الجمعة 10 رمضان 1439 هـ :: 25 مايو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

03- ما يحبه النبي ﷺ3


عناصر المادة
ما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم من المطعومات والمشروبات:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد المرسلين، الذي جعله الله -عز وجل- خاتمًا للنبيين، والمرسلين، وهو عليه الصلاة والسلام حبيبنا، وإمامنا، وقدوتنا، نتعرف على سيرته، وعلى أحواله، وهديه.
ما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم من المطعومات والمشروبات:
00:00:31
 وقد تحدثنا عن الأشخاص الذين يحبهم النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض منهم، ونتحدث اليوم عن بعض ما كان يحبه النبي صلى الله عليه وسلم من المطعومات، والمشروبات.
ولا بدّ من التنبيه أولاً: أن هنالك سنن عبادة وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم يقتدى به فيها، وهذا هو الأصل، وهناك سنن عادة ما فعلها من جبلته، وخلقته بمقتضى الطبيعة، فهي ليست مما يتعبد به، وإنما المؤمن من كمال الاهتمام بالنبي صلى الله عليه وسلم يهتم بأدق الأشياء في حياته، وأدق التفاصيل في سيرته، ومن هذا الباب نعرج على قضية ما كان يحبه حتى بطبعه، بالإضافة إلى ما يحبه من الأشياء الشرعية، كالأعمال، والأشخاص، والهيئات، والأحوال، فكان عليه الصلاة والسلام بشرًا  كغيره يحب مآكل، ولا يحب أخرى، ويحب أشربة قد ألفها واعتادها، ولا يميل إلى أخرى، ولكن هديه عليه الصلاة والسلام فيما تهواه نفسه، أتم هديه، وأكمله من جهة أنه عليه الصلاة والسلام -كما يقول أبو هريرة-: "ما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه" [رواه البخاري: 185].
وفي رواية: "وإن لم يشتهه سكت". [رواه مسلم: 2064].
وهذا من حسن الأدب -كما يقول ابن بطال رحمه الله. [شرح ابن بطال: 18/93]؛ لأن المرء قد لا يشتهي الشهي ويشتهيه غيره، وكل مأذون في أكله من قبل الشرع، ليس فيه عيب، أي طعام مباح شرعًا لا يعاب، يعني لا يصح للإنسان شرعًا أن يعيب طعامًا أباحه الشرع، لكن يقول: أنا لا أشتهيه، نفسي لا تميل إليه، وهكذا.
حبه صلى الله عليه وسلم للحم:
وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب اللحم: وهذا نجده من خلال القصة الجميلة التالية: عن جابر بن عبد الله قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ليقاتلهم، فقال أبي عبد الله: يا جابر لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة".
ما معنى نظاري؟ يعني: الذين قعدوا عن الخروج ينتظرون ما يصيب القوم من أصحاب الأعذار، يقول والد جابر لولده.
"يا جابر لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي".
أنا وددت أنت ابني تقتل في المعركة بين يدي أقدمك شهيدًا في سبيل الله، لكن أنا إذا خرجت سأترك بنات من الذي سيعتني بالبنات، "فلا عليك أن تكون نظاري من أهل المدينة.
قال جابر" فبينما أنا في النظارين إذا جاءت عمتي بأبي وخالي على ناضح" -يعني ما يسقى عليه من الإبل- "قد جاءت بأبي وخالي على ناضح لتدفنهما" عمة جابر رجعت بعد المعركة بوالده مقتولاً، وبخاله مقتولاً في سبيل الله لتدفنهما في مقابرنا، "فلحق رجل ينادي إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تردوا القتلى، فتدفنوها في مضاجعها حيث قتلوا، فرددناهما، فدفناهما في مضجعهما حيث قتلا" -يعني في أرض المعركة- "فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان".
هذه نقلة في الحديث، نقلة بعيدة، سنوات طويلة، وسيعود جابر رضي الله عنه للسياق للقصة مرة أخرى.
"قال: فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال: يا جابر بن عبد الله لقد أثار أباك عمال معاوية، فبدا فخرج طائفة منه" -يعني معاوية رضي الله عنه أجرى عينًا عند قتلى أحد بعد ست وأربعين سنة من دفنهم، فهذا الماء لما سال كشف بعض التراب الذي كانت الموتى قد دفنوا تحته، فجاء واحد يقول لجابر: جزء من جسد أبيك ظهر على الأرض- "قال جابر: فانطلقت إليه، فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتل أو القتيل" -يعني موضع الجرح والباقي كما هو، الجسد كما هو-.
"قال: فواريته" -أعاد دفنه- قال: "وترك أبي عليه دينًا من التمر، فاشتد عليّ بعض غرمائه في التقاضي، وكان بعض غرماء جابر من اليهود، وما يرأفون، ولا يرحمون" -مات أبوه وخلف بنات، كثير من الناس ما عنده رحمة، وواحد من هؤلاء الديانة -كما يقول الناس- "يقول جابر: فاشتد عليّ بعض غرمائه في التقاضي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم كذا وكذا، وإنه ترك عليه دينًا من التمر، وإنه قد اشتد عليّ بعض غرمائه في الطلب، فأحب أن تعينني عليه؛ لعله أنه ينظرني طائفة من تمره إلى هذا الصرام المقبل" -يعني الموسم المقبل، يؤجلني حتى استطيع السنة هذه جزء، والسنة القادمة جزء آخر-.
"قال:  نعم، آتيك إن شاء الله قريبًا من وسط النهار .
فقلت لامرأتي -يقول جابر-: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جائي اليوم وسط النهار، فلا يرينك ولا تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ولا تكلميه فجاء، ومعه حواريه" -أصحابه القريبون- "فجلسوا في الظل وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذن ثم دخل علينا، ففرشت فراشًا ووسادة، ووضع رأسه، فنام.
فقلت لمولى لي: اذبح هذه العناق" -أنثى المعز قبل تمام الحول تسمى عناقًا- "وهي داجن" -سمينة، والداجن يطلق على كل ما يألف البيوت من طير وغيره، حتى لو من الغنم أو من الطيور من الدجاج مثلاً، يقال: داجن، ودواجن؛ لأنها تألف البيوت- "يقول جابر لمولاه: اذبح هذه العناق، وهي داجن سمينة والوحى والعجل.
الوحى السرعة، يعني: البدار البدار "والعجل افرغ منها قبل أن يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا معك، فلم نزل فيها حتى فرغنا منها وهو نائم.
فقلت -يعني لمولاه-: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يستيقظ يدعو بطهوره، وأنا أخاف إذا فرغ أن يقوم" -يعني يذهب- "فلا يفرغ من طهوره حتى يوضع العناق بين يديه" -انتبه لا ينتهي من الوضوء إلا والعناق موجودة على الأرض، جاهزة للأكل، وإلا إذا فرغ من طهوره سيذهب- "فلما استيقظ، قال:  يا جابر ائتني بطهور .
فلم يفرغ من وضوئه حتى وضعت العناق بين يديه.
فنظر إليّ فقال:  كأنك قد علمت حبنا اللحم ، -وهذا الشاهد من القصة كلها- ادع أبا بكر، ثم دعا حواريه، فجيء بالطعام فوضع، فوضعه يده وقال:  بسم الله ،كلوا   فأكلوا حتى شبعوا، وفضل منها لحم كثير.
وقال: والله إن مجلس بني سلمة -قبيلة جابر- لينظرون إليهم هو أحب إليهم من أعينهم ما يقربونه مخافة أن يؤذوه" -قوم جابر ينظرون من بعيد هم مشتاقون إلى النبي عليه الصلاة والسلام لكن يخافون أن يؤذوه وهو جالس على الطعام، فتركوه يأخذ ما يريد منه، بدون مزاحمة، وبدون إيذاء، ثم قام عليه الصلاة والسلام، وقام أصحابه فخرجوا بين يديه، وكان يقول:  خلوا ظهري للملائكة  فاتبعتهم حتى بلغت أسكفة الباب" -يعني عتبة الباب- "فأخرجت امرأتي" هذا خلاف التعليمات يعني مقدمة الجسم- وإلا هي متسترة بطبيعة الحال، "وكانت ستيرة يقول جابر: وكانت ستيرة" -لكن لما أوشك النبي عليه الصلاة والسلام على الخروج امرأة جابر أطلت وهي ستيرة- "وقالت: يا رسول الله صل عليّ وعلى زوجي، قال:  صلى الله عليك وعلى زوجك  طيب الصلاة من الله يعني الرحمة على العبد، وأن يذكره في الملأ الأعلى، ثم قال: ادع لي فلانًا  للغريم الذي اشتد عليّ في الطلب، فقال عليه الصلاة والسلام:  أيسر جابرًا طائفة من دينك الذي على أبيه إلى هذا الصرام المقبل .
قال: ما أنا بفاعل واعتل يعني ذكر علل.
قال: إنما هو مال يتامى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين جابر؟ .
قلت: أنا ذا يا رسول الله.
قال:  كل له  -من الكيل-  كل له من العجوة فإن الله سوف يوفيه  هذه رواية أحمد.
وفي رواية البخاري: "فطاف في  النخل، ودعا في ثمرها بالبركة، فرفع رأسه إلى السماء فإذا الشمس قد دلكت. فقال: الصلاة يا أبا بكر فاندفعوا إلى المسجد.
فقلت: لغريمي قرب أوعيتك، فكلت له من العجوة فوفاه الله" -رغم أنه أصلاً ما يكفي هذا في التقدير البشري ما يكفي- "قال: وفضل لنا من التمر كذا وكذا، فجئت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده كأني شرارة يعني من السرعة، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى، فقلت: يا رسول الله إني قد كلت لغريمي تمره فوفاه الله، وفضل لنا من التمر كذا وكذا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  أين عمر بن الخطاب؟ . فجاء يهرول.
فقال: سل جابر بن عبد الله عن غريمه وتمره .
قال: ما أنا بسائله قد علمت أن الله سوف يوفيه إذ أخبرت أن الله سوف يوفيه" -يعني ما يحتاج أعرف التفاصيل، أصلاً  أنا من حين ما عرفت كلامك أن الله سيوفيه، وأنا مؤمن ما يحتاج أسأل جابر ماذا حصل؟
فرددت عليه، وردد عليه هذه الكلمة ثلاث مرات، وكل ذلك يقول عمر: ما أنا بسائله، وكان لا يراجع بعد المرة الثالثة.
فقال: ما فعل غريمك وتمرك؟
قلت: وفاه الله، وفضل لنا من التمر كذا وكذا.
فرجعت إلى امرأتي فقلت: ألم أكن نهيتك أن تكلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي؟
فقالت: تظن أن الله تعالى يورد نبيه في بيتي ثم يخرج ولا أسأله الصلاة عليّ وعلى زوجي". [رواه أحمد: 15281، والدارمي: 46]. وقال محقق مسند أحمد: إسناده صحيح.
كان عليه الصلاة والسلام يحب من الشاة الذراع:
فعن أبي هريرة قال: "وضعت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذراع، وكان أحب الشاة إليه يعني الذراع" [رواه مسلم: 194].
والذراع من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى هذا ذراع، والذراع من كل حيوان يده، فإذًا النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يحب اليد.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كان أحب العراق -يعني العظم الذي يتعرق، يعني يؤكل اللحم منه مباشرة يشد عن العظم ويؤكل- "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عراق الشاة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الذراع، يروقه، ويستحسنه، ويحبه، وسم في الذراع، وكان يرى أن اليهود هم سموه". [رواه أبو داود: 3780 ، 3781]، وهو حديث صحيح [صححه الألباني السلسلة الصحيحة: 2055].
واليهودية لما علمت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب الذراع من الشاة أكثرت من السم فيها، ولذلك لما أكل النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأكلة صارت تعادوه على شكل نوبات حمى بين مدة وأخرى حتى كان آخرها هي القاضية، ولذلك قال في  مرض موته: لا زالت أكلت خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري  [رواه البخاري تعليقاً: 4428 ، وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 1313]، وهو عرق بين الظهر والقلب، إذا انقطع مات الإنسان، فإذًا نبينا عليه الصلاة والسلام مات شهيدًا مسمومًا بسم اليهود، ولم تكن ميتة طبيعية.
وعن أبي عبيدة رضي الله عنه قال: دخلت للنبي صلى الله عليه وسلم قدرًا، وقد كان يعجبه الذراع" -هذه قصة لطيفة- "يقول أبو عبيد رضي الله عنه طبخت للنبي صلى الله عليه وسلم قدرًا، وقد كان يعجبه الذراع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ناولني ذراعها فناولته بعد قليل، قال:  ناولني ذراعها ، فناولته الذراع الثاني، بعد قليل قال: ناولني ذراعها .
فقلت: يا نبي كم للشاة من ذراع.
قال:  والذي نفسي بيده لو سكت لأعطتك ذراعًا ما دعوت به  طيلة ما أقول: هات ذراع ستخرج أذرعة الحديث [رواه أحمد: 16010، وصححه الألباني في مختصر الشمائل المحمدية: 1/96].
قال بعض العلماء معلقًا على الحديث كما في فتح الباري: "فخرج من شؤم المعارضة انتزاع البركة". [فتح الباري: 4/346]. خلاص لولا المعارضة كانت البركة استمرت.
قال بعض أهل العلم" محبته صلى الله عليه وسلم للذراع لنضجها، وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها، وحلاوة مذاقها،  وبعدها عن مواضع الأذى". [تحفة الأحوذي: 7/103].
قال ابن القيم رحمه الله: "ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة، ولحم الذراع، والعضد، وهو أخف على المعدة، وأسرع انهضامًا، وفي هذا مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاثة أوصاف:
أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى.
الثاني: خفتها على المعدة، وعدم ثقلها عليها.
الثالث: سرعة هضمها، وهذا أفضل ما يكون من الغذاء، والتعذي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره". [زاد المعاد: 4/198].
حبه صلى الله عليه وسلم للمرق:
وكان صلى الله عليه وسلم يحب المرق، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الثفل  قال عباد أحد رواه الحديث: يعني المرق". [رواه أحمد: 13323، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 4979].
والمرق: الحساء، الذي نسميه نحن الشوربة، ويصنع من أطعمة مختلفة كاللحوم والخضار، وعن جابر بن عبد الله في حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم لما نحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أمر من كل بدنة ببضعة" -يعني قطعة- "فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها، وشرب من مرقها". [رواه مسلم: 1218].
وقد قيل: الثفل: هو ما بقي من الطعام، يعني ما بقي في القدر، ولعل وجه إعجابه به أن منضوج غاية النضج القريب إلى الهضم، ويكون أقل دهانة فهو أهنأ وأمرأ، وفيه إشارة إلى التواضع، وإيماء إلى القناعة في قعر القدر، وفيه رد على كثير من الأغنياء الذين يتكبرون ويأنفون من أكل الثفل، ويصبونه يعني يتخلصون منه.
وقيل: الثفل هو الثريد، هذا المعنى الثالث، وهو أن يثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم، ومن أمثالهم -يعني أمثال العرب-: الثريد أحد اللحمين، وربما كان أنفع وأقوى من نفس اللحم النضيج إذا ثرد بمرقته. [تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي: 10/14].
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:  فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام  متفق عليه [رواه البخاري: 3411، ومسلم: 2446].
قال العلماء: "معناه أن الثريد من كل الطعام أفضل من المرق، فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه، والمراد بالفضيلة نفعه، والشبع منه، وسهولة مساغه، والالتذاذ به، وتيسر تناوله، وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة، وغير ذلك، فهو أفضل من المرق كله، ومن سائر الأطعمة، وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسيا؛ لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة". [شرح النووي على مسلم: 7/206].
وإنما مثل الثريد لأنه أفضل طعام العرب، ولا يرون في الشبع أغنى غناء منه.
وقيل: إنهم كانوا يحمدون الثريد فيما طبخ بلحم.
وقيل من أمثال العرب: "سيد الطعام اللحم". فكأنها رضي الله عنها فضلت على النساء كفضل اللحم على سائر الأطعمة.
حبه صلى الله عليه وسلم للخل:
هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الخل، وهل حديث  نعم الإدام الخل  يدل على محبته له.
عن طلحة بن نافع أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ذات يومًا إلى منزله، فأخرج إليه" -يعني الخادم- "فلقًا" -كسر وقطع- "من خبز، فقال عليه الصلاة والسلام:  ما من أدم؟  -يعني شيء نغمس به هذا الخبز، نجعله مع الخبز هذا- ما من أدم نغمسه فيه مثلاً.
فقالوا: لا ما عندنا إلا شيء من خل، فدعا به، فجعل يأكل به الخبز مع الخل، ويقول:  نعم الأدم الخل .
قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه وسلم. وقال طلحة: ما زلت أحب الخل منذ  سمعتها من جابر". [رواه مسلم: 2052].
والخل: معروف سائل مائع ذو طعم نافذ لاذع يستخدم لتتبيل الأطعمة، وحفظها، يصنع من عصير العنب، والبرتقال، والبطيخ، وقصب السكر، والتفاح، والتوت، والعسل، كما تمكن العلماء من صنعه كيميائيًا، يعني في طريقة طبيعية، وطريقة كيميائية لصنع الخل، وتأخذ مختلف أنواع الخل أسماءها من المواد المصنوعة منها، فمثلاً خل التفاح، خل العنب، وهكذا، والخل غذاء ودواء قديم.
قال ابن القيم: "والخل ينفع من المعدة الملتهبة، ويقمع الصفراء، ويدفع ضرر الأدوية القتالة، ويحلل اللبن والدم، وينفع الطحال، ويدبغ المعدة، ويعقل البطن، ويقطع العطش، ويعين الهضم، ويلطف الأغذية الغليظة، ويرق الدم، وإذا تمضمض به مسخنًا نفع من وجع الأسنان، وقوى اللثة". [زاد المعاد: 4/279].
وفي الحديث: أن الخل يسمى أدمًا، وأنه أدم فاضل جيد، والإدام والأدم ما يؤكل مع الخبز أي شيء كان". [النهاية في غريب الأثر: 1/31].
قال أبو عبيد في غريب الحديث: "إنما سماه إدامًا لأنه يصطبغ به، وكل شيء  يصطبغ به لزمه اسم الإدام" [غريب الحديث/ 2 /152].
يعني مثل الخل، والزيت، واللبن وما أشبه ذلك، فإن حلف حالف ألا يأكل إدامًا فأكل بعض ما  يصطبغ به فهو حانث.
وذكر النووي رحمه الله: أن في الحديث بيان فضل الخل". [شرح مسلم للنووي: 6/6].
وذكر ابن القيم رحمه الله أن تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم للخل كان لمقتضى الحال لا مطلقًا؛ لأنه ما هو موجود غيره، فأثنى عليه كأنه لا يعيب ولا يزدري النعمة، هذا موجود فنحبه نأكله.
وقال ابن القيم رحمه الله: "وكان يأكل الخبز مأدومًا ما وجد له إدامًا، فتارة يأدمه باللحم، وتارة بالبطيخ، وتارة بالتمر، وتارة بالخل، ويقول:  نعم الإدام الخل  وهذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر لا تفضيلاً له على غيره، وقال ليس في هذا تفضيل على اللبن واللحم والعسل والمرق، وإنما هو مدح له في الحال التي حضر فيها، ولو حضر لحم أو لبن كان أولى بالمدح منه، وقال: هذا جبرًا وتطييبًا لقلب من قدمه له، لا تفضيلاً له على سائر الطعام". [زاد المعاد: 4/198].
وقال بعض العلماء كالملا علي القاري: بل إن فيه تفضيلاً للخل. [مرقاة المفاتيح: 12/437]، وكذلك النووي كما تقدم.
فالحديث لا يدل على أن الخل أفضل مما عداه، وإنما الخل له فائدة، وله اعتبار، ويؤكد ذلك قول جابر: "فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه وسلم"
حبه صلى الله عليه وسلم للدباء:
كان عليه الصلاة والسلام يحب الدباء: فعن أنس رضي الله عنه أن خياطًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم إليه قصعة فيها ثريد، وعليه دباء، وأقبل على عمله" -الخياط ما أكل معهم- "أقبل على عمله فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة. فلما رأيت ذلك جعلت أتتبعه فأضعه بين يديه، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ". [رواه البخاري: 5420].
قال ثابت: فسمعت أنسًا يقول: فما صنع لي طعام بعد أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع". [رواه مسلم: 2041].
والدباء: هو اليقطين والقرع.
وقال أنس رضي الله عنه:" كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب القرع". [رواه ابن ماجه: 3302، وصححه الألباني  في صحيح ابن ماجة: 2671].
قال ابن القيم: واليقطين المذكور في القرآن  وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ  [الصافات: 146] ، هو نبات الدباء، وثمره يسمى الدباء والقرع، وشجرة اليقطين". [زاد المعاد: 4/370].
قال بعض أهل العلم: من فوائد الحديث فضيلة أكل الدباء، وأنه يستحب أن يحب الدباء، وكذلك كل شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه وأن يحرص على تحصيل ذلك". [شرح مسلم للنووي: 5/234].
لكن قال آخرون من أهل العلم: محبة النبي عليه الصلاة والسلام للدباء محبة طبعية، فنحن لا نتعبد بالأكل من الدباء، ونقول: وين السنة الأجر الكثير هات الدباء، وإنما يحبه المسلم يعني من محبة النبي عليه الصلاة والسلام.
فإذًا ليست هي مثل اللحية، اللحية سنة عبادة، والسنن الأخرى السواك مثلاً، فالدباء أكله بمحبة طبعه، وميل نفسه له، وفي الحديث جواز أكل الشريف طعام من دونه من محترف وغيره، وإجابة دعوته، ومؤاكله الخادم، وبيان ما كان في النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع واللطف في أصحابه، وتعاهدهم بالمجيء إلى منازلهم، وفيه الإجابة إلى الطعام، ولو كان قليلاً، وفيه جواز ترك المضيف الأكل مع الضيف؛ لقوله: "أن الخيط قدم لهم الطعام، ثم أقبل على عمله"، والنبي عليه الصلاة والسلام أقر ذلك، ولم يلزم الخياط بالجلوس معهم، فمذهب بني فلان، وقبيلة بني فلان أنهم يتركون الضيف مع الطعام، ويغلقون عليه النور، ويطفئون الأنوار، على أية حال ترك الضيف مع الطعام له وجه في السنة، لو قالوا: هذه عادتنا نحن نترك الضيف مع الطعام يأخذ راحته، يمكن لو جلسوا معه يستحي.
فنقول: لا حرج في ذلك النبي عليه الصلاة والسلام أقر هذا الخياط، أقبل على عمله، وتركهم مع الطعام.
قال: ويحتمل أن يكون الطعام كان قليلاً فآثرهم به، وأيضًا يحتمل أن يكون هناك احتمال أنه كان مكتفيًا من الطعام، يعني الخياط، أو كان صائمًا، أو كان شغله قد تحتم عليه تكميله، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس؛ لاقتفائه النبي عليه الصلاة والسلام في الأشياء الجبلية، ويأخذ نفسه باتباعه فيها، وهذا القرع على أية حالة يحتوي مواد غذائية وطبية كثيرة.
وذكر بعض العلماء الألمان في بحث حديث في القرع: أن مركباته تعمل على تنشيط الخلايا الدماغية، وتنمي التلافيف المخية المسؤولة عن الاستيعاب والذكاء.
ومن الناحية الغذائية فإن فوائد القرع كثيرة: ومنها أنه يحتوي على فيتامينات ألف وباء وجيم، وهو سهل الهضم والامتصاص، وعناصره المعدنية كثيرة من الحديد، والكالسيوم، والبوتاسيوم، والفوسفور، والمنجنيز.
قال ابن القيم -رحمه الله- عن اليقطين قال: "وبالجملة فهو من ألطف الأغذية، وأسرعها انفعالاً". [زاد المعاد: 4/370].
وقوله في الحديث: "فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء حوالي القصعة"، طيب لو قال واحد: نحن نعرف الواحد يأكل مما يليه، فكيف يتتبع الدباء، وهو علمنا أن يأكل الإنسان مما يليه؟
في هذا أمران:
الأول: قوله: "من حوالي القصعة" يحتمل أن يكون من النواحي التي أمامه، وليست التي أمام غيره.
ثانيًا: أن يكون النهي عمن يتقذر بمد يد غيره إلى جهته، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يتقذره أحد، بل يتبركون بآثاره وريقه.
قال الحافظ رحمه الله: وجمع بعضهم بحمل النهي على ما إذا كان الطعام نوعًا واحدًا". [فتح الباري: 9/523].
إذا كان نوع واحد ما تمد يدك إلى موضع غيرك- ويحمل الجواز على ما إذا تنوع الطعام  -يعني لو قدموا صحن فاكهة فيه أشياء كثيرة برتقال، وتفاح، وموز، ومنجا، وتين، وجوافة، فأنت تريد مثلاً فاكهة موجودة أمام غيرك، فلا بأس أن تمد يدك إليها، ويحمل النهي على مد اليد إلى موضع الغير إذا كان الطعام من جنس واحد.
حبه صلى الله عليه وسلم للحلواء والعسل:
كان عليه الصلاة والسلام يحب الحلواء والعسل: فعن عائشة رضي الله عنها قالت:  كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الحلواء والعسل  [رواه البخاري: 5431].
والحلواء، أو الحلوى: كل حلو يؤكل.
وقال الخطابي: "اسم الحلوى لا يدخل إلا على ما دخلته الصنعة". [فتح الباري: 9/557] يعني: إذا كان مطبوخًا، يعني تدخل فيه الآدمي.
أما الشيء الحلو الموجود في الطبيعة لا يسمى حلوى، الحلوى في اللغة ما تدخل فيه الصنعة، الكنافة، البقلاوة، وهكذا.
وفي المخصص لابن سيدة -وابن سيدة من أئمة اللغة- قال في الحلوى: "هي ما عولج من الطعام بحلاوة، وقد تطلق على الفاكهة". [المخصص: 5/13].
وقال بعض أهل العلم: المراد بالحلوى كل شيء حلو، وذكر العسل بعدها للتنبيه على شرفه ومزيته، وهو من الخاص بعد العام". [شرح السيوطي على مسلم: 4/91].
وفي الحديث جواز الأكل من الطيبات، ومن اللذائذ ما دامت مباحة، وأن هذا لا ينافي الزهد، وإن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان أكله، لكن ما الذي ينافي الزهد؟
الإكثار، اثنين الإسراف، التكلف، شراؤه بأغلى الأثمان، تطلبه وهو ليس بموجود، النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يحب الحلوى والعسل"، بس ما كان يتكلف.
وكذلك روى البيهقي في الشعب عن أبي سليمان قال: "قول عائشة: "كان يعجبه الحلوى" ليس على معنى كثرة التشهي لها، وشدة نزاع النفس إليها، وتأنق الصنعة في اتخاذها، كفعل أهل الترفه والشره، وإنما كان إذا قدمت إليه ينال منها نيلاً جيدًا، فيعلم بذلك أنه يعجبه طعمها، وفيه دليل على اتخاذ الحلاوات والأطعمة من أخلاط شتى". [شعب الإيمان: 5/97].
قال بعض العلماء: "وكان بعض أهل الورع يكره ذلك، والحديث يرد عليهم". [فتح الباري: 9/557].
وقال الثعالبي في فقه اللغة: "إن حلوى النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يحبها هي المجيع، وهو تمر يعجن بلبن". [فقه اللغة وسر العربية: ص: 182].
وأما العسل: المعروف فقد كان عليه الصلاة والسلام يحبه، ومنه الأحمر، والأصفر، والأبيض، والجامد، والسائل بحسب النحل الذي يخرج من بطونها، وبحسب ما تتغذى عليه، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: 69].
حبه صلى الله عليه وسلم للتمر بالزبد:
كان عليه الصلاة والسلام يحب التمر بالزبد إذا وجد: فعن ابني بسر السلميين قالا: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعنا تحته قطيفة لنا صببناها له صبًا، فجلس عليها، وأنزل الله عز وجل عليه الوحي في بيتنا، وقدمنا له زبدًا" -وهو حليب، يعني لبن البقر والغنم إذا خض مع الخض يخرج الزبد- "وأنزل الله عز وجل عليه الوحي في بيتنا، وقدمنا له زبدًا وتمرًا، وكان يحب الزبد والتمر". [رواه أبو داود: 3839، وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 4921].
يعني يحب الجمع بينهما في الأكل؛ لأن الزبد حار رطب، والتمر بارد يابس، فهذا يصلح هذا، وهذا يعدل هذا.
وكان عليه الصلاة والسلام معتدلاً في أكله، وفي الحديث جواز أكل الشيئين وطعامين معًا، وأنه ليس من الإسراف، نحن الآن الإفطار في رمضان كم صنف قبل المغرب؟
ما أدري كم. وبعد المغرب كم؟
قال القرطبي: "يؤخذ منه جواز مراعاة صفات الأطعمة، وطبائعها، واستعمالها على الوجه اللائق بها في قاعدة الطب، وهذا أصل كبير في المركبات من الأدوية". [فتح الباري: 9/573].
والتمر من الأطعمة المفيدة التي كان يحرص عليها صلى الله عليه وسلم ويقول  يا عائشة بيت لا تمر فيه جياع أهله، يا عائشة بيت لا تمر فيه جياع أهله  [رواه مسلم: 2046].
والتمر منجم غني بالمعادن.
قال ابن القيم: "هو من أكثر الثمار تغذية للبدن، وهو فاكهة، وغذاء، ودواء، وشراب، وحلوى" [زاد المعاد: 4/267].
ما هو الشراب؟
"كان عليه الصلاة والسلام يلقى له التمر في الماء، وبعد مدة يسيرة يشرب النقيع" الماء بحلاوة التمر يعجبه، أما إذا بقي أكثر من يوم يسكبه لأنه بعد ذلك يتخمر، ويتحول إلى أشياء أخرى.
وكان عليه الصلاة والسلام يؤكل في الإفطار رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء". [رواه الترمذي: 696، صححه الألباني الإرواء: 922].
قال ابن القيم: في فطر النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم على التمر أو الماء تدبير لطيف جداً، فإن الصوم يخلي المعدة من الغذاء، فلا تجد الكبد فيها ما تجذبه وترسله إلى القوى والأعضاء، والحلو أسرع شيء وصولاً إلى الكبد، وأحبه إليها، ولاسيما إن كان رطبًا، فيشتد قبولها له، فتنتفع به هي والقوى، فإن لم فالتمر لحلاوته وتغذيته، فإن لم يكن فحسوات الماء تطفيء لهيب المعدة وحرارة الصوم، فتتنبه بعده للطعام، وتأخذه بشهوة". [زاد المعاد: 4/286].
حبه صلى الله عليه وسلم للحلو البارد:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلو البارد: كما جاء عن عائشة رضي الله عنها  كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد  [رواه الترمذي: 1958، صححه الألباني السلسلة الصحيحة: 2134].
وهذا فيه ثلاث احتمالات:
الأول: الماء العذب. كمياه العيون، والآبار الحلوة، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يستعذب له الماء، وكان يشرب من بئر أبي طلحة، وكان يستعذب له الماء من بيوت السقيا". [رواه أبو داود: 3735، وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 4951]. قال ابن حجر: سنده جيد". [فتح الباري: 10/74].
يعني يجاء بالماء العذب الطيب الذي لا ملوحة فيه -لأن مياه المدينة كانت مالحة- من بيوت السقيا، عين بينها وبين المدينة يومان، كان يؤتى بالماء من بيوت السقيا هذه عين ماء على بعد يومين من المدينة، فكان يؤتى له بالماء منها لعذوبته.
الاحتمال الثاني: أن يراد بالحلو البارد الماء الممزوج بالعسل، قال ابن القيم: "فإنه كان صلى الله عليه وسلم يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن شربه ولعقه على الريق يذيب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، وشربه أنفع من كثير من الأشربة المتخذة من السكر أو أكثرها".
يقول ابن القيم: "ولاسيما لمن لم يعتد هذه الأشربة ولا ألفها طبعه، فإنه إذا شربها لا تلائمه ملائمة العسل، ولا قريبًا منه". [زاد المعاد: 4/205].
الاحتمال الثالث: أن يكون المراد بالحلو البارد الماء الذي نقع فيه التمر أو الزبيب، وهذا يسمى بالنبيذ، وليس هو النبيذ المسكر، فإذا سمعت عن نص فيه إباحة النبيذ فالمقصود به هذا الماء الملقى فيه تمر أو زبيب، وإذا سمعت عن نص فيه تحريم النبيذ، فاعلم أنه النبيذ المتخمر الذي صار يسكر.
فالنبيذ يطلق بإطلاقين:
النبيذ المباح: ماء ألقي فيه تمر أو زبيب، فيشرب لحلاوته بعد مدة يسيرة من الإلقاء، ساعات ممكن، وكان عليه الصلاة والسلام ينبذ له أول الليل" -يعني شوف حتى متى يشرب هذا الماء الملقى فيه التمر أو الزبيب، متى يشربه- "أول الليل، ويشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد إلى العصر، فإن بقي شيء سقاه الخادم، أو أمر به فصب" [رواه مسلم: 2004] ، ولم يكن يشربه بعد ثلاث أبدًا تخوفًا من إسكاره، طيب الحلو البارد.
قال ابن القيم: الأظهر أنه يعم هذه الاحتمالات جميعًا"، وقال: "الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة فمن أنفع شيء للبدن، ومن أكبر أسباب حفظ الصحة، وللأرواح، والقوى، والكبد، والقلب عشق شديد له لهذا الحلو البارد الشراب واستمداد منه، وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية، وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء، وإيصاله إليها أتم تنفيذاً". [زاد المعاد: 4/205]، واستطابة الأطعمة بهذه الطريقة لا تنافي الزهد، أيضًا  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ  [المائدة : 87].
حبه صلى الله عليه وسلم للرطب بالبطيخ:
وأخيرًا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الرطب بالبطيخ: فعن عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخة بالرطب، ويقول:  نكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا  [رواه أبو داود: 3836]. والحديث صحيح [صححه الألباني السلسلة الصحيحة: 57].
طيب ما هو الحار؟ الرطب، والبارد: البطيخ.
قال ابن القيم: المراد به الأخضر" -أي بطيخ هنا نقطة- قال ابن القيم: المراد به الأخضر". [زاد المعاد: 4/263].
وقال الحافظ ابن حجر: "المراد به الأصفر، بدليل ورود الحديث بلفظ: "الخربز" بدل البطيخ، وكان يكثر وجوده بأرض الحجاز بخلاف البطيخ الأخضر". [فتح الباري: 9/573].
وفي مسند أحمد عن أنس قال:  رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرطب والخربز  [أحمد: 12449]، والخربز نوع من البطيخ الأصفر معروف.
قال النووي: "في حديث الباب جواز أكل الشيئين من الفاكهة معاً، وجواز أكل الطعامين معًا". [شرح النووي على مسلم: 13/227].
قال ابن القيم: "في البطيخ عدة أحاديث لا يصح منها شيء غير هذا الحديث الواحد". [زاد المعاد: 4/263].
لأنه في بعض بياعي البطيخ وضعوا في فضل البطيخ، ومن أكل البطيخ زيد في عقله كذا وكذا، ومن، ومن، ومن لا يخافون الله يريدون تسويق السلعة،  ووسائل التسويق عندهم منها الأحاديث الموضوعة، "الهريسة تشد الظهر" أخبرني به جبريل آنفًا، كلام فاضي لأن هذا بياع هريسة، الباذنجان لما أكل له بياع باذنجان وضع الحديث، وهكذا كان بعض الناس ما يخافون الله وضع الحديث عندهم مثل شرب الماء، واحد جاء ولده الصغير مضروبًا من ضربك؟ قال: المعلم. قال: أما والله لأخزينهم، وراح في المجالس قال عليه الصلاة والسلام: "معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة على المسكين" ...
طبعًا الأعاجم الفرس وضعوا أحاديث في فضل مدن فارس مدينة مدينة، قابلهم جهلة العرب وضعوا أحاديث في فضل قبائل العرب قبيلة قبيلة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:  من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار  [البخاري:3461].
قال ابن القيم: "وفي البطيخ عدة أحاديث لا يصح منها شيء غير هذا الحديث الواحد، وهو بارد رطب، وفيه جلاء، وهو أسرع انحدارًا على المعدة من القثاء والخيار، وإذا كان آكله محرورًا انتفع به جداً، وقال بعض الأطباء: إنه قبل الطعام  يغسل البطن غسلاً، ويذهب بالداء أصلاً". [زاد المعاد: 4/263].
هذا ما تيسر ذكره من الأطعمة التي كان يحبها النبي صلى الله عليه وسلم. وقد عشنا في أجواء يعني كأننا انتقلنا إلى العهد النبوي، وتطوفنا وطوفنا بهذه النصوص التي تقربنا من ذلك المجتمع، مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مما ينبغي للمسلم أن يفعله في القراءة، والاطلاع، والاستماع لأخبار المصطفى عليه الصلاة والسلام.
نسأل الله أن يوردنا حوضه، وأن يرزقنا شفاعته، وأن يجمعنا به في جنات النعيم، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أتباعه في الدنيا وفي الآخرة إنه سميع مجيب.