الثلاثاء 4 جمادى الآخر 1439 هـ :: 20 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

ابني آدم عليه السلام


عناصر المادة
نص القصة:
تفسير القصة:
الفوائد المستفادة من القصة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
نص القصة:
00:00:11
 فإن من القصص القرآني قصة ابني آدم قال الله تعالى:  وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ  [المائدة:27-31].
هذه القصة تحكي بداية الصراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، كيف أن المعصية يعقبها الحسرة والندم والمرارة التي تكون في نفس العاصي بعد ارتكابها للجريمة؟ هذه العقوبة الدنيوية في الغم الذي يصيبه، أما عقوبة الآخرة وبئس القرار، فإنها من العقوبات الشنيعة الشديدة.
تفسير القصة:
00:01:47
 قال الله سبحانه وتعالى:  وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ، اذكر لهم هذه القصة يا محمد صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم بما حصل من هذه الجريمة العظيمة التي كان سببها الحسد والبغي من أحد ابني آدم على أخيه.
وقد اختلف أهل العلم في ابني آدم المذكورين هل هما لصلبه مباشرة أم لا؟
وجمهور العلماء والمفسرين على أنهما ابنا آدم لصلبه، وهما قابيل وهابيل كما جاء في بعض الروايات الإسرائيلية، كما قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أما أنهما ابنا آدم لصلبه فهو القول الثابت الصحيح الذي يدل عليه سياق الآيات مؤيدًا بالسنة الصحيحة، وأما تسميتهما بقابيل وهابيل فإنما هو من نقل العلماء عن أهل الكتاب، ولم يرد به القرآن، ولا جاء في سنة ثابتة فيما نعلم، فلا علينا ألا نجزم به ولا نرجحه، وإنما هو قول قيل. [عمدة التفسير: 1/662].
وقيل: إنهما كانا في بني إسرائيل، فضرب بهما الحسد، وهذا بعيد، بل إن السياق لا يدل عليه، ولو قلنا: كيف يكونا هذان من بني إسرائيل، ويكون قد خفي على البشرية قضية دفن الميت طيلة هذه الفترة، وكل هذه الأجيال، إذاً هذا بعيد جداً أن يكون هذين الشخصين من بني إسرائيل، وليسا ابني آدم مباشرة لصلبه، والله -سبحانه وتعالى- لا يخاطب عباده بما لا يفيدهم، والمخاطبون يعلمون أن القربان لم يكن مشروعًا إلا في بني آدم، فلو كان المراد رجلين من بني إسرائيل لما يكن في قوله:  ابْنَيْ آدَمَ  فائدة جديدة، وكذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذا القاتل الذي قتل أخاه أنه أول من سن القتل، فلو كان من بني إسرائيل، يعني: ما كان هناك جرائم قتل وقعت قبل بني إسرائيل للبشرية، هل يعقل هذا؟
ثم قول الله تعالى:  فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ [المائدة: 31] وصف في القصة كيفية بحث الغراب في الأرض، وحفره فيها لتعليم أحد الأخوين القاتل كيف يدفن أخاه المقتول، فهل يعقل أن الحفر ودفن الموتى لم يكن معلومًا في البشر من قبل؟ إذًا مستبعد جداً أن يكون المقصود اثنين في بني إسرائيل.
والراجح أنهما ابنا آدم عليه السلام من صلبه مباشرة.
لقد قربا قربانًا، وتصدقا بصدقة،  فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ  [المائدة: 27]، فقال: الذي لم يتقبل منه للذي تقبل منه  لَأَقْتُلَنَّكَ  فقال الذي تقبل الله منه:  إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ  معناها: أنت يا أخي لم يتقبل منك لأنك لست تقيًا، لو كنت تقيًا لتقبل منك، اتق الله في نفسك، وعد إلى الله حتى يقبل الله منك، وكأنه يقول له: اتق الله ولا تقتلني إنما يتقبل الله من المتقين، إذا ما تقبل منك يعني أنك لست من المتقين، وتريد أن تقتلني أيضاً، فمالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله، وبذلك يكون الجواب  إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ، كلامًا حكيمًا مختصرًا جامعا لمعان وفوائد كثيرة.
وفيه دليل على أن الله لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، ولذلك فإن عامر بن عبد الله بكى حين حضرته الوفاة، فقيل له: ما يبكيك وكنت وكنت؟ قال: إني أسمع الله يقول:  إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ، فيقول بعض السلف: "وددت أني أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة، لأني لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة علمت أني من المتقين، لكنني لا أعلم. [تاريخ دمشق لابن عساكر: 31/146].
