الاثنين 13 صفر 1440 هـ :: 22 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

التحريش


عناصر المادة
مقدمة للموضوع:
تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- من تحريش الشيطان:
معنى التحريش في اللغة والاصطلاح:
الفرق بين التحريش والتحريض:
حكم التحريش بين البهائم:
تحريش المشركين بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وعمه أبو طالب:
التحريش ضد الصحابة -رضي الله عنهم-:
تحريش المنافقين لإيقاع الفتنة بين المسلمين:
التحريش بأهل الخير والصلاح:
السعي للتحريش بين أهل الفضل والعلم الأخيار:
التحريش بين الزوجين لإفساد المودة بينهما:
تحريش الشيطان بين أبناء يوسف -عليه السلام- وإخوته:
التحريش بين الموظفين ومديرهم:
التحريش بين الزملاء والشركاء في العمل:
التحريش عبر المقالات والمجلات:
أضرار التحريش ومفاسده المترتبة عليه:
فساد ذات البين:
التدابير الشرعية لعلاج التحريش:
السعي في الصلح بين المتشاحنين:
التثبُّت والتأنّي وعدم التسرع والاستعجال في الحكم:
ستة أحوال لمن بلغه أنه ذُكِر بسوء:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين.
مقدمة للموضوع:
00:00:12
 وبعد، فقد دعا هذا الدين الحنيف إلى إصلاح ذات البين، وحذّر مما يوقعه الشيطان بين المسلمين، ومن أعظم ما يوقعه بينهم: التحريش، كما أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وكم جرّ التحريش من ويلات، وأفسد من صلات، وكشف من عورات، وكم بذر بذوراً للشحناء، وأرسى من قواعد العداوة والبغضاء، كم خرّب التحريش من بيوت عامرة، وفرّق بين أُسر مجتمعة فأصبحت خاسرة، وأزهق من أرواح بريئة فصارت بائرة.
ومن يطع الواشين لم يتركوا له *** صديقاً وإن كان الحبيب المقربَ
[عيون الأخبار: 2/25].
 ما أكثر ما غرس التحريش من بذور الشر، تفريقاً بين الأخ وأخيه، والمرء وزوجة، والصديق وصديقه.
فتبدلت المحبة بغضا، والصفو كدرا، فهذا ناشر البغضاء ومفرّق الأحبة.
قال أبو الخطاب -رحمه الله- "ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس". [عيون المسائل للسمرقندي الحنفي]
يفسد النمام في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة.
تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- من تحريش الشيطان:
00:01:31
 التحريش هو مقصد الشيطان الأول وخاصة بين الصحابة في آخر عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، نصحهم وأخبرهم، عن جابر -رضي الله عنه- قال: "سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الشيطان قد أيس  [رواه مسلم: 2812].، وفي رواية-  يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم  [رواه مسلم: 2812].
ولذلك كان الصحابة له بالمرصاد، فقاموا مع الصدِّيق بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقاتلوا المرتدين مع أبي بكر، ثم مع عمر وعثمان، فتُحت الأمصار، وهكذا لم ينل الشيطان منهم شيئاً إلا هذه الفتن التي قام بها أتباع الشيطان وأعوانه في التحريش بين المسلمين، فقام الصحابة يسكنونها -رضي الله عنهم-.
وأعوان الشيطان لم يتركوا شيئاً، ولذلك فإن الشيطان لما عجز أن يطيعوه في الشرك سعى في إلقاء العداوة بينهم والتحريش بين المسلمين بالخصومات والشحناء، والفتن، وإيغار صدور بعضهم على بعض، فصار بأعوانه يثيروا ما بين أهل مصر وأهل المدينة، وأهل الشام وأهل الحجاز؛ لأنه لا يريد الأمصار المفتوحة أن تكون عامرة بالإسلام، فأغاظه ما حصل من انتشار الدين على أيدي أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-.
فقال -عليه الصلاة والسلام-  ولكن في التحريش بينهم  [رواه مسلم: 2812].
فيوقع الشيطان بين المسلمين بالحزازات في فروق طبقية، ويستعين بالأشياء العرقية، والعنصرية، ويوقد النيران، ويضع الحواجز الوهمية، ويثير الأحقاد التاريخية، وأيضاً يحرّش بين المسلمين بمجرد الاختلافات الجغرافية، حتى يحتقر بعضهم بعضا، وينال بعضهم من بعض، ويثير مسألة التعالي بالأنساب، والأحساب، والتميُّز بالأسماء والألقاب التي كرّم الله بها المؤمنين، حتى قضية: "يا للمهاجرين، يا للأنصار، بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ماذا أُريد بها، هذه كلمات من الحق أراد بها أعوان إبليس شيئاً من الباطل، فأثاروها بطريقة على منهج التحريش، ومشى على درب إبليس أعوانه في القديم والحديث، يثيرون بين المسلمين أنواع العداوات.
معنى التحريش في اللغة والاصطلاح:
00:04:34
 والتحريش هو: "إغراء الإنسان أو الحيوان ليقع بنظيره" هذا تعريفه في اللغة. [لسان العرب: 6/279].
ويقال: حرش بين القوم إذا أغرى بعضهم ببعض، وأثار بعضهم على بعض، وأفسد بعضهم على بعض، وأخرجهم إلى التباغض.، وهذا التحريش الذي ذكرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إغراءٌ، فهو فيه تحفيز وإثاره لطرف؛ لكي يقوم على الطرف الآخر.
الفرق بين التحريش والتحريض:
00:05:07
 التحريش فيه نوع من الخداع، قال أهل اللغة: "ولا يكون استعماله إلا في الشر" كما في لسان العرب و القاموس المحيط. بخلاف التحريض، فيكون في الخير والشر، ومنه التحريض على ركوب الخيل.
وقال -عز وجل-:  فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ  [النساء: 84].
فالفرق إذن بين التحريض والتحريش: أن التحريض يكون في الخير والشر، والتحريش لا يكون ولا يستعمل إلا في الشر، وله وسائل، ومن ذلك: النميمة، وهي: نقل الكلام من طرف إلى آخر للإفساد.
