعض أماكن الأندلس، وتسلطوا عليها، واكتسحوا أسوار مدن إسلامية وداهموها: "في هذه الآية دليل على أن الملك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسد فرجتهم، وإصلاح ثغورهم من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم، يعني بيت المال تحت يده، ونظره حتى لو أكلتها الحقوق وأنفذتها لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر لهم".
يعني لو انتهى ما في بيت المال يقال للناس: تبرعوا لبيت المال، لأن هذا ينفق منه على تجهيز الجيوش، وعلى شق الطرق، وعلى إقامة السدود، بثلاثة شروط: قال القرطبي: "الأول ألا يستأثر عليهم بشيء"، يعني ما يأخذ لنفسه ويتركهم، الثاني: "أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم"، يبدأ بالمحتاجين ينفق عليهم من بيت المال، "ثالثًا: أن يسوي في العطاء بينهم على قدر منازلهم". [تفسير القرطبي: 11/60].
وهكذا ذو القرنين قال: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف:95]، واخدموا بأنفسكم معي.
وكذلك فإننا رأينا في هذه القصة العفاف الذي تمتع به، وكيف وضع الخطة لهؤلاء، لتعليمهم واستثمر الطاقات البشرية، وعلم الصنعة لأناس لا يحسنون الصنعة، علمهم صنعة كاملة.
هذه القصة فيها درس للمسلمين كيف يأخذون بأسباب القوة؟ فيها درس كيف يتغلبون على الغول اليهودي؟ كيف أنه لا يجوز للأمة  المسلمة بحال أن تقف عاجزة مكتوفة اليدين أمام الخطر الذي يتهددها، إن اليهود مفسدون في الأرض، نقول كما قال القوم:  إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ  [الكهف: 94].
فنقول: إن اليهود مفسدون في الأرض، فيجب الوقوف أمامهم، فإن أسلحة الشجب والاستنكار، والشكوى، ومناشدة محبي الخير في العالم، والشرفاء في العالم، والطلب من الأجانب للتدخل لا يمكن أن يحل القضية، إنما هو سراب وأوهام، إن القضية ليست بمؤتمرات دولية، ولكنها بجهاد في سبيل الله، ولا ينقذ الأمة إلا العمل الجاد الصائب الصحيح، والأخذ بالأسباب أسباب القوة،  فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف:95]، وأن يتعاون المؤمنون فيما بينهم، وأن يكون هناك قيام لله بالجهد المطلوب أما العجز والكسل، استعاذ منه النبي عليه الصلاة والسلام:  أعوذ بك من العجز والكسل  [رواه البخاري: 2823].
فهذا لا يورد الأمة إلا الأماني والأحلام الخادعة، ولا يفيد شيئًا، وبهذا عرفنا سيرة هذا الإمام العادل، والملك العظيم، ذو القرنين رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء، وصلى الله على نبينا محمد.