الثلاثاء 7 رمضان 1439 هـ :: 22 مايو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

قصة إبراهيم عليه السلام وتكسير الأصنام


عناصر المادة
نص القصة:
تفسير القصة:
الأخذ بالتورية، وجواز الكذب عند الحاجة:
شروط إنكار المنكر:
فمن قصص القرآن العظيم قصة إبراهيم الخليل وتكسير الأصنام، كان قوم إبراهيم عليه السلام قد انتقلوا إلى الشرك بالسماويات بالكواكب، وصنعوا لهم الأصنام بحسب ما رأوها من طبائعها، فيصنعون لكل كوكب طعامًا، وخاتمًا، وبخورًا، وأمورًا تناسبه بزعمهم، ويتخذون لها أموالاً، وقد اشتهر هذا على عهد إبراهيم إمام الحنفاء، ولهذا قال:  مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ  [الصافات: 85-86].
قال أيضاً:  أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ  [الصافات: 95-96]، فكان من الشرك ما أصله عبادة الكواكب والشمس والقمر وغيرها، وصورت الأصنام على تلك الكواكب، ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة والجن، ومن الشرك ما كان أصله عبادة الصالحين، إذًا كان هنا شرك أصله عبادة الكواكب، وشرك أصله عبادة الملائكة والجن، وشرك أصله عبادة الصالحين، كما وقع في قوم نوح، أما الجمادات الأصنام الجمادية فإنها لم تعبد لذاتها، يعني غالبًا الذين عندهم عبادة أصنام يقصدون بالصنم شيء معين، وهذا الصنم شكل ورمز لهذا الشيء المعين.
فمثلاً: تمثال للشمس، تمثال للقمر، تمثال لإله الحب، تمثال لإله النور، تمثال لإله الزرع، وهكذا فالأصنام عبارة عن رموز للآلهة بزعمهم، في أصنام على الملائكة، على الجن، وأصنام قوم نوح كانت لخمسة من الصالحين من قوم نوح: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وهكذا وضعت الأصنام لأجلها، وكانوا يعبدون الكواكب السبعة، وهم قوم إبراهيم بأنواع من الفعال والمقال، ويعملون لها أعيادًا وقرابين، وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام، وكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارًا في وقت إبراهيم الخليل، من العجائب والأمور المدهشة إنه في وقت إبراهيم الخليل ما كان في على الأرض موحد إلا إبراهيم وزوجته سارة فقط لا غير، كل العالم كفار بدليل أنه قال لسارة مرة:   ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك  [رواه البخاري: 3358، ومسلم: 2371]، يعني: يعبد الله، لكن إبراهيم كان أمه لوحده، ولذلك أزال الله به الشرور، وأبطل به ذلك الضلال.
نص القصة:
00:03:18
 فإن الله آتاه رشده من قبل في صغره، وابتعثه رسولاً، واتخذه خليلاً عليه السلام، فلما امتلأت الأرض بالشرك بعث الله واحدًا فقط إبراهيم عليه السلام،  وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا [الأنبياء:51-58] -قطعًا صغيرة-  إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [الأنبياء: 58-70].
تفسير القصة:
00:05:21
 فأخبر تعالى عن إبراهيم الخليل أنه أتاه رشده من مرحلة مبكرة في عمره، وهو في صغره، وكان ذلك قبل النبوة كما قال جمهور العلماء، فإن إبراهيم كانت فطرته سليمة متوجهًا إلى الله قبل أن يوحى إليه، وقيل:  آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ  [الأنبياء:51]، يعني: من قبل إرسال موسى ومحمد عليهما السلام فهما المذكوران قبله في سورة الأنبياء، ولذلك لما جاءت قصة إبراهيم قال: آتيناه من قبل والرشد على هذا القول هو النبوة، وعلى القول الآخر فإن الرشد سلامة الفطرة، التوجه إلى الله سبحانه وتعالى.
وقوله:  وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ  [الأنبياء:51]، يعني: أنه أهل لهذا، أعطاه الله ما كمل به نفسه، أعطاه الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين قبل محمدًا صلى الله عليه وسلم.