والنميمة: نقل الكلام بين الطرفين لإيقاد العداوة والبغضاء، وإفشاء السر، وكشف السِّتر عما يُكره كشفة، هذه المريقة للدماء، وإذا كان الشرع قد حرّم التحريش بين البهائم فما بالكم بالتحريش بين الآدميين؟.
حكم التحريش بين البهائم: 
00:06:12
 وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التحريش بين البهائم. [رواه أبو داو: 2562، والترمذي: 2562، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود: 443] 
وقال الشيخ مُلا علي القاري -رحمه الله- في مرقاة المفاتيح: "وإذا كان الإغراء بين البهائم منهياً، فبالأولى أن يكون بين الإنسان منهياً" [مرقاة المفاتيح: 7/2662].
والتحريش بين البهائم: هو إغراء بعضها ببعض للتطاحن، وتتصارع إلى حد الموت، أو مقاربته، وهذه قسوة قلب، وإيذاء للحيوان، فلا يجوز، لا في تقاتل الكلاب، ولا في مهارشة الديكة، ولا في مناطحة الأكباش، ولا في مصارعة الثيران؛ لما فيه من إيلام الحيوان، وتعذيبه بغير فائدة، وكذلك التلهي بمنظر الدماء وهي تسيل وهذه قسوة قلب، ومن لم لا يرحم لا يُرحم.
ولا خلاف بين الفقهاء في حرمة التحريش بين البهائم بتحريض بعضها على بعض، والتحريش في ما بينها، والتهييج لأنه سفه وإيذاء وإتلاف.
أما التحريش بين الآدميين، والتحريش بين المسلمين والمؤمنين، فإنه يكون كما قلنا بين الزوجين، وبين الأخوين، وبين الأسرتين، وبين الجيران، وبين القبيلتين، وبين الرئيس والمرؤوسين، وبين الزملاء، والشركاء.
هذا التحريش ذكره العلماء في تفسير قوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا  [نوح: 22]، عن الأساليب التي استعملها قوم نوح -عليه السلام- في إيذاء نوح.
قال العلماء: "وذلك باحتيالهم في الدين، وتحريش الناس على أذى نوح -عليه السلام- .
تحريش المشركين بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وعمه أبو طالب:
00:07:51
 حاول المشركون جاهدين التحريش بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين عمه أبي طالب –مثلاً- فجاءت قريش إلى أبي طالب، فقالت: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا.
فقال: يا عقيل -أبو طالب يقول لولده-: "انطلق فأتني بمحمد".
فانطلق فجاء به في الظهيرة في شدة الحر.
فقال له أبو طالب: "إن بني عمك -يعني هؤلاء قريش- زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانتهِ عن أذاهم، فحلّق النبي -صلى الله عليه وسلم- ببصره نحو السماء، فقال:  ترون هذه الشمس؟ .
قالوا: نعم، قال:  فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تسشتعلوا منها بشعلة  فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا"[رواه الطبراني في الكبير: 511، والبخاري في التاريخ الكبير: 230، وأبو يعلى في مسنده: 6804، وابن إسحاق في السير والمغازي: 155، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 92].
لما رأى إصراره قال: ارجعوا ما لكم شيء.
هذا يدل على أصرار النبي -صلى الله عليه وسلم- على الدعوة يدل على أنه -عليه الصلاة والسلام-لن يدع الدعوة كما أنهم لن يأتوا له بشعلة من الشمس لا يستطيع ترك الدعوة، كما أنهم لا يستطيعون أن يأتوا له بشعلة من الشمس.
التحريش ضد الصحابة -رضي الله عنهم-:
00:09:07
 وأما التحريش ضد الصحابة، استعمله كفار قريش ضد مهاجرة الحبشة لما ذهبوا يطلبون مكاناً آمناً، فلحقوهم وأرسلوا عمرو بن العاص قبل أن يُسْلِم، وحمل معه الهدايا إلى النجاشي، جاء إلى البطارقة وزودهم بالحجج لطرد المسلمين، فلما حضر عمرو إلى النجاشي وقدّم له الهدايا.
قال له: "أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم لتردهم إليهم.
قالت البطارقة الذين قدم إليهم عمرو -رشوة من قبل-: صدقا -يعني عمرو وصاحبه رسولا قريش-: "أيها الملك فأسلمهم إليهما" [رواه أحمد: 22498، وقال محققه الأرنؤوط: إسناده حسن].
فلم يقبل النجاشي غير إيواء المسلمين، والوقوف معهم، وإكرامهم، وكذلك وعدهم بالنصرة.
هذا الكريم صاحب النعم الكثيرة، والعطايا الجزيلة، ومنها: ما منحه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
أيا من قوله نعم *** ويا من فعله نِعم
تقول لقد سعى الواشون *** بالتحريش لا سلمُ
وقد راموا قطيعتنا *** فقلتُ بلى أنا لهم

وهكذا أكرم المسلمين، ولم يرض بإيقاع الأذى بهم رحمه الله تعالى.
تحريش المنافقين لإيقاع الفتنة بين المسلمين:
00:10:24
 سعى المنافقون للتحريش بين المسلمين، كما جاء في قصة جابر -رضي الله عنه-: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، بدأت العملية بشيء من المزح الثقيل، فقال المهاجر: يا للمهاجرين، هذه عندهم إهانة كبيرة، الآخر يمزح، وهذا عنده -في عرفه- إهانة وذاك يقصد بها مزاحاً.
يا للمهاجرين وقال الأنصاري: يا للأنصار، فسمع ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:  ما بال دعوى الجاهلية دعوها فإنها منتنة [رواه البخاري: 4905، ومسلم: 2584].
ابن سلول مباشرة اقتنص الفرصة للتحريش: "قد فعلوها؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وأنا كنتُ قلت لكم، ومثلنا ومثلهم كما قال الأول سمّن كلبك يأكلك!"
شبّه الصحابة بالكلاب، أطعمناهم، آويناهم، تجرّؤوا علينا.
فيغري الأنصار بالمهاجرين ويقول: أوقعت هذه منهم وفعلوها، أي الأثرة شركناهم في ما نحن فيه، فأرادوا الاستبداد به علينا، وكان لليهود والمنافقين دور عظيم في التحريش بين الصحابة فيما بعدُ، كما حصل من عبد لله بن سبأ اليهودي وغيره الذين قاموا في الإفساد، وصارت فتنة قتل عثمان -رضي الله عنه-، وما جرى بعد ذلك، فكان دورهم تحريشي، حتى كانوا يأتون إلى عسكر بعض الصحابة بالليل، ينقسم هؤلاء قسمان، ينظم كل قسم إلى عسكر للصحابة في الليل، يرمون العسكر الآخر، وأولئك يرمون العسكر الأول، وهكذا، والصحابة ما يدرون عن شيء، تحريش لإيقاد الحرب.