 لَأَقْتُلَنَّكَ  لعل في الكلام حذفًا، تقديره لم تقتلني؟ قال: لأن قربانك صار مقبولاً، وقرباني ليس بمقبول، فقال المظلوم: وما ذنبي  إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ .
ثم حكى الله عن الأخ المظلوم أنه قال:  لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ  [المائدة: 28]، وهنا قد يقول قائل: لماذا لم يدفع عن نفسه؟ أليس الدفع عن النفس واجبًا؟ أو على الأقل ليس بمحرم؟ فلماذا لم يدافع عن نفسه؟ ولماذا قال  إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ؟
إجابات هذا السؤال يلفت النظر لماذا لم يدافع عن نفسه؟ هل ترك أخاه يقتله وهو يتفرج؟
الجواب: إما أنه لم ير أخاه لم يهم بقتله، بل أحس أن أخاه يريد أن يقتله بما ظهر من الكلام، قال:  لَأَقْتُلَنَّكَ  هو الآن هو يهدده بالقتل، قال:  لَأَقْتُلَنَّكَ  هو أحس أنه سيقتله، لكنه لم يواجهه مباشرة مواجهة يستطيع بها أن يدافع عن نفسه، قيل: أنه قتله وهو نائم بصخرة شدخ بها رأسه، إذًا الجواب إنه لم يدفع عن نفسه لأنه لم يواجهه مواجهة واضحة وجهًا لوجه ليدفع، ما كان عنده فرصة ليدافع عن نفسه.
الثاني: أن قول الله تعالى:  مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ  لا أبسط يدي إليك بغرض قتلك، وإنما أبسط يدي إليك للدفع، ولذلك قال العلماء: إن الشخص إذا هوجم من قبل إنسان يريد قتله فإنه يجب أن يدفع بالأيسر، وليس بقصد القتل، بل يجب أن يقصد الدفع، ثم إذا لم يندفع إلا بالقتل جاز القتل، فإذا هجم عليك شخص يريد قتلك فأنت تحاول أن تنزع منه سلاحه مثلاً، أو تبطحه أرضًا، وتربطه مثلاً، تتغلب عليه دون أن تقتله، وإذا لم يكن إلا بجرحه جرح، وإذا لم يندفع إلا بالقتل جاز قتله، ولا دية له.
وقال بعضهم: إن أراد أن يستسلم جاز له ذلك، وهكذا فعل عثمان رضي الله عنه، استدلوا بفعل عثمان أنه في قتال الفتنة يجوز للمسلم أن يستسلم لقاتله ولا يدافع.
واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام لمحمد بن مسلمة:  ألقي كمك على وجهك، وكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل [رواه أحمد: 21101، وصححه الألباني في إرواء الغليل: 8/101].
وأوصى أبا ذر أن يتخذ سيفًا من خشب، وأن يدع قاتله الذي اقتحم عليه البيت يقتله يبوء بإثمه وإثمك، هذا يكون في قتال الفتنة.
إذًا إذا وقع قتال فتنة بين المسلمين حتى لا تمتد الفتنة، ولا تتشعب، ولا يكون في مزيد من إراقة الدماء، يكف المسلم عن القتل، ولو قتله الآخر؛ لأن لو هذا يقاتل وهذا يدافع في قتال الفتنة ستزداد الفتنة، ولذلك قالوا: يفعل كفعل عثمان، ويستسلم لأمر الله، أنظر لو أن عثمان دافع وطلب من الصحابة أن يدافعوا كان عظمت المقتلة في الحاضرين، لكن فدى عثمان الأمة بدمه، واستسلم للقتل، ونهى المدافعين عن الدفاع عنه، وكذلك فإنه في قوله تعالى:  لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ، قال لما توعده بالقتل:  مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ، مما يدل على خلق حسن، وخوف من الله، وخشية منه، وتورع أن يقابل أخاه على فعله السيئ بفعل سيئ مثله، ولذلك ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:  إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار  قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال:  إنه كان حريصًا على قتل صاحبه  [رواه البخاري: 6875، ومسلم: 2888].
قال بعض العلماء في ضمن الأسباب إنه في شريعة من قبلنا: كان يجوز الاستسلام، وعدم الدفاع عن النفس في شريعة من قبلنا، إذا حصل أن واحد مسلم هاجم واحد مسلم أنه يجوز له الاستسلام وعدم الدفاع عن النفس.
 إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ  يعني: إذا كنا بين أمرين إما أن أكون قاتلاً وإما أن تقتلني، فأنا أوثر أن تقتلني على أن أكون أنا قاتلاً، إذا قتلتني تبوء بالوزرين،  فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ  [المائدة: 29].
