الثلاثاء 15 محرّم 1440 هـ :: 25 سبتمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

23- الخلاف السائغ بين العلماء


عناصر المادة
أقسام الخلاف بين أهل العلماء:
الخلاف السَّائغ:
من أمثلة الخلاف السَّائغ:
الموقف من الإختلاف السَّائغ:
حالات الخلاف بين أهل العلم:
أنواع الخلاف السَّائغ:
أسباب الخلاف السَّائغ بين العلماء:
السَّائغ ليس مذموماً:
لا ينبغي أن يكون الخلاف السَّائغ سبباً للتَّفرق والتَّخاصم والتَّحزُّب والتَّعصب:
لا إنكار في مسائل الخلاف السَّائغ:
تسويغ الخلاف لايعني: أنَّ جميع الأقوال صحيحة:
الخلاف لا يجيز للمفتي ولا للمستفتي الاختيار من بين الأقوال:
أقسام النَّاس من حيث الاجتهاد والتَّقليد:
كيف يعرف العامِّي والمقلِّد المفتي الثِّقة:
الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على خاتم النَّبيين محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
أقسام الخلاف بين أهل العلماء:
00:00:18
  ففي هذه السَّلسلة في مزالق الاستدلال والعلم الشَّرعي في مواجهة المنافقين وما يثيرونه من القضايا، نتحدَّث اليوم عن موضوعٍ مُهمٍ: وهو الخلاف بين العلماء، فالخلاف بين أهل العلم من القضايا التي شغلت النَّاس في هذا الزَّمان نظراً لما خاض فيه أهل الباطل تشويشاً على دين النَّاس، حتى دخل في هذه القضية الخلاف بين أهل العلم: أهل النِّفاق أنفسهم من كُتَّابٍ وغيرهم، مما أحدث تشويشاً وبلبةً ولبساً، وسلك بعض أهل الباطل مسلك التَّرخُّيص والتَّلفيق ضمن هذه الحرب على الشَّريعة، وذلك كي يُميِّعوا الدِّين وأحكامه، وقدموا على كُلِّ اختلاف على أنَّه يجوز فيه الأخذ بأيٍّ من الأقوال، وكان هذا في مقابل طائفةٍ لا تكاد تُوجد اليوم من أهل التَّعنت والتَّشدُّد الذين رفضوا الخلاف كُلَّه، فلا يسوغ الخلاف عندهم في أيِّ حكمٍ من الأحكام ولا في أيِّ قضيةٍ من القضايا، وهؤلاء لا يكادون يوجدون الآن، والحقيقة.
أنَّ الخلاف أيُها الإخوة والأخوات: في مسائل العلم الشَّرعي ينقسم إلى قسمين، وبدون هذا التَّقسيم لن يمكن فهم القضية فهماً صحيحاً: خلافٌ سائغٌ، وخلافٌ غير سائغٍ، ولذلك كان لا بُدَّ من التَّعرف على الخلاف المقبول السَّائغ الاجتهادي، والخلاف الشَّاذ المردود، وكيف يتعامل مع كُلِّ منهما؟ وما هو موقفنا من المخالف؟ وهذه تكاد تكون قضية القضايا في محاور النِّقاش الدَّائرة في الصِّراع الآن.
الخلاف السَّائغ:
00:02:24
 سنبدأ بمشيئة الله تعالى بالكلام عن الخلاف السَّائغ وضابطه وأسبابه وكيفية التَّعامل معه، ما هو الخلاف السَّائغ؟ ما هو الخلاف المقبول؟ معلومٌ أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يطبع البشر على عقلٍ واحدٍ وعلى طريقةٍ واحدةٍ في الفكر والتَّفكير والاستنتاج، ولذلك فإنَّ الاختلاف بين البشر والخلاف بينهم حقٌّ واقعٌ، والخلاف السَّائغ المعتبر: هو كُلُّ خلافٍ في مسألةٍ ليس فيها دليلٌ صحيحٌ، وإذا أردنا أن نعرف الخلاف السَّائغ الاجتهادي؛ فإنَّنا نقول: إنَّه كُلُّ خلافٍ في مسألةٍ ليس فيها دليلٌ صريحٌ من القرآن أو السُّنَّة الصَّحيحة أو الإجماع أو القياس الجلي، فالخلاف السَّائغ يقع في مسائلٍ لم يرد ببيان حكمها دليلٌ صريحٌ من القرآن والسُّنَّة، أو ورد بحكمها دليلٌ من السُّنَّة ولكن مختلفٌ في صحته، أو ورد دليلٌ لكن ليس صريحاً في الدَّلالة على الحكم، بل يكون محتملاً أو ورد فيها نصوصٌ متعارضةٌ في الظَّاهر،
صور الخلاف السَّائغ:
فإذاً: الخلاف السَّائغ الاجتهادي له ثلاث صورٌ رئيسةٌ:
أولاً: إذا لم يكن في المسألة نصٌّ من القرآن والسُّنَّة، وإنَّما مبناها على النَّظر والاجتهاد؛ فطبيعيٌّ أن يحدث فيها خلافٌ، ولا يصح أن نتوقَّع أن يُطبق العلماء فيها على قولٍ واحدٍ، خصوصاً وأنَّه لا دليل في هذه المسألة، فإذاً مرجعها إلى اجتهاد أهل العلم، وليس أهل الجهل داخلين في هؤلاء حتى يجتهدوا؛ لأنَّه لا يجوز لهم الاجتهاد أصلاً، ومن لا يجوز له الاجتهاد يأثم لو اجتهد، ولو خرج اجتهاده موافقاً لاجتهاد المعتبرين من أهل العلم؛ لأنَّه يحرم عليه أن يتكلَّم في هذا المجال، فإذاً: هذه هي الصورة الأولى.
ثانياً: إذا كان فيها نصٌّ صحيحٌ لكنه غير صريحٍ في الدِّلالة.
ثالثاً: إذا كان فيها نصٌّ صريحٌ في الدِّلالة لكنه غير صحيحٍ أو متنازع في صحته، أو كان له معارضٌ قويٌّ، فالخلاف فيها سائغٌ حينئذٍ، وتُسمى هذه المسائل: المسائل الاجتهادية؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ من أهل العلم يعمل فكره وعقله واجتهاده وما آتاه الله من الآلات؛ كي يصل فيها إلى جواب، وكُلُّ واحدٍ من العلماء المختلفين يكون قد علم وأفتى بما أدَّى إليه اجتهاده، ولم يخالف نصاً صحيحاً من القرآن أو السُّنَّة، قال ابن القيم رحمه الله: "ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بُدَّ منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم"[الصواعق المرسلة 2/519].
من أمثلة الخلاف السَّائغ:
00:05:52
 ومن أمثلة الخلاف السَّائغ: مثلاً: لو قال قائلٌ: هات لنا أمثلةً على الخلاف الاجتهادي؟ ما هي المسائل التي يُقبل فيها الخلاف؟ بما أنَّكم أنتم تقولون: هناك خلافٌ مقبولٌ فما هي مجالات الخلاف المقبول؟ فقد احترنا حيث يطِلُّ علينا أناسٌ في الفضائيات وغيرها يقولون كلاماً في الغناء مثلاً، وفي الحجاب وفي الاختلاط وفي رضاع الكبير، فهل هذه من المسائل الاجتهادية التي يُقبل فيها الخلاف أم أنَّها مسائلٌ ليست اجتهادية ولا يُقبل فيها الخلاف؟ نحن ذكرنا الآن: ما هي بنود المسائل التي يُقبل فيها الخلاف: مسألةٌ ليس فيها نصٌّ أصلاً أو فيها نصٌّ صحيحٌ غير صريحٍ أو صريحٌ غير صحيح، ومن أمثلة المسائل التي يُقبل فيها الخلاف مبدئياً كمبتدإٍ يا مسلم: أن توجد فيها أقوالٌ لا ترفض قضية الأقوال فيها، بغض النَّظر عما يجب عليك أنت، فيجب عليك مثلاً: إذا كنت عامياً أن تُقلِّد العالم مهما قال لك تتبع، وكذلك إذا كنت صاحب علم أو طالب علم فإنَّك تجتهد في الرَّاجح لتعمل به، لكن هناك مسائلٌ لا يُقبل فيها الخلاف، أصلاً الخلاف فيها غير معتبر بل شاذٌّ أو مخالفٌ للإجماع، فلنأخذ أمثلةً على المسائل التي يكون فيها الخلاف سائغاً مقبولاً مثلاً: نقض الوضوء بمسِّ الذَّكر أو مسِّ المرأة، وهذه تحتها أقوالٌ: إذا مسَّ بحائلٍ أو بغير حائل، وإذا مسَّ بشهوةٍ أو بغير شهوةٍ، ففيها أقوالٌ، وهذه المسألة مسألة اجتهاديةٌ والخلاف فيها سائغٌ يجب أن نتوقَّع أن يكون فيها للعلماء أقوال وبالتَّالي قبولنا للخلاف، معنى ذلك: أنَّنا لا نُعيب ولا نذمُّ أصحاب الأقوال القوية المعتبرة فيها، وعندنا من سعة الأُفق ما نتقبَّل فيه الخلاف في هذه المسألة، وإذا كُنَّا عامةً أو كُنَّا أهل علمٍ فهناك مواقف من المسائل الخلافية، لكن مبدئياً هناك مسائل الخلاف فيها مقبولٌ اجتهاديٌّ: كالقنوت في صلاة الفجر كُلِّ يومٍ، والقنوت في صلاة الوتر: هل يكون في جميع السَّنة أم في رمضان فقط؟ هل هو قبل الرُّكوع أو بعده؟ الاختلاف في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء: هل هما واجبان أو مستحبان فقط؟ بول ما يُؤكل لحمه: إبلٌ، أو بقرٌ أو غنمٌ: هل هو طاهرٌ أم نجسٌ؟ هل التَّيمم ضربةٌ واحدةٌ للوجه والكفين؟ أم ضربتان؟ ما هي أكثر مدَّةٍ للحيض؟ وإذا لم ينقطع الدَّم عن النُّفساء بعد الأربعين: هل تُصلِّي أم لا؟ الحائض هل تقرأ القرآن أو تمتنع عن قراءة القرآن بالكُليَّة؟ هل يسجد المصلِّي للسَّهو قبل السَّلام أم بعده؟ هل التَّسليم في صلاة الجنازة: تسليمةٌ أو تسليمتان؟ إذا خاف فوات صلاة العيد: هل يجوز له التَّيمم لإدراك الصَّلاة مع وجود الماء أم لا؟ هل يُصلَّى على كُلِّ ميتٍ غائبٍ أو الصَّلاة على الميت الغائب في أحوالٍ معينةٍ؟ إذا تسحَّر بعد الفجر ظاناً أنَّ الفجر لم يطلع ظاناً بقاء الليل ثُمَّ تبين له أنَّه طلع: هل يقضي أم لا؟ إذا أفطر قبل غروب الشمس ظاناً أن الشَّمس قد غربت: فهل يجب عليه القضاء  إذا تبيَّن له أنَّها لم تغرب وأكل قبل الغروب أم لا؟ هل يجوز له قطع صيام النَّافلة من غير عذرٍ أم يجب الإتمام؟ مسافرٌ رجع إلى بلده في نهار رمضان فوجد زوجته قد طهرت من الحيض في نهار رمضان: هل يجوز له إتيانها أم لا؟ هل الحجامة من مفطِّرات الصَّوم أم لا؟ من أخَّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر: هل يلزمه القضاء والكُفَّارة أم القضاء فقط؟ ما هو افضل أنواع النُّسك في الحج: الإفراد أو التَّمتع أو القران؟ متى يجوز النَّفر من مزدلفة بعد نصف الليل أو بعد ثُلثَي  الليل أو بعد الفجر؟ ما حكم جمع طواف الوداع مع الإفاضة؟ هل زكاة الدَّين واجبةٌ أم لا؟ هل يكتفى في النِّكاح بالإعلان فقط أم لا بُدَّ من الشُّهود؟ هل يقع طلاق الحائض أو لا يقع؟ هل يقع طلاق السكران أو لا يقع؟ إذا طلقها ثلاثاً بلفظٍ واحدٍ -قال أنت طالقٌ ثلاثاً- هل هي ثلاثٌ أم واحدة؟ إذا طلَّق زوجته ثلاثاً ولم تنقض عدتُها هل له أن يتزوَّج بأختها في ساعته أم لا بُدَّ أن تخرج من العِدَّة؟ يعني: طلَّقها ثلاثاً  ولي لها رجعة إلَّا بعد زوج؟ إذا نسي ذكر اسم الله على الذَّبيحة هل يحلُّ أكلها أم لا؟ هل يجوز إعطاء كفَّارة اليمين لأهل الذِّمة أم لا يجوز قياسًا على الزَّكاة: لا تُعطى إلا لمسلمٍ إلَّا في المؤلَّفة قلوبهم؟ إذا سرق السَّارق شيئاً فأُقيم عليه الحدُّ: هل يغرم ما سرقه أم لا؟ إذا أقرَّ المريض بدَينٍ لوارثٍس هل ينفذ أم يُشترط الإقرار بالدَّين للوارث في حال الصِّحة؟ يعني: قد يتلاعب شخصٌ مريضٌ يريد أن يحابي أحدَ الورثة؛ لأنَّه يمكن أن يموت، وفي هذا المرض أقرَّ لأحد الورثة بمليونٍ، وقال: أنا أخذت منه مليوناً؛ فهل يُقبل إقراره أو لا بُدَّ أن يكون الإقرار في حال الصِّحة؟ إذا أوصى بإخراج الزَّكاة أو الحج عنه: فهل يكون ذلك من الثُّلث أو من جميع المال؟ أوصى أن يحج عنه: هل يكون من الثُّلت أو أن تأخذ نفقة الحج من جميع المال؛ لأنَّ المال قد يكون قليلاً ويمكن نفقة الحج تستوعب كُلَّ المال فلا يبقى شيءٌ للورثة؟ لو قلت: من الثُّلث فقط فالثُّلثان للورثة، وما بقي من الثُّلث بحسب، إذا رهن حيواناً: هل يجوز الانتفاع منه أم لا؟ هل يحرم اللعب بالشَّطرنج أم لا؟ ومن المسائل المعاصرة: تشقير الحواجب، التَّصوير الفوتوغرافي، ومن المسائل القديمة الحديثة: اختلاف المطالع: هل يُعتبر به أم لا؟ فهذه من أمثلة الخلاف السَّائغ الذي يقبل فيه مبدأ الخلاف، بغض النَّظر عن الرَّاجح.
الموقف من الإختلاف السَّائغ:
00:12:43
 وسنعرف ما هو الموقف من الاختلاف؟ وما هو الواجب على العاميُّ؟ وما هو الواجب على صاحب العلم مع وجود الخلاف في هذه المسائل وفي غيرها كثير؟ يعني: مسائل البيوع مثلاً: كثيرٌ الاختلاف فيها وغيرها من أبواب الفقه، فعندنا عباداتٌ وعندنا معاملاتٌ وهذه المسائل مما يقبل فيها الخلاف؛ لأنَّه خلافٌ سائغٌ يدور المجتهد فيه بين أجرٍ أو أجرين: فإذا أصاب له أجرُ الاجتهاد وأجرُ الإصابة، وإذا أخطأ له أجرُ الاجتهاد فقط، بشرط أن يكون من أهل الاجتهاد، ولا بُدَّ أن يكون من أهل العلم والدِّين، حتى يكون دائراً بين الأجر والأجرين، أمَّا إذا لم يكن من أهل الاجتهاد كأن يكون صحفياً إعلامياً ليس عنده علمٌ بأصول الفقه ولا أصول التَّفسير ولا مصطلح الحديث، يتكلَّم في أمر من أمور الدِّين وفي مسائل الخلاف فيرجِّح فيدخل جهنم؛ لأنَّ الخوض فيه من أسباب دخول النَّار؛ لأنَّه جاهلٌ ليس من أهل الاجتهاد في الأقوال فكيف يدخل فيه؟ فلا يحقُّ له الدُّخول ويتكلَّم ويقول على الله بغير علمٍ، فهذا دينه يتكلَّم في دينه وفي شرعه بغير علمٍ!  وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]. فلما يقول: هذا حلالٌ، فيعني أنَّه يقول أنَّ الله أحلَّه، وإذا قال هذا حرامٌ فيعني يقول إنَّ الله حرَّمه، فإذا قال أنَّ الله أحلَّه والله لم يحله فقد كذب على الله، إذا كان من أهل الاجتهاد معذورٌ؛ لأنَّه من أهل الاجتهاد فاجتهد وأخطأ، وإذا لم يكن من أهل الاجتهاد فمن أسباب دخول النَّار.
حالات الخلاف بين أهل العلم:
00:14:43
 ومع وجود هذا الخلاف بين أهل العلم أيها الإخوة والأخوات: فقد يظنُّ ظانٌّ بأنَّ الدِّين تقريباً كُلُّه مختلفٌ فيه، وهذه شبهةٌ يروِّجها المنافقون أنَّ كُلَّ الدِّين خلافٌ، فماذا بقي؟ يعني: نحن الآن ما استوعبنا فلو أتينا بأمثلةٍ أخرى على الاختلاف، فممكن يظنُّ الظانُّ أنَّه لم يبق شيءٌ متَّفقٌ عليه، فهذا لا يمكن لأنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: "جمهور مسائل الفقه التي يحتاج إليها النَّاس ويفتون بها هي ثابتةٌ بالنَّص أو الإجماع، وإنَّما يقع الظَّنُّ والنِّزاع في قليل ممَّا يحتاج إليه النَّاس وهذا موجودٌ في سائر العلوم، وكثير من مسائل الخلاف هي في أمور قليلةِ الوقوع ومقدَّرة، وأمَّا ما لا بُدَّ للنَّاس منه من العلم مما يجب عليهم ويحرم ويُباح فهو معلومٌ مقطوعٌ به"[مجموع الفتاوى13/ 118]. ولذلك فلا داعي مثلاً أن نقول: ومن المجمع عليه أنَّه لا تُقبل الصَّلاة بغير طهارةٍ، فهذه المسائل المجمع عليها مفروغٌ منها، وإذا أردنا أن ننقل أيضاً اتفاقات أو إجماعات ونقول أجمع أهل العلم على أنَّ المحِرم ممنوعٌ من الطِّيب، وأجمع أهل العلم على أنَّ السُّنَّة للمرأة ألَّا ترفع صوتها في التَّلبية، وأجمع أهل العلم على أنَّ الإمام يجمع بين الظَّهر والعصر في مزدلفة، وأجمع أهل العلم على أنَّ الإمام في الحج يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، واتفق أهل العلم على أنَّ الحائض لا تُصلِّي ولا تصوم أيام حيضها ولا يطأها زوجها، واتفقوا على أنَّ المرأة لا تؤُم الرِّجال، واتفقوا على أنَّ القهقهة تُبطِل الصَّلاة، وأجمعوا على درء الحدود بالشُّبهات، وأجمعوا على أنَّ من حلف باسمٍ من أسماء الله تعالى ثُمَّ حنث فإنَّ عليه الكفَّارة، وأجمعوا على منع المرأة في الإحداد من الطِّيب والزِّينة، وأجمعوا واتفقوا فهذا طويلٌ لا بُدَّ من تبشير المسلمين بأنَّ ما أجمع العلماء عليه واتفقوا فيه أكثر بكثيرٍ مما وقع فيه الخلاف، وهذه مسألةٌ مهمِّةٌ جداً؛ لأنَّ بعض العامَّة إذا اطَّلع على أشياء من الخلاف هاله الأمر، وقال ضعنا، فما الباقي لم يختلفوا فيه؟ يعني: نبدأ نقول أجمع المسلمون على أنَّ الله واحدٌ، ونعدُّ في المجمع عليه: أجمع المسلمون على أنَّ الصَّلوات خمسٌ في اليوم والليلة، أجمع المسلمون على زكاة السَّائمة وزكاة الثِّمار الخارج من الأرض، فلذلك الدِّين -والحمد لله- من كماله وتمامه: أنَّ أكثر مسائله متفقٌ عليها ومحسومةٌ، ووقع الخلاف في فروعٍ مما يحتاجه النَّاس، كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله أنَّه وقع الخلاف في عددٍ منها وهي قليل، ولا مانع في معرض المحاجَّة والإقناع أن نُورد أشياءً في النِّقاش أن نقول: يا أيُّها النَّاس لا تُهولنَّكم قضية الخلافات، فلا تضطرب أو تشعر أنَّ الدِّين هذا ليس فيه ثوابتٌ، وأنَّ المسائل خلافيةٌ وأنَّه ضعنا لا، وهذا المجمع عليه والمتَّفق عليه بعضه رُبَّما بعض أهل البوادي وبعض النَّاس البعيدين عن  الدِّين لا يعرفونه، ولا بُدَّ أن يُراعي في تعليم المسلم الجديد، فلذلك لا بأس أن نُورد أمثلةً وأن نقول لهم: أجمعوا على أنَّ خروج الغائط من الدُّبر وخروج البول من الذَّكر وخروج الرِّيح وزوال العقل -بأيِّ وجهٍ زال العقل- أنَّها أحداث يُنقض كُلُّ واحدٍ منها الطَّهارة ويُوجب الوضوء، أجمعوا على أنَّ من تيمَّم وصلَّى ثُمَّ وُجد الماء بعد خروج الوقت أنَّه لا إعادة عليه، وأجمعوا على أن دفن الميت لازمٌ وواجب على النَّاس ولا يسعهم تركه عند الإمكان، وأجمعوا على أنَّ صيام يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى حرامٌ.