وهذا النبي الكريم خليل الله قام بالدعوة بدأ بالأقارب:  إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ  [الأنبياء: 52]، هذا الاستفهام استفهام توبيخ، وتحقير لهذه الأصنام،  مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ  [الأنبياء: 52] ماذا تكون هذه التماثيل؟ هل تنفع؟ هل تضر؟ هل تتكلم؟ هل تأكل؟ هل تشرب؟  مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ  أخبروني عنها؟ التي أنتم ملازمون بعبادتها، وعاكفون عليها، ومقيمون، فأجابوا جواب العاجز بغير حجة ولا بيان،  قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ  [الأنبياء: 53]، هذه كل الاعتماد كل الدليل، منهجنا في الحياة قائم على أننا وجدنا آباءنا على أمة، وجدنا آباءنا عليها ونحن على آثارهم مقتدون، هذه هي الحجة الوحيدة التي لهم في العبادة، نقاش بالحجة  هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ  [الشعراء: 72-73].
لكن بالرغم من ذلك ليس عند القوم جواب،  قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ  [الشعراء: 74]، رجعنا إلى القصة الأولى والقضية الأولى، وهي أن المسألة مسألة تقليد الآباء، وهكذا وجدنا من قبلنا ونحن على الطريق سائرون، ونقفتي بهم فليس عند القوم حجة، وليس عندهم رد، وليس عندهم أي جواب صحيح، أو أي جواب وجيه، فالقضية كلها يدورون على محور واحد وجدنا آباءنا كذلك يفعلون،  قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  [الأنبياء: 54].
غي بين واضح، أنه ضلال اشتركتم أنتم وإياهم في ذلك، ما هذا التقليد للأسلاف؟ ما هذا التقليد الأعمى؟ لماذا السير على غير هدى؟ لماذا الاحتجاج فقط بأنه وجدنا هؤلاء من قبل؟ كيف وجدنا عليه آباءنا؟ هل هذا بالضرورة أن يكون صحيحًا ما وجدتم عليه آباؤكم؟ ولا حظ أن نقاش الآية  لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  [الأنبياء: 54] هذا أفضل من أن نقول على ضلال مبين؛ لأن في الظرف تقتضي أنهم منغمسون في الضلالة، الضلال محيط بهم من كل جانب تمكن منهم، وهذا أبلغ من أن يقول لهم مثلاً لقد كنتم أنتم وآباؤكم ضالون، أو كنتم أنتم وآباؤكم ضالين، فلذلك سفه أحلامهم وضلل آباءهم، واحتقر آلهتهم، فجن جنونهم،   قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ [الأنبياء: 55].
انظر ماذا تقول؟ لم نسمع هذا من أحد قبلك، هل هذا كلام جاد أم كلام لاعب مستهزئ لا يدري ماذا يقول؟  قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ   [الأنبياء: 56] لا إله غيره، وهو الذي ابتدأهن من غير مثال سابق سبحانه وتعالى  الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ  [الأنبياء: 56]، فجمع لهم في النقاش بين الدليل العقلي والدليل السمعي، أما الدليل العقلي فإنه علم كل أحد حتى هؤلاء أن الله وحده الخالق لجميع المخلوقات من الآدميين، والملائكة، والجن، والبهائم، والسماوات، والأرض، والمدبر لهذا كله سبحانه وتعالى، وجميع ما عبد من دون الله كل واحد عنده عقل يعلم أنه لا ينفع، ولا يضر، ولا يميت، ولا يحي، ولا يملكون حياة ولا نشورًا، وأنه لا يرزق، ولا يدبر، ولذلك فإن إبراهيم عليه السلام قد ساق لهم من دليل السمعي ومن الدليل العقلي ما يقنعهم لو كان لهم عقول، ولذلك لما وصلت المسألة في النقاش إلى طريق مسدود، قال:  وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ  [الأنبياء: 57].
لعله قال ذلك في نفسه وأنه سوف يفتك بهذه الأصنام، ولو كانت تدفع عن نفسها فلتدفع فلتنصر نفسها،  بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ  [الأنبياء: 57].