وهكذا نجد -أيها الأخوة- أن الشيطان يثير بنعراته العرقية والقبلية والمذهبية، ونحو ذلك يثير العداوات.
حتى يفرق شعوباً إسلامية ويوقد نار الحرب يفرق بين أمم أهل الإسلام، وشعوب أهل الإسلام، وأفراد وجماعات.
وكذلك فإنه وأعوانه ينبشون عن القديم ليستخرجوا ما يغرون به ويثيرون الفتن ويفتعلون الخلافات والخصومات والنزعات هذا تحريش.
قيل: إن شاس بن قيس اليهودي مر يوم على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم -يعني اجتماع كلمتهم-، اليهود دائما يرون الأوس والخزرج في اقتتال، وكان لهم ثارات بينهم حتى يكونوا هم الذين يسودون، ويجعلون كلا الفريقان يقترضون منهم.
فأمر شاس بن قيس هذا اليهودي شاباً من يهود، وقال: اعمد إليهم، فاجلس بينهم، هؤلاء الآن بعد ما دخلوا في الإسلام، واجتمعوا، وتآلفوا، اجلس بينهم في مجلس وذكّرهم بيوم بُعاث، اليوم الذي اقتتل فيه الأوس والخزرج في الجاهلية، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار من شعراء القبيلتين، وماذا قالوا عن ذلك اليوم وفي ذلك، اليوم، وهذه كلها دماء وقتال، وكذلك فيها الادعاءات، وفيها تذكير بما فعل كل من الفريقين بالأخر من الفظائع والويلات، معلوم دور الشعر في إثارة النفوس.
والآن بعض المسابقات الشعرية تأخذ نفس المجرى في قضية التحريش عن طريق الافتخار، فإذا افتخر كل شاعر بقبيلته افتخاراً فيه عدوان، نحن، وأنتم لا شيء، ماذا ستكون النتيجة ؟ هذه خطة التحريش ماضية.
فلما جاء ذلك الغلام اليهودي يذكّرهم في المجلس وينشدهم بعض ما كانوا تقاولوه من الأشعار ثارت الفتنة.
لأنهم تذكروا الآن، ورجعوا، وصاروا يعيشون في ذلك الجو الأول، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان فتقاولا، حتى قال أحدهما: إن شئتم رددنا الحرب جذعا –يعني: أحييناها-، تريدون أن نعود من أول نقوم الآن.
قالوا: فعلنا، وموعدكم الحرّة، السلاح غداً، الموعد بكرة، إشعالها سهل، لكن النتائج؟
فخرجوا إليها، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فخرج إليهم حتى جاءهم، فقال: يا معشر المسلمين، الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ [رواه البخاري: 4905، ومسلم: 2584].
بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، واستنقذكم به من الكفر، وألّف به بين قلوبكم؟ .
فعرفوا أنها نزغه من نزغات الشيطان، ومن كيد عدوهم، فرجعوا وبكوا، وآبوا وعانق بعضهم بعضا، وانصرفوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أطفأ الله عن المسلمين نار حرب شاس بن قيس اليهودي هذا.
وقيل أن هذه الحادثة هي سبب نزول قول لله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  إلى قوله تعالى:  وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا  [آل عمران: 100-103].
ولذلك يقول الشاعر ناصحاً:
واعصوا الذي يسدي النميمة بينكم *** متنصحاً وهو السّمام المنقعُ
يأتي بقارب الناصح  لكن في الحقيقة سم ناقع
يزجي عقاربه ليبعث بينكم حرباً  *** كما بعث العروق الأخدعُ
لا تأمنوا قوماً يشب صبيهم *** بين القوابل بالعداوة ينشعُ
[عيون الأخبار: 2/26].
هذا التحريش يقع على جميع المستويات، كان بين العبد وسيده، والأمة وسيدتها.
وكان بعض الخلفاء والأئمة عندهم ذكاء وفطنة، إذا جاءهم واحد يسعى بالكلام ويثير نبّهوه قبل أن يتكلم.
فسأل رجل عبد الملك الخلوة، قال: أريدك في موضوع خاص ففعلوا، فلما تهيأ الرجل للكلام قال له عبد الملك: "إياك أن تمدحني، فأنا أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأي لكذوب، أو تسعى إليّ بأحد -يعني تمشي بنميمة عندي-، وإن شئت أقلتُك"، انتهى، لا لك ولا عليك، ولا تقول ولا أقول، امضِ من الآن، ننهيها الآن قبل أن تتكلم.
قال: أقلني" [المجالسة وجواهر العلم: 3/517]. يعني أنه كان ناوياً.
ودخل رجل على الوليد بن عبد الملك وهو والي دمشق لأبيه، فقال: للأمير عندي نصيحة.
فقال: "إن كانت لنا فاذكرها، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة لنا بها".
يعني تريد تكلمني عن فلان، وعن فلان، فلا حاجة لنا فيها.
قال: جار لي عصى وفر من بعثه، فر من الجيش، يعني: فر من الزحف.
قال: "أما أنت فتخبر أن لك جار سوء، إن شئت أرسلنا معك -يعني مَن يتحقق- فإن كنت صادقاً أقصيناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت تاركناك".
قال: "تاركني" [العقد الفريد: 2/181].
 
التحريش بأهل الخير والصلاح:
00:17:21
 ويدخل في هذا ما يفعله الذين يريدون بأهل الخير الشر، فيثيرون عليهم وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ  [الأعراف: 127].
لاحظ "وقال الملأ من قوم فرعون" يحرشون فرعون  وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  هذا تحريش، ولذلك كانت النتيجة  قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ [الأعراف: 127].