أنواع الخلاف السَّائغ:
00:19:12
 من أنواع الخلاف السَّائغ: خلافُ التَّنوع، وهذه ملاحظةٌ في الخلاف السَّائغ أنَّ هناك نوعٌ منه خلافُ تنوُّعٍ لا تتعارض فيه الأقوال ولا تتناقض، بمعنى أنَّه ليس يجوز أو لا يجوز، مثل: وجوه القراءات، فلو قلت مثلاً: واختلف القرَّاء في اللفظة الفلانية هل تُقرأ بهذه الطَّريقة أو بتلك؟ فهل هذا الاختلاف اختلاف تضاد؟ لا هذا اختلاف تنوُّع، بمعنى أنَّه كُلُّه صحيحٌ، فلو قلنا مثلاً: وقد ورد في التَّحيات ألفاظٌ، وكذلك الصَّلاة الإبراهيمية وأيضًا استفتاحات الصَّلاة؛ فهذا ليس اختلاف تضاد بل هذا اختلاف تنوُّع.
أسباب الخلاف السَّائغ بين العلماء:
00:20:05
 بعد هذه الملاحظة ندخل الآن في بيان أسباب الخلاف السَّائغ بين العلماء: أسبابٌ كثيرةٌ ومتعددةٌ، نذكر منها على سبيل الاختصار:
من أسباب الخلاف السَّائغ: ألَّا يكون في المسألة نصٌّ شرعيٌّ:
أولاً: ألَّا يكون في المسألة نصٌّ شرعيٌّ، فيجتهد العلماء في ذلك ويقول كُلُّ عالمٍ بما أدى إليه اجتهاده ضمن المقاصد العامَّة للشَّريعة، كالخلاف في توريث الجدِّ مع الإخوة حيث لم يرد فيها نصٌّ من الكتاب أو السُّنَّة الصَّحيحة، ولذلك وقع الخلاف فيها بين الصَّحابة، فقيل: يشارك الجدُّ الإخوةَ في الميراث، ويكون كواحدٍ منهم يتقاسمون المال؛ لأنَّ الجدَّ والإخوة تساووا في الإدلاء بالأب، فالجدُّ أبوه والإخوة أبناؤه، يعني: فصلة القرابة بين الجدِّ والإخوة والميت هي الأب، ودرجة القرب منه واحدةٌ وهذا قول عليٍّ رضي الله عنه وابن مسعود وزيد بن ثابت ومذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة، واستدلُّوا بأدلَّة وتوجيهات وأقيسة كثيرةٍ مذكورة في الكتب المطولة، وقيل الجدُّ يُسقِط الإخوةَ كما يُسقطِهم الأب؛ لأنَّ الجدَّ في حكم الأب، فذهب إلى هذا أبو بكر الصِّدِّيق وابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول الإمام أبي حنيفة ورواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فالخلاف في هذه المسألة خلافٌ سائغٌ، ولكُلِّ من القولين وجهه وأدلته، فليس فيها من القرآن ما يحسمها ولا من السُّنَّة، فنظر العلماء فيها نظر اجتهاد فاختلفوا: هل يورث الجد مع الإخوة مقاسمة يتقاسمون المال باعتبار أنَّ القرب من الميت واحد أم أنَّ الجد يسقط الإخوة مثل الأب يقوم مقامه في إسقاط الإخوة؟ لو مات ميتٌ وله أبٌ وإخوةٌ: هل يرث الإخوة بوجود الأب؟ لا أبوه يحجبهم، قالوا: الجدُّ مثل الأب فالمسألة هذاه فيها الخلاف سائغٌ، ولكُلٍّ من القولين وجهه وأدلته، مثال آخر: زوجة المفقود: ماذا تفعل إذا فُقِد في البحر أو في حربٍ أو فُقِد في سفرٍ ماذا تفعل زوجة المفقود؟ لم يرد في حكمها نصٌّ من الكتاب والسُّنَّة، فقيل: تتربَّص سنةً، وقيل أربع سنين، وقيل تبقى على عصمته حتى يأتي خبره بيقين، وقيل يرجع لاجتهاد القاضي، فإذا رجَّحنا أنَّها تبقى سنةً بعد فقده نحكم بعده بموته وتعتدُّ أربعة أشهر وعشراً ثُمَّ تتزوَّج وتفعل في نفسها ما تشاء من معروف، ولو قلت: تمكث أربع سنين ثُمَّ ستعتدُّ بعد الأربع السِّنين إذا ما ظهر نحكم بموته وتعتدُّ أربعة أشهر وعشراً ثُمَّ تفعل ما تشاء في نفسها بالمعروف وهكذا، ومن قال باجتهاد القاضي فيجتهد في وسائل اتصالات خصوصاً زمن توجد فيه وسائل الاتصالات غير الوسائل البدائية، وسرعة انكشاف الأخبار تلعب دوراً في تحديد المدِّة، أين فُقد؟ في سفرٍ خطيرٍ جداً: مثل سفر معركة أو سفر الغالب فيه السَّلام أو سفر تجارة في بحر مفقود من سفينة غرقت  ولم يعثر على جثته، فقد يكون في جزيرة، ظروفٌ يقدِّرها القاضي فإذاً مسألة زوجة المفقود مسألةٌ اجتهاديةٌ من نوع الخلاف السَّائغ تحت بند ما ليس فيه نصٌّ من الكتاب والسُّنَّة.
من أسباب الخلاف السَّائغ: أن يُوجد نصٌ لكنه يحتمل أكثرَ من معنى:
ثانياً: أن يُوجد نصٌ لكنه يحتمل أكثرَ من معنى، فهذا النَّص قد يكون صحيحاً لكنَّه غير صريحٍ ليس قاطعاً في معنى مُعيَّنٍ واحدٍ يُتفق عليه؛ لأنَّه يحتمل أكثر من معنى، فالنَّص الواحد قد يفهم منه العلماء فهوماً، فيفهم هذا غير ما يفهم الآخر، والنَّص يحتمل هذا ويحتمل هذا، ومن الأمثلة على ذلك قول النَّبي  صلَّى الله عليه وسلَّم:  إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنَّه لا يدري أين باتت يده [رواه مسلم 278]. رواه مسلم. ذهب بعضُهم إلى وجوب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء عند ابتداء الوضوء عند الاستيقاظ من النَّوم لظاهر هذا الأمر، وأنَّ الحكم خاصٌّ بنوم الليل فقط، لقوله صلَّى الله عليه وسلم:  لا يدري أين باتت يده  والبيتوتة هي النَّوم في اللَّيل والمبيت لا يكون إلَّا بالليل، وهو مذهب أحمد حيث قال: لو نام في النَّهار قيلولةً اختلف الحكم، وقيل: لا فرق بين نوم الليل ونوم النَّهار لإطلاق قوله صلَّى الله عليه وسلم:  إذا استيقظ من نومه  وأنَّ قوله:  باتت  يعني: بقيت وظلَّت، وذهب غيرهم إلى عدم الوجوب مطلقاً وهو مذهب مالك والشَّافعي، وأنَّ الأمر للنَّدب والاستحباب، وذلك لقوله في آخر الحديث:  فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده  فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم علَّل بأمرٍ يقتضي الشَّك، والقواعد تقتضي أن الشَّك لا يقتضي وجوباً في الحكم، مثال آخر: لما رجع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم من غزوة الأحزاب جاءه جبريل فقال: إنا لم نضع السَّلاح فاخرج إلى بني قريظة، فأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابه بالخروج قال: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة [رواه البخاري 904]. فأدرك بعضهم العصر في الطَّريق فقال بعضهم: لا نصلِّي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلِّي لم يرد منَّا ذلك، يعني: لم يرد منَّا أن نُؤخِّر الصَّلاة فيخرج وقتها، فذكر للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يعنِّف واحداً منهم. رواه البخاري. وذلك لأنَّ اللَّفظ يحتمل كلاً الأمرين.