يعني: إلى أعيادكم أو إلى شيء كان لهم من الاجتماع خارج البلد يخرجون إليه في أحد أيام السنة، وهكذا فراغ إبراهيم إلى هذه الأصنام.
 فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا [الأنبياء: 58]، قطعًا مكسرة محطمة، والجذ: هو القطع والكسر، وهذا ليثبت لهم عجزها، وأنها لا تدفع عن نفسها، ومن باب زيادة الإفحام وإقامة الحجة ترك إبراهيم الخليل عليه السلام الصنم الكبير،  إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ  [الأنبياء: 58].
لعلهم إلى الدين الصحيح، ولعلهم يرجعون إلى الصنم في قول آخر للمفسرين، لعلهم يرجعون إلى الصنم، فيسألونه عما حدث، ويظهر عجزه، فيكون هذا دليل ضعفه، في سورة الصافات قال الله:  فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ  [الصافات: 91-96] .
"راغ" يعني: انطلق مسرعًا بخفية مع إسراع، وضرب الأصنام بقوة ونشاط، وهذا فيه دليل على إزالة المنكر باليد، تغيير المنكر باليد، وإنهاء المنكر وتحطيم المنكر، وأنه لم يجعله قطعتين أو ثلاثة بحيث يسهل تلصيقها وتجميعها مرة أخرى، وإنما كان التحطيم تام، ولذلك موسى في قصة العجل الذي عبده بنو إسرائيل كيف كانت إزالة المنكر من قبل موسى عليه السلام قال:  لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا  [طه: 97]، فلذلك قيل: أخذ ما في المبارد الحديد وضرب بها هذا، حتى جعله مثل البودرة مسحوق، وذره في اليم في يوم عاصف، في البحر في الهواء، ما بقي منه شيء، انتهى، وهذا يدل على أن المنكر إذا أريد تغييره فليغير بحيث لا يعود ولا يرجع إلى ما كان عليه إطلاقًا، يكون التحطيم كامل، تام بحيث لا يرجى إعادته مرة أخرى، ولهذا جعلها جذاذًا قطع صغيرة أنهاه، لا يمكن إعادة الصنم هذا مرة أخرى، ولذلك لما رأوا أصنامهم محطة بهذه الطريقة  فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ  [الصافات: 94] مسرعين يهرعون يريدون أن يوقعوا به بعد أن تساءلوا  مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ  [الأنبياء: 59] تحقيق سؤال، فرموا إبراهيم عليه السلام بالظلم مع أنهم هم الظالمون،  قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ  [الأنبياء: 60].
وهذا يدل على صغر سنه وشبابه لما قاوم هذا المنكر،  سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ  [الأنبياء: 60] هاتوه  قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ  [الأنبياء: 61] وعلى رؤوس الأشهاد، وبحضرة الجميع لينظروا ماذا نصنع بمن كسر آلهتنا، ولعل قصد إبراهيم عليه السلام من هذا كان قصدًا واضحًا مثل موسى لما قال:  وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى  [طه: 59]، يريد اجتماعات حتى يشهد الجميع إقامة الحجة، وهنا قال:  فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [الأنبياء: 61] وقصة أصحاب الأخدود نفس القضية، الغلام طلب من الملك أن يجمع الناس في صعيد واحد، الآن كل الهدف من وراء هذا أن يكون هناك حشد كبير لأهل البلد في ساحة كبيرة حتى تقام الحجة عليهم، إنها الفرصة لوصول الدعوة إلى الجماهير، إنها الفرصة للوصول إلى الناس، إن الفرصة في حدث مباشر مع الآخرين إقامة الحجة، وهذا أعظم مكسب أن النبي يصل إلى الناس، المشكلة كانت أن يحال بينه وبين الناس، النبي عليه الصلاة والسلام حاول كثيرًا لكن كانوا يمنعونه، يشوهون سمعته عند الناس حتى يضع الواحد قطع الصوف أو القطن في أذنيه حتى لا يسمع النبي صلى الله عليه وسلم، وينهوا الناس عن سماعه، ثم يحاربونه لا يتركونه يصل إلى الناس، وهكذا موسى، وهكذا إبراهيم  قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ  [الأنبياء: 61].