السعي للتحريش بين أهل الفضل والعلم الأخيار:
00:17:50
 وأيضاً سعى قوم بعدد من أهل الإيمان والدين والعلم الصُّلَح، كشيخ الإسلام -رحمه الله-، فإنه قد حرش به أهل البدع، فكان ذلك سبباً في إيذائه، ثم ظهر الأمر وفُرجت الكربة، فهذا التحريش الذي يسعى به أهل الشر والبدعة.
وكان الفقهاء والأئمة والعلماء يحذرون من هذا غاية التحذير، والشيطان حريص على التحريش بين الأخيار وبين الأفاضل، بل إنه يسعى في ذلك سعياً عظيماً، وبين دعاة الحق، وبين الدعاة إلى الخير.
وكم من مجالس قد هُجرت، وكتب قد حرّقت بسبب هذا، ومن الوسائل لذلك: يقولون ويقولون، وليس في الأمر خبر صحيح ثابت، وإنما أسانيد منقطعة، وروايات الضعف بصيغ التضعيف ويروى، ويقال، والشيطان قد نصب أحابيله، ودبّر مكائده حتى بين طلبة العلم، والله -عز وجل- قال:  وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46]، وقال:  وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا  [الروم: 31- 32].
التحريش بين الزوجين لإفساد المودة بينهما:
00:19:09
 أما التحريش بين الزوجين فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر  أن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناه منهم منزلة أعظمهم فتنة، فيجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا 
يعني من أعوان إبليس ورسل إبليس.  يقول لإبليس إذا جاء عنده: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نِعمّ أنت  [رواه مسلم: 2813].
"نِعمّ" كلمة مدح، إبليس يمدحه لإعجابه بصنعه وبلوغه الغاية فيضمه إلى نفسه ويعانقه ويدنيه منه ويمدحه ويستعين إبليس على ذلك بجند من ضمن ما يقومون به التخبيب.
وقد قال -عليه الصلاة والسلام- :ليس منا من خبب امرأةً على زوجها  [رواه أبو داود ( 2175 ) وصححه الألباني في  صحيح أبي داود].
فما هو التخبيب هو: الإفساد بين الزوجين، فتذكر لها مساوئ زوجها ويُذهب إلى الرجل فتذكر له مساوئ زوجته أو يُذهب للمراءة فيذكر لها محاسن أجنبي ويُذهب للرجل فتذكر له محاسن جنبية أجأجنبيةاتسميشنيتأجنبية، لماذا؟ لتتعلق هي بأجنبي، ويتعلق هو بأجنبية فيكره الواحد منهما الآخر، يبدأ يعاقب وتقول المرأة: يا ليتني عند فلان.
ويقول الرجل: يا ليت لي فلانة.
هذا التخبيب الذي ينتج عن أن يطلق زوجته أو هي تثير المشكلات حتى تخلع نفسها أو يطلقها زوجها، هذا من الذنوب الشديدة ومن فعل السحرة، ومن أعظم فعل الشياطين كما قال شيخ الإسلام بين تيمية رحمه الله.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "وقد لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من فعل ذلك، وتبرأ منه، وهو من أكبر الكبائر؛ لما فيه من ظلم الزوج بإفساد زوجته، وفراشه، والتسبب بشقائه، وهدم بيتهن وضياع أولاده"
[الجواب الكافي: 216].
وقد سُئل شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- عن رجل خبّب امرأة على زوجها حتى فارقته، وصار يخلو بها، فما حكمه؟ قال: "سعي الرجل في التفريق بين المرأة وزوجها من الذنوب الشديدة، وهو من فعل السحرة، وهو من أعظم فعل الشياطين، لاسيما إن كان يخببها على زوجها لتزوجها هو مع إصراره على الخلوة بها"
[الفتاوى الكبرى لابن تيمية: 2/313].
وسئل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله- عن رجل خبّب امرأته على زوجها وتزوجها؟
فأجاب: "نكاح الثاني الذي خبّبها على زوجها باطل، ويجب أن يفارقها؛ لأنه عاصٍ لله في فعله ذلك"
كتب أئمة الدعوة في المجلد السابع. فأفتى ببطلان نكاح الثاني؛ لأنه أفسد العلاقة ثم تزوجها.
قال: "حتى لو تزوجها، هذا زواج باطل؛ لأنه مبني على إفساد الزواج الأول، ومعاقبة له بنقيض قصده".
وهذا عند بعض أئمة المذاهب، يقولون ببطلان نكاح الثاني حتى لو تزوجها هو، نقول: باطل، كالمالكية.
وهذه قضية النميمة والتخبيب والتحريش أشياء متقاربة، حتى يقال: إن رجلاً باع من رجل غلاماً له.
فقال البائع: أبرأ إليك من النميمة، فاشترى، قال: نحن نعرفه ما يهم.
هو يبين الآن عيبه، هذا عبد هذا عيبه النميمة.
قال: لا يهم، فاشتراه على ذلك، مكث هذا العبد مدة، ثم جاء إلى مولاته زوجة السيد إلى سيدتهم.
قال: إن زوجك ليس يحبك، أنا أدخل في الخصوصيات وأعرف وأحضر أشياء أنتِ لا تحضرينها وأسمع أشياء خاصة "إن زوجك ليس يحبك وهو يتسرّى عليك ويتزوج من وراءك هو يتزوج ويتسرى.
فكيف تريدين أن يعطف عليك؟
قالت: نعم.
المرأة تخشى أن يذهب منها الزوج، فمجرد ما خوفها خافت، فلما خافت فتح الباب، قال: أدلك على طريقة؟
قالت: نعم.
قال: خذي موساً فاحلقي به شعرات من باطن لحيته وهو نائم، خذي شعراً من باطن لحيته من هنا، وبخّريه بها، يصير مثل الخاتم بأصبعكِ.
ثم ذهب إلى الرجل الزوج، فقال: إن امرأتك تصادق غيرك، أنا أدخل البيت، وأعرف بواطن الأمور، أنت إذا غبت أنا موجود "إن امرأتك تصادق غيرك وهي قاتلتك -تنوي عليك- أفتريد أن يبين لك ذلك، تريد أن تتأكد؟.
قال: نعم، قال: تناوم لها، تظاهر بالنوم، اذهب الآن، تظاهر بالنوم.
فتناوم الرجل لزوجته، فجاءت بموس لتحلق له شعراً من أقصى لحيته فأخذها وقتلها، فأخذه أولياؤها فقتلوه.