من أسباب الخلاف السَّائغ: تعارض الأدلِّة ظاهراً:
ثالثاً: تعارض الأدلِّة ظاهراً، فهناك عدَّة أدلَّة وليس دليلاً واحداً، وفيها تعارُض في الظَّاهر؛ لأنَّ في الحقيقة لا يمكن أن تتعارض الأدلَّة من مصدر واحد من عند الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ هذا شرعه، فإذا صار تعارض فهذا فيما يبدون لنا وليس في حقيقة الأمر، فيأخذ كُلُّ عالمٍ بما يظهر له منها أو بوجه من وجوه الجمع التي يراها، فمثلاً اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في مسِّ الذَّكر والقُبل، هل ينقض الوضوء أم لا؟ فقيل: ينقض الوضوء لحديث بسرة بنت صفوان أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: من مسَّ ذكره فليتوضأ [رواه أبو داود 181، وأحمد 7076، والبيهقي 634، وصححه الألباني في صحيح أبي داود 175]. وقيل: مسُّ الذَّكر لا ينقض الوضوء لحديث طلق بن علي أنَّه سأل النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الرَّجل يمسُّ ذكره في الصَّلاة أعليه وضوء؟ فقال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم:  لا إنما هو بضعة منك [رواه أحمد 16338، والنسائي165، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي 165]. يعني: قطعة منك فكأنَّك لمست يدك أو رجلك، وقيل: إن مسَّه بشهوةٍ انتقض الوضوء، وإن مسَّه بغير شهوةٍ لا ينتقض جمعاً بين الحديثين قالوا:  إنَّما هو بضعة منك  يعني: متى يكون هو مثل يدك أو رجلك؟ إذا مسَّه بغير شهوةٍ، ونحمل حديث  من مس ذكره فليتوضأ  على المسِّ بشهوةٍ جمعاً بين الأدلَّة، وقيل: يحمل حديث بسرة على الاستحباب من  مسَّ ذكره فليتوضأ  وحديث طلق لا على نفي الوجوب، ومثلها مسألة استقبال القبلة أثناء قضاء الحاجة في البُنيان وغيره، هذه فيها أدلَّة متعارضة في الظَّاهر يجوز أو لا يجوز، فمثلاً: كرسي الحمام في البيت هل يجوز أن تجعله إلى جهة الغرب إذا كنت في الشَّرق فإذا جلست عليه كنت مستقبلاً القبلة بالبول؟ وهل يجوز أن تجعله بالعكس فتكون مستدبراً القبلة في الغائط أم أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بالصَّحراء والأماكن المفتوحة؟ يعني: لا يجوز في  الأماكن المفتوحة أمَّا في البُنيان نظراً لوجود جدارٍ أمامك فلا حرمة حينئذٍ، هذه مسألةٌ اجتهاديةٌ.
من أسباب الخلاف السَّائغ: الاختلاف في التَّصحيح والتَّضعيف:
رابعاً: من أسباب وجود الخلاف السَّائغ وكون المسألة اجتهادية: الاختلاف في التَّصحيح والتَّضعيف، فقد يكون سببُ الخلاف وجود حديثٍ في المسألة، لكن العلماء اختلفوا في صحته فمنهم من صحَّحه ومنهم من ضعَّفه، واختلاف العلماء في التَّصحيح والتَّضعيف له أسبابٌ كثيرةٌ: فقد يكون الخلاف في الحكم على رجاله أو الخلاف في الوقف والوصل أو الإرسال أو الرَّفع، يعني: اختلفوا هل هو مرسلٌ أو موصولٌ؟ هل هو موقوفٌ أو مرفوعٌ؟ فهذا يُرَجِّح الرَّفع، وهذا يُرجِّح الوقف، وهذا يُرجِّح الوصل، وهذا يرجِّح الإرسال، وقد يعود هذا الاختلاف في صحة الحديث إلى الاختلاف في أصل القضية المنهجية في المصطلح التي انبثق منها الموقف، كالحديث المرسل وزيادة الثِّقة ونحو ذلك، ومن الأمثلة: اختلف أهل العلم في وجوب الكفَّارة على من جامع زوجته وهي حائضٌ أو نفساء، فمن قال بالوجوب: استدل بحديث ابن عباس عن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال:  يتصدَّق بدينار أو بنصف دينار [رواه أبو داود2170، والترمذي 136، والنسائي291، وابن ماجه640، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح 553]. قال: هذا دليلي، ويجب على من أتى زوجته في الحيض أن يتصدَّق بدنيارٍ أو نصف دينار، طبعاً الدينار: مثقال من الذَّهب أربع غرامات وربع تقريباً، ومن قال: بعدم الوجوب وعليه التَّوبة فقط وليس عليه كفارة، قال: هذا حديثٌ ضعيفٌ، وقد اختلف العلماء في هذا الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، هل هو حديثٌ صحيحٌ أو ضعيفٌ؟ ولذلك بناءً على الذين اختلفوا: هل عليه كفَّارة أم لا غير التَّوبة؟ مثال آخر: الاختلاف في الذَّهب المعدِّ للاستعمال هل تجب فيه الزَّكاة أم لا؟ وخلافهم فيه مبنيٌّ على الاختلاف في صحة الحديث، مثل: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه في المرأة التي جاءت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، يعني: سوران غليظان، قال:   أتؤدين زكاة هذا  قالت: لا، قال: أيسُرُّك أن يُسوِّرك الله بهما سوارين من نار  قالت: هما لله ورسوله[روه النسائي2479، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف النسائي 2479]. فهذا الحديث يدلُّ على وجوب الزَّكاة؛ لأنَّ فيها وعيدٌ، فمن قال بوجوب الزَّكاة في الحُليِّ، قال: بناءً على صحة هذا الحديث، مثلاً: تحسين الحديث يعني أنَّه يحتجُّ به سواءً صحيحٌ أو حسنٌ، ومن قال: أنَّه لا زكاة في الحُليِّ، قال: إنَّ هذا الحديث لا يصحُّ، وهذه مستعملاتٌ ليس فيها زكاةٌ.
من أسباب الخلاف السَّائغ: المشترك اللفظي:
خامساً: من أسباب الاختلاف: الاشتراك في اللَّفظ أو المشترك اللفظي، ما هو المشترك اللَّفظي؟ لغة العرب واسعةٌ، وقد يُطلق اللَّفظ أحياناً ويكون له أكثر من معنى، هذا هو المشترك، مثال: كلمة العين هل المراد بها العين الباصرة أم عين الماء أم الجاسوس أم عين الشَّيء ذاته أو حرف العين؟ على أيَّة حال: هذا هو المشترك اللَّفظي، توجد ألفاظٌ مشتركةٌ في القرآن والسُّنَّة، يكون للَّفظ الواحد أكثر من معنى في لغة العرب التي نزل بها القرآن وجاءت بها السُّنَّة، فيقول بعض العلماء: معنى اللَّفظة هذه هذا، وآخرون يقولون: لا  هذا معناها في لغة العرب، فيختلفون بناءً على معنى اللَّفظة في اللغة؛ لأنَّها مشتركةٌ، مثال: قال تعالى:  وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]. فلفظة القُرء في لغة العرب مشتركةٌ بين الحيض والطُّهر، مما ترتَّب عليه اختلافُ الصَّحابة والفقهاء في المطلقة إذا اعتدَّت تعتدُّ ثلاثة قروء يعني: ثلاثة أطهار أو ثلاثة حيضات؟ لأنَّ كلمة القُرء في اللَّغة تحتمل الحيضة وتحتمل الطُّهر، فهل عدة المطلَّقة ثلاثُ حيضاتٍ أو ثلاثة أطهار؟ فقال بأنَّها ثلاثة أطهار: المالكية والشَّافعية، وقال بأنَّها ثلاث حيضات: الحنفية والحنابلة، ففسَّر كُلُّ فريقٍ بالمعنى الذي ترجَّح عنده بالقرائن والمرجِّحات، وهذه أشياءٌ دقيقةٌ، مثلاً: قال بعضهم: قال الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} فلما تأتي: "ثلاثةٌ" العدد مؤنَّث، وهذا لا يكون إلَّا إذا كان المعدود مُذكراً قرء؛ لأنَّ القاعدة في الأعداد هذه مخالفةٌ العدد للمعدود تذكيراً وتأنيثاً: سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ، فيوم مذكَّر فيجيء العدد مؤنثاً: ثمانية، ليلة مؤنَّثٌ فيجيء العدد مذكَّر: سبع، ثلاثة قروء قالوا: القُرء هنا مذكَّرٌ، يعني: الطُّهر، لو كان حيضةً كان مؤنثة، على أيَّة حال: رجعوا إلى  المعنى وإلَّا هي لفظ قُرء أصلاً لفظةٌ مذكَّرة، لكن هل معناها المؤنَّث حيضة أو معناها المذكر طُهر؟ هذه بحوثٌ إذا دخل فيها الإنسان رأى العُمق الموجود عند أهل العلم ممَّا لم يدر بخاطر ولا بال الكفَّار ولا المنافقين،لم يدر بخلدهم هذه الأبحاث، ولا يعرفونها شيئاً، قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء: 43]. لفظ الصَّعيد من الألفاظ المشتركة في لسان العرب يُطلق على التُّراب الخالص صعيد، كما أنَّه يُطلق على جميع أجزاء الأرض الظَّاهرة، فممكن تكون حجراً أو حشائشاً، وممكن تكون أيَّ شيءٍ من أجزاء الأرض الظَّاهرة، فالصَّعيد الطَّيب الذي أمرنا الله تعالى أن نتيمَّم به: هل هو عمومُ وجوه الأرض؟ فيشمل كُلَّ أجزاءِ الأرض من تُرابٍ وحجارة ورمل كما هو عند المالكية والحنفية؟ أم هو التُّراب خاصَّة كما هو عند الشَّافعية والحنابلة؟ وأنت سترى حتى في أقوال المعاصرين اختلافاً في هذه المسألة، فمثلاً: الشَّيخ محمد الأمين الشِّنقيطي والشَّيخ ابن عثيمين والفوزان القول: بجواز التَّيمم بكُلِّ ما تصاعد على وجه الأرض، والشَّيخ ابن باز واللَّجنة الدَّائمة للإفتاء: أنَّه خاصٌّ بالتُّراب، فهذه مسألةٌ مهمَّةٌ واختلافات المفتين من أهل العلم الثِّقات ستجد أنَّ لها ظهيراً وظهراً من اختلاف العلماء قبلهم، يعني: اختلافات مذاهب مثلاً وليس هو كُلَّ العلماء من زمانٍ مجمعين على قول، وجاء العلماء هؤلاء المعاصرون فاختلفوا لا، يعني: إذا قال قائلٌ: يا أخي اختلف اثنان علماء كُبار من أهل الاجتهاد ثقاتٌ قد اختلف قبلهم أكبر منهم، فماذا يعني؟ هي مسألةٌ اجتهاديةٌ أخذ كُلُّ واحدٍ منهما بقولٍ فلا يهولنَّك، فقد تجيك مسألةٌ يعني فتجد أنَّ للشَّيخ ابن باز فتوى وللشيخ محمد بن صالح العثيمين فتوى اختلف الشَّيخان، فقد اختلف قبلهما الشَّافعي وأحمد وهو أكبر وأفضل وأجلُّ وأعلم، فاختلاف العلماء المعاصرين الثِّقات ستجد أنَّ المسألة لو بُحثت في أقوال القدامى ستجد المسألة مؤصلةً هناك في الاختلاف من قديم.
