الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 هـ :: 19 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

قصة مقتل حمزة بن عبد المطلب


عناصر المادة
المقدمة:
نص قصة مقتل حمزة بن عبد المطلب:
ترجمة "حمزة بن عبد المطلب":
حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- على مقتل "حمزة بن عبد المطلب":
شرح قصة مقتل "حمزة بن عبد المطلب":
هروب "وحشي" إلى الطائف:
إسلام "وحشي":
قتل "وحشي" ل"مسيلمة الكذاب":
بعض الفوائد المستفادة من قصة مقتل "حمزة بن عبد المطلب":
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
المقدمة:
00:00:12
 فحديثنا وقصتنا-أيها الإخوة- ترتبط بما كنا نقرؤه من الآيات في هذه السورة العظيمة، وهي: "سورة آل عمران".
نص قصة مقتل حمزة بن عبد المطلب:
00:00:25
 وحديثنا عن قصة "مقتل حمزة بن عبد المطلب -رضي الله تعالى عنه-"فقد روى قصة: "مقتل حمزة" الإمام البخاري -رحمه الله- والإمام أحمد -رحمه الله-.
عن جعفر بن عمرو الضمري قال: "خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار إلى الشام، فلما قدمنا حمص، قال لي عبيد الله: هل لك في "وحشى" نسأله عن قتل "حمزة"؟ قلت: نعم. وكان "وحشىٌ" يسكن حمص، قال: فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حميتٌ. قال: فجئنا حتى وقفنا عليه فسلمنا، فرد علينا السلام، قال: وعبيد الله -وهو ابن عدي بن الخيار- معتجر بعمامته، ما يرى "وحشيٌ" إلا عينيه ورجليه، فقال عبيد الله: يا "وحشي" أتعرفني؟ قال: فنظر إليه، ثم قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار، تزوج امرأة، يقال لها: أم قتال ابنة أبى العيص،
-يقول "وحشي" الآن الرجل متغطي أمامه، معتجر لا يرى منه إلا عينيه ورجليه فقط، يقول ل"وحشي": أتعرفني؟- قال: فنظر إليه، ثم قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار، تزوج امرأة يقال لها: أم قتال ابنة أبى العيص، فولدت له غلاما بمكة، فاسترضعه، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه، فلكأني نظرت إلى قدميك. قال: فكشف عبيد الله وجهه، ثم قال: ألا تخبرنا بقتل "حمزة؟".قال: نعم، إن "حمزة" قتل طعيمة بن عدي ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت "حمزة" بعمي فأنت حر. فلما خرج الناس يوم عينين. قال: وعينين: جبيل تحت أحد، وبينه واد. خرجت مع الناس إلى القتال، فلما أن اصطفوا للقتال خرج سباع، يقول -من المشركين-: من مبارز؟ قال: فخرج إليه "حمزة بن عبد المطلب"، فقال: سباع يا ابن أم أنمار، يا ابن مقطعة البظور، أتحاد الله ورسوله؟ ثم شد عليه -"حمزة" شد على سباع المشرك- فكان كأمس الذاهب، وأكمنت ل"حمزة" تحت صخرة،حتى إذا مرّ عليّ، فلما أن دنا مني رميته بحربتي، فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذاك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسل إليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: وقيل له: إنه لا يهيج للرسل، قال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما رآني، قال: أنت "وحشى؟"  قلت: نعم. قال: أنت قتلت "حمزة؟"  قلت: قد كان من الأمر ما بلغك يا رسول الله، إذ قال:  ما تستطيع أن تغيب عني وجهك  قال:فرجعت، فلما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخرج مسيلمة الكذاب، قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به "حمزة". فخرجت مع الناس، فكان من أمرهم ما كان، قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار، كأنه جمل أورق ثائر، ثائر رأسه. قال: فأرميه بحربتي فأضعها بين ثدييه، حتى خرجت من بين كتفيه، ووثب إليه رجل من الأنصار، فضربه بالسيف على هامته. فقالت جارية على ظهر بيت: واأمير المؤمنين قتله العبد الأسود"[رواه البخاري:4072، وأحمد:16121].
الحديث قد أخرجه البخاري -كما تقدم- في"كتاب المغازي"، "باب قتل حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه-".
ترجمة "حمزة بن عبد المطلب":
00:06:54
 و"حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه-" عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان للنبي -عليه الصلاة والسلام- عمان مشركان، وعمان مسلمان.
المسلمان: "حمزة" و"العباس".
والكافران: "أبو طالب" و"أبو لهب"، ماتا على الكفر.
و"حمزة" عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، أخوه من الرضاعة أيضاً، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، ف"حمزة بن عبدالمطلب" عمه وأخوه من الرضاعة.
وولد قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- بسنتين، ولذلك فهو أكبر من النبي -عليه الصلاة والسلام- بسنتين فقط. وقيل: بأربع.