فما معنى  إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ، إثمي، يعني: قتلك إياي، وَإِثْمِكَ  إثمك الخاص بك قبل هذه الجريمة وبعدها، إذًا  إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ  إثمي، يعني: إثم قتلي، وإثمك السيئات الأخرى التي أنت فعلتها.
معنى آخر  إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي  يعني إذا اعتديت عليّ وظلمتني يوم القيامة يؤخذ من حسنات الظالم للمظلوم، وإذا فنيت حسنات الظالم يؤخذ من سيئات المظلوم فتوضع على الظالم، يأتي وقد قتل هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيؤخذ من سيئات المظلوم ويوضع على الظالم، فيكون معنى  إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي ، يعني: يوضع عليك من سيئاتي لأنك الآن ستقتلني وتكون ظالمًا لي، ويوم القيامة سيؤخذ من سيئاتي، ويوضع عليك، فتبوء بإثمي وإثمك،  فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ، بما حملت من الإثمين،  وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ، والنار جزاء كل ظالم.
 فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ  سهلت له نفسه، وشجعته، تلك النفس الأمارة بالسوء، وكذلك كانت بوساوسها العجيبة مطوعة له على قتل أخيه،  فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ  رخصت له ذلك، وسهلته عليه، وهكذا تزين القبيح.
 فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ  الخاسرين خسرانًا عظيمًا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقتل نفس ظلمًا  -في العالم-  لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل  [رواه البخاري: 3335].
كم واحد مات في العالم ظلمًا في الحروب العالمية، وفي غيرها، وفي الجرائم الفردية، وفي قتل الغيلة، ونهب الطريق، وقطاع الطرق؟ كم مات في العالم ظلمًا؟ أعداد رهيبة ملايين ملايين.  لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل  ، عليه، وهكذا أصبح من الخاسرين خسرانًا عظيمًا لما قتل، وتورط بقتله، ورأى أمامه جثته، وتحير ماذا يفعل فيها، ما كان الدفن معروفاً عندهم، هذه أول ميت، ماذا يفعل به؟
 فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ  [المائدة: 31]، يحفر بمنقره ورجله  لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ  فقيل: جاء غرابان يقتتلان، فقتل أحدهما الآخر، فالغراب القاتل حفر للغراب المقتول بمنقره ورجله حتى عمل حفرة في الأرض، ثم دفنه فيها، فتعلم القاتل من ابني آدم ماذا يفعل بجثة أخيه؟ فحفر له ودفنه  لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ، يعني: بدن أخيه؛ لأن بدن الميت عورة، ولذلك الميت إذا مات يغطى بدنه كله، ويجوز كشف وجه الميت لتقبيله، ثم يغطى مرة أخرى، اللهم إن كان محرمًا، فإن المحرم لا يغطى وجهه، ولا رأسه يبعث ملبيًا، فإذًا الميت الأصل يغطى.
فلو قال قائل: وهؤلاء الذين يموتون يعني في المواجهات مع اليهود أو في المعارك هل تغطى وجوههم؟
فنقول: نعم لا يكشف.  
ما الدليل؟
قصة مصعب بن عمير لما قتل شهيدًا غطوه ولما ما وجدوا شيء يستروه بالكلية، غطوا رأسه، وجعلوا على رجليه شيئًا من الإذخر.
فالأصل أن الميت حتى لو في المعركة يغطى بدنه كله، قال:  غطوا رأسه واجعلوا على رجليه شيئًا من الإذخر  [رواه البخاري: 6448].
إذًا كل جسد الميت يغطى، وبعض الناس يكشف الوجه في القبر، وليس لذلك أصل، لا يكشف وجه الميت حتى في القبر، إذا كشف ليقبله ثم يعود فيغطيه، وهذه التغطية إكرام للميت في الحقيقة، لأن الميت قد يبدو منه ما تنفر منه النفس، فتغطيته إكرام له.