من أسباب الخلاف السَّائغ: الاختلاف في بعض القواعد الأصولية:
سادساً: من أسباب الاختلاف: الاختلاف في بعض القواعد الأصولية: كالاختلاف في حُجيَّة مفهومُ المخالفة، ومثال ذلك: قول الله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:6]. فما هو منطوق الآية؟ أنَّ الحامل بعد الطَّلاق البائن لها نفقةٌ، ما هو مفهوم الآية؟ الله قال: وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ  فالمفهوم: أنَّ الحامل لها نفقةٌ بعد الطَّلاق البائن، وأنَّ غير الحامل لا نفقة لها بعد الطَّلاق البائن، وبهذا أخذ جمهور العلماء، فعلاً قالوا: أنَّ غير الحامل لا نفقة لها بعد الطَّلاق البائن بناءً على المفهوم، لكن هناك بعض الفقهاء يرى أنَّ مفهوم المخالفة ليس بحجَّة، يعني: ضعيفٌ لا يُعتمد عليه؛ لأنَّه ليس نصاً، هذا بالفهم من المخالفة، فالحنفية قالوا: مفهوم المخالفة ليس بحجةٍ، والآية نصَّت على وجوب النَّفقة على الحامل، وسكتت عن غير الحامل، فيبقى على الأصل: وهو وجوبُ النَّفقة ما دامت في العدَّة؛ لأنَّها خلال العدَّة محبوسةٌ، اختلفوا أيضاً في الاستثناء الوارد بعد الجمل المتعاطفة بالواو: هل يرجع للجميع أم للأخير فقط؟ مثال: قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً  هذا أوَّل إجراء: عطف عليه، قال:  وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا  وعطف عليه وقال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4]. فأخبر بالحدِّ ثمانين وعطف عليه عدم قبول الشَّهادة وعطف عليه بالحكم عليه بالفسق، ثُمَّ قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:5]. فالاستثناء  إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا  هل هو مستثنى من الفسق؟ بمعنى: أنَّ القاذف إذا تاب هل يرتفع من الفسق فقط أو يرتفع من عدم أخذ شهادته أيضاً فتُقبل شهادته؟ فما هي المسألة إذاً؟ الاختلاف في الاستثناء الوارد بعد الجمل المتعاطفة بالواو: هل يرجع للجميع أم للأخير فقط؟ فمن قال: إنَّ الاستثناء يرجع للجميع؛ قال: إنَّ القاذف إذا تاب لا يرتفع عنه وصف الفسق فقط وإنَّما أيضاً تُقبل شهادته لو شهد على شيءٍ بعد التَّوبة، وهذا مذهب الجمهور، وبعض العلماء قال: لا، الاستثناء يرجع إلى الشَّيء الأخير فقط، وبناءً عليه فالقاذف لو تاب يرتفع عنه وصف الفسق، فالأشياء الممنوعة من الفاسق لا يمنع منها هو باعتباره تاب وما صار فاسقاً ولكن شهادته لا تُقبل، فلو جاء بعد ذلك يشهد في قضايا مالية أو أشياء أخرى فلا نقبل شهادته؛ لأنَّ الحكم الأول الحكم الأول باقي عليه، وهذا مذهب الحنفية، اختلافهم في بعض الأوامر هل هي للوجوب أم للاستحباب طبعاً هذا -يا إخوان- يُبين لنا عمق القضية، يعني: لما يجيء صحفيٌّ أو إعلاميٌّ في عرض في مسألةٍ فقهيةٍ ماذا يفهم هذا أصلاً من هذا الكلام كله؟ أيُّ لغةٍ عربيةٍ وأيُّ أصولُ فقه عنده؟ وأيُّ قواعدٍ فقهية؟ وأيُّ علمٍ بالخلاف عنده؟ هذه قضايا كبار، فالآن يحتاج إلى تركيز حتى نفهم مسألة لماذا يختلف العلماء أحياناً؟ فهناك حكمٌ لاختلافهم في الأمر الوارد في الحكم هل هو للوجوب أم للاستحباب؟ فمثلاً قال تعالى  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ  وقال أيضاً: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة:282]. ما حكم الإشهاد في البيع؟ وما حكم الكتابة في الدَّين؟ هذه أوامر:  وَأَشْهِدُوا   فَاكْتُبُوهُ  فمنهم من أخذ الأمر على ظاهره وقال بوجوب كتابة الدَّين والإشهاد في البيع، وهم الظَّاهرية قالوا: يأثم لو حصل قرضٌ وما كُتب ويأثم لو حصل بيعٌ وما أشهد، وذهب الجمهور إلى أنَّ هذه الأوامر للاستحباب قالوا: الذي صرف الأمر عن الوجوب جريان عمل الصَّحابة؛ لأنَّهم ما كانوا في كُلِّ قرضٍ يكتبونه، وما كانوا في كُلِّ بيع يشهدونه، فمعنى ذلك: أنَّهم فهموا بأنَّ الكتابة في الدَّين والإشهاد في البيع مستحبٌ لا واجب، وقد يكون واجباً في حالاتٍ معينةٍ التي يخشى فيها الجحد مثلاً، والتي تكون في أحوال صعبة بخلاف أحوال أخرى.
من أسباب الخلاف السَّائغ: اختلافهم في الأمر: هل يقتضي  الفور أم التَّراخي:
أيضاً مما يتعلَّق بهذا النَّوع اختلافهم في الأمر: هل يقتضي  الفور أم التَّراخي؟ ومثال ذلك: اختلافهم في الحجِّ: هل وجوبٌ على الفور أو على التَّراخي؟ يعني: أنت الآن  تستطيع الحجَّ هل يجب عليك أن تحج هذه السُّنَّة أو يجوز لأن تُؤخِّر للسَّنة القادمة؟ فالذي يقول إنَّ الأمر على الفور يقول: يجب عليك تحج هذه السَّنة وإذا أخَّرت تأثم، والذي يقول المهم أن تقوم بالأمر ولو بعد حين، وأنَّه ليس للفور بل للتراخي فلا يُؤثِّمك إذا أخَّرت الحجَّ إلى السَّنة القادمة مثلاً.
من أسباب الخلاف السَّائغ: الاختلاف بالحكم والاستنباط:
سننتقل الآن إلى نوعٍ آخرٍ من أسباب الاختلاف الاجتهادي السَّائغ وهو: اختلافهم في استخراج عِلَّة الحكم واستنباطها، يعني: إذا نهى الشَّرع عن شيءٍ ما هي العلَّة التي يشترك فيها أشياء أخرى اشتركت فيها وانطبقت عليها فأخذت نفس الحكم، فلمَّا جاؤوا إلى حديث:  البُرُّ بالبُرِّ والشَّعير بالشَّعير والتَّمر بالتَّمر والملح بالملح سواءً بسواءً عين بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى [رواه مسلم 1584]. ما هي العلة في الرِّبا هنا؟ لأنَّنا إذا اكتشفنا العلَّة نستطيع أن نقول: إذاً الصِّنف الفلاني والصِّنف الفلاني إذا دخلا في نفس العلَّة أخذ الحكم نفسه، فمن قال العلَّة في تحريم بيع هذه الأشياء بعضها ببعض متفاضلة هي الطُّعم، بنى على ذلك تحريم بيع كُلِّ مطعومٍ بمطعومٍ من جنسه متفاضلاً، الآن الحديث فيه: البُرُّ والشَّعير والتَّمر والملح، هل يجوز صاعُ تمرٍ بصاعين تمر؟ لا حرامٌ هذا ربا، وهل يجوز كيلو شعيرٍ بكيلوين شعير التَّبادل فيها؟ حرامٌ لأنَّه ربا، وكذا صاع فول بصاعين فول أو صاع زيتون بصاعين زيتون، ثُمَّ بعد ذلك كيلو تفاح بكيلوين تفاح أو كيلو موز بكيلوين موز؛ لأنَّ الفواكه والثِّمار هي التي تتفاوت أنواعها، وبعض النَّاس مصابٌ بالسُّكري وبعض النَّاس عنده تفاحٌ أحمرٌ وأخضر فهل يجوز أن يبيع متفاضلاً أو لا يجوز؟ ولابُدَّ إذا كان المطعوم من جنسه لابُدَّ أن يكون وزناً بوزنٍ مثلاً بمثلٍ صاعاً بصاعٍ كيلو بكيلو، ما هي العلَّة إذاً الجامعة؟ وما هو الشَّيء العلَّة التي تجمع كُلَّ هذه الأشياء المحرَّمة الرَّبوية؟ فمنهم من قال: الطُّعم وبناءً عليه قالوا: يحرم بيع كُلِّ مطعومٍ بمطعومٍ من جنسه متفاضلاً، وبعضهم قالوا: العلَّة هي الوزن والكيل، فما كان يُباع مكيلاً أو موزوناً لا يجوز أن يحصل فيه تفاوتٌ، لكن إذا كان يُباع بالعدد مثلاً: البيض يُباع بالعدد، فمنهم من قال: العلَّة هي الوزن والكيل، ومنهم من قال: العلَّة هي الطُّعم، ومنهم من قال العلَّة مركبةٌ منهما يعني الطُّعم مع الكيل أو الوزن، وبناءً على ذلك يقول: دائرة الاشتراك التي يحرم فيها التَّفاضل المطعوم الذي يُكال أو يُوزن هذا الذي يحرم بيعه متفاضلاً، يعني: كيلو بكيلو ونصف أو كيلو بكيلوين، فهذه بعض الأسباب في اختلاف الفقهاء، ومن الكُتب المهمَّة التي لها عنايةٌ ببيان سببٍ اختلاف الفقهاء في كُلِّ مسألةٍ: كتاب بداية المجتهد لابن رشد رحمه الله تعالى.