فإذًا شيء يأتي منهم بدون نظر، لا يعرفون أن الآن القضية سيكون فيها نصر كبير للدعوة لإعلانها، كذلك موسى لما طلب من فرعون في مقام التحدي فرعون نسي قضية أن الآن هناك سيكون اجتماع عام، وأن الناس كلهم سيشهدون دعوة الحق، الملك في قصة أصحاب الأخدود أيضاً يريد التخلص من الغلام بأي طريقة، ولذلك أجاب طلبات الغلام، الغلام كل طلبه كان طلبًا واحدًا، يعني أن يجمع الناس في صعيد واحد.
لماذا حصل هنا  فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ  [الأنبياء: 61]، وقال موسى:  وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى  [طه: 59]، وفي قصة أصحاب الأخدود  أن تجمع الناس في صعيد واحد  [رواه مسلم: 3005].
هذه قضية مهمة جداً في الدعوة الوصول للناس نقل الدعوة للناس، أن يخبر الناس ألا يحال بين الداعية والناس اتركوني، النبي عليه الصلاة والسلام كان يسأل من يجيره ليبلغ الناس رسالة ربه، وهذا المحفل العظيم الذي اجتمع فيه هؤلاء أراد إبراهيم إقامة الحجة، وهؤلاء لما أتوا به على أعين الناس،  قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ  [الأنبياء: 62]، ما الذي جرأك على هذا الفعل؟  قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا  [الأنبياء: 63] وهذا جواب مفاجئ! هذا الكبير غار من الأصنام الصغيرة كيف تعبد وهو موجود؟ فكسرها، ليكون هو وحده المتفرد،  قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ  [الأنبياء: 63]، اسألوا الأصنام المكسرة من كسرها؟
لو قال قائل: ماذا يقصد إبراهيم لما قال:  قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ  [الأنبياء: 63] وهو يعرف أنها لا تنطق؟
فالجواب: أنه قصد إقامة الحجة، وهو يعرف أنها لا تنطق، ويعرف أن كبيرهم لم يفعل ذلك، ولذلك رجعوا إلى أنفسهم، وأفاق القوم من سكرتهم، وانتبهوا من غفلتهم أمام هذه الحجة، وراجعوا عقولهم وتفكروا وتدبروا، فقال: لأنفسهم  إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ  [الأنبياء: 64] ليس إبراهيم ظالم، قلتم عنه  إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ  [الأنبياء: 59].
أما الآن  فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ  [الأنبياء: 64] يعني: هذه الإفاقة المفاجئة التي  حصلت أن القوم أقروا على أنفسهم بالظلم، وهذا هو المكسب الذي كان يريده إبراهيم الخليل، والنتيجة التي كان يريد الوصول إليها، رجعوا على أنفسهم بالملامة.
 ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ  [الأنبياء: 65] وأطرقوا إلى الأرض، هذا الإطراق دليل الحيرة والوصول إلى طريق مسدود، فماذا سيقولون: اضطروا، قالوا:  لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ  [الأنبياء: 65].
كيف تقول لنا: اسألوهم أنت تعلم يا إبراهيم أن هذه الأصنام لا تتكلم؟ فإذًا لم يجدوا جوابًا نكسوا على رؤوسهم، أطرقوا بأبصارهم إلى الأرض، سكتوا ثم اضطروا أن يقولوا:   لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ  [الأنبياء: 65]، وهذه طبعًا حجة، هذا الذي يريده إبراهيم، هذا هو الاعتراف، هذه الكلمة التي يريدها أن تخرج منهم، أن تعلم أنها لا تنطق، كيف تقول لنا اسألوهم؟ فقال:  أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  [الأنبياء: 66-67] هذه العبارتين هذا ما يريد إبراهيم الخليل إيصاله للناس، وعرضه على الجماهير، وتوضيحه أمام الملأ،  أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ  [الأنبياء: 67] قالها على تضجر، وإعلان للمنكر، وبين الكفر الغليظ، ودحض حجة القوم، فبان عجزهم، وظهر الحق حصحص وبان، واندفع الباطل، ولم يجدوا كلامًا يردون به إطلاقًا، فما حيلة العاجز إذا ضعف وصار عييًا لا يستطيع أن يتكلم بشيء استعمال القوة،  قَالُوا حَرِّقُوهُ  [الأنبياء: 68] -هذا هو الرد-  وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ  [الأنبياء: 68-70].
