الأربعاء 16 شوّال 1440 هـ :: 19 يونيو 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر
  • برنامج هدى وبينات يأتيكم يومياً في شهر رمضان المبارك الساعة 5 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

قدوة المؤمنات


عناصر المادة
مقدمة:
القدوة الأولى: حليمة السعدية -رضي الله عنها-:
القدوة الثانية: خديجة- رضي الله عنها -:
القدوة الثالثة: سمية أم عمار -رضي الله عنها-:
موقف فاطمة -رضي الله عنها- من كفار قريش:
موقف المرأة المسلمة في الجهاد في سبيل الله:
موقف المرأة المسلمة وصبرها عند الشدائد:
شجاعة المرأة المسلمة ودفاعها عن عرضها:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيتها الأخوات، السلام عليكن جميعاً ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكن في هذه المناسبة، التي نسأل الله –سبحانه وتعالى- أن يجعلها خيراً، وبركة، ونفعاً لنا جميعاً.
مقدمة:
00:00:28
 قدوة المؤمنات هن بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، والصحابة الذكران، أولئك النسوة من الصحابيات الجليلات، اللاتي مضين في سلف هذه الأمة، وركبها، وكن القدوة، والسلف العظيم، لمن يأتي بعدها.
وفي هذا العصر المتأخر نحتاج كثيراً إلى ذكر القدوات؛ لأننا نستفيد، فلنذكر بعض القدوات من النساء في العصر الأول، وفي سيرة النبي-صلى الله عليه وسلم- تحديداً، وبعد ذلك نتعرف على بعض جوانب الاقتداء عند أولئك النسوة، ونربط الحال بالحال الذي نعيش فيه.
القدوة الأولى: حليمة السعدية -رضي الله عنها-:
00:01:25
 أول ما تطالعنا كتب السيرة من شخصيات النساء "حليمة السعدية" – رضي الله عنها – تلك المرأة التي أخذت يتيم بني عبد المطلب، وقالت: عسى الله أن ينفعنا به.
فامتلأ ثدياها لبناً، فأروته، وأروت أخاه، وصار شارفها حافلاً، فحلبها، وقال: يا حليمة، تعلمين–والله- لقد أصبنا نسمة مباركة.
إذن، المرأة فطرت على الرحمة،،والاعتبارات المادية ثقيلة في نفوس الناس.
لكننا نستفيد درساً من موقف حليمة السعدية عندما أشفقت على يتيم بني عبد المطلب مع أنه لا أب له يدفع، وكان فقيراً، وقد قال الله تعالى: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى: 8].
وصواحبها، كلٌ أخذت رضيعاً، وكن يحرصن على أولاد الأغنياء، لكن حليمة أخذته وهو يتيم، فقير، فبارك الله لها بذلك، وانعكس الأمر على أغنام بني سعد، وعلى الرخاء الذي حلّ بديارهم لما نزل النبي - صلى الله عليه وسلم – فيها.
كان يشِبُ في اليوم شباب الغلام في الشهر،ويشِبُ في الشهر شباب السنة.
لقد بارك الله لها بما أخذته مع أنه لم يكن غنياً، فحرص المرأة على النفع،والإشفاق على الضعيف، يعقبها الله به خيراً.
وهذا درس نستفيده من حليمة السعدية،وننتقل بعد ذلك إلى شخصية أخرى وهي:
القدوة الثانية: خديجة– رضي الله عنها –:
00:03:33
 هذه المرأة التي تزوجت بالنبي – عليه الصلاةوالسلام –، فلم يتزوج عليها حتى ماتت،  أفضل نساء أهل الجنة مع فاطمة،ومريم،وآسيا [رواه النسائي في الكبرى،رقم: 8357،والطبراني في الكبير،رقم: 11928،وأحمد في المسند،رقم: 2668،وصححه الألباني في السلسةالصحيحة،رقم: 1508].
هذه المرأة التي لما قص عليها النبي -صلى الله عليهوسلم- ما حصل له في الغار من نزول جبريل عليه،والأمر بالقراءة، فأخذته إلى ابن عمها "ورقة بن نوفل".
حرص المرأة على ما ينفع زوجها، حرص المرأة على تنفيس كربات زوجها ، حرص الزوجة على التخفيف عن زوجها، حرص الزوجة على انتفاع زوجها من أقاربها،ومعارفها، حرص الزوجة على أن ينتفع زوجها من العلاقات، أخذته إلى ابن عمهاورقة بن نوفل، ليقص عليه الخبر، فيقول له: "هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى".[رواه البخاري،رقم: 3].
هذه دروس نأخذها من مساندة خديجة – رضي الله عنها – لزوجها، مساندة زوجة الداعية للداعية، حرص الزوجة على مصلحة الزوج، بل وتكلم الزوجة بعض أقاربها فيما لزوجها فيه مصلحة؛ لأنها تريد إيصال الخير له بكل الوجوه، فهذا موقف آخر.
القدوة الثالثة: سمية أم عمار -رضي الله عنها-:
00:05:10
 الموقف الثالث: تطالعنا به أم عمار بن ياسر – رضي الله عنها – كانت تُعذّب من قبل قريش،ويتولى تعذيبها أبو جهل – لعنه الله – بنفسه، يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: "أول من أظهر الإسلام هم سبعة: رسول الله - صلى الله عليهوسلم-،وأبو بكر،وعمار بن ياسر،وأمه سمية،وصهيب،وبلال،والمقداد، فأما رسول الله -صلى الله عليهوسلم- فمنعه الله بعمه أبي طالب،وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه،وأما سائرهم هؤلاء المستضعفين، فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد،وصهروهم في الشمس"
[رواه ابن ماجة: 150،والبيهقي في الكبرى: 17351،وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة: 122].
إذن، سمية ممن أُلبست أدراع الحديد،وصهرت في الشمس، سمية – رضي الله عنها – ممن عذبت في الله في سبيل الله، سمية – رضي الله عنها – صبرت؛ لأن النبي -عليه الصلاةوالسلام- كان يمر بآل ياسر،وهم ياسر،وزوجته سمية،وابنهم عمار،ويقول: "اللهم اغفر لآل ياسر".
يقول: اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة [رواهالطبراني: 769،والبيهقي في الشعب: 1515،وقال الألباني في تحقيقه لفقه السنة: 103].
الدرس: كيف تواصت هذه المرأة في الصبر مع أهلها،وهم زوجها،وولدها؟ كيف الثبات على الدين، بالرغم من حملة التعذيب،والإكراه المستمرة؟ بالرغم من الاضطهاد الشديد فإنها بقيت على دينها حتى قُتلت شهيدة – رضي الله عنها -، إنه موقف مؤثر، قد تُضطهد المرأة من أقاربها، قد تُضطهد على الدين من زوجها، قد تُضطهد على الدين من قومها فتصبر،  صبراً آل ياسر  الذي يصبّر: الجنة.
تمر بالمرأة مواقف كثيرة جداً، فيها شدائد، ما الذي يصبرها؟ الجنة.
اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، هذه الجنة التي تسلي الحزين،،وتسري عن فواد المظلوم، المقهور، المبغيُ عليه، هذه الجنة التي تجعل المرأة المسلمة تثبت بالرغم من الاضطهادات، استهزاءات، التعذيب، ضرب، قهر، حبس، منع المال، منع النفقة، سب، إهانة، شتم،،ومع ذلك تصبر، لماذا؟ لأجل الجنة.
يوجد في المجتمع نساء كثيرات مقهورات،والنبي -عليه الصلاةوالسلام- "استعاذ من قهر الرجال"[رواه البخاري: 2893].
هناك امرأة مقهورة من أبيها، هناك امرأة مقهورة من زوجها، هناك امرأة قد أذلها أحياناًولدها.
وهناك امرأة هي وأهل بيتها في اضطهاد، يُضطهدون لأجل دينهم فيصبرون، ماذا لهم غير الصبر؟
وننتقل للموقف الرابع، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة عن جدته زوج النبي – صلى الله عليهوسلم – قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه،وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلما رأته رجال من بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه
فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علامَ نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه.
موقف عصيب، صارت أم سلمة في قبضة المشركين، هي وولدها، قالت:وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد،ورهط أبي سلمة، فقالوا: لاوالله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا.
صارت المرأة الآنواقعة بين أهلها،وأهل زوجها، لما أخذ أبو سلمة أم سلمة،وولدها عمر،وأراد الهجرة إلى المدينة،وحملهم على البعير،جاء أهل زوجته، المشركين، قالوا: أنت تريد أن تخرج، غلبتنا، شأنكونفسك، أخرج، لكن هذه صاحبتك ابنتنا، علامَ نتركك تسير بها في البلاد؟
لا يمكن نسمح لك تأخذهاوتخرج، فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه.
الآن صار أبو سلمة في جهة،وزوجته في جهة، بقي الولد: سلمة، قبل أن يأتي عمر المشار إليه آنفاً.
هذا المقصود به الآن معهم "سلمة"، غضب بنو عبد الأسد؛رهط أبي سلمة،وقالوا: لاوالله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت أم سلمة: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خعلوا يده!.
أهل الزوج يشدون الولد من جهة،وأهل الزوجة يشدون الولد من الناحية الأخرى، هذا الموقف عصيب،والأم لا أشد عليها من أن ترى ابنها الصغيروالكبار لا يرحمونه، كلٌ من جهة يشده، حتى خلعوا يد الولد.
تقول: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده،وانطلق به بنو عبد الأسد - أهل الأب -، غلبوا عليه،وأخذوه وحبسني بنو المغيرة عندهم، أهلها منعوها من الخروج،وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة.
قالت: ففرق بيني، وبين زوجي،وبين ابني. 
لا إله إلا الله، سبحان الله، ما أصعب هذا الموقف، الزوج مأمور بالهجرة إلى المدينة، حمل الولدوأمه، لكن ما استطاع، أهل الأم، أهل الزوجة أخذوها،وأهله هو أخذوا الولد،وأبو سلمة ذهب مهاجراً إلى المدينة طاعة لله، لا بد أن يخرج، مأمور بالهجرة، بقيت المرأة مسكينةوحدها، لا زوج،ولاولد.
كيف يكون الحال؟ عصيباً، حصلت هذه التفرقة في سبيل الله.
إيذاء، طغيان المشركين،ويريدون منعها من اصطحاب زوجها أهلها،وأهل الأب يريدون أخذ الولد منها،وهكذا حصل، والأب مأمور بالهجرة، ذهب، ماذا تفعل الآن المسكينة؟
هناك اضطهادات تحدث بسبب الدين، لأجل الهجرة المأمور بها في سبيل الله حصل هذا الموقف.
إذن، المرأة المسلمة قد تُبتلى في سبيل الله بمسألة شرعية،ويتم التفريق بينهاوبين زوجهاوابنها، بطريقة مفاجئة،وكلواحد في جهة،وفي هذه الحالة ستكون فيوضع لا تُحسد عليه.
قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح– اسم مكان في مكة – فما أزال أبكي حتى أمسي سنة، أو قريباً منها، حتى مر بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها.
فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئتِ.
رحموها أخيراً بعد سنة، أطلقوها، قالت:ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني، فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة.
قالت:وما معي أحد من خلق الله، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة.
فقال: إلى أين يا بنت أبي أمية؟
فقلت: "أريد زوجي في المدينة".
قال: أو معكِ أحد؟
قلت: "لا والله، إلا الله وبُني هذا".
فأخذ بخطام البعير، قالت: "فانطلق يهوي بي، فو الله ما صحبتُ رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلتُ استأخر بعيري".
هذا الرجل تبرع بإيصالها إلى المدينة،وكان في غاية الأمانة، فإنه كان إذا نزل بها أثناء الطريق كان يتأخر، فيحط عن البعير، ثم يقيده في شجرة، ثم يتنحى إلى شجرة أخرى، فيضطجع تحتها.
فإذا دنى الرواح قام إلى بعيري فرحله، ثم استأخر عني،وقال: اركبي.
"فإذا ركبتُ واستويتُ على بعيري أخذ بخطامه، فقاده، حتى ينزل بي، حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمر بن عوف بقباء، قال: زوجكِ في هذه القرية، وكان أبو سلمة نازلاً فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعاً إلى مكة[السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون:2/182].
التأم الشمل مرة أخرى، عاد الاجتماع مرة أخرى، لكن كان هناك مرحلة عذاب نفسي سنة، السنة هذه بأجرها عند الله،وفيها أن الله يفرج بعد العسر، ولو بعد حين فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا*إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: 5 -6].
وعاد الشمل،والتأم مرة أخرى،ورجعت أم سلمة لأبي سلمة،وكان الولد بينهما.
موقف فاطمة -رضي الله عنها- من كفار قريش:
00:15:51
 عندما ننظر إلى فاطمة -رضي الله عنها-وقفت موقفاً عجيباً،فيه جرأة المرأة المسلمة في الحق.
فإن النبي -عليه الصلاةوالسلام- كان ساجداً عند الكعبة، فوصلت الدناءةوالخسّة بكفار قريش إلى أن يتناقشوا أيهم يأخذ أمعاء البعير الميت هذا فيطرحه على ظهر النبي -صلى الله عليه وسلم-وهو ساجد!.
وقام أشقى القوم،وانتهز فرصة سجود النبي -عليه الصلاةوالسلام-وقام لكي يضع أمعاء البعير الميت على ظهر النبي - عليه الصلاةوالسلام –ورأسه، فوضعه،وبقي النبي -عليه الصلاةوالسلام- ساجداً، فجاء إنسان،وأخبر فاطمة – رضي الله عنها – كانت صغيرة، فخرجت،وأزاحت ذلك الأذى عن ظهر أبيها، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، تسبهم،وهذا من قوتها – رضي الله عنها– في الحق.[رواه البخاري: 3185].
سبحان الله، قامت البنت،وأماطت الأذى؛ مع كونها صغيرة، لكن عندها حكمة، ففعلت ما يجب أن يُفعل،وما كانت تخشى من الكفار، أقبلت عليهم مع أن فيهم جبابرة،وصناديد،وزعماء المشركين،وسادة قريش، أقبلت عليهم تسبهم.
وهكذا البنت المسلمة تدافع عن أبيها الصالح، فقد ينال بعض الناس من الأب الصالح، فتقوم البنت الصالحة للدفاع عن أبيها، تميط الأذى عنه،وتواجه الأعداء، ليست المرأة المسلمة تنقصها العزة في مواجهة مثل هذه المواقف، بل إن العزة الإسلامية في نفسها تجعلها عزيزة بالله تعالى،وهي ترد على المشركين.
وفي هذا الزمن اليوم كثير من المنافقين،والكفار، الذين يستهزئون بالمؤمنين،ويجب على المرأة المسلمة أن تتصدى لهم بما تستطيع،وأن ترد عليهم،وإن إسكات أصوات المنافقين اليوم بأقلام النساء المسلمات من أوجب الواجبات للدفاع عن شريعة الإسلام،والله تعالى لا ينسى هذه المواقف لأصحابها.
ننتقل إلى موقف آخر،وأسماء بنت أبي بكر الصديق،وأختها عائشة،وهما تجهزان أباهما الصديق – رضي الله عنه – للهجرة مع النبي -عليه الصلاةوالسلام-، جهزتا الراحلتين،وصنعتا سفرة في جراب،وقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سُميت: "ذات النطاقين".
السفرة: الزاد،والطعام،والجراب: الكيس.
 إذن، الإعانة على الطاعة، الإعانة على الهجرة، تجهيز الراحلتين،وليس فقط ذلك،وإنما إخفاء الخبر عن المشركين،ولما أخذ أبو بكر ماله كله معه،ودخل أبو قحافةوقد ذهب بصره،وقال لعائشةوأسماء:والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه.
هل قالتا: نحن الآن فقراء،وما عندنا مال،وأخذ المال،وتركنا! أبداً.
كلا يا أبتِ ، إنه قد ترك خيراً كثيراً.
تقول أسماء: "فأخذتُ أحجاراً، فوضعتها في كوّة بالبيت"، يعني: في ثقب في الحائط، كان أبي يضع فيها ماله، "ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبتِ ضع يدك على هذا المال"فوضع الأعمى-جدها-يده عليه
فقال: لا بأس، إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن،وفي هذا لكم بلاغ.
قالت أسماء: "لاوالله ما ترك لنا شيئاً،ولكني أردتُ أن أسكّن الشيخ"[رواه أحمدفي المسند: 27002،وحسّنه محققه الأرنؤوط].
سبحان الله، الإيثار موجود، الصبر موجود، حسن التصرف موجود، الحكمة موجودة، ما اشتكت أسماء،ولا عائشة، رغم أن أباهما قد أخذ المال كله مع النبي– عليه الصلاةوالسلام -.
يا ترى ما حال البنت اليوم إذا طلبت من أبيها شيئاً، فلم يكن عنده أصلاً، أو كان ما معه قليل لا يكفي؟
ما هو حجم الإزعاجات التي تفعل من أجل أن يشتري لها جوالاً؟ أو يشتري لها إكسسوارات؟ أو يعطيها أموالاً لأمور معينة تريدها؟
وهذه عائشة،وأسماء، في هذه القصة، إنه درس كبير لأولئك الفتيات،وأولئك البنات.
موقف المرأة المسلمة في الجهاد في سبيل الله:
00:21:24
 عندما نأتي إلى موقف المرأة المسلمة – رضي الله عنها – في المعارك في سبيل الله:
كانت المرأة الكبيرة،وليست الشابة، تخرج إذا احتيج إليها في مداواة الجرحى،وبذل المرأة المسلمة في سبيل الله كبير، ليست كما يقول المنافقون اليوم، يريدونها أن تخرج إلى أجواء الاختلاط، إلى أجواء الشُّبهة، إلى أجواء الشهوات، إلى أجواء المحرمات، بحجة أن صحابية خرجت لمداواة الجرحى!،وبحجة أن هناك نساء يطفن مع الرجال في الحرم!.
سبحان الله، أين هذا من هذه؟ أيشّبه حرم الله،وتشّبه غزوة أحد في سبيل الله بكاونترات الموظفين،والموظفات؟وبغرف السكرتارية في الشركات؟وبأماكن الاختلاط الفظيعة الحاصلة اليوم؟
سبحان الله، كيف يقيسون؟ هؤلاء على أحسن أحوالهم من الجهلة أصحاب الأهواء،والشهوات  وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء: 27].
كيف يقيسون أجواء الفتنة،وأماكن الاختلاط المحرم على حرم الله،وما فيه من العبادة؟ وعلى الغزوات،وما فيها من التضحية بالنفس،وسيلان الدماء في سبيل الله؟ لكن أهل الهوى هكذا يفعلون.
موقف المرأة المسلمة وصبرها عند الشدائد:
00:23:00
 كيف كانت المرأة المسلمة تصبر إذا نزلت مصيبة؟
مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بامرأة من بني دينار،وقد أصيب زوجها،وأخوها،وأبوها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأُحد، فلما نعوا لها الزوج،والأخ،والأب مرةواحدة، في معركةواحدة، في مشهدواحد، فلما نُعوا لها،وعلمت أنهم ماتوا، قالت: فما فعل رسول الله -صلى الله عليهوسلم-؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين.
قالت: أرونيه حتى أنظر إليه.
فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: "كل مصيبة بعدك جلل"يعني: كل شيء يهون بجانب المصاب بك يا رسول الله،
ما دمت سلمت فكل شيء هين.[دلائل النبوة للبيهقي: 302].
إننا نرى ثباتاً عجيباً من هؤلاء الصحابيات، اليوم المرأة يُجرح ولدها يغمى عليها، فإذا جاء خبروفاة فربما كان انهياراً عصبياً، انهياراً نفسياً، انتحاراً أحياناً،لماذا يحدث ذلك؟
سبحان الله، الإيمان، إذا كان يوجد في النفس إيمان صبرت، ليس هناك إيمان، انهارت.
ولذلك لا بد أن المرأة المسلمة تقوي الإيمان في نفسها بالطاعات،والعبادات،والأذكار،والأدعية،والمقويات للإيمان من الأعمال الصالحة المختلفة تثبت نفسها بها  يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: 27]، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء: 66].
إذن، افعلي ما توعظين به، التثبيت هذا إذا جاء خبر مزعج، إذا جاءت مصيبة، تصبر المرأة، ولا تنهار.
وجدنا من قدوة المؤمنات أم سلمة -رضي الله عنها- أيضاً لما تزوجها النبي – عليه الصلاةوالسلام – لما مات زوجها،وجدنا القصة في غزوة الحديبية، لما أشارت بذلك الرأي المبارك،عندما كان المسلمون في الغم،والهم، لا يستطيعون أن يقوموا بذبح الأضاحي،ولا بالحلق، مع أنهم أمروا بذلك،وقال لهم: قوموا فانحروا ثم احلقوا.
قالت: فو الله ما قام منهم رجل.
قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، أي النبي - عليه الصلاةوالسلام - فذكر لها ما لقي من الناس.
فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟
تحب أن يفعلوا ما تأمرهم به؟ أخرج، ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدنك،وتدعو حالقك فيحلقك.
رأي سديد، يعني تقول له: افعل أمامهم،وهم سيقتدون بك، لما تتحول الأوامر إلى أفعال وتنفيذ، سيتابعونك
[رواه البخاري،رقم: 2731].
فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه،ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا،وجعل بعضهم يحلق بعضاً.
سبحان الله، المرأة قد تشير برأي عظيم، قد تشير برأي لا يأتي به الرجال، لكن أي امرأة؟ هل هي امرأة الحفلات،والسهرات،والأفلام،والمسلسلات؟ امرأة الأسواق،وغشيان أماكن المنكرات؟ لا، هذه المرأة المهاجرة، التقية، العابدة، الوفية، هذه يهديها الله –عزوجل- لقول كلمة الحق،وللإتيان بالرأي الصائب.
وهكذا يحدث، أنقذ الله الصحابة برأي أم سلمة، كادوا أن يهلكوا.
لكن هي أشارت برأي على زوجها؛النبي -عليه الصلاةوالسلام-، جعل الصحابة يستيقظون من الصدمة التي هم فيها،ويتابعون النبي -عليه الصلاةوالسلام-،وإلا كانوا معترضين، كانوا لا يريدون بنود صلح الحديبية هذه أبداً
لكن كان ينبغي عليهم أن يسلّموا لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه وحي يوحى إليه من ربه،
وهكذا كان الصديق رضي الله عنه.
شجاعة المرأة المسلمة ودفاعها عن عرضها:
00:28:00
 لقد حفظ لنا أيضاً التاريخ فيما حفظ موقف أم سليم