السَّائغ ليس مذموماً:
00:46:10
 سنأتي الآن إلى وقفاتٍ وتنبيهاتٍ تتعلَّق بالخلاف السَّائغ: الوقفة الأولى: الخلاف السَّائغ ليس مذموماً؛ لأنَّه شيءٌ طبيعيٌّ لا بُدَّ منه اقتضته طبيعة اختلاف العقول والأفهام وما خلق الله أذهان البشر عليه، ولو شاء الله عزَّ وجلَّ لجعل النَّصوص الشَّرعية محكمةً قطعيةً في دلالتها لا تحتمل توارد الظُّنون ولا تكافؤ الأدلَّة المتعارضة، غير أنَّ لله حكمة في أن تكون الفروع والجزئيات قابلةً لهذا الخلاف، لو شاء الله لأنزل في كُلِّ مسألةٍ دليلاً واضحاً صريحاً لا يقبل أيَّ فهمٍ إلَّا فهماً واحداً، إذاً انتهى ولو أراد الله لفعل ولكن حكمة ربِّ العالمين في أن يوجد هذا المجال للخلاف، وطبعاً في هذا حِكَمٌ عظيمةٌ وفيها توسعة، وفيها قضية كد أذهان العلماء والتَّوصل للأصوب، والتَّنافس في ذلك والتَّسابق والأجر والأجرين للحصول على الأجر ويقع التَّميُّز بعد ذلك بقضية المصيب له أجران والمخطئ له أجر، قال الشَّاطبي رحمه الله: "فإنَّ الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملَّة قابلةً للأنظار ومجالاً للظُّنون"[ الاعتصام2/168]. قال شيخ الإسلام رحمه الله: صنَّف رجلٌ كتاباً سمَّاه "كتاب الاختلاف" فقال أحمد: سمِّه "كتاب السِّعة"[مجموع الفتاوى14/ 159]. مجموع الفتاوى. وعن عمر بن عبد العزيز قال: "ما أحب أنَّ أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يختلفوا؛ لأنَّه لو كان قولاً واحداً كان النَّاس في ضيق، وإنَّهم أئمةٌ يُقتدى بهم، فلو أخذ أحدٌ بقول رجلٍ منهم كان في سعةٍ"[جامع بيان العلم وفضله2/80]. أيُّ: في سعةٍ أن يأخذ بقول بعضهم بعد البحث والاجتهاد وليس بالتَّشهي؛ لأنَّ بعض النَّاس يفهم من "اختلاف أمتي رحمة" أنَّ الاختلاف هذا جعلنا في سعةٍ نختار الذي نبغى، وهذه كارثةٌ في الفهم ومصيبة، هو لم يقدَّر الاختلاف حتى تأخذ الذي تهوى لا، وإنَّما ليتوصَّل أهل الاجتهاد إلى الحقِّ ويتسابقوا في ذلك، والسَّعة تكون في إفتائهم للنَّاس، هب مثلاً: أنَّ بعض النَّاس استفتوا في أن يجعل طواف الوداع مع طواف الإفاضة، هناك خلاف في المسألة هل يصحُّ أم لا؟ عندما يأتي من يفتي بعض النَّاس أنَّه يصحُّ سيطوفون طوافاً واحداً وينطلقون، ينوي الإفاضة فيقوم عن الوداع إذا جعله في الأخير، والذين لا يجيزونه سيأتي من يسألهم فيقول: عليكم طوافان أين السَّعة والتَّخفيف الذي حصل على الحجاج بسبب الفتوى؟ وكلاهما قولٌ معتبرٌ فلا يأتي شخصٌ ويقول: ويجوز الخروج من عرفة قبل المغرب، ويجوز الوقوف في عرفة يوم ستة عشر، أو تأتي شركةٌ إيطاليةٌ لتُقدِّم حلولٍ لمشكلة الزِّحام في الحج، يقول اجعلوا جمراتٍ في كُلِّ مكان ففي زاوية من منى حطُّوا الجمراتٍ ثلاثة هنا، وجمرات ثلاثة هنا أو تقول شركةٌ بريطانيةٌ الحل افتحوا الحج على مدار العام، وكذا من يقول -على مذهب العلمانيين- الخلاف رحمةٌ، فصوموا في الشِّتاء وصلُّوا الجمعة يوم الأحد، فإذاً ليست هي قضية إحداث أقوال، انظر واختراع أقوال للتَّخفيف على النَّاس لا وألف لا، وهذا ما يريدونه بالمناسبة اختراع أقوال جديدة ما قال بها سلف الأمة للتَّوسعة على النَّاس بزعمهم، فهذا من تضييع الدِّين، المرأة تُزوِّج نفسها بلا وليٍّ ولا شهود وهبتك نفسي قبلت، ويقول توسعةٌ على النِّساء، فإذا كان هذا هو المقصود بقضية التَّوسعة فهذه يعني إلى جهنَّم وبئس المصير، هذا هو تبديل الدِّين وهذا هو التَّحريف لا شكَّ يريدون أن يُبدلِّوا كلام الله، لكن أن تكون المسائل الخلافية الاجتهادية التي لها أمثلةٌ كما تقدَّم لم يوجد دليل في الكتاب والسُّنَّة فصارت اجتهادية، بل هناك دليلٌ صحيحٌ غير صريح وهناك دليلٌ صريحٌ غير صحيحٍ، اختلفوا في فهم الدَّليل؛ لأنَّه نفسه محتملٌ لكذا هو من باب المشترك اللفظي اختلفوا في صحة الحديث فهذا كُلُّه لا مشكلة، مَن الذي يختلف؟ علماء مجتهدون جمعوا الشَّروط: العلم باللغة العربية العلم بالكتاب والسُّنَّة، العلم بأصول الفقه، العلم بمصطلح الحديث، العلم بأصول التَّفسير، إطِّلاع على أقوال العلماء الذين سبقوهم بالإطِّلاع على فتاوى الصَّحابة والتَّابعين، هنا سيكون الاختلاف فيه سعةٌ ويدور بين الأجر والأجرين، وهنا سيكون فيه امتحانٌ لعقول العلماء وسيكون إعمال الأذهان، وسيكون المعترك والسِّباق إلى الله سبحانه وتعالى.
لا ينبغي أن يكون الخلاف السَّائغ سبباً للتَّفرق والتَّخاصم والتَّحزُّب والتَّعصب:
00:52:05
 ثانياً: الخلاف السَّائغ لا ينبغي أن يكون سبباً للتَّفرق والتَّخاصم والتَّحزُّب والتَّعصب، يعني مثلاً: هل لمس المرأة ينقض الوضوء أو لا؟ فما يجوز أبداً أن يكون سبباً للتَّناحر، وكذا النَّزول على اليدين أو على الرُّكبتين في السُّجود لا يجوز أن يكون سبباً للتَناحر، وبعد الرَّفع من الرُّكوع تضع يديك على الصَّدر أو تخفضهما وتسدلهما لا يجوز أن يكون سبباً للتَّناحر أبداً؛ لأنَّ هذه خلافاتٌ اجتهاديةٌ، قال ابن القيم رحمه الله: "وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقاً في الكلمة ولا تبديداً للشَّمل، فإنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائلٍ كثيرةٍ من مسائل الفروع: كالجد مع الإخوة، وعتق أم الولد بموت سيدها، ووقوع الطَّلاق الثَّلاث بكلمةٍ واحدةٍ، وفي بعض مسائل الرِّبا، وفي بعض نواقض الوضوء وموجبات الغسل، وبعض مسائل الفرائض وغيرها، فلم ينصب بعضهم لبعض العداوة ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كان كُلُّ منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر" يعني فيما يراه حقاً "ثُمَّ يرجعون بعد المناظرة إلى الأُلفة والمحبة والمصافاة والموالاة من غير أن يُضمر بعضُهم لبعض ضغناً ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم، بل يدلُّ المستفتي عليه مع مخالفته له" يقول: اذهب اسأل فلاناً مع أن بينه ويبنه اختلافٌ  في الرَّأي في مسائل "ويشهد له بأنَّه خيرٌ منه وأعلم منه"[ الصواعق المرسلة2/ 517- 518]. الصَّواعق المرسلة لابن القيم. فهذا الاختلاف يصير مذموماً إذا أدَّى إلى التَّفرُّق والتًّباغض، ولذلك لم تأت النُّصوص الشَّرعية بذمِّ مطلق الاختلاف، بل بذمِّ الخلاف المؤدِّي إلى التَّفرُّق، فقال الله تعالى:  وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105]. وقال:  شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  [الشورى:13]. فالاختلاف يحصل لكن التَّفرُّق والتَّباغض والكره والتَّعادي لا يجوز، ولذلك كان التَّعصُّب المذهبي مصيبة، أن يؤدِّي التَّعصب لأبي حنفية والتَّعصب للشَّافعي إلى قتال بين الشَّافعية والحنفية، فهذه كارثةٌ إذا كنتم تقولون نحن أتباع إمامٍ مجتهد وهذا صحيح وهذا إمام مجتهد، فيجب أن يقبل كُلٌّ منكم الخلاف، ولكن بدون معاداة ولا مقاتلة ولا مصارمة ولا كُره ولا بُغض و لا تعادي ولا قطيعة فهذا حرامٌ، اختلفنا لا مشكلة فقد حصل فعلاً بين أئمَّةٍ مجتهدين، وليس بين ضُلَّال وشُذَّاذ كما هو الواقع الآن، فهناك ضُلَّالٌ وشُذَّاذٌ يختلفون وليسوا علماء، نحن نتكلَّم الآن على علماء يختلفون فعلى طلابهم وأتباعهم أن يكونوا رحماءَ حكماءَ صلحاءَ إخوةً فيما بينهم، فلا تعادي ولا تباغض، فأمَّا الاختلاف إذا كان يؤدِّي إلى التَّباغض فهو حرامٌ، قال ابن القيم رحمه الله: "ووقوع الاختلاف بين النَّاس أمرٌ ضروريٌّ لا بُدَّ منه لتفاوت إراداتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغيُ بعضهم على بعضٍ وعدوانه، وإلَّا فإذا كان الاختلاف على وجهٍ لا يؤدِّي إلى التَّباين والتَّحزُّب، وكُلٌّ من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يَضر ذلك الاختلاف، فإنَّه أمرٌ لا بُدَّ منه في النَّشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحداً والغاية المطلوبة واحدةً وهي الوصول للحقِّ ورضا الله والطَّريق المسلوكة واحدة" وهي الكتاب والسنة وفهم السَّلف "لم يكد يقع اختلافٌ وإن وقع كان اختلافاً لا يضر كما تقدَّم في اختلاف الصَّحابة، فإنَّ الأصل الذي بنوا عليه واحدٌ: وهو كتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم والقصد واحدٌ وهو طاعة الله ورسوله، والطَّريق واحدٌ وهو النَّظر في أدلِّة القرآن والسُّنَّة وتقديمها على قول ورأي وقياس وذوق وسياسة"[الصواعق المرسلة2/519]. يعني: يقدِّم الكتاب والسُّنَّة على كُلِّ هذا. انتهى. ولذلك كان السَّلف رحمهم الله تعالى أحرص النَّاس على الوفاق واجتماع الكلمة مع اختلافهم في الرَّأي، فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلَّى عثمان بمنى أربعاً، فقال عبد الله يعني ابن مسعود: صلَّيتُ مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين، فقيل له عبت على عثمان ثُمَّ صلَّيتَ أربعاً؟ قال: الخلاف شرٌ"[رواه أبو داود 1962]. رواه أبو داود. يعني: الخلاف الذي يترتَّب عليه التَّفرُّق والتَّنازع، ولذلك قال شيخ الإسلام: "ويسوغ أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب واجتماع الكلمة" هب أنَّك ترى في مسألةٍ مثلاً أنَّ القصر هو الرَّاجح وشخصٌ آخرٌ يرى أنَّ الإتمام هو الرَّاجح وهو الذي صلَّى إماماً، فأنت تُتمُّ وراءه ولا يُقال لك كيف تُتِمُّ وأنت ترى القصر؟ لأنَّه من جهةٍ لا مانع عندك أن تذهب إلى قوله؛ لأنَّ قوله عندك ليس بحرامٍ، لكن السُّنَّة الأفضل الأرجح عندك هذا، لكن هل يضرُّ أن تواتيه على قوله؟ لا فإذاً واتيه على قوله ما دام أنَّ هذا ليس بمحرَّمٍ في اعتقادك، والحمد لله فتكون موافقتك له في ظاهر الأمر من باب تربية النَّاس على السَّعة وتقبُّل هذا الإنسان بقناعته، ولما نقول الآخر والآخر الآخر هنا ليس مبتدعاً وليس كافراً وليس باطلاً، لكنَّه رأيٌّ معتبرٌ ولذلك نقبل الآخر بهذا الوضع وبهذا الاعتبار، قال شيخ الإسلام: "ويسوغ أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب واجتماع الكلمة"[مجموع الفتاوى22/ 437]. وقال: "كانوا يتناظرون في المسائل العلمية والعملية مع بقاء الأُلفة والعصمة وإخوَّة الدِّين، ولو كان كُلَّما اختلف مسلمان في شيءٍ تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا إخوُّة"[مجموع الفتاوى24/ 172-173]. انتهى. قال يونس الصَّدَّفي: "ما رأيت أعقل من الشَّافعي ناظرته يوماً في مسألة ثُمَّ افترقنا ولقيته فأخذ بيدي، ثُمَّ قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة" قال الذَّهبي: "هذا يدلُّ على كمال عقل هذا الإمام وفقهِ نفسه فما زال النُّظراء يختلفون"[سير أعلام النبلاء19/10].