وهذه حماقة أخرى، فما هذه الآلهة العاجزة التي تحتاج إلى نصرة عابديها،  وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ  [الأنبياء: 68] هذه كارثة أخرى على القوم، وحجة أخرى قد أقيمت عليهم، إذًا هذه تحتاج إلى من ينصرها،  وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ  المسألة أن الآلهة تحتاج إلى من ينصرها، فهي آلهة عاجزة.
وحيث أنه لم يكن هناك أحد من البشر ينصر إبراهيم فإن الله تولى نصره،  قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [الأنبياء: 68]، فجمعوا الحطب العظيم، وأججوا النار الهائلة ليلقوا إبراهيم عليه السلام فيها.
روى البخاري عن ابن عباس قال: "  حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ   [آل عمران: 173] قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا:  إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173]. [رواه البخاري: 4563].
 وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [الأنبياء:70]، في سورة الصافات  فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ  [الصافات:98] فكانوا الأخسرين الأسفلين في الدنيا والآخرة، فإن نارهم كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم، وستكون عليهم يوم القيامة نارًا حامية لا بردًا ولا سلامًا، وإبراهيم كانت عليه سلامًا، وسيلقى يوم القيامة في الجنة تحية وسلامًا، وأما هم فإن النار ستكون بالنسبة لهم ساءت مستقرًا ومقامًا، أهل الحق وإن كانوا قليلاً في العدد فهم أقوى من أهل الباطل؛ ولو كثر عددهم وتنوعت عددهم؛ لأن الله إذا كان مع الشخص ينصره ولو على الجموع الكثيرة من الناس  كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  [البقرة: 249].
فإذا كان الإنسان علاقته بالله قوية وهو على الحق العامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين -كما قال أهل العلم-، إذًا الداعية المستمسك بالحق لو اجتمع عليه أهل الباطل كلهم يرد عليهم وهو واحد ولو كانوا ألفًا.
مشروعية تكسير الأصنام:
ثم نلاحظ هنا مشروعية كسر الأصنام،  لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ [الأنبياء: 57]،  فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ  [الصافات: 93]، كسرها، والله قال:  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21]، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة جعل ينخس الأصنام بيده ليوقعها، وهكذا فعل الصحابة وكسرت الأصنام، ثلاثمائة وستين صنمًا حول الكعبة أتلفت أحرقت، وهكذا انتهت، وكان عليه الصلاة والسلام يرسل أصحابه: يرسل خالد بن الوليد، ويرسل علي بن أبي طالب لكي يكسروا الأصنام يحرقوا الأصنام، وهكذا فإن هذه الأصنام ينبغي أن تكسر، ولما فتح المسلمون الهند، وكان فيها صنم سومنات صنمهم العظيم الذي كانوا يحلفون به، ويتقربون إليه بالنذر والقرابين العظيمة، فإن المسلمين حرقوه وأتلفوه، وهكذا كانت سنة المسلمين الفاتحين إذا دخلوا البلد لا يمكن يتركوا الأصنام التي تعبد من دون الله لابدّ من إتلافها، ولا يقولون: هذه أشياء تاريخية، وهذه أشياء أثرية، وهذه لا تقدر بثمن، وهذه لا بدّ أن نضعها في المتحف، وهذه أشياء أن لا بد أن نعكف عليها بالدراسات، وأن نحللها، وأن ننظفها، ويأتون ببعثات عالمية، وتصوير، وتحاط القضية باحتفال، ويعمل من أجل ذلك مناسبة كبيرة، اكتشاف كبير، اكتشاف صنم، وكلام كثير، هذا الصنم في الإسلام مباشرة يؤخذ ويتلف ويحرق ويكسر لا يبقى منه شيء، وهذه هي ملة إبراهيم الخليل، وهذه طريقته  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  [الأحزاب: 21].