لما كان هذا القتل أول جريمة قتل وقعت من بني آدم على وجه الأرض، وكان ذلك القاتل قد أخذ من ذلك الوزر العظيم، وتعلم ذلك الدرس الكبير فيما يفعله لدفن أخيه، وأرسل هذا الغراب ليتعلم منه ابن آدم كيف يفعل، ولا مانع أن يتعلم الإنسان من الطير، ومن البهائم من الحيوانات، ففي عالم الحيوانات كثير مما يتعلم يستفيد منه بنو آدم، يستفيدون من تدبير المعيشة عند الحيوانات، فاستفادة ابن آدم من الحيوانات والبهائم واردة؛ لأن فيها تصرف الله ألهمها، أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك: 14]،  أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى  [طه:50]، يعني في محافظتها على بيضها، وأين تضعه، وكيفية العناية بأطفالها، وتدبير طعامها، وكيف تهاجر، وتهاجر من قارات طيور وترجع، والحيتان والأسماك تهاجر قطعان وترجع، والحمام الزاجل الذي يعرف المكان ويسافر ولا يضيع عن هذا المكان، وكذلك ما تفعله النحلة في البنيان بهذا الشكل العجيب في بناء الخلايا، وكيف تخزن النمل أطعمتها، وإذا جاء الماء تخرجه، وتنشره إذا جاء المطر خرج النمل بما ادخره ونشره للشمس لئلا يتعفن، ثم يعاود تخزينه مرة أخرى، على أية حال في البهائم والحيوانات من التدبير والإدراك وحسن التصرف ما يتعلم منه ابن آدم، لماذا ما يتعلم حتى من الحيوانات؟ كما قال بعضهم: وضعت إناء من عسل في طست من ماء كبير حتى لا يأتيه النمل، أخذ إناء العسل حتى لا يأتيه النمل ووضعه في حوض من ماء كبير أو طست من ماء كبير، وهذا يعوم فوق الماء فجاء بعد مدة فوجد النمل على العسل تحير، قال: كيف وصل النمل إلى هنا؟ فنظر فإذا النمل طلع طرف الجدار، ثم السقف، فلما حاذى الإناء سقط عليه، هذه المخلوقات فيها تصرف وتدبير، وبعضها أحسن من الإنسان، يعني: لما تقارن بين النحل والنمل وبين بعض الناس تجد أن هذا أحسن طريقة التدبير والمعيشة عنده أحسن، وذاك أخرق سفيه، لو عنده مال اشترى به مخدرات، يسرق ليشتري مخدرات، لما لا يتعلم الإنسان من الحيوانات؟ يمكن أن يتعلم أشياء كثيرة، والهدهد يدرك الماء في باطن الأرض، سليمان -عليه السلام- كان يستعين به، واستعان به لإرسال الرسالة.
 فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ، وقيل: إن من عادة الغراب دفن الأشياء، فجاء غراب فدفن شيئًا، فتعلم منه ذلك لما رأى هذا.
 قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ ، وهذه كلمة جزع وتحسر،  يَا وَيْلَتَا ، يعني: يا هلكتي،  أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ ، تعجب كيف لم يهتد لما اهتدى إليه هذا الغراب مع كونه أشرف منه،  وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70]،  أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ، وكان ندمه على قتله لما كابد فيه من التحير في أمره، والتتلمذ على يد الغراب، وكانت تلك القصة صراعًا بين الحق والشر، وكانت أول جريمة قتل في البشر، وعذابًا وعقابًا وخسارة وسفالاً في الآخرة.
 مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا   [المائدة: 32]، إذًا لو جاء ناس ودفعوا مبلغًا فدوا به شخصا قاتلاً، استحق القتل بالقصاص، فأرضوا أهل القتيل بمال ليسامحوا ويتنازلوا عن القاتل، فالذي يدفع هذا المال أحيا نفسًا؛ لأن هذه النفس كانت ستقتل بالقصاص، فأرضا أهل القتيل وشفع عندهم فسامحوه، أو تنازلوا مقابل المال الذي دفعه، هذا أحيا نفسًا.
الأطباء الذين يسعفون المرضى، ويضعون لهم تنفس صناعي، أو صدمات كهربائية تنعش قلبه فيستمر في الحياة هذا أحيا نفس إذا نوى وجه الله.
الأطباء في أقسام الطوارئ يمكن أن يدخلوا في الآية،  وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا .
إذا واحد وجد شخص ينزف في حادث سيارة سيموت فأخذه بسيارته، وأسرع إلى المستشفى، وتم الإنقاذ، لولا هذا بعد الله لمات الجريح، هذا الذي أسعفه ونقله بالسيارة إلى المستشفى أجره:  وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا .
إذًا كل هؤلاء الأشخاص أمثلة لما يدخل في قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}، ولذلك فإن الله  سبحانه وتعالى يؤجره أجرًا عظيمًا، كما أنه يعاقب أول من قتل يعاقبه عقابًا أليمًا.
الفوائد المستفادة من القصة:
00:24:41
 لقد كانت تلك القصة فيها موعظة وعبرة لكل من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وكانت جريمة القتل من أشنع الجرائم، وهدم الكعبة وزوال الدنيا عند الله أهون من قتل امرئ مسلم معصوم الدم لا يستحق القتل، وسدت الشريعة كل الأبواب الموصلة إلى القتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  لا يشيرن أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار  [رواه البخاري: 7072، ومسلم: 2617].