أصلاً يحق لهم ذلك حتى بالقضاء هذا قتل عمد، أولياؤها طلبوا القصاص، ذهبت العائلة بنميمة، كله ماذا صنع هذا؟ كلام فقط ما فعل شيئاً، رمى كلمة هنا وكلمة هنا انتهت.
ومن القصص التي ذكروها عن بعض هؤلاء الفسّاق، بعض الطائشين، أنهم اتفقوا على تدبير مكيدة لصديقهم الذي تزوج، مجموعة عزابّ تزوج أحدهم، فحسدوه، فاتفقوا على مؤامرة فجاءوا إليه.
فقالوا: متى غيّرت سيارتك؟.
قال: ما غيرتُ سيارتي.
قالوا: إلا، رأينا سيارة أخرى شكلها كذا وكذا تقف عند بابك! تقول سيارتك ليست موجودة وهي موجودة؟
ما هذا سيارتك ليست موجودة وهذه موجودة؟.
وهذا يحدث، نجد سيارة أخرى، وأخذوا يأتونه على هذا المنوال كل يوم بشُبه تزيد الشكوك في نفسه، حتى دبّ الخلاف بينه وبين زوجته، واتهمها في عرضها، بل وأدى به ذلك الأمر إلى أن قتلها، وطلب أهلها القصاص، وهكذا حكم عليه.
قضية المشي بين الزوجين بالنميمة، وكلام السوء، والتحريش، هذا بين كثير من المغازلين؛ لأن هذه طريقته مع المتزوجات، هذا المغازل مع المرأة المتزوجة، هذه هي الطريقة، تخبيب المرأة على زوجها، إفساد العلاقة بينهما.
لأي شيء؟ لتطلب الخُلع والطلاق، أو أن تطلب ما لا يحق لها، أو أن تكون ناشزاً عليه، تخرج عن طاعته.
وكذلك بعض النساء تتصل على الزوج، وتذكر له كلاماً وأشياء، وربما سألته عن زوجته، ثم أغرته بأشياء وسلبيات عندها، ونحو ذلك؛ لكي يفارقها.
سأل رجل الإمام أحمد: "إن أبي يأمرني أن أطلق امرأتي".
قال: لا تطلقها.
قال: أليس عمر أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته.
قال: "حتى يكون أبوك مثل عمر". [الفتاوى الكبرى لابن تيمية: 5/449].
إذا كان هذا في الأب فما بالك بالذي يخبّب ليطلّق الرجل زوجته؟ ويخبب الزوجة لتطلب الطلاق من زوجها؟ ويعدُها ويمنيها، سأتزوجك، طلّقيه، وأنا آخذك...، إلى أخره.
وهذا لو أخذها لم يجد بركة، سبحان الله، أكثر النساء اللاتي حصلت لهن هذه الحالة، الزواج الثاني الذي بعد ما تترك زوجها وتأخذ المغازل الذي كان على علاقة -سبحان الله- ما يستمر؛ لأنه بُني على غير تقوى من الله ورضوان.
ومن صور التخبيب هذا الذي يحصل عبر التخاطب عبر الإنترنت والتشات، وكذلك ما يحصل عبر الهاتف، ونحوه من طلب المرأة أن تطلّق زوجها ليتزوجها، وذهب المالكية كما قلنا إلى فساد عقده -يعني الثاني- الذي أفسد العلاقة مع الأول حتى تركته زوجته، ثم تتزوجه هو، ذهبوا إلى فساد عقده؛ معاملة له بنقيض قصده.
أما قضية التحريش والتخبيب، تخبيب الزوجة على إفساد بين الزوجة وأقارب الزوج، وبين الزوج وأقارب الزوجة فكثير، وربما يوعز الشيطان إلى أخت الزوج لتقوم بهذا الدور، أو إلى أخت الزوجة لتقوم بهذا الدور، وتُسلك لذلك الطرق، مثل: تحريض المرأة، وإقناعها أنها تعيش حياة قهر واستبداد، وحياة ذل وخضوع، وأن هذا الرجل قاسٍ عليها وأنه بخيل، وأنها لا بد أن تتمرد، ولا بد أن تقوم وتفعل وتعمل، النتيجة: تفقد زوجها، تفقد بيتها الأولاد.
كم حرّش الشيطان بين الأخوة بسبب أموال؟ كم حرّش بينهم بسبب أرث؟ الآن هناك قضايا في المحاكم مشاكل بين ورثة ومن أحسن العقارات اللُّقطة عند التجار، لُّقطة، ورثة مختلفين، دائماً في المحاكم.
تسأل لماذا هذا سعرها نازل؟ يقول: اشتر هذه لقطة، هذا البيت لقطة، الأرض هذه لقطة، لماذا سعرها نازل عن السوق؟ الورثة مختلفون دائماً.
تحريش الشيطان بين أبناء يوسف -عليه السلام- وإخوته:
00:28:11
 وقد حذّر نبي الله يعقوب ابنه يوسف من كيد إخوانه له إذا علموا برؤياه  يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا  [يوسف: 5]، وهكذا حصل  اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ  [يوسف: 9].
أما التحريش بين الإخوان فالله، وإثارة ما يسبب التباغض فيما بينهم، حتى لو سئل أحد المتباغضين المتقاطعين بعد القطيعة: كيف بدأت القضية بينك وبين صاحبك؟ احتار في السبب.
إذا الواشي نعى يوماً صديقاً *** فلا تدع الصديق لقول واشي
[عيون الأخبار: 2/25].
يتدخل الشيطان عبر ناس من البشر ليفسد بين الأخوة ولذلك قال الله تعالى وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ   [الإسراء: 53].
يعني اختاروا الكلمات حتى لا يتمكن الشيطان أن يوقع بينكم، يأتي إلى صديقين عزيزين لا يزال بينهما حتى يوقع وحتى يتقاطعا.
وقد قطع الواشون ما كان بيننا *** ونحن إلى أن نوصل الحبل أحوجُ
[العقد الفريد: 2/182].
التحريش بين الموظفين ومديرهم:
00:29:13
 أما إذا نظرت إلى قضية التحريش بين المرؤوسين والرئيس والموظفين والمدير شيء كثير.