وفي صحيح مسلم عن عمرو بن عبسة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وبأي شيء أرسلك؟ يعني: الله عز وجل قال:  أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء  [رواه مسلم: 832].
فإذا اكتشفت صنم للهندوس، صنم للبوذيين، أشياء تعبد من دون الله كثيرة الآن موجودة في العالم تنحت، وتباع، وتصنع ،وبعضها كبير، وبعضها صغير، وبعضها محفور في جبل، وبعضها محفور في صخر، وبعضها محفور في خشب، وبعضها بالعاج، وبعضها بالجواهر التي يسمونها أحجار كريمة، أشياء تعبد من دون الله، وبعضها لها معابد، وبعضها لها أوقات، هذه حقها كلها الإتلاف والإحراق، يجيء يقول في الآثار الفرعونية أو الفينيقية أو الآشروية أو الكلدانية: اكتشفنا شيء لا يقدر بثمن، فتستغرب ما هذه الشيء الذي لا يقدر بثمن؟!
فإذا به يخرجون تحت عدسات التصوير، واحتفال كبير، وناس من أنحاء العالم، وخبراء، صنم يخرجونه، اكتشاف هائل ضخم، صنم، هذا حقه أن يتلف، ما هو في الشريعة؟
الله أرسل الرسول الله صلى الله عليه وسلم لكسر الأوثان، هذه أشياء ليس لها حرمة إطلاقا في الشريعة، افرض اكتشفوا صليب من القرن الخامس أو السادس، أو له ألف سنة، ماذا يعني صليب أثري؟ لا يعني شيء أبداً، يتلف يكسر، يقضى عليه، وأي يصنم يكتشف يتلف ويكسر ويقضى عليه، فإذا قالوا: لا يقدر بثمن، قلنا: لا يقدر بأي ثمن، ما له عندنا أي ثمن، يتلف.
فإن قالوا: الأواني الفخارية، قلنا: الأشياء التي غير الأصنام خلاص مباحة اقتنيها أو بيعها، أشياء أثرية غير ذوات الأرواح إذا ما كانت أشياء تعبد من دون الله، ما هي من ذوات الأرواح، أواني للأكل للشرب للباس هي مما أباح الله.
 من اعتصم بالله فلن يضيعه الله:
وفي هذه الآيات أن من اعتصم بالله فإن الله لا يضيعه، وقال ابن  عباس: أن إبراهيم لما ألقي في النار، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله عز وجل قال عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة أحد لما بلغهم أن قريشًا ستعود للكرة عليهم:  وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ  [آل عمران: 173]، يعني: يكفينا نعم الوكيل نتوكل عليه.
 
ثم إن اعتقاد أهل الباطل يجعلهم لا يستقبحون قبيحا، ولا ينكرون منكرًا، ما يرى صاحب الباطل أنه على باطل، الأخسرون أعمالاً هم  الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104].
وأعداء الله هم أعداء أوليائه في كل زمان ومكان:
وكان هؤلاء العتاة من قوم إبراهيم لما عادوه وكادوه، وألقوه في النار، كان كل شيء من المخلوقات من الدواب ينفخ لإطفاء النار إلا الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم، وكان الوزغ ينفخ لإذكاء النار، هكذا ساقه الشيطان لهذا، فأمرنا بقتل الوزغ، وهذه صلة بيننا وبين إبراهيم الخليل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  إن إبراهيم لما ألقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا أطفأت النار غير الوزغ، فإنها كانت تنفخ عليه  [رواه ابن ماجه: 3231، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 1581].
وعن عائشة إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن إبراهيم، ثم قالت: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله" [رواه أحمد: 24824، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 1581].
يعني: بقتل الوزغ،  ومن قتل وزغًا من أول ضربه فله مائة حسنة ، ومن قتلها في الضربة الثانية فله حسنات دون الأولى، والثالثة، إذًا ينبغي قتل الأوزاغ [مسلم:2240]، كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام.
ونلاحظ قدرة الله العظيمة، فإن النار طبيعتها الإحراق، ولكن إذا أراد خلاقها ألا تحرق يسلب منها الإحراق، وما كانت فقط لا تحرق، وإنما كانت بردًا وسلامًا، ولو كانت بردًا، ربما آذته من شدة بردها، ولذلك قال:  وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ  [الأنبياء: 69].