وأيضاً روى  من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه  [رواه مسلم: 2616].
وكذلك فإن للبغي في الأرض عقوبته عظيمة، لو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكًا.
ألم تر أن البغي يصرع أهله *** وأن على الباغي تدور الدوائر
[ذم البغي لأبي الدنيا: 8].
وكذلك فإن هذه القصة يؤخذ منها شر البدعة، وعظم الابتداع، وأن الذي يبتدع ضلالة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فالويل لأئمة الشر والفساد والبغي، الذين يقتلون الناس، ويظلمون في الأرض بغير الحق.
وفي هذه القصة شناعة الحسد، وما يمكن أن يؤدي إليه، فإن هذا حسد أخيه كيف تقبل منه ولم يتقبل منه هو، كيف يتقبل من أخيه ولم يتقبل منه هو، ولذلك أدى الحسد به إلى قتل أخيه.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:  دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، وهي الحالقة لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين [رواه الترمذي: 2510]. وحسنه الألباني بطرقه  [صحيح الترغيب:2695].
وكذلك فإن في هذه القصة أيضاً أهمية التقرب إلى الله، وأن الإنسان لو تقرب بشيء فإن عليه أن يخشى ألا يتقبل منه، وهذا معنى الآية:  يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ  [المؤمنون:60]، يعني يخافون ألا يقبل منهم.
وكذلك فيها منع الوصول بالأذى إلى من لا جريرة له، فما هو ذنب الذي تقبل الله منه؟ ما هو ذنبه هل هذا يستحق القتل؟
وكذلك فإن هذه القصة فيها خطورة النفس الأمارة بالسوء،  فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ، كيف أن هذه النفس الأمارة بالسوء حملت صاحبها على ارتكاب هذه الجريمة.
وفي القصة إشارة إلى أن الناس طبائع: منهم من طبعه عدواني، ومنهم من طبعه مسالم هادئ موادع، ومنهم من طبعه شرير حاقد ظالم.
وكذلك فإن هذه القصة تبين أنه قد يقع من أبناء الرجل الصالح من يكون صالحًا ومن يكون طالحًا، فهذا آدم النبي التائب صار من أولاده صالح تقبل الله منه، وطالح قاتل صار من الخاسرين والنادمين.
وفي هذه القصة أهمية التقوى: وأنها السبب لقبول الأعمال،  إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ  فعل الواجبات وترك المحرمات.
وفيها أن المؤمن لا يمكن أن يقتل مؤمنًا آخر إلا خطئًا، أما المتعمد فإنه لا يكون مؤمنًا عند قتله.
وكذلك ففي القصة إشارة إلى أن المجرم يعيش صراعًا نفسيًا، وأزمة، وقلقًا، واضطرابًا، وأن من جريرة الإثم، وعقوبة المعصية أن توقع صاحبها في هذه الحيرة، وفي هذا الشقاء النفسي، وأن ينادي على نفسه بالويل، ويقول، يا ويلتا.
وأن المجرم عندما يرتكب جريمته يخسر كل شيء.
وكذلك فإن في القصة الندم، وهما ندمان: ندم يقود للتوبة والمغفرة، وندم العاجز الفاشل الخاسر، فالأول محمود، والثاني مذموم.
وكذلك فيها أن على البشرية أن تقف أمام القتلة المعتدين، وأن تأخذ على أيديهم، وأن القتل في سبيل الله قتل بحق، قتل الأعداء وسفك دماء الذين يقفون في وجه الدين وطريقه يجب إزالتهم، ولو بالقتل، وأما قتل الأبرياء فحرام، والكفار كثيرًا ما يفعلونه بغياً وطغيانًا.
وكذلك فإن في الآيات إشارة إلى ما يفعله اليهود، وأنهم من أكثر الشعوب ممارسة للقتل، والعدوان، والظلم، وسفك الدماء، لقد جاءت هذه القصة تعليمًا لبني إٍسرائيل، وكان فيها موعظة لهم.
لقد كان لمذهب ابن آدم الأول في سن القتل آثار سيئة في البشرية، فيجب منع هذه الأمور أن تستفحل في البشر.
لقد حفلت القصة بإسرائيليات:
منها: تسمية الابنين هابيل وقابيل.
ومنها: أن الخصومة كانت على أختين من يتزوج هذه وهذه.
ومنها: تعيين القربان الذي قرباه، فقيل: زرع وماشية.
ومنها: طريقة تقبل القربان، وأنها نار تنزل من السماء، وتفاصيل لم ترد بها الأدلة الصحيحة. ولذلك فنقف عندما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد.