الثلاثاء 4 جمادى الآخر 1439 هـ :: 20 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

13- ضحكه ﷺ5


عناصر المادة
ضحك صلى الله عليه وسلم فرحاً بنزول سورة الكوثر:
ضحك صلى الله عليه وسلم اعذاراً من صلاته على ابن أبي:
تبسم صلى الله عليه وسلم مهونًا على بعض أصحابه حقيقة ثقيلة تعارض مبتغاهم:
ضحك صلى الله عليه وسلم فرحًا بفضل الله ومغفرته:
ضحك صلى الله عليه وسلم تعجباً من تغير حال الناس:
تبسم صلى الله عليه وسلم من خشية أم سليم على ابنتها:
تبسم صلى الله عليه وسلم إعجاباً ببطولة سلمة بن الأكوع:
ضحك صلى الله عليه وسلم من توهم بعض أصحابه الهلكة:
تبسم صلى الله عليه وسلم من شجاعة أم سليم:
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله النبي الأمين، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد.
فلا زلنا في أحواله عليه الصلاة والسلام، وفي ضحكه، وتبسمه، والعجب من كثرة الأخبار التي فيها تبسم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أنه كان بسامًا.
ضحك صلى الله عليه وسلم فرحاً بنزول سورة الكوثر:
00:00:37
 ومن أخبار تبسمه عليه الصلاة والسلام تبسمه فرحًا وسرورًا لما نزلت عليه سورة الكوثر، وأعطي الخير الكثير، وذلك النهر العظيم من الله تعالى في الجنة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ  أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟.
قال: أنزلت عليّ آنف سورة  فقرأ:  بسم الله الرحمن الرحيم * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ  [الكوثر : 1 - 3]، ثم قال"  أتدرون ما الكوثر؟ .
فقلنا: الله ورسوله أعلم". وهذا أدب الصحابة إذا سئلوا عما لا يعلمون.
قال:  فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير، عليه حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: ربي إنه من أمتي. فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك  [رواه مسلم: 400].
إذًا -نسأل الله الثبات- بعض الناس يغيرون وينحرفون، بعض الناس ينتكسون، بعض الناس يرتدون، بعض الناس يتراجعون ويرجعون إلى القهقرى، وبعض الناس يصبح عندهم حور بعد الكور، ونقصان بعد الزيادة، كما نرى الآن -أيها الإخوة- أعداد من الناس كانوا على دين، وعلى خير، وعلى منهج السلف، وعلى اتباع الكتاب والسنة، على اتباع الدليل الصحيح، على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم تغيروا، بدلوا ما عادت العقيدة التي كنت تعرفها من قبل، ولا الطريقة والمنهج الذي كنت تعرفهم عليه من قبل، ولا  الأحكام التي يتمسكون بها من قبل.
ما الذي جرى لهم؟ فالإنسان إذا نظر في هذا الحديث  فيختلج العبد منهم فأقول: ربي إنه من أمتي. فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك [رواه مسلم: 400].
الله سبحانه وتعالى أعطى نبيه صلى الله عليه وسلم هذه العطية العظيمة، والمنحة، والكرامة، والكوثر نهر في الجنة يصب في الحوض الذي في أرض المحشر بميزابين كما ورد في الحديث الصحيح. [رواه مسلم:2300].
فإذا الكوثر نهر في الجنة يصب في الحوض الذي في أرض المحشر؛ لأن الناس في أرض المحشر عندهم عدة أماكن يدورون فيها، ولما أنس بن مالك رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أين أجدك؟ -يعني يوم القيامة زحمة الأولين والآخرين، يجمع الله الإنس والجن والثقلين، فأنس رضي الله عنه كان مهتم بموضوع، وهو أين يجد النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الزحمة؟
فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام عن ثلاثة مواطن أن يبحث عنه عندها، وأنه لن يخطئه في واحدة من هذه الثلاث، إذا ما وجده في هذه سيجده في هذه، ما هي؟
الميزان، والحوض، والصراط، فأمر أنس أن يبحث عنه، وأرشده أن يبحث عنه واحدة من هذه الثلاث: يا الميزان، أو الحوض، أو الصراط. [رواه الترمذي: 2433، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 2630].
حوض النبي صلى الله عليه وسلم مربع كذلك أحواض الأنبياء، كما ورد في الحديث الصحيح. [رواه الترمذي: 2443، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 1589].
زواياه قائمة مربع الشكل، وفيه كيزان بعدد نجوم السماء،  أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل  [رواه مسلم: 247].
طيب من وين مصدر الماء الذي في الحوض؟
من نهر الكوثر الذي في الجنة، فمن شرب من هذا الحوض سيشرب في الجنة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الشرب من حوض نبينا صلى الله عليه وسلم ومن أنهار الجنة.
وهذا الحديث كما يقول النووي رحمه الله تعالى: "فيه فوائد منها: أن البسملة في أوائل السور من القرآن"، من وين أخذ النووي؟
أنه في الحديث قال:  أنزلت عليّ آنفًا سورة  فقرأ:  بسم الله الرحمن الرحيم * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: 1] إذًا البسملة آية نزلت للفصل بين السور، وهي سنة في أول كل سورة، لبيان ابتداء السورة، وفصلها عما قبلها، وهي بعض من آية في سورة النمل.
"الحديث فيه جواز النوم في المسجد"، وقلنا: محل ذلك إذا ما اتخذ عادة يعني ما يصير المسجد فندقًا، لكن للحاجة مثل فقير، عابر سبيل، في الاعتكاف.
"وجواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه، وأنه إذا رأى التابع من متبوعه تبسمًا مما يقتضي حدوث أمر يستحب له أن يسأل عن سببه". [شرح النووي على مسلم: 4/113].
الكوثر يطلق على الحوض الكثير لكونه يمد منه، وإلا الكوثر في الأصل معناه في اللغة: الخير الكثير، وهو النهر الذي أعطاه الله لنبيه في الجنة.
ضحك صلى الله عليه وسلم اعذاراً من صلاته على ابن أبي:
00:06:16
 وضحك النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا، أو كان له تبسم أحيانًا تبسم الاعتذار: فعن ابن عمر قال: جاء عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين مات أبوه" -طبعًا الولد مؤمن والأب رأس المنافقين، يخرج الحي من الميت- "لما مات عبد الله بن أبي" -متى مات؟ لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك لما رجع  من غزوة تبوك مات عبد الله بن أبي، فالنبي عليه الصلاة والسلام عانى من عبد الله بن أبي إلى سنة 9 من الهجرة تسع سنوات في المدينة يعاني منه، يعني سنة فقط، بعدها مات النبي صلى الله عليه وسلم، مات في ذي القعدة سنة تسع عبد الله بن أبي، فجاء ابنه عبد الله، المنافق اسمه عبد الله، وابنه اسمه عبد الله، فقال الولد المؤمن الصالح التقي للنبي عليه الصلاة والسلام: "أعطني قميصك أكفنه فيه" -يعني هذا الولد وإن كان مؤمنًا لكن لا زال في نفسه بر أبيه، يعني يريد لأبيه المنفعة، فقال: لعله ينفعه أن يكفن في ثوب أو في قميص النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه" -يعني يا رسول الله واستغفر له، فالنبي عليه الصلاة والسلام مراعاة لخاطر الولد؛ ولأن الولد معه، ومعروف مواقف الولد ضد أبيه، لما مسكه على باب المدينة، قال: ما تدخل حتى يأذن لك رسول الله، حتى نعرف من العزيز ومن الذليل، لما قال: ليخرجن الأعز منها الأذل، حبسه على الباب بالسيف، حبسه عند باب المدينة، فموقف الولد من أبيه يعني معروف في مناصرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أدركته العاطفة تجاه أبيه عند موت أبيه، وطلب هذا الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام مراعاة لخاطر الولد، لخاطر عبد الله أعطاه قميصه، "وقال:  إذا فرغتم فآذنوني  [ هذه عند الترمذي:3098، وصححه الألباني صحيح ابن ماجة:1523].
إذا غسلتموه، وكفنتوه، وانتهيتم، وجهزتموه أعلموني، "فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه [هذه عند أحمد:15028، وصححها المحقق]، قال عمر: فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا"، أعدد عليه قوله، ومخازي عبد الله بن أبي، يعددها عمر، وكيف الأفعال القبيحة، وكيف فعل من المؤامرات في حق النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؟ "فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم" -وهذا الشاهد-.
وقال:  أخر عني يا عمر  فلما أكثرت عليه.
قال:  إني خيرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها . فكان النبي صلى الله عليه وسلم يظن أنه له الخيار من قوله تعالى:  اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ  [التوبة: 80]، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة، ما هما الآيتان؟  وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ  [التوبة: 84] ، ما قال عمر شفت ويش ولون كان سمعت كلامي أنا كان، لا، "قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ والله ورسوله أعلم". [رواه البخاري: 1366].
أنظر أدب عمر رضي الله عنه، طيب ما هذا التبسم؟ قال ابن حجر في فتح الباري، وكذلك المباركفوري في تحفة الأحوذي: "عبر عن طلاقة وجهه بذلك تأنيسًا لعمر، وتطيبًا لقوله كالمعتذر له عن ترك قبول كلامه، ومشورته". [فتح الباري: 8/337، وتحفة الأحوذي: 8/393].
فالتبسم هذا كأنه يقول لعمر رضي الله عنه كأنه يعتذر إليه في عدم قبول كلامه، وعدم قبول مشورته.
فلماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟
لكمال شفقته على أمته، ولتطييب قلب الولد الصالح، ولتأليف قوم عبد الله بن أبي، وهم الخزرج؛ لأنه كان له رئاسة فيهم، ولأن النهي لم يرد صريحًا، ولأنه خشي أن يبقى الوالد سبة على ابنه، وعلى الخزرج من المسلمين، وعارًا على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة والمداراة، وصلى على عبد الله بن أبي.
وقيل: إنما أعطاه قميصه مكافأة لعبد الله المنافق؛ لأنه كان ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصا، صارت واحدة بواحدة.
قال النووي: "وفي هذا الحديث بيان عظيم مكارم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء، وقابله بالحسنى، وألبسه قميصه كفنًا، وصلى عليه، واستغفر له، وقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ  [القلم : 4]". [شرح مسلم للنووي: 7/174] ، وشفقة النبي صلى الله عليه وسلم.
 ومن فوائد هذا الحديث: أن من علم نفاقه لا يصلى عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من كان مظهرًا للإسلام فإنه تجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، لكن من علم منه النفاق والزندقة" -أقر في مجلس خاص شهود ثقات شهدوا عليه قد يحدث بينة تدل كتابات منه بخطه يمسك عليه أشياء لكن من علم منه النفاق والزندقة- "فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه وإن كان مظهرًا للإسلام" -شف كلام شيخ الإسلام- "فإن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين، فقال: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ  [التوبة: 84].
وقال:  اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ  [التوبة: 80]، قال: "وأما من شك في حاله فتجوز الصلاة عليه إذا كان ظاهره الإسلام". [الفتاوى الكبرى: 3/17].
لو في واحد مندس بين المسلمين ظاهره مع المسلمين إذا ما علمنا خلاف ذلك هو في الحقيقة منافق، كافر يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ويطعن في الدين، وهو أصلاً شاك في القرآن، وشاك هذا إذا ما تبين لنا حاله فإننا نصلي عليه، وندفنه في مقابر المسلمين، طيب لو في واحد اطلع عليه، يعني سمع منه في مجلس خاص جداً سمع منه التصريح بالكفر، وقال له: أنا بس يعني معكم، وإلا أنا أصلا ما أعترف، لو مات هذا الإنسان الناس سيصلون عليه، ويدفنونه في مقابر المسلمين، لكن هذا الذي سمع منه التصريح، ما يجوز يصلي عليه، ولا يدعو له بالرحمة؛ لأنه اطلع على نفاقه، ومن شككنا فيه طبعًا نحن عندنا ناس متأكدين من إسلامهم، وناس متأكدين من كفرهم، وفي ناس أمرهم غامض، نأخذ الظاهر، إذا الظاهر أنهم مع المسلمين، ويصلون مع المسلمين، ويتظاهرون أنهم مسلمون، فسنجري عليهم الأحكام الظاهرة، ونصلي عليهم، وندفنهم في مقابر المسلمين.
تبسم صلى الله عليه وسلم مهونًا على بعض أصحابه حقيقة ثقيلة تعارض مبتغاهم:
00:15:15
 وهكذا تبسم النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن أخرى مهونًا على بعض الناس حقيقة ثقيلة تعارض مبتغاهم: مثال "عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إيهاب بن عزيز، واسمها غنية عقبة بن الحارث" رجل مسلم، تزوج بنتًا مسلمة لأبي إيهاب بن عزيز، بعد ما تزوج البنت أتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج" -أنا أرضعتكما، كيف تتزوجها؟
فقال لها عقبة: "ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، ولا عندي خبر سابق، ولا شيء يعني ما يعترف، "فأرسل إلى آل أبي إيهاب -أهل الزوجة- يسألهم.
فقالوا: ما علمنا أرضعت صاحبتنا". ما عندنا علم أنها أرضعت بنتنا، فركب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله، لماذا لأنه كان في مكة -الرجل عقبة رضي الله عنه كان في مكة- كانت دار إقامته، فركب إلى المدينة، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت لي: قد أرضعتكما، وهي كاذبة، النبي صلى الله عليه وسلم قال عقبة: فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه، قلت: إنها كاذبة، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال:  كيف وقد قيل .
يعني المرأة أدلت بشهادتها، دعها عنك، يعني الزوجة.
وفي رواية:  وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما . فنهاه عنها، ففارقها عقبة، ونكحت زوجًا غيره. [رواه البخاري: 88، والرواية الثانية: 2659].
تبسم النبي عليه الصلاة والسلام هنا ليهون الأمر على ذلك الرجل، يعني ما هي سهل بعد تزوج، وتعلقت نفسه بالمرأة يحصل هذا، فتبسم ملاطفة له، وتهوينًا عليه، ولأن تلك المرأة السوداء لا يعلم منها الكذب، ولا لها غرض، ولا هي متهمة في الموضوع، لأنها لو كانت حاقدة، أو في عداوة بينها وبين الرجل، أو بينها وبين المرأة، أو بينها وبين أهل الزوج، أو بينها وبين أهل الزوجة لو في عداوة ما يقبل قولها، وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الإمام أحمد -رحمه الله- وقبل شهادة المرضعة وحدها [الطرق الحكمية:1 / 189]، لأنه في نقاش طويل في قضية الخبر إذا جاء من طريق امرأة واحدة، هل يقبل وإلا لا بدّ من امرأتين؟ وما هي الحالات التي يقبل فيها خبر المرأة الواحدة؟
قال ابن القيم رحمه الله: "ما لا يطلع عليه الرجال غالبًا من الولادة، والرضاع، والعيوب تحت الثياب، والحيض، والعدة، فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة مع العدالة".
يعني لا بد تكون امرأة ثقة، ما هي معروفة بالكذب أو الخيانة، فإذا كانت امرأة ثقة في دينها يقبل خبرها فيما لا يطلع عليه الرجال غالبًا مثل هذه الأشياء.
 قال: "فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة مع العدالة، والأصل فيه حديث عقبة بن الحارث". [الطرق الحكمية: 1/189].
الجمهور على الرأي الآخر: أنها ما تقبل، قالوا: أرشده إلى الأحوط -يعني لا يجب عليه- وقالوا: لا يكفي شهادة المرضعة لأنها شهادة على فعل نفسها، ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين زوجين إلا فعلت -أي واحدة ما هو عاجبها واحد يتزوج فلانة، تروح تقول أرضعتكما. [الطرق الحكمية: 1/189].
بعض العلماء حاول أن يسلك مسلكًا وسطًا، يعني يجمع بين الأقوال.
فقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله المفتي محمد بن إبراهيم آل الشيخ قال: إذا كانت المرأة المرضعة عدلاً في دينها، وذات نباهة للأمور، وحفظ، وكانت غير متهمة في تلك الشهادة بما يجر لها نفعًا، ولا تدفع بذلك عنها ضررًا، وانتفت الشحناء، وصرحت أنها خمس رضعات، ولم يوجد ما يعارض تلك الشهادة مما يصلح معارضًا شرعيًا، فإنها تقبل شهادته، ويثبت حكم الرضاع، ويتبين أن النكاح من أصله غير صحيح. [فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: 11/171].
إذًا هذا مسلك وسط بين اعتماد خبر المرأة الواحدة وبين نسف خبر المرأة الواحدة، وهو قبوله بشروط، ولاحظ أنها في المجالات -كما قال ابن القيم- التي لا يطلع عليها الرجال في الغالب، وإلا لو أن الرجال يطلعون عليها ما نبحث الآن المسألة هذه، لكن في أمور من قضايا النساء الخفية، يمكن ما نجد فيها إلا قول امرأة إلغاؤه بالكلية مشكلة، واعتماده هكذا بدون شروط مشكلة، فالحل هو اعتماده بشروط، وإلا لو عرفنا أن بينهما ضغينة، أو مثلاً صار خلاف بين امرأة وأخرى عندها ابن متزوج قالت لها: لأوريك، وراحت بين الناس تقول: أنا أصلاً رضعت ولدها والمرأة التي تزوجها، أيش الكلام هذا بعد كم عشر سنين صار الأولاد توها تجي تتكلم، إذًا في هنا في ظلال من الشك والريبة، ثم ما ظهر الكلام إلا بعد العداوة، ليش من أول لما كانتا متصالحتين، والأمور طيبة، والعلاقات تمام ما تكلمت، لما صار المشكلة طلع الكلام؟ ليش؟ إذًا كل هذه الأمور تعتبر.
ضحك صلى الله عليه وسلم فرحًا بفضل الله ومغفرته:
00:22:19
 وضحك النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا فرحًا بفضل الله ومغفرته: كما جاء في حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه دعا بماء، فتوضأ، ومضمض، واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه، وظاهر قدميه، ثم ضحك، فقال لأصحابه: ألا تسألوني عما أضحكني؟
فقالوا: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟
فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بماء قريب من هذه البقعة، فتوضأ كما توضأ، ثم ضحك.
فقال:  ألا تسألوني ما أضحكني؟ .
فقالوا: ما أضحك يا رسول الله؟
قال:  إن العبد إذا دعا بوضوء فغسل وجهه حط الله عنه كل خطيئة أصابها بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان كذلك، وإن مسح برأسه كان كذلك، وإذا طهر قدميه كان كذلك [رواه أحمد: 415]، وهو حديث صحيح [صححه الألباني صحيح الترغيب والترهيب: 184].
فهذا الضحك سرورًا بفضل الله على المؤمنين بهذا الأجر العظيم منه سبحانه وتعالى.
ما هو الفرق بين الوَضوء والوُضوء؟
بضم الواو شوف عندنا الماء، وعندنا العملية عملية الوضوء نفسها، فالماء الذي يتوضأ به أيش يقال عنه؟ وَضوء بفتح الواو، وعملية الوضوء نفسها وُضوء بضم الواو.
ضحك صلى الله عليه وسلم تعجباً من تغير حال الناس:
00:23:49
 وضحك النبي صلى الله عليه وسلم من قول الأعرابي عند قحوط المطر: وذلك تعجبًا من الحال، وتغير الحال، وكيف آل الأمر بعد ذلك إلى شيء، كان الناس يريدون شيئًا وصاروا يهربون منه، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وهو يخطب بالمدينة.
فقال: قحط المطر فاستسق ربك -أعرابي-، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، وما نرى من سحاب، فاستسقى، فنشأ السحاب بعضه إلى بعض، ثم يؤلف بينه سبحانه وتعالى، فنشأ السحاب بعضه إلى بعض، ثم مطروا حتى سالت مثاعب المدينة -يعني المجري ومسالك المياه-، فما زالت إلى الجمعة المقبلة ما تقلع، ثم قام ذلك الرجل أو غيره، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب.
فقال: غرقنا فادع ربك يحبسها عنا، فضحك أو تبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:  اللهم حوالينا ولا علينا  مرتين أو ثلاثًا، وجعل يشير بيده -يعني الراوي- يقول: ما يشير بيده إلا تنزع السحاب من تلك الناحية، قال: فجعل السحاب يتصدع عن المدينة يمينًا وشمالاً، يمطر ما حوالينا، ولا يمطر منها شيء من المدينة، يريهم الله كرامة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإجابة دعوته. [رواه البخاري: 1021].
فإذًا كما قال ابن حجر رحمه الله: تبسم النبي صلى الله عليه وسلم "تعجبًا من أحوال الناس". [فتح الباري: 2/507]، كانوا يريدون صاروا لا يريدون، أو يريدون العكس.
وكذلك فإن تبسمه صلى الله عليه وسلم لسرعة ملالة ابن آدم: كما جاء في رواية النسائي [1527، وصححه الألباني صحيح وضعيف النسائي: 1527].
تبسم صلى الله عليه وسلم من خشية أم سليم على ابنتها:
00:25:47
 ضحك النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا في موضع آخر من فهم أم سليم خشية على ابنتها: من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام لأنها ظنته دعاء عليها بالهلاك، بينما ما كان يقصد هذا، فعن أنس بن مالك قال: كانت عند أم سليم يتيمة -وهي أم أنس- فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليتيمة فقال:  آنت هيه لقد كبرتِ، لا كبر سنك ، -هو لا يقصد حقيقة الدعاء عليها ألا تكبر- فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: مالك يا بنية؟
فقالت الجارية -يعني البنت-: دعا عليّ نبي الله صلى الله عليه وسلم ألا يكبر سني، فالآن لا يكبر سني أبدًا، أو قالت: قرني -يعني لا يطول عمرها- فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها -يعني على رأسها تديرها الحجاب- حتى لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رآها مستعجلة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:  مالك يا أم سليم؟ .
قالت: يا نبي الله أدعوت على يتيمتي؟
قال:  وما ذاك يا أم سليم .
قالت: زعمت دعوت ألا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها.
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:  يا أم  سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي أني أشرطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورًا وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة  [رواه مسلم: 2603].
فإذًا إذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام على شخص ليس بأهل لهذه الدعوة، ولا يستحقها، وكان هذا الرجل مسلمًا، فإن هذه الدعوة بين النبي صلى الله عليه وسلم وربه شرط أنه ما يحصل مثل هذه الدعوة إلا تصبح رحمة، وصلاة، وخيرًا، وبركة على المدعو عليه، هذا شرط بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ربه، والنبي عليه الصلاة والسلام دعا على الكفار، وعلى المنافقين، ولم يكن ذلك رحمة عليهم، وإنما ضحك النبي صلى الله عليه وسلم يعني كيف ظنوا أنه يريد هذا.
تبسم صلى الله عليه وسلم إعجاباً ببطولة سلمة بن الأكوع:
00:28:30
 وكان من ضحك النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا ضحك الإعجاب مثلاً ببطولة أحد الصحابة: كما حصل لسلمة بن الأكوع، العداء المسلم سلمة بن الأكوع يفوز في أي سباق جري، لا يمكن واحد يسبق سلمة بن الأكوع، سلمة بن الأكوع يسبق الخيل، هذا رجل عجيب في عدوه، وصبره، وشجاعته، وقتاله، وصوته، سلمة بن الأكوع هو مجهول من كثير من الشباب، مع أنه بطل عظيم من الأبطال لا يشق له غبار، عن سلمة بن الأكوع قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره -يعني الإبل- مع رباح غلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة أنديه مع الظهر، يعني يورد الماشية فتسقى قليلًا، ثم ترسل إلى المرعى، ثم ترد إلى الماء قليلاً، ثم ترد إلى المرعى، هذه تندية، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري المشرك قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، -طبعًا هذا عدوان شنيع، يقتل الراعي، ويأخذ إبل المسلمين، وإبل النبي صلى الله عليه وسلم، ويهرب بها عبد الرحمن الفزاري، فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه، ثم قمت على أكمة، فاستقبلت المدينة، فصرخت ثلاث صرخات، أسمعت ما بين لابتيها: يا صباحاه" -كلمة تقال لاستنفار الغافلين من القوم لما دهمهم في الصباح، وهذا يعني لما تكون يعني أسمعت ما بين لابتيها، خارقة من الخوارق، كرامة لسلمة، أو أن الرجل كان عنده صوت واسع جداً، يعني وهذه في نوادر، قيل إن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم كان صاحب صوت قوي جداً، حتى أن ذئبًا عدى على شاة مرة، فصرخ به ففتق أمعاءه في بطنه، هناك نوادر يعني في خوارق في الخلق، يعني تدل على قدرة الله في خلقه، فصرخ سلمة بأهل المدينة، "قال: ثم خرجت في آثار القوم المشركين، أرميهم بالنبل، وأرتجز أقول:
أنا ابن الأكوع *** واليوم يوم الرضع"

أنا الابن الأكوع: واضحة.
والرضع: من هم اللئام. لماذا سمي اللئيم بذلك؟ هذا اللئيم في اللغة يطلق عليه رضيع، لأنه كان إذا جاءه الضيوف، وأراد أن يشرب من لبن ناقته، ما يحلبها حتى ما يسمع الضيوف صوت اللبن، يخرج من الضرع يشخب، فيروح يمص ثدي الناقة، وهو يرتضع، ويمشي، ولا يحسسهم شيء.
فقال:
أنا ابن الأكوع *** واليوم يوم الرضع

يعني يا لئام، أخذتم إبل النبي صلى الله عليه وسلم أنا لكم، قال: فألحق رجلاً منهم فأصك سهمًا في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه، قلت: خذها،
وأنا ابن الأكوع *** واليوم يوم الرضع
فوالله ما زلت أرميهم، وأعقر بهم -يعني أعقر خيلهم- فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته، فعقرت به، حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا في تضايقه، علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة" -أسقطها عليهم- "فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري" -استنقذ كل الإبل المسلوبة- "وخلوا بيني وبينها" -ما انتهت المهمة- "ثم أتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة"، -يعني يتخففون للهرب- "وثلاثين رمحًا يستخفون، ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا من الحجارة يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه" -يعني علامات- "حتى أتوا متضايقًا من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري، فجلسوا يتضحون" -يعني يتغدون- "وجلست على رأس قرن الجبل الصغير المنقطع عن الجبل الكبير، قال الفزاري: ما  هذا الذي أرى؟
قالوا: لقينا من هذا البرح الشدة واللأواء، والله ما فرقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا.
قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة، فصعد إليّ منهم أربعة في الجبل.
فلما أمكنوني من الكلام قلت: هل تعرفوني؟
قالوا: لا. من أنت؟
قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا  أطلب رجل منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني.
قال أحدهم: أنا أظن، فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأٍسود الكندي، فأخذت بعنان الأخرم فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه" -يعني لا ينفردوا بك- "قال يا سلمة: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة، فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن يعني الفزاري، فعقر لعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله"، -فذهب المسلم شهيدًا- وتحول على فرسه"، -المشرك أخذ فرس المسلم- "ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن المشرك، فطعنه، فقتله" -إذًا انتقم للمسلم المقتول-.
"قال سلمة: فو الذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولا من غبارهم شيئًا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد؛ ليشربوا منه، وهم عطاش، فنظروا إليّ أعدو وراءهم، فخليتهم عنه"، -طردتهم عن الماء- "فما ذاقوا منه قطرة، ويخرجون فيشتدون في ثنية، فأعدو فألحق رجلاً منهم، فأصكه بسهم في نغض كتفيه" -العظم الرقيق على طرف الكتف، بالمكان الحساس- "قلت: خذها،
وأنا ابن الأكوع *** واليوم يوم الرضع
 قال: يا ثكلته أمه، أكوعه بكره؟، أنت الأكوع الذي كنت معنا من هناك تطاردنا-.
قلت: نعم يا عدو نفسه. أكوعك بكره، وأردوا فرسين على ثنية" -يعني حتى أسقطوهما، وأتعبوهما، وتركوهما، فجئت بهما أسقوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحقني عامر من المسلمين بسطيحة فيها مذقة من لبن" -قليل من اللبن ممزوج بالماء- "وسطيحة فيها ماء، فتوضأت، وشربت هذا أول شيء يشربه، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حلأتهم عنه"، -أجليتهم وأبعدهم عنه- "فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته من المشركين، وكل رمح، وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها، وسنامها، قلت: يا رسول الله! إن القوم عطاش، وإني أعجلتهم أن يشربوا سقيهم، خلني فأنتخب من القوم مائة رجل، فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه في ضوء النار.
فقال:  يا سلمة أتراك كنت فاعلاً .
قلت: نعم. والذي أكرمك.
فقال:  يا ابن الأكوع ملكت فأسجح  -يعني قدرت فاعف-  إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان  -هذا وحي- "فجاء رجل من غطفان، فقال: نحر لهم فلان جزورًا، فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا.
فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين" - المسلمين نصروا بالرعب- "فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة .
وفي هذا استحباب الثناء على الشجعان، لاسيما من كان قد بذل الصنيع الجميل، وأنكى في الكفار هذه النكاية، فإن الضحك عجبًا من صنيعة، والثناء عليه هو المكافأة، وعند الله ما هو خير وأبقى، "ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين سهم الفارس، وسهم الراجل فجمعهما لي جميعًا، ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة". [رواه مسلم: 1807].
وفي رواية: أن واحد جاء يتحدى في السبق إلى المدينة، فبعد كل هذا المجهود جاء سلمة وسابقه إلى المدينة، وسبقه ابن الأكوع رضي الله عنه. [رواه مسلم: 1807].
طبعًا هناك من المسلمين من جاء إليه بعدما كبر، يعني يستعلم منه الأخبار، قال: فأخرج لنا يدًا كأنها خف بغير، سلمة رضي الله عنه، يعني: كان رجلاً جسيمًا، وذكر لهم من قصصهم ما ذكر، وهو الذي بايع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات: أول الناس، ووسط الناس، وآخر الناس بالحديبية.
ضحك صلى الله عليه وسلم من توهم بعض أصحابه الهلكة:
00:39:42
 وضحك النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبة أخرى من توهم بعض أصحابه الهلكة من جنابة أصابته، ولا يوجد ماء: فعن عمر بن بجدان قال: كنت كافرًا فهداني الله للإسلام، وكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي" -أعزب يعني أبتعد عن مصادر الماء ومعي أهلي- "وتصيبني الجنابة، فوقع ذلك نفسي" -يعني أني أنا هلكت إذا كان أنا على جنابة، وما في ماء أيش الحل؟ قال: "وقد نعت لي أبو ذر" -يعني وصفوا لي- أسأل أبا ذر، فحججت، فدخلت مسجد متى، فعرفته بالنعت "فإذا شيخ معروف، -آدم: يعني بين البياض والسواد لونه- "عليه حلة قطري صوف ضارب للحمرة" -ثياب غليظ من قطن ضاربها إلى الحمرة- "فذهبت حتى قمت إلى جنبه وهو يصلي، فسلمت عليه، ثم صلى صلاة أتمها وأحسنها وأطولها، فلما فرغ رد عليّ السلام، قلت: أنت أبو ذر؟
قال: إن أهلي ليزعمون ذلك.
قال: كنت كافرًا فهداني الله للإسلام، وأهمني ديني، وكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة، فوقع ذلك في نفسي.
فقال: أبو ذر إن اجتويت الجنة" -يعني أصابني بها المرض- "لما أقمت بها، فأمر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود من إبل وغنم، فكنت أكون فيها" -يعني بعد المدينة- "فكنت أعزب من الماء ومعي أهل فتصيبني الجنابة، فوقع في نفسي أني قد هلكت" -يعني نفس السؤال- "فقعدت على بعير منها فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار، وهو جالس في ظل المسجد في نفر من أصحابه، فنزلت عن البعير، وقلت: يا رسول الله! هلكت.
قال: وما أهلكك .
فحدثته، فضحك، فدعا إنسانًا من أهله، فجاءت جارية سوداء بعس -قدح كبير- فيه ماء، ما هو بملآن إنه ليتخضخض -يضطرب ويتحرك فيه-، فاستترت بالبعير، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من القوم فسترني، فاغتسلت، ثم أتيته، فقال:  إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء  -عندك التيمم- ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمس بشرتك  [رواه أبو داود: 333، وأحمد: 21304، وهو حديث صحيح صححه الألباني صحيح أبي داود: 322].
تبسم صلى الله عليه وسلم من شجاعة أم سليم:
00:42:15
 ونختم أخيرًا بقصة أم سليم رضي الله عنها في شجاعتها، وتبسم النبي صلى الله عليه وسلم من جرأتها، وقوتها: فعن أنس أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا، فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله -طبعًا أبو طلحة زوج أم سليم- يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ما هذا الخنجر؟ .
قالت: اتخذته إن دنا من أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء" -يعني هؤلاء الذين أسلموا بعد فتح مكة، بعدما حصل ما حصل- "انهزموا بك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن   [رواه مسلم: 1809].
الطلقاء الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح، سموا بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم من عليهم، وأطلقهم، وكان في إسلامهم ضعف، فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون يستحقون القتل بانهزامهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبرها بأن الله قد كفى وأحسن .
يعني: كفانا مؤنة العدو، وأغنانا عمن فر، لأنهم فروا عن النبي عليه الصلاة والسلام في حنين، الطلقاء هؤلاء الذين جاؤوا من مكة حدثاء عهد بالإسلام سبب الهزيمة، فروا، فقالت: اقتلهم يعني ظنت أنهم منافقون يستحقون القتل، فقال:  إن الله كفانا وأحسن  ونصرنا في حنين نصرنا على المشركين، وأغنانا وأحسن في التمكين من العدو، فلا حاجة لذلك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً إنما تبسم لما رأى من شجاعتها، واتخاذها لذلك الخنجر الذي تدافع به عن نفسها لو دنا أحد من المشركين منها.
سؤالنا في ختام هذا الدرس ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله ستة شروط للأخذ بكلام المرأة إذا ادعت الرضاع، أنها أرضعت رجلاً وزوجته، فما هي هذه الشروط؟
ما يكون بينهما شحناء ، المرأة ثقة، تحفظ وتضبط الرضاع، وليس هناك عداوة ولا شحناء، تصرح بخمس رضعات، ألا تدفع عن نفسها ضرًا أو تجلب لنفسها نفعًا بهذا ، لا يوجد معارض لم يوجد ما يعارض تلك الشهادة مما يصلح معارضًا شرعًا هذا السادس.