فيقوم بعض الموظفين لكي يوجد له حظوة عند المدير بنقل الأخبار عن فلان وفلان، وقد يكون بعضها صحيحاً، لكن ليس قصده مصلحة العمل، أو غيرة على أموال المسلمين التي تضيع مثلاً، وإنما القصد: الإيقاع بذاك، والدليل: أن هناك شخصاً آخر يعمل نفس التقصير في العمل ولا يبلّغ عنه، لكن يبلغ عن هذا؟ لماذا؟ لأن بينه وبينه عداوة.
وبعض المديرين  يتيح المجال للسماع، فيقع في خطأ عظيم، فيسمع، ويسمع، ويثير بعضهم على بعض، ويظن أن هذا من أسباب دوام سلطته عليهم، وخضوعهم له.
لكن -يا إخوان- هذا إذا كان ضد الشريعة فلا يجوز أن يكون أسلوباً إدارياً أبداً، لا يجوز أن يُجعل شيء خلاف الشريعة أسلوب إداري.
فيقول المدير: أنا سأسمع لهم، وأحثهم على النقل، وكل واحد عنده شيء على الآخر يأتي، تعال أكتب لي، وهكذا.
لم هكذا؟ أضع مستمسكات عندي، أقوم بتأديبهم، وأجعلهم يمضون هكذا، وهذه فضائح، ولا يُساس الناس بخلاف الشرع، ولا بد أن تنقلب القضية يوما ما  وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة: 220].
ولذلك بعض الأشياء تكون أحياناً والفعل نفسه، الصورة واحدة، الموقف واحد، أحياناً يكون إنكار منكر ويعني إبلاغ بحق، يا أخي واحد موظف يستعمل هاتف العمل في المغازلة، منكر، يعني نُصح ما انتصح، يبلَّغ مديره.
لكن هناك مواقف مشابهة قد تستعمل في الكيد، ولذلك لا بد أن يكون المدير حكيماً تبعاً للشرع، وأن يفرِّق ما بين إنكار المنكر، والتبليغ عن المخالفة الشرعية، وبين الأشياء الكيدية والتحريضية، والتي فيها تضخيم للخطأ مثلاً، ونحو ذلك.
التحريش بين الزملاء والشركاء في العمل:
00:31:35
 التحريش بين الزملاء في العمل، فلان يقول عنك كذا، وهذا يقول عنك أنك كذا، وهكذا.
التحريش بين الشركاء، أنت تشتغل وهذا ما يشتغل، هذا يأتي متأخّراً وأنت تأتي مبكّراً، وقد يكون أول أمره يعلمه التسامح، هذا يأتي مبكراً يعمل أكثر من شريكيه، وهو مسامح، فربما يأتي بعضهم من خارج الشركة، يقول لهم: يا تخرجوا، أو ما نستمر مع بعض، وهكذا.
التحريش عبر المقالات والمجلات: 
00:32:01
 وتساهم بعض المواقع الإلكترونية ومقالات المجلات وغيرها في قضية ما يعرف بالفضائح، لأجل الإثارة لجذب القراء وفيها من أنواع التحريش ما فيها، وفي بعض المنتديات ما يدعو للتهاجر والتدابر وفي بعض مواقع الإنترنت ما فيه الإثارة بين الناس المنتسبين للقبائل المختلفة، إثارة بعضهم على بعض، كما قلنا بعض المسابقات الشعرية من أضرارها إثارة المنتسبين إلى القبائل بعضهم على بعض، وأحياناً تقع في بعض الأعراس، فيؤتى الشعراء ليتفاخروا وينتقل بعد التفاخر إلى الهجاء ثم تقع الواقعة.
أضرار التحريش ومفاسده المترتبة عليه:
00:32:48
 إن التحريش -أيها الأخوة- أضراره ومفاسده عظيمة، ومنها:
فساد ذات البين:
00:32:52
 فساد ذات البين تخريب الحياة الزوجية إفساد العلاقة بين المسلمين والأصدقاء والأقارب والجيران والشركاء، والتخلُّق بأخلاق الشيطان والمنافقين، النميمة لا تقرب مودة إلا أفسدتها، ولا عداوة إلا جددتها، ولا جماعة إلا بددتها.
التحريش يجر العبد إلى التجسس على أخيه، فيشتد الإثم، وقد يحمله على قطع موارد أرزاق الناس.
قال الإمام السفَّاريني -رحمه الله-: "وسبب وقوع الناس في سفك الدماء وإراقتها بغير حق العداوة ومقدمتها النميمة فإنها سبب العداوة، وعذاب القبر مقدمة عذاب النار".  
ولذلك صار عذاب القبر من أعظم عقوبات النمام.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "النميمة أصل العداوة المريقة للدماء، فمن نمَّ كان حضُّه العذاب الشديد"
[غذاء الألباب: 1/91].
والنميمة تهتك الأستار، وتفشّي الأسرار، وتورث الضغائن، وترفع المودة، وتجدد العداوة.
وكذلك تهيج الأحقاد، وتصور شخصاً سمع للمحرش، وأخذ بقوله. ماذا سينتج عن ذلك؟
لا بد أن يقع في نفسه البغض لأخيه، والعداوة لغير لله، وقد يحتقره، وقد يهجره، وقد يعتدي عليه، وقد يسبُّه، أو على الأقل يسيء به الظن، وبالتالي سيستحل غيبته، ويقع في عرضه، ويقع في همزه ولمزه، أو يصعُّر له خده، أو يخذله، أو يسلمه، أو يشي به. ويفرح الشيطان ويرقص طرباً.
التدابير الشرعية لعلاج التحريش:
00:34:28
 فماذا نفعل حتى نتخلص من هذا التحريش، وماذا نفعل حتى نسد أبوابه وما هي التدابير الشرعية لعلاج هذه القضية؟
النبي -عليه الصلاة والسلام- لما قال:  إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب  [رواه مسلم: 2812].
قاله -عليه الصلاة والسلام- في أخر حياته وهو يرى الجزيرة قد استقرّت جزيرة العرب بالتوحيد، ودانت بالإسلام وأصحابه قد عزوا فيها.  إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا  [النصر: 1 - 3].
أخضع النبي -صلى الله عليه وسلم- جزرة العرب للإسلام لما رأى هذا الاستقرار، وهذه النعمة، قال:  إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب  [رواه مسلم: 2812].