لا إنكار في مسائل الخلاف السَّائغ:
00:59:06
 ثالثاً: الخلاف السَّائغ لا يُنكر على من قال به باجتهاد أو تقليدٍ، قال سفيان الثَّوري: "إذا رأيت الرَّجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه"[ حلية الأولياء6/368]. فعنده ليس هذا حراماً ومنكراً فلا تنهه، وقال اللَّيث بن سعد: "ما برح أُولوا الفتوى يفتون فيُحل هذا ويحرِّم هذا، فلا يرى المحرِّم أنَّ المحلَّ هلك لتحليله، ولا يرى المحلُّ أن المحرِّم هلك لتحريمه"[ جامع بيان العلم وفضله2/80]. وقال الإمام أحمد رحمه الله: "لم يعبر الجسر إلى خرسان مثل إسحاق" يعني: ابن راهوية "وإن كان يخالفنا في أشياء فإنَّ النَّاس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً"[شرح الكوكب المنير2/471]. وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد هل ترى بأساً أن يُصلِّي الرَّجل تطوعاً بعد العصر والشَّمس بيضاء مرتفعة؟ قال لا نفعله ولا نعيب فاعله"[فتح الباري لابن رجب3/ 278]. لاحظ: لا نفعله هذا اجتهادنا، لكن لو رأينا أحداً يفعله فهذه مسألةٌ اجتهاديةٌ وهناك من قال أنَّه لا بأس بالصَّلاة بعد العصر إذا كانت الشمس بيضاء حية، أمَّا إذا اصفرت لا فضلاً عن أن تكون حين الغروب هذا نهيٌ مغلَّظٌ، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "وهذا لا يدل على أنَّ أحمد رأى جوازه، بل رأى أنَّ من فعله متأوِّلاً أو مقلِّداً لمن تأوَّله لاينكر عليه، ولايعاب قوله؛ لأنَّ ذلك من موار الاجتهاد السَّائغ"[فتح الباري لابن رجب3/ 278]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه"[مجموع الفتاوى20/ 207]. وذكر شيخ الإسلام بعض المسائل التي وقع فيها خلافٌ بين السَّلف: كالوضوء من مسِّ الذَّكر ومسِّ النِّساء وخروج الدَّم، وهل خروج الدَّم ينقض الوضوء أو لا؟ مسألةٌ اجتهاديةٌ، فمنهم من قال ينقض ومنهم من قال لاينقض، ومنهم من قال ينقض فاحشُه، ثُمَّ نختلف ما هو الفاحش؟ قال: أو ترك الوضوء من ذلك والقراءة بالبسملة سراً أو جهراً في الصَّلاة، وتنجيس بول ما يؤكل لحمه أو تطهير ونحو ذلك من المسائل، ثم قال: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لاتُنكر باليد وليس لأحدٍ أن يلزم النَّاس باتِّباعه فيها، ولكن يتكلَّم فيها بالحُجج العلميَّة فمن تبيَّن له صحَّةُ أحدِ القولين تبعه، ومن قلَّد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه"[مجموع الفتاوى30/ 80]. وقال ابن القيم رحمه الله: "إذا لم يكن في المسألة سُنَّة ولا إجماع وللإجتهاد فيها مساغٌ لم تُنكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلِّداً"[إعلام الموقعين3/288]. وقال ابن قدامه المقدسي: "لا ينبغي لأحدٍ أن يُنكر على غيره العمل بمذهبه، فإنَّه لا إنكار على المجتهدَات"[الآداب الشرعية1/189]. ومن هذه النُّقول عن العلماء يتبيَّن لنا أنَّه لا يُنكر على المجتهد اجتهاده في القضايا التي يكون الخلاف فيها سائغاً بين العلماء.
المجتهدون دائرون بين الأجر والأجرين:
رابعاً: الاختلاف السَّائغ: "أصحابه دائرون بين الأجر والأجرين، وكُلُّ منهما مطيعٌ لله بحسب نيته واجتهاده وتحرِّيه للحقِّ" [الصواعق المرسلة2/518]. الصواعق المرسلة. كما قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثُمَّ أصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ [رواه البخاري 6919 ومسلم 1716]. رواه البخاري ومسلم. فالإثم محطوطٌ على المجتهدين في الأمور الشَّرعية، والمجتهد المقصود في الحديث: من كانت عنده أهلية الاجتهاد التي تُعينه على معرفة قصد الشَّارع من النُّصوص الشَّرعية، فمن وافق الصَّواب نال أجرين للإصابة ولِبذل الجهد، ومن فاته الوصول للصَّواب سُمِّئَ مخطأٌ ونال أجراً لبذل الجهد، والمجتهد الذي لم يصل إلى الصَّواب بعد بذل الجهد يعذره وخطأه مغفورٌ واجتهاده مأجور، فكما تقدَّم أنَّ بعض النَّاس ليسوا من أهل الإجتهاد ولا يعتبر عالم فقه أساساً، فمرةً سمعت شاعراً أديباً وكاتباً يقول: نحن العلماء نجتهد فإن أخطأنا فمغفورٌ لنا، فتزكية النَّفس غير مقبولة، فكيف إذا ما كان الانسان من أهل هذا الميدان.
تسويغ الخلاف لايعني: أنَّ جميع الأقوال صحيحة:
01:03:07
 خامساً: تسويغ الخلاف لايعني: أنَّ جميع الأقوال صحيحة، بل الصَّواب من هذه الأقول واحدٌ، وهذه قضية مهمَّة للغاية؛ لأنَّ الدِّين والحقَّ عند الله في المسائل هذه -حتى المسائل الفقهية- واحدٌ، يعني عند الله أن مسَّ المرأة هل ينقض أو لا ينقض؟ واحدٌ إمَّا ينقض أو لا ينقض، مسائل اجتهادية قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام في الصَّلاة الجهرية: هل يقرأ أو لا يقرأ؟ فعند الله الحقُّ فيها واحدٌ، فتسويغ الخلاف لا يعني أنَّ الآراء والأقوال المطروحة جميعاً صحيحةٌ بل أنَّها مسائل مجتهد أصحابها، فمخطئٌ معذورٌ ومصيبٌ مأجورٌ، ولا يمنع تسويغ الخلاف من تمحيص الصَّواب وبيانه للمخالف بالدَّليل من غير تبديع ولا تفسيق، ولذلك فالجواب في هذه المسائل الاجتهاد في البحث عن الأرجح والأقرب للصَّواب منها، ولذلك فالواجب على كُلِّ عالمٍ لديه القدرة على النَّظر في الأدلَّة تمحيص هذه الأقوال ودراستها للوصول إلى القول الأقرب للصَّواب، قال ابن القاسم: "سمعت مالكاً والليثَ بن سعد يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّما هو خطأٌ وصوابٌ"[الإحكام لابن حزم6/317]. قال إسماعيل القاضي: "إنَّما التَّوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم توسعةٌ في اجتهاد الرَّأي، فأمَّا أن تكون توسعةً بأن يقول الإنسان بقول واحدٍ منهم من غير أن يكون الحقُّ عنده فيه فلا"[الموافقات5/75]. يعني: إذا واحدٌ عَلِم أنَّ هذا ليس معه الحقُّ فلا يسوَّغ له أن يتابعه، ولا أنَّ كونه مغفورٌ له ومعذورٌ أن يتابعه إذا تبيَّن له الخطأ في اجتهاده، لا يجوز أن تتابعه؛ لأنَّ في النَّهاية الطَّاعة لربِّ العالمين، فإذا تبيَّن لك أنَّ هذا هو الحقُّ فيجب عليك أن تتبعه، ولا يمكن أن تقول أنا عرفت الحقَّ أين ولكن سأتبع هذا الرَّجل! مع أنَّه على غير الحقِّ الذي عرفته؛ لأنَّه ما دام أنَّه معذورٌ عند الله فأنا أتبعه لا، إذاً هو معذورٌ وأنت غير معذور، قال جمعٌ من السَّلف: "الاختلاف إذا تدافع فهو خطأٌ وصوابٌ"[جامع بيان العلم وفضله2/80]. والجواب عند اختلاف العلماء: طلب الدَّليل من الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس على الأصول منها وذلك لا يعدم في قدرة لمن ملك الوسائل والآلات، فليس بمتعذِّر فإن استوت الأدلَّة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا من الكتاب والسُّنَّة الأشبه بالكتاب والسُّنة يجب الميل إليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنَّ مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تُنكر باليد وليس لأحدٍ أن يلزم النَّاس بإتِّباعه فيها، ولكن يتكلَّم فيها بالحُجج العلمية، فمن تبيَّن له صحَّة أحدِ القولين تبعه، ومن قلَّد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه"[مجموع الفتاوى30/80]. وكما قال الإمام الشَّافعي: "قولي صوابٌ يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأٌ يحتمل الصَّواب"[ الفتاوى الكبرى الفقهية4/313].