وكان من السابقين للإسلام، فقد أسلم في السنة الثانية من البعثة، ونصر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما رفع المسلمون رؤوسهم بمكة إلا بعد إسلام عمر و"حمزة"، فخرجوا في صفين، صف فيه "حمزة"، وصف فيه عمر، بعد أن كانوا لا يتجرؤون على الخروج، فنصر الله الدين ب"حمزة" وعمر بن الخطاب.
وآخي النبي -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين زيد بن حارثة، وشهد بدراً، وأبلى فيها بلاءً حسناً، وقتل شيبة بن ربيعة، من صناديد المشركين، وشارك في قتل عتبة بن ربيعة، وقتل طعيمة بن عدي،يوم بدر.
وعقد له الرسول -صلى الله عليه وسلم- لواءً، قيل: إنه أول لواء عقد في الإسلام.
وخرج بعد ذلك في غزوة أحد -رضي الله تعالى عنه- ينصر الله ورسوله، وقتله "وحشي" كما جاء في القصة، وكان ذلك في النصف من شوال، سنة ثلاث من الهجرة.
فهو لم يكمل الستين.
ولقبه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأسد الله.
وسماه: سيد الشهداء.
ويقال: إنه قتل في أحد ثلاثين نفساً من المشركين.
ودفن "حمزة" وعبد الله بن جحش -رضي الله عنهما-، دفنهما النبي -صلى الله عليه وسلم- في قبر واحد.
حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- على مقتل "حمزة بن عبد المطلب":
00:10:00
 ووقف عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-،وقد مُثَّل به، فجعل ينظر إليه منظراً، لم يكن أوجع لقلب النبي -صلى الله عليه وسلم-منه، فقال:  لولا أن تجد صفية فى نفسها لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر من بطونها [رواه أبو داود:3138، والترمذي: 1016، وأحمد:12322، وحسنه الألباني كما في صحيح الجامع الصغير: 9455]. فيتفرق في بطون الطير والسباع، فيبعثه الله مجتمعاً منها.
ولكن حرصًا على مشاعر صفية بنت عبد المطلب أخت "حمزة" دفنه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وتأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- لفقد "حمزة" جداً:
أولا:لأن "حمزة" قريبه، فهو عمه.
ثانيا: لحسن بلائه في الإسلام، وكيف أنه نصر الله ورسوله، وكان يتصدى للمشركين.
شرح قصة مقتل "حمزة بن عبد المطلب":
00:11:20
 قصة مقتل حمزة -رضي الله تعالى عنه- قد جاءت في هذه الرواية، التي خرج فيها رجلان: عبيد الله بن عدي بن الخيار، الذي خرج مع رجل آخر، وهو جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، خرجا إلى حمص يريدان جهاد الروم، فخرجا إلى حمص، وكانت حمص قد فتحها المسلمون.
فلما مروا بحمص اقترح أحدهما على الآخر: أن يمر ب"وحشي"، فيسألانه عن قتل "حمزة".
و"حشي" كان عبداً لجبير بن مطعم، وجبير كان كافراً، ثم أسلم -رضي الله عنه-.
وفيه: تتبع الفوائد، وتاريخ المسلمين، والحرص عليه، والسؤال عن الأحداث والوقائع التي كانت على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفيها من الفائدة شيء كثير.
فتتبعا هذان الرجلان جعفر وعبيد الله، وهذا من العلم، وخرجا ليستمعا للخبر مباشرة من صاحب القصة الذي حضرها، فسألا عنه.
يقول أحد الناس في ذلك الوقت: "ما كنت أظن أن الله يدع قاتل "حمزة"، ولذلك ابتلي "وحشي" بشرب الخمر، مع أنه أسلم.
ولذلك لما جاء في رواية ابن إسحاق: "أنهما لما كانا يسألان عن "وحشي"، قال لهما رجل: "إنه غلب عليه الخمر، فإن تجداه صاحياً تجداه عربياً يحدثكما بما شئتما" -يعني: فصيحاً يحدثكم الحديث الذي تريدانه- وإن تجداه غير ذلك" -يعني ليس بصاح- "فانصرفا عنه"[الطبراني في الكبير: 2878، وفتح الباري: 7/368].
وفي رواية: "وإن أدركتماه شارباً، فلا تسألاه"[وفتح الباري: 7/368].
فذهبا إلى قصر "وحشي"، سألا عنه، استدلا عليه، فوجداه رجلاً ضخماً، كأنه: "حميت"أي زق كبير، وأكثر ما يقال ذلك-للشيء- إذا كان مملوءا.
ولذلك جاء في رواية، قال: "فوجدناه رجلاً سمينا، محمرة عيناه، قد ألقي له شيء على بابه، وهو جالس صاحٍ على طنفسة له"[فتح الباري: 7/368].
وفي رواية: "فإذا شيخ كبير، مثل البغاث".