أخبر بأمر من الوحي، من الغيب لا يعلمه إلا الله، والذي يعلم بما في نفس إبليس في ذلك الوقت، وفي كل وقت رب العالمين فعلم الله في ذلك الوقت أن في نفس إبليس اليأس من الشرك بعد ما رأى القبائل دخلت في الإسلام، يأس إبليس إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب  [رواه مسلم: 2812].
وبعد ذلك صارت أشياء، ورجع الأمل لإبليس، وصار هناك أضرحة وقباب تعبد من دون لله وأشياء كثيرة مظاهر.
ومثل أيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، لكن في ذلك الوقت في آخر عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- يأس الشيطان فعلاً من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب.
فماذا بقي من الأمل لإبليس؟ ماذا بقي من مجالات العمل لإبليس؟
ضاقت على إبليس مجلات العمل في جزيرة العرب ضاقت عليه، ضاقت عليه بعد هذا الفتح العظيم، فما بقي عنده إلا التحريش.، قال النبي -عليه الصلاة والسلام- ولكن في التحريش بينهم  [رواه مسلم: 2812].
فإذن، ما يأس إبليس من التحريش.
ولذلك فإن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وتذكُّر العداوة التي بيننا وبين الشيطان من الأمور المهمة جداً.
 إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد 
[رواه البخاري: 3282، ومسلم: 2610].
ثانياً: القول الحسن كما مر معنا في قوله تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  [الإسراء: 53].
ثالثاً: قبول العذر وإقالة الزلة والعثرة، قال الحسن بن علي -رضي الله عنه- لو أن رجلاً شتمني في أذني هذه واعتذر في أذني الأخرى لقبلت عذره.
قيل لي قد أسى إليك فلانٌ *** وقعود الفتى على الضيم عارُ
قلت قد جاءنا فأحدث عذراً *** ذيتُ الذنب عندنا الاعتذارُ

[الآداب الشرعية والمنح المرعية: 1/302].
رابعاً: عدم السماع للوشاة والنمامين والمحرفين؛ لأن الله قد نهانا عن طاعتهم، قال:  وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ *هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: 10- 11]، لا تطع "كل" مشاء بنميم، فلا تجوز طاعته، وهو أثيم شديد الإثم.
تنحّ عن النميمة واجتنبها *** فإن النمَّ يحبط كل أجرِ
يثير أخ النميمة كل شرٍ *** ويكشف للخلائق كل سترِ
ويقتل نفسه وسواه ظلماً *** وليس النمُّ من أفعال حرِ

حسبُك من شرِّ سماعة.
قال بعض الخلفاء لولده يوماً: "إياك وأن تصغي لاستماع قول السُعاة، فإنه ما سعى رجل برجل إلا انحطّ من قدره عندي ما لا يتلافاه أبدا".
وجاء لأحد الخلفاء رقعة فيها وشاية، فلان كذا وكذا كذا، فكتب تحتها: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين.
ولذلك قالوا: قبول النميمة شر من النميمة؛ لأن النميمة دلالة والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء كمن قبله وأجازه، وكان بعضهم من أهل المكانة إذا جاء أشخاص عنده بوشايات يقول: "ما ظنكم بقوم يلعنهم الله على الصدق"؟، فلو كانوا صادقين فهم ملعونين، ولو كانوا كاذبين صار بهتاناً.
الآن الغيبة والنميمة، لو ذم واحد شخصاً في مجلس، فجاء واحد حاضر، وذهب فلان يقول عنك كذا وهو صادق فعلاً، لكن هذا التبليغ حكمه: حرام، وهو في صدقه في التبليغ ملعون.
فيقول: "ما ظنكم بقوم يلعنهم الله على الصدق؛ لأنه لو كذبوا لكان بهتاناً.
أهل الوقيعة هم خصومك دائماً *** لا يلتقي بمحبة خصمان
وأيضاً من الطرق تفقيه الناس بحكم التحريش بين المسلمين والسعي بالوشاية بينهم وبيان الوعيد في ذلك، وأن يقال لهم بدلاً من أن تنشروا الخير والمآثر تنشروا الشر بنقل والكلام، إن سمعوا الخير أخفوه، وإن سمعوا شراً أذاعوا، وإن لم يسمعوا كذبوا، بعض الناس تبلغ بهم الوقاحة إلى هذه الدرجة وهذا الحد، ولا يدخل الجنة نمام.
ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما مر بقبرين يعذبان، فقال:  إنهما يعذبان وما يعذبان بكبير  ثم قال:  بلى إنه كبير  [رواه البخاري: 218، ومسلم:  292].
يعني ما يعذبان لكبير في نظر الكثير من الناس، لكن عند الله كبير.
أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله.
ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-  لا يدخل الجنة نمام  [رواه مسلم: 105]، وفي رواية:  قتّات 
[رواه البخاري: 6056، ومسلم: 105].
والقتات: الذي يستمع لهم وهم لا يعلمون ثم ينقل، النمام الذي يستمع وهو معهم يعلمون و هو ينقل.
إذن، ما هو الفرق بين النمّام والقتّات؟
النمام: الذي يستمع للحديث وأهله يعلمون، ثم ينقل.
القتات: الذي يسترق السمع، ويستمع خفية، يتجسس يسمع كلامهم، ثم ينقل.
فيكون الثاني أضاف إلى النميمة ونقل الكلام إثم التجسس.
قال ابن المنذر -رحمه الله-: "أجمعت الأمة على تحريم النميمة، وأنها من أعظم الذنوب عند الله تعالى".
أما النميمة فالجبار حرمهما على البرية فاحذر بطش جبار.
وفي الحديث الحسن:  شرار عباد لله المشاءون بالنميمة المفرّقون بين الأحبة . [أخرجه أحمد في المسند، وقال الألباني :حديث حسن كما في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام.].
وقال الذهبي -رحمه الله-: "كل من حرّش بين اثنين من بني آدم، ونقل بينهما ما يؤذ أحدهما فهو نمام من حزب الشيطان، ومن أشر الناس" [الكبائر للذهبي: 211].
ولذلك من نمّ في الناس لم تؤمن عقاربه على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسيل بالليل لا يدري به أحدٌ *** من أين جاء ولا من أين يأتيه
[روضة العقلاء ونزهة الفضلاء: 177].
ولنعلم من أن التحريش من صفات المنافقين  لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ  و تتضاعف المشكلة عندما يكون:  وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة: 47].
ومعنى: ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم؟ يعني ساروا بينكم بالنميمة والبغضاء والتحريش والإثارة، يريدون تفريق الكلمة، وإثارة العداوة بينكم.
وإذا كان فيكم سماعون لهم سيتأثرون بأقوالهم.
السعي في الصلح بين المتشاحنين:
00:41:53
 وكذلك من الطرق في محاربة التحريش السعي في الصلح بين المتشاحنين، والمتشاحنين أيضاً "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس"
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "كل ما أوجب فتنة وفرقة فهو ليس من الدين، سواء كان قولاً أو فعلاً"
[الاستقامة: 1/37].
ولذلك لا بد أن نحبط مخططات إبليس وأتباع إبليس، لا بد أن نجعلها تخفق، وطاعة الذين يقومون بها ستؤدي إلى الفساد في الأرض.
التثبُّت والتأنّي وعدم التسرع والاستعجال في الحكم: 
00:42:23
 ومن وسائل الوقاية من التحريش التثبت والتأني وعدم التسرع وعدم الاستعجال في الحكم على الآخرين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ  لماذا؟ خشية:   فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ 
[الحجرات: 6]. المؤمن وقاف حتى يتبين.
قال قيس بن ربيع: "قدم علينا الكوفة رجل فأردنا أن نأتيه، فقيل: إنه يبغض علياً، ثم قيل: أنه أبعد الناس من هذا، فأخذنا عن رجل عنه" [سير أعلام النبلاء: 5/272].
وأحيانا يتسبب هذا في الحرمان من بركة أشخاص أو علماء أو مشايخ، بسبب كلمة باطلة.
كان خالد الصهواني يقول: "قبول قول النمام شر من النميمة".
لا تقبلنّ نميمة بُلِّغتها *** وتحفظ من الذي أنباكها
إن الذي أنباك عنه نميمةً *** سيدب عنك بمثلها قد حاكها
لا تنقشن برجل غيرك شوكةً *** فتقي برجلك رجل من قد شاكها
[العقد الفريد: 2/182].
وعلى العبد أن يعلم أن المحرّش لا يكون صادقاً، وأنه فاسق مردود الشهادة.
روي أن سليمان بن عبد الملك كان جالساً وعنده الزهري، فجاءه رجل، فقال له سليمان: بلغني أنك وقعت فيّ وقلت كذا وكذا، فقال الرجل: ما فعلتُ ولا قلتُ.
فقال سليمان: "إن الذي أخبرني صادق"، يعني أنا متأكد من كلام الناقل.
فقال له الزهري: لا يكون النمّام صادقاً، الذي بلغك نمام، ومتى صار النمام صادقاً!؟
قال سليمان: "صدقت" [تنبيه الغافلين للسمرقندي: 174].
وعاتب معاوية الأحنف في شيء فأنكره.
فقال: أخبرني الثقة؟
قال: "الثِّقة لا يبلِّغ" [عيون الأخبار 2/417].
قال بعض الحكماء: "ما أذلّ النمام إذا بان أمره" [إحياء علوم الدين: 3/156].
كذاب، مغتاب، خائن للسر، غادر العهد.
ستة أحوال لمن بلغه أنه ذُكِر بسوء:
00:44:08
 قال الذهبي -رحمه الله-: "كل من حُملت إليه نميمة، وقيل له: قال فيك فلان كذا وكذا لزمه ستة أحوال:
أولاً: أن لا يصدقه لأنه نمام فاسق مردود الخبر.
ثانياً: أن ينهاه وينصحه ويقبّح فعله.
ثالثاً: أن يبغضه في لله -عز وجل-.
رابعاً: أن لا يظن في المنقول عنه السوء، لقوله تعالى:  اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ  [الحجرات: 12].
خامساً: أن لا يحمله ما حكي له على التجسس.
سادساً: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكي نميمته" [الكبائر للذهبي: 161].
ستة أشياء تلزم أي واحد فينا إذا أُتي لأحدنا بنميمة، أتى له كلاماً، يقول فلان يقع فيك كذا كذا، قال عنك كذا كذا، يلزمه ستة أشياء: أولاً: أن لا يصدقه، ثانياً: أن ينهاه، ثالثاً: أن يبغضه، رابعاً: أن لا يظن أن لا يقع في نفسه ظن السوء بالمنقول عنه، خامساً: أن لا يتجسس، سادساً: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، ولا يحكي نميمته.
جاء رجل لوهب بن المنبه فقال له: إن فلان يقول فيك كذا وكذا.
قال: أما وجد الشيطان بريداً غيرك، ما وجد الشطان رسولاً أحسن منك.
وروي أن بعض السلف زار أخاً له، وذكر عن بعض إخوانه شيئاً يكره.
فقال: يا أخي أطلت الغيبة وأتيتني بثلاث جنايات، يعني الآن التقينا بعد مدة ولما التقيت بك تقول لي فلان يقول عنك كذا وكذا بعد طول الغيبة.
أطلت الغيبة، وأتيتني بثلاث جنايات؛ بغضت إليّ أخي، وشغلت قلبي بسبه، واتهمت نفسك الأمينة.
ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز ذكر له عن آخر شيئاً يكرهه، فقال عمر: "إن شئتَ نظرنا في أمرك، فإن كنتَ كاذباً فأنت من أهل هذه الآية:  إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6].، وإن كنتَ صادقاً فأنت من أهل هذه الآية:  هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ  [القلم: 11].، وإن شئت عفونا عنك.
قال: "العفو يا أمير المؤمنين، ولا أعود أبدا" [تنبيه الغافلين للسمرقندي: 173].
ورفع بعض النمامين إلى الصاحب بن عبّاد رُقعة نبّه فيها على مال يتيم ليأخذه لكثرته.
فقال له: "السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، أما الميت فرحمه الله، وأما اليتيم فجبره الله، وأما الساعي بالكلام فلعنه الله".، [شذرات الذهب في أخبار من ذهب: 5/49].
سنكتفي بهذا القدر، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يغفر لنا ذنوبا، وإشرافنا بأمرنا، وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى ويباعد بيننا وبين أسباب غضبه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.