الخلاف لا يجيز للمفتي ولا للمستفتي الاختيار من بين الأقوال:
01:06:14
 سادساً: الخلاف لا يجيز للمفتي ولا للمستفتي الاختيار من بين الأقوال؛ لأنَّ بعض النَّاس يظنُّ أنَّ المسألة ما دام فيها اختلافٌ فيختار ما يشاء، وبعضهم لمَّا يقول: اختلاف أُمتي رحمةٌ أو الخلاف سعة يقصد هذا المعنى الباطل: أنَّك بالخيار لا، المسألة ليست هكذا بل لا بُدَّ من البحث عن الأرجح  والأقرب للصَّواب، ولذلك إثارة قضية أنَّ الحقَّ عند الله واحدٌ ولا بُدَّ أن نبحث عن الحقِّ في القضية، وهناك بعض النَّاس ممكن يكون عنده آلات لكنه كسلانٌ، فيجب تنشيطه فيقال له: أنت غير معذور إذا كنت تستطيع التَّوصل إلى الرَّاجح ثُمَّ لا تتوصَّل، بل إذا عندك قدرةٌ فعليك أن تبحث لتتوصَّل، لكن العامِّي معذورٌ يُقلِّد، فإثارة القضية هذه سيُسب نهضة علمية كبيرة إثارة الأذهان وإثارة النُّفوس للبحث هذا مهمٌ جدًا يبحث عن الأرجح والأقرب للصَّواب.
أقسام النَّاس من حيث الاجتهاد والتَّقليد:
01:07:37
 والنَّاس في البلاد من حيث الاجتهاد والتَّقليد على قسمين اثنين:
أولاً: علماء مجتهدون في الشَّريعة بلغوا من العلم والمعرفة حداً ملكوا به أدوات الاجتهاد والاستنباط، فهؤلاء فرضهم: إتِّباع الحقِّ الذي يرونه بدليله.
والقسم الثَّاني: وهم السَّواد الأعظم من النَّاس من لم يتخصَّص بدراسة العلوم الشَّرعية، أو لم يبلغ فيها درجة الاجتهاد وأهلِّية الفتوى من عامَّة النَّاس أو المثقَّفين والمتخصِّصين في العلوم الأخرى، فهؤلاء فرضهم الشَّرعي والطَّبيعي: سؤال أهل العلم والأخذ عنهم فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43]. ولذلك هؤلاء العلمانيون أو بعض هؤلاء الإعلاميين أصلاً هو يجب عليه شرعاً لو كان مسلماً حقاً أن يسأل أهل العلم وأن يُقلِّدهم، لكن -سبحان الله- أهل النِّفاق عندهم أنفةٌ لا يرون أهل العلم شيئاً، فكيف يُقلِّده أو يستفتيه ويسأله؟ لأنَّ عنده أصلاً نفورٌ من أهل العلم والدِّين، ولذلك قضية أن تقول له: أنت مثلك يجب عليه أن يذهب إلى أهل العلم ويستفتيهم ويسألهم، وهو يلزم بأخذ قولهم، هو لا يطيق هذا ويعيب أهل العلم والدِّين كُلِّهم، فهذا إذاً القسم الثَّاني وهو السَّواد الأعظم من النَّاس الذين لم يبلغوا رتبة الاجتهاد ولا التَّرجيح في المسائل الشَّرعية الخلافية فرضهم: الشَّرعي والطَّبيعي سؤال أهل العلم والأخذ عنهم، ويجب عليهم امتثال قول الله عزَّ وجلَّ  فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43]. ووظيفة هذا أن يتحرَّى من هو أوثق وأقرب إلى الصَّواب في علمه وورعه ودينه من أهل بلده، فيسأله ثُمَّ يأخذ بقوله.
كيف يعرف العامِّي والمقلِّد المفتي الثِّقة:
01:09:27
 وأحياناً بعض النَّاس يقولون: أعطيني وسيلةً عمليةً؟ فأنا كيف أعرف الأوثق لأسأله؟ أنا عندي مسألةٌ وأريد واحداً بيني وبين الله من أهل الذِّكر، كيف أصل إليهم؟ ومن هو حتى أسأله؟ هل استفتي إمام مسجدنا؟ أو الذي يطلع في الفضائيات؟ أو هو الذي له كتبٌ كثيرةٌ ومؤلفاتٌ؟ فأهل العلم يدلُّ بعضهم على بعض، وطلبة العلم يدلُّونك على العلماء، فيقول لك فلانٌ عالمٌ اذهب واستفته واسأله، من الذي يعرف العلماء؟ فليس أنَّه يعرف بين النَّاس بالشُّهرة ولا بالفضائيات ولا بالهوى ولا بالقريب ولا من قبيلتنا ولا من بلدنا، فالذي عنده القدرة على الاجتهاد هو الذي تسأله، قال الشَّيخ ابن عثيمين رحمه الله: المسائل الاجتهادية التي ثبت فيها الخلاف ولها حظٌّ من النَّظر لا إنكار فيها على المجتهد، أمَّا عامَّة النَّاس فإنَّهم  يلزمون بما عليه علماء بلدهم لئلا ينفلتوا؛ لأنَّنا لو قلنا للعامِّي: أيُّ قولٍ يمرُّ عليك لك أن تأخذ به لم تكن الأمة أمَّة واحدة، ولهذا قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: "العوام على مذاهب علمائهم"[ لقاء الباب المفتوح49/14]. انتهى من كلام الشيخ ابن عثيمين. فالواجب على العامِّي والمتلِّقي والمستفتي أن يتقي الله في نفسه ويبحث عن العالم الرَّباني ويبذل وسعه في ذلك، ويميِّز بين العلماء الرَّبانيين الصَّادقين وأشباه العلماء الذين تزيَّوا بزيِّهم وليسوا من أهل العلم، كما قال النَّاظم:
تصدَّر للتَّدريس كُلُّ مهوَّس *** بليد يُسمَّى بالفقيه المدرِّس
فُحقَّ لأهل العلم أن يتمثَّلوا ***  ببيتٍ قديمٍ شاع في كُلِّ مجلس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها *** كلاها وحتى سامها كُلُّ مفلس

وينظر في حال المفتين وفق أمرين مهمِّين: الأول: التُّقى والورع والصَّلاح،  الثَّاني: العلم، فهذان الأمران لا غنى للمفتي عنهما، وهو كالجناحين للطَّائر لا ينفع أحدُهما دون الآخر، فإذا رأيت المفتي عليه آثار الصَّلاح ظاهرةٌ وبدا لك من ورعه وتقواه ما يجعلك تطمئن إلى أنَّ الهوى لن يقوده إلى القول على الله بغير علم أو بخلاف الدَّليل فهذا الذي تطمئن النَّفس إلى فتواه، فإذا وجدت آخراً مثله أو قريباً منه في العلم والتَّقوى وخالفه في فتاواه فلا بُدَّ أن يكون هناك قرينة تجعل قلبك يميل إلى أنَّ الحقَّ مع أحدهما، والمفتي كالطَّبيب، أو لست ترى بعض الأطباء أعلم من غيره؟ وألست ترى أنَّ بعضهم تطمئِن له نفسك دون الآخر مما تراه من اهتمامه بمعرفة حقيقة مرضك وإصغائه لشكواك بكُلِّ دقةٍ وإكثاره من السُّؤال عن الأمور التي تتعلَّق بالمرض؟ بينما ترى الآخر فيه من العجلة باتِّخاذ القرار ما يجعلك تتذمَّر منه، ورُبَّما أعطاك أدويةً لا علاقة لها بالمرض وهكذا، فكما تسعى لاختيار الطَّبيب المناسب لجسدك فلا بُدَّ أن تسعى لتجد المفتي الذي يعطيك ما يتعلَّق بدينك، قال الشاطبي: "ليس للمقلِّد أن يتخيَّر في الخلاف"[الموافقات5/ 435]. فليس للعامِّي أبداً أن يتخيَّر في الأقوال إطلاقاً، وليس هذا من شأنه أبداً ولا يجوز وحرامٌ عليه؛ لأنَّ كُلَّ واحد من المفتين متَّبعٌ لدليلٍ عنده يقتضي ضدُّ ما يقتضيه دليلُ صاحبه، فهما صاحبا دليلين متضادِّين، فإتِّباع أحدهما بالهوى إتِّباعٌ للهوى، فليس إلَّا بالتَّرجيح للأعلمية ونحوها، فكما يجب على المجتهد التَّرجيح أو التَّوقف فكذلك المقلِّد.
بقي عندنا مسائلٌ يسيرةٌ وهي: الخلاف السَّائغ يستحب الخروج منه احتياطًا للدِّين، والاختلاف في الفروع ليس له أثر في صحَّة صلاةُ بعض المختلفين خلف بعض، والوقوف على اختلاف العلماء وأسبابه في كُلِّ مسألةٍ من المهمَّات التي ينبغي لكُلِّ طالب علم أن يعتني بها، هذه ستكون في مقدِّمة الدَّرس القادم بمشيئة الله تعالى. وصلَّى الله على نبينا محمد.