و"البغاث" طائر ضعيف الجثة، كالرخمة لا يصيد ولا يصاد[فتح الباري: 7/369].
"معتجر" يعني لاف العمامة على رأسه فقط من غير تحنيك.
وكانت عادة العرب: أنهم إذا لفوا العمائم على الرؤوس يحنكونها، يعني يلفونها من تحت الحنك،تأتي من أسفل إلى الأعلى، وملفوفة على الرأس، فلما كان يشق خلعها، رخص في المسح عليها في الوضوء عند مسح الرأس، بدلاً من المسح عليه.
والذي تكلم عبيد الله بن عدي بن الخيار، وهو قرشي، أبوه عدي بن الخيار، معروف من كبار رجالات قريش، ولده هذا عبيد الله بن عدي بن الخيار، لما ذهب إلى "وحشي" كان مستوراً لا يرى منه إلا العينين والرجلين فقط، فلما قابل عبيد الله "وحشيا" قال له: "أتعرفني؟!".
في رواية ابن إسحاق: "فلما انتهينا إليه، سلمنا عليه، فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عدي"[فتح الباري: 7/369]بعدما قال له: أتعرفني؟!
في رواية أحمد:قال: "لا، والله"لا أعرفك، لكن هذه هي المهمة.
ثم قال له في نفس الرواية: "إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار".
وعدي بن الخيار، هو أبو عبيد الله الذي يسأل "وحشي" يقول: "أتعرفني؟!".
"إلا أن عدي بن الخيار تزوج امرأة".
-تأمل- كيف وصل"وحشي" مباشرة إلى الشخصية- "عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها: أم قتال، ابنة أبي العيص، فولدت له غلاماً بمكة".
ومن هو الغلام؟
هو نفسه عبيد الله، الذي يتكلم- "فاسترضعه" -طلب مرضعة، فخرجت استرضع له، أطلب له من يرضعه؛ لأن العرب كانوا بمكة من عادتهم إذا ولد الولد، التمسوا له من المرضعات، من العرب من تأخذه، وترضعه في البادية، لينشأ قوي الجسم، صحيحاً، بعيداً عن أي شيء يمكن أن يضره؛ لأن جو البادية أصح من جو البلد.
-طبعا- هذا قبل التلوث، فكيف الآن؟!
قال: وينشأ كذلك سليم اللسان، عربياً، فصيحاً، ويرتضع من النساء في البادية، كما هي العادة.
يقول في رواية: "ابن العدي بن الخيار أنت؟ قال: نعم، قال: والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى، فإني ناولتكها، وهي على بعيرها، فأخذتك، فلمعت لي قدمك حين رفعتُك أو رفعتْك، فما هو إلا أن وقفت عليّ فعرفتها" [صحيح ابن حبان: 7016، وفتح الباري: 7/369].
فإذا، وحشي -رضي الله عنه-،رأى عبد الله بن عدي بن الخيار رضيعا، رأى رجليه وهو يرفع على الدابة، ثم انقطع المنظر إلى أن جاءه هذا الرجل بعد عشرات السنين،جاءه شاب، متغطٍ، لا يرى إلا عينيه ورجليه.
فلما رأى "وحشي" رجليه، عرف أنها تلك الرجلين، ولذلك قال له: "ابن العدي بن الخيار أنت؟" لمعت لي قدمك حين رفعتك، فما هو إلا أن وقفت عليّ فعرفتها، فكأني نظرت إلى قدميك" -كأنك أنت ذلك الرضيع-.
كم بين الرؤيتين؟
يقول ابن حجر -رحمه الله-: "قريب من خمسين سنة" [فتح الباري: 7/369].
وهذا دالٌ على ذكاء مفرط، ومعرفة تامة بالقيافة.
والقيافة أحد القرائن التي يعمل بها في الشريعة الإسلامية.
والقيافة، هي: المعرفة بالشبه.
وهذه المسألة سنأتي عليها بعد شرح الحديث؛ لأنها من الأشياء التي ذكرها العلماء في كتب الفقه. "قال له: ألا تخبرنا بقتل "حمزة؟" قال: نعم، سأحدثكما كما حدثت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين سألني، يقول: قال لي مولاي".
ومولاه: جبير بن مطعم.
"إن قتلت "حمزة" بعمي فأنت حر".
"حمزة" قتل في بدر، طعيم بن عدي، عم جبير بن مطعم، فأراد جبير بن مطعم، وكان مشركاً، أن ينتقم لقتل عمه طعيم، فقال ل"وحشي" قبيل غزوة أحد: "إن قتلت "حمزة" بعمي" يعني واحدا بواحد، من باب الثأر.
"إن قتلت "حمزة" بعمي فأنت حر" يعني أعتقك إذا قتلته، فكان ذلك حافزاً كبيراً ل"وحشي"، ليتخلص من الرق، فخرج "وحشي" كل همه أن يقتل "حمزة"، وكل التخطيط الذي خرج له في أحد لقتل "حمزة"، ما خرج ليقاتل في قليل ولا كثير، إلا شيء واحد، وهو قتل "حمزة" -رضي الله عنه-، والله إذا أراد شيئاً كان، وإذا قدر الله شيئاً، فلابد أن يقع.