صبر إبراهيم لما دخل أرض النمرود:
وكذلك فإن إبراهيم صمد في وقت عصيب جداً ما كان على وجه الأرض مسلم موحد غيره، ولذلك فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا في ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله: قوله:  إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]، وقوله:  بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء: 63]، وواحدة في شأن سارة طبعًا هذا كذب، يعني ليس كذب حقيقي، يعني الكذب الذي يأثم به لا، وإنما هو ما يفهمه الآخر، يفهمه السامع خلاف قصد المتكلم، قال في القصة:  وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبارًا ومعه سارة وكانت أحسن الناس  جميلة فقال لها إبراهيم: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك  لو علم أنك أختي أو ابنتي يقول: لها طريقة أتزوجها من أخيها أو من أبيها، لكن إذا علم أنك زوجتي ليس هناك طريقة إلا أن يقتلني ليحصل عليكِ،  إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام ، إذًا ليس الكذب الذي يهدي إلى النار لكن هذه هي التورية، ممكن تسمى كذب بالنسبة للشخص الذي سيسمع، أما المتكلم فهو ليس عند نفسه كاذبًا؛ لأنه يستعمل التورية، وهو كلام له معنى قريب ومعنى بعيد، المتكلم يقصد المعنى البعيد، والسامع يفهم المعنى القريب، هذه التورية، قال:  فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك، فلما دخل أرضه رآه بعض أهل الجبار فأتاه، فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها، فأتي بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة ، يعني: يدعو ربه؛ لأنه كان إذا حزبه أمر صلى، وهذه سنة إبراهيم لما نزل الكرب أخذت زوجته بالرغم منه، فقام إبراهيم يصلي، وزوجته أخذت إلى الجبار، فأتي بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة،  فلما دخلت سارة عليه على الجبار لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة ، كأنه أصيب بالشلل تجمدت يده، ولم يستطع أن يحركها،  فقال: لها ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ، عرف الجبار هذا الملك الظالم أن هذا الإمساك بسبب المرأة هذه، أكيد المرأة هذه عندها خاصية جعلته ينشل تنشل يده،  فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك، ففعلت، فعاد فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك ففعلت، فعاد مد يده إليه فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله ألا أضرك ففعلت، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر .
يعني: هدية أخذ من عنده أمة الملك وأعطاها لسارة، قال: هذه هاجر هدية،   فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم عليه السلام انصرف من الصلاة ، أو من الدعاء،  فقال لها: مهيم؟ -الخبر- قالت: خيرًا رد الله كيد الكافر في نحره، وأخدم هاجر ، قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء" [رواه البخاري: 3358، ومسلم: 2371]، بني ماء العرب أمكم؛ لأن هاجر أم إسماعيل، والعرب من إسماعيل، فقال: إذًا هذه هاجر، هذه أمكم يا بني ماء السماء.
إذًا قوله:  إِنِّي سَقِيمٌ  [الصافات: 89]، مرضت نفسه من شركهم وكفرهم، استعملت التورية حتى لا يخرج معهم للعيد؛ ليجلس في البلد؛ ليكسر الأصنام، وقال:  بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63]، لإقامة الحجة عليهم، وهكذا كانت هاتان في ذات الله تعالى والآخرة تضمنت حظًا لنفسه، بخلاف الثنتين الأوليين كانتا في ذات الله محضًا.
الأخذ بالتورية، وجواز الكذب عند الحاجة:
00:36:49
 وهذه الكذبات إذًا بالنسبة لفهم المخاطب، والسامع، أما في نفس الأمر في الحقيقة، فإنها ليست بكذب بل هي تورية، وقد اتفق الفقهاء أنه لو جاء الظالم يطلب منك إنسانًا مختفيًا عندك ليقتله، أو يطلب وديعة عندك ليأخذها ويستولي عليها ظلمًا، وسألك، وجب عليك الإنكار والإخفاء، فإذا اهتديت إلى تورية فاستعملها، وإلا جاز لك الكذب للضرورة، وقد اهتدى إبراهيم للتورية، فلذلك جهز زوجته بها، وكان العلماء يستعملونها للضرورة.
ولما جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله يطلب المروذي، السلطان يريده، والإمام أحمد لا يريد أن يقطع الدرس عليه، فقال الجندي: أين المروذي، فقال أحمد رحمه الله: ليس المروذي ها هنا، وما يفعل المروذي ها هنا؟ فانصرف الجندي، وكان المروذي جالسًا، لكن الإمام أحمد قال: ليس المروذي ها هنا. [سير أعلام النبلاء:11/ 319].
يعني: هو يقصد على كفه، وما يفعل المروذي ها هنا، لكن هذا فهم أنه ليس في المجلس.
وسفيان لما أراده السلطان أن لا بد أن يأتي وألح عليه وأصر عليه وهو لا يريد مجالس السلاطين جاء وجلس واستأذن فلم يؤذن له إن يخرج إلا أن يرجع، فوعد سفيان بالرجوع، فترك سفيان حذاءه ثم ذهب خرج ورجع أخذ حذاءه، ومشى فلما طالت غيبته، قال: السلطان أين سفيان ألم يعد أنه يرجع؟ فقالوا: إنه ترك نعله ورجع وأخذها، وهذا رجوعه هو الوعد [تاريخ بغداد:9/ 160]، فإذًا قد يحتاج الإنسان إلى حيلة أو تورية للنجاة من موقف محرج بدلاً من الكذب، إن في معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب.
يروى بعضهم حديثًا من قول إبراهيم عليه السلام: "حسبي من سؤالي علمه بحالي" [السلسلة الضعيفة: 21]، وأنه لما رمي بالمنجنيق في النار استقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: إما إليك فلا، قال جبريل: فسل ربك، قال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي" هذا الحديث من الإسرائيليات لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم يعرف الدعاء، وما هو يقول: حسبي من سؤالي علمه بحالي، بل يسأل ويدعو وأدعيته كثيرة،  رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ  [إبراهيم: 37]، إبراهيم يعرف أن من لم يدع الله يغضب عليه، وأنه يسأل الله سبحانه وتعالى.
قال شيخ الإسلام عن هذا الحديث: إنه حديث موضوع. [مجموع الفتاوى: 8/539].
شروط إنكار المنكر:
00:40:07
 وأخيرًا: فإن قضية إزالة المنكر لا بدّ أن نذكر بأن إزالة المنكر واجبة باليد مع الإنكار بالقلب، ثم إذا لم يستطع باللسان مع الإنكار بالقلب، ثم إذا لم يستطع يكتفي بالإنكار بالقلب. 
يشترط في إزالة المنكر أشياء كثيرة: منها ألا يعود المنكر يزيله على وجه لا أمل فيه أن يعود، وكذلك فإن إزالة المنكر يجب ألا يترتب عليها منكر أكبر منها، فإذا كان لو أزيل المنكر يرجع أحسن منه، مثل مثلاً بعض القوم ذهبوا إلى بعض البلدان ذهبوا إلى ملهى ليلي وأحرقوه، فماذا حصل؟ يمكن أنهم أخذوا فأوذوا، ثم هذا الملهى أعيد تعميره أسوأ من أول، أفخم وأكبر، وصاحبه نشر في الجريدة أرادوها تخريبًا وتدميرًا وأرادها الله إصلاحًا وتحسينًا، يعلن الملهى الليلي عن افتتاح في يوم كذا في ليلة كذا، وسيكون على الراقصة الفلانية، فإذًا ينبغي التفكير قبل قضية أنك تزيل المنكر، هل يمكن أن يخلفه منكر أكبر منه؟ فإذا كان يخلفه منكر أكبر منه فلا يجوز الإنكار، لأن المقصود يعني نصر الدين، فإذا كان  سيترتب عليه تنزيل كلمة الدين فهذا يعتبر تهور، فلذلك ينبغي التفكير مرات كثيرة قبل استخدام اليد في إزالة المنكر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا لأرشد أمرنا، وصلى الله على نبينا محمد.