قال: "فلما أن خرج الناس" يعني قريش الكفار ومن معهم "عام عينين".
-طبعاً- المسلمون يقولون: "عام أحد" أو "غزوة أحد".
يقول "وحشي": "عام عينين".
"عينين" جبل بجوار أحد، نزل عنده المشركون يوم أحد لما جاؤوا.
"عينين" جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي، مقابل المدينة[انظر: عمدة القاري: 25/386].
-طبعاً- "أحد" جبل مستعرض، طويل ومرتفع، وبجانبه جبل صغير، جبل الرماة، وجبل "عينين" نزل عنده المشركون.
"قال: "خرجت مع الناس للقتال، فانطلقت يوم أحد معي حربتي، وأنا رجل من الحبشة ألعب لعبهم" يعني أتقن الرمي بالحراب جداً؛ لأني حبشي، والحبشة يجيدون الرمي بالحراب.
قال: "وخرجت ما أريد أن أقتل، ولا أقاتل إلا "حمزة".
وكان "وحشي" يقذف بالحربة، قذف الحبشة قلما يخطئ، يصيب كل الأهداف.
فلما التقى الصفان، خرج سباع بن عبد العزى، أبو نيار، الكافر، في أول المعركة يتحدى المسلمين، ويقول: هل من مبارز؟فخرج إليه "حمزة"، كأنه جمل أورق، ثائر، ما يرفع له أحد إلا قمعه بالسيف، وجعل يهد الناس بسيفه.
فلما خرج "سباع" يتحدى المسلمين، خرج إليه "حمزة" مباشرة، قال "حمزة" لهذا الرجل: "سباع ابن أم أنمار يا ابن مقطعة البظور؟".
"ابن أم أنمار" أمه، كانت مولاة.
"مقطعة البظور" يعني ختانة، كانت تختن النساء بمكة.
-طبعاً- هذا عند العرب سبة كبيرة جداً، فأراد "حمزة" أن يشن على هذا الرجل حرباً نفسية قبل أن يشن عليه حرباً بالسلاح، وهذا جائز ضد المشركين، فإن المسلم عف اللسان، لا يسب ولا يشتم، لكن في المشركين هجاؤهم وسبهم، لله ورسوله، قربة إلى الله، وأمر مشروع.
وقال مثل هذه الكلمة وأشد منها أبو بكر الصديق لما جاء المشرك من مكة في صلح الحديبية، قال له: "امصص بظر اللات"[انظر: القصة كاملة في البخاري: 2731، 2732].
"اللات" الصنم، كانوا يزعمون "اللات" مؤنث الله، و"العزى" مؤنث عزيز، و"مناة" مؤنث منان -تعالى الله عن قولهم- فأراد أبو بكر أن يحقره، ويحقر صنمه. فقال له: "امصص بظر اللات".
قال "حمزة" هنا مشنعاً على هذا المشرك، وموبخاً له، وشاتماً إياه في المعركة، بكلام مقذع، فيه إهانة له وتحقير، يقول: "يا ابن أم أنمار، مقطعة البظور، أتحادّ الله ورسوله؟" خرجت تتحدى وتعاند وتحارب الله ورسوله "فشد عليه حمزة، فكان كأمس الذاهب" يعني صار هذا الرجل المشرك مثل البارح، مثل أمس، يعني صار عدما، يعني "حمزة" ضربه ضربة صار الرجل على إثرها ولا شيء، انتهى،يعني تلاشى. وهذا دال على قوة "حمزة" -رضي الله عنه-، وشدة بأسه في الحرب.
يقول: "فإذا "حمزة" كأنه جمل أورق، ما يرفع له أحد إلا قمعه بالسيف، فجعل يهدّ الناس بسيفه".رجل إذا حمل لا يرجع حتى يهزمنا. فقلت -يعني وحشي يقول لمن حوله: من هذا؟ من هذا الرجل الذي يهدنا هداً بسيفه؟ قالوا: "حمزة"- قال: "هذا حاجتي" أي هذا الذي أبحث عنه.
قال: "وكمنت" - الكمين معروف من قديم- "وكمنت له عند شجرة" وقعد "حمزة" وقعد "وحشي" وفي يده الحربة يزنها بكفه ويده، ينتظر الفرصة المناسبة، و"حمزة" يصول ويجول بين الصفوف، فعثر "حمزة"، فانكشفت الدرع عن بطنه، فأبصره العبد الحبشي، فرماه بالحربة، فوقعت الحربة في ثنته -رضي الله عنه.
والثنة: ما بين السرة إلى العانة.
وقيل: وقعت الحربة في عانته -رضي الله تعالى عنه-.
وفي رواية: "فجعلت ألوذ من "حمزة" بشجرة، ومعي حربتي، حتى إذا استحكمت منه هززت الحربة حتى رضيت منها، ثم أرسلتها فوقعت بين ثندوتيه، وذهب يقوم، فلم يستطع".
والثندوتان: موضع الثدي من المرأة.
ولكن الأصح: أنها وقعت في ثنته؛ لأن هذه رواية البخاري، وهي أصح، وقعت بين السرة والعانة، أو في منطقة العانة، فذهب "حمزة" ليقوم فلم يستطع، فكان في ذلك أجله ومقتله -رضي الله تعالى عنه-.
قتل "حمزة" بحربة "وحشي" الذي عمل له ذلك الكمين، وصوب إليه تلك التصويبة.
فلما انتهت معركة أحد، ورجع المشركون إلى مكة، بطبيعة الحال "عدي" الذي كان قد وعده بالعتق، وهو "جبير بن مطعم" وفى بالوعد، وأعتق"وحشيا"، فحصل "وحشي" على مبتغاه، وهو العتق.
هروب "وحشي" إلى الطائف:
00:30:52
 ولما فتحت مكة هرب "وحشي" إلى الطائف.
لما فتح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة عرف "وحشي" أنه ربما يقتل، فهرب إلى الطائف، ينجو بنفسه، فأرسلوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رسلاً.
أهل الطائف بعد ذلك راسلوا النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأرادوا الدخول في الإسلام.
وخرج وفد الطائف ليسلموا، فتورط "وحشي" أين يذهب؟ وقال: "تغمت عليّ المذاهب، فقلت ألحق باليمن أو الشام" احتار!.
وكان أول من قدم من ثقيف "عروة بن مسعود" فأسلم بالمدينة.
هذا كان أول مسلم من ثقيف، ثم رجع إلى قومه يدعوهم، فقتلوه، ثم ندموا، فأرسلوا وفدهم بثلاثة من كبارهم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان الوفد معه سبعين رجلاً، ومعهم ستة من الرؤساء، وقيل أكثر، فأسلموا عند النبي -صلى الله عليه وسلم-.
إسلام "وحشي":
00:32:18
 فأراد "وحشي" أن يهرب إلى الشام، فقال لي رجل: "ويحك، والله ما يأتي محمداً أحد بشهادة الحق إلا خلى عنه"[سنن البيهقي الكبرى: 9/97، 17967] وفتح الباري: 7/370].
يعني -الآن- يا"وحشي" الفرصة: أن تشهد بشهادة الحق عند النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ أنت إذا نطقت بالشهادتين عصمت دمك، ولا تخف بعدها، فإنه لا يغدر محمد -صلى الله عليه وسلم-؟
و"حشي" تخفى، وذهب إلى المدينة، قال: "فانطلقت ودخل على المسجد، ودخل النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: فانطلقت، فما شعر بي إلا وأنا قائم على رأسه، أشهد بشهادة الحق، لم يرعه إلا بي قائماً على رأسه"[فتح الباري: 7/370].
فوجئ النبي -عليه الصلاة والسلام- ب"وحشي" على رأسه، يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله" فقال له عليه الصلاة والسلام:  أنت قتلت حمزة؟!  [رواه البخاري:4072].
وفي رواية:  ويحك حدثني عن قتل "حمزة" [مسند أبي داود الطيالسي: 2/652، 1411]فحدثه، وقال لما قال له:  أنت قتلت "حمزة؟!" قال: قد كان من الأمر ما قد بلغك.
قال له عليه الصلاة والسلام:  فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني؟ .
فما تحمل النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يرى قاتل عمه أمامه، وقاتل ذلك السيف من سيوف الله، شهيد الإسلام:  أفضل الشهداء عند الله "حمزة"  [رواه الطبراني في الكبير: 918].
قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني .
وفي رواية: قال:  غيب وجهك عني، فلا أراك [المعجم الأوسط: 2/222، رقم: 1800]لا أريد أن أراك.
قال: "فخرجت، فكنت أتقي أن يراني" أتحاشاه أن أمر أمامه، أو تقع عينه عليّ "فما رآني حتى مات".
وفي رواية: "أنه قيل للنبي -عليه الصلاة والسلام-: هذا وحشي، فقال:  دعوه، فلإسلام رجل واحد أحب إليّ من قتل ألف كافر [فتح الباري: 7/370].
وفي رواية للطبراني:  قال: يا"وحشي" اخرج فقاتل في سبيل الله، كما كنت تصد عن سبيل الله [المعجم الكبري، الطبراني: 16/13، رقم: 17826، فتح الباري: 7/370].
فتحاشى "وحشي" النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى مات النبي -عليه الصلاة والسلام-.
قتل "وحشي" ل"مسيلمة الكذاب":
00:35:31
 ولما تولى "الصديق"، وقامت حركة المرتدين، وقام "مسيلمة الكذاب"، يقول "وحشي": "فقلت لأخرجن إلى مسيلمة، فأخذت حربتي، لأخرجن إلى "مسيلمة" فأكافئ به "حمزة"" يعني أحاول أن أعوض هذا بهذا، لكي أقتل شر الناس، بعد خير الناس.
يحاول أن يكفر عن خطيئة قتل "حمزة" بأن يقتل "مسيلمة الكذاب".
فذهب مع المسلمين، وحاصروا "مسيلمة"، ورأى "مسيلمة" في ثلمة جدار، في خلل جدار، كأنه جمل أورق، لونه مثل الرماد، من غبار الحرب، ثائر الرأس، شعره منتفش، فهز حربته، فوضعها في "مسيلمة"، ووثب إليه رجل من الأنصار.
قيل هو: "عبد الله بن زيد المازني".
وقيل: هو "عدي بن سهل".
وقيل: "أبو دجانة".
وقيل غير ذلك.
فأجهزا عليه، وأكملا عليه، فضربه بالسيف على هامته، يقول "وحشي" متواضعاً: "فربك أعلم أينا قتله، فإن أك قتلته فقد قتلت خير الناس وشر الناس"[سنن البيهقي الكبرى: 9/97، رقم: 17967].
فقالت جارية على ظهر بيت بعدما قتل "مسيلمة": "واأمير المؤمنين، قتله العبد الأسود"[رواه البخاري:4072، وأحمد:16121].
هذا تأييد لقول "وحشي" أنه هو الذي قتله!.
وكانت العادة: إذا قُتل المقدم العظيم عندهم، إذا قُتل صاحب الحصن، إذا قُتل أميرهم، إذا قتل ملكهم، يُنعى. فخرجت الجارية على سور الحصن، تقول: "واأمير المؤمنين!" -تنوح على "مسيلمة"- "قتله العبد الأسود" فشهدت جارية "مسيلمة": أن "وحشيا" هو الذي قتل "مسيلمة".
التلقيب ب"أمير المؤمنين!" فيه شيء؛ لأن "مسيلمة" كان يدعي النبوة، ويقول: إنه نبي.
ومنهم من قال: إنه لقب بكلا اللقبين، وأنه يقصد أمير المؤمنين به، الذين آمنوا به، وبنبوته، وهو كذاب!.
بعض الفوائد المستفادة من قصة مقتل "حمزة بن عبد المطلب":
00:39:07
 وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة:
تتبع أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسيرته -صلى الله عليه وسلم-؛
أولاً: تتبع أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسيرته -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن في ذلك فوائد كثيرة، فقام هذان الرجلان المسلمان يتتبعان أخبار النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأخبار المسلمين الأوائل.
ولاشك أن المسلمين الأوائل أبلوا بلاءً في ذات الله -تعالى- عظيماً، وفي حياتهم دروس كثيرة لا يستهان بها مطلقاً.
ولذلك، فإن الجيل الذي جاء بعد ذلك من المسلمين اهتم بأخبار الجيل الأول، وهذا أمر مهم، أن الجيل يسأل عن أخبار الجيل الذي قبله؛ ليستفيد الخبرة، ويستفيد ما حصل من الحكمة والعلم، والفوائد الجمة.
فضل "حمزة بن عبد المطلب":
وكذلك في هذا الحديث: منقبة ل"حمزة"، حيث كان النبي -صلى الله عليه وسلم-، يصلي عليه مع كل جنازة، يضع "حمزة" ويصلي عليه، مع كل جنازة.
شدة تأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- على مقتل "حمزة بن عبد المطلب":
تأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- جداً لمقتل "حمزة"، خصوصاً: أنهم مثلوا به، وشوهوا جثته، ولاكوا كبده، ولم تستطع "هند" لما لاكت كبده، وعلكتها، لم تستطع أن تبتلع منها شيئاً، فلفظتها، لم يشأ الله أن يجعل جزءًا من "حمزة" في بطن تلك المرأة، فدفن "حمزة" -رضي الله عنه-.
كراهية الإنسان لمن يوصل أذى لقريبه:
وفي الحديث من الفوائد: أن المرء بطبيعة الحال يكره من أوصل أذى إلى قريبه، وأن هذه الكراهية لا تنافي الهجر المذموم، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث [رواه البخاري:6237، ومسلم:6697].
والإنسان إذا حصل أن إنسانا آذى قريبه، أو مثل هذا، قتل قريبه، فإن النفس لا تقبل أن ترى هذا الرجل، وعدم قبول النفس لرؤية هذا الرجل المؤذي للقريب لا ينافي حديث: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه...   فهذا شيء نفسي.
هدم الإسلام لما كان قبله:
وكذلك فيه: أن الإسلام يهدم ما كان قبله، والنبي -عليه الصلاة والسلام- ما قتل "وحشيا"، ولا اقتص منه.
لما أسلم "وحشي" سقط عنه ما كان قبل ذلك.
ولكن أحياناً يبقى الشخص مع إسلامه، لا يسلم من شيء، كما ابتلي "وحشي" بشرب الخمر بعد إسلامه.
وجوب الحذر في الحرب:
وكذلك فيه: أن الحذر في الحرب واجب، وأن الإنسان لا يحتقر أحداً، فربما كان "حمزة" -رضي الله عنه- قد رأى "وحشياً" في ذلك اليوم، لكن ربما لم يأبه كثيراً لحال هذا الحبشي الجالس، مع أنه كان يعد له الكمين.
إتباع السيئة بالحسنة:
وهذا الحديث فيه: السعي لتعويض ما فات، وأن الإنسان إذ عمل ذنبا يعمل بعده طاعة، ولذلك "وحشي" لما قتل "حمزة" أراد أن يقتل شخصاً يكافئ بقتله"حمزة"، لعله تكون له عند الله -تعالى- سابقة تنفعه، ويعالج بها ما حصل من الندم في نفسه.
لاشك أن "وحشي" لما قتل "حمزة" ندم ندماً شديداً لما أسلم، فأراد أن يعالج هذا الذي حصل بقتل "مسيلمة".
وأن الإنسان إذا سعى للتعويض، فإن الله يوفقه إلى ذلك، وهذا "وحشي" قد سعى لقتل "مسيلمة"، وفعلاً كان هو الذي قتله حقيقة.
جواز سب المشركين في الحرب:
وفيه: جواز سب المشركين سباً مقذعاً في الحرب، وأن ذلك من باب إيقاع الهزيمة النفسية في قلوبهم.
فأما "حمزة" فقد ذكرنا: أنه أسد الله وأسد رسوله، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  لولا أن تجزع صفية، وتكون سنة من بعدي ما غيب، حتى يكون في بطون السباع، وحواصل الطير  [رواه دلائل النبوة، البيهقي: 3/286].
وقال:  لن أصاب بمثلك أبداً  [مستدرك الحاكم:3/214، رقم:4881].
أما "وحشي" فإنه سكن حمص، وشهد وقعة اليرموك، وعاش إلى خلافة "عثمان"، ومات في "حمص" -رضي الله عنه-.
اعتبار الإسلام للقيافة:
من الفوائد العظمية في القصة: قضية القيافة: و-كما ذكرنا- أنها من القرائن، والقرائن يعمل بها في الفقه الإسلامي.
المقصود بالقيافة:
القائف: من يعرف الآثار، جمع: قافة، قفوت أثره، المصدر: قيافة، وقَوْفاً.
والقائف، هو: الذي يتتبع الآثار، ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه.
فالقائف، هو: الذي يقتص الأثر، ويعرف الشبه.
وفي الشريعة تستعمل القيافة، بمعنى: إلحاق الولد بأصوله، لوجود الشبه بينه وبينهم.
والقائف: الذي يعرف النسب بفراسته، ونظره إلى أعضاء المولود.
فإذاً، القيافة تستعمل لمعرفة النسب.
القائف إنسان رزقه الله معرفة بالشبه، وهذا نوع فراسة، ونوع موهبة من الله، لا تكتسب بقراءة الكتب، موهبة من الله، يلقيها في نفس من يشاء.
مثل تفسير الأحلام،لا يعرف بالقراءة في الكتب، وإنما موهبة يهبها من يشاء من عباده، يفسر الحلم، فيقع مثلما أخبر بالضبط.
كذلك القيافة، موهبة من الله، يعطيها من يشاء من العباد، يعرف الشخص فيها بالنظر، يعرف فيها الشبه، فيقول: أنت ابن فلان، ولو أنه لا يعرف أنه ولد فلان.
-طبعاً- أحياناً يكون الشبه واضحا، يعني أي واحد من عامة الناس يمكن أن يقول: هذا ولد فلان، لكن أحياناً الشبه لا يكون واضحا، ومع ذلك القائف يدركه.
أشهر القافة على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-:
من أشهر القافة على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مجزز المدلجي"؛ لأن بنو مدلج كان فيهم موهبة خاصة، يستطيعون بها أن يعرفوا الشبه، ويقصوا الأثر.
وقد حدثت قصة على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- تبين العمل بالقيافة، وأن هذا في الشريعة مقر، وجاء الدليل به، فقد أخرج أصحاب الكتب الستة، وأصحاب السنن، وأحمد، والبيهقي عن عائشة، واللفظ لمسلم، قالت: "دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وهو مسرور، فقال:  يا عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي، دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة، قد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض [رواه البخاري: 6771، ومسلم: 3691].
"أسامة بن زيد" كان أسود مثل الفحم، أبوه "زيد بن حارثة" كان أبيض مثل القطن.
لما علم المنافقون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب "زيد بن حارثة" ويحب "أسامة" هذا حبه، وهذا ابن حبه، طعنوا فيهما، قالوا: لماذا يطلع الأسود من هذا الأبيض؟ كيف؟! إلا إذا كان... طعنوا في نسب "أسامة"، وفي عرض "أسامة"، وفي أبيه.
وحصلت حادثة، جعلت النبي -عليه الصلاة والسلام- ينشرح صدره سروراً، فقد كان "أسامة بن زيد" وأبوه نائمين في بيت النبي -عليه الصلاة والسلام-، قد غطيا رؤوسهما.
يعني الرؤوس مستورة، مخفية ما ترى، ما في إلا الأقدام، ودخل "مجزز المدلجي" بيت النبي -عليه الصلاة والسلام-، فرأى أمامه أربعة أقدام ظاهرة من تحت اللحاف، ومن تحت الغطاء: ثنتين سود، وثنتين بيض، بدون ما أحد يسأله، ولا يستشهده، ولا يأخذ رأيه، قال مجزز المدلجي" والنبي -عليه الصلاة والسلام- موجود عند "أسامة" وأبوه نائمين قد غطيا رؤوسهما، نظر "مجزز المدلجي" وهو من خبراء القيافة؛ لأن بني مدلج كانوا مشهورين بالقيافة، نظر إلى الأقدام نظرة واحدة، فقال: "إن هذه الأقدام بعضها من بعض" يعني أن هذا ولد هذا، هذا من هذا.
فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- بشهادة "مجزز المدلجي" سروراً عظيماً؛ لأنها كانت بمثابة إلقام المنافقين حجراً وإسكاتهم، جاءت بدون ما أحد يسأل الرجل، شهد بها شهادة، وهو المعروف بالخبرة في هذا المجال.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- أقر القيافة، وأقر بكلام "مجزز المدلجي"، واعتبره، وفرح به.
ولذلك، فإن القيافة، هي: الاستدلال بهيئة الإنسان، وشكله على نسبه،موهبة من الله، يعطيها من يشاء من عباده.
فوائد القيافة:
والقيافة، تفيد وتنفع، لو وجد لقيط، فادعاه رجلان، كل واحد، يقول: هذا ولدي! أو ادعته امرأتان، كل منهما، تقول: هذا ابني!.
حصل اختلاط في مستشفى الولادة، يعني لأي صورة من الصور.
وطئ رجلان امرأة، وحملت وولدا، وكل منهما ادعى أن هذا المولود له.
هنا شرعاً إذا لم توجد بينة، يؤتى بالقائف، الذي قد ثبت بالخبرة والتجربة أنه صادق، يعني هذا القائف يجرب من قبل، يجرب في أشياء، يختبره القاضي في حالات معروفة، يعني معروف أن هذا ولد هذا، فيختبره بحالات معروفة، ويعرف أن هذا الرجل خبير، وعنده صدق في كلامه، فإذا ثبت خبرة الرجل، وصدقه، فيستعمل من قبل القاضي في إلحاق النسب.
فإذا وطئ  رجلان امرأة -مثلاً- بالخطأ، أو حصل خطأ، أو أي شيء، فولدت، فيؤخذ بخبر القائف.
القائف هنا يستعمل لإثبات النسب؛ لخبرته بالشبه.
وبنو "مرة" في عصرنا، المري من المشهورين بتتبع الأثر، وقص الأثر.
يؤخذ هذا -طبعاً- من كلام "وحشي"لما نظر إلى قدمي الطفل، من خمسين سنة، نظرة واحدة، حفظها، فلما نظر له بعد خمسين سنة، عرف أن هذه القدمين من تلك القدمين.
ولذلك ليس ضروريا أن يكون الشبه بالوجه، قد يعرف من الأقدام، و"مجزز المدلجي" عرف من الأقدام.
فالقائف، يمكن أن يستعمل في كثير من الأحيان الشبه من الأقدام.
والأقدام هي التي عليها الكلام في قص الأثر، وربما يعرف القائف الذي يمشي هذا، يعني إذا رأى آثار الأقدام مطبوعة على الرمل، ربما يعرف هل هو رجل أو امرأة، وإذا كانت امرأة هل هي حامل أو ليست بحامل؟ هل هي كبيرة أو صغيرة؟.
القيافة خبرة وموهبة:
فالقيافة خبرة، وموهبة من الله، مثل تفسير الأحلام، يؤتيها الله -سبحانه وتعالى- من يشاء.
فلا تنال القيافة بالتعلم، كالعلم النظري التجريبي، وعلم المختبرات، وعلم التجارب، وعلم الرياضيات، والعلاقات، وإنما هي خبرة وموهبة من الله، فلا تؤخذ بالقراءة من الكتب، أو بتحضير رسالة دكتوراة، وإنما هي مسألة نفسية، وخبرة وموهبة من الله.
والبحث في هذا طويل، في مباحث الأصول، ومباحث الفقه، ولكن نكتفي بهذا القدر من فوائد "قصة مقتل "حمزة" -رضي الله تعالى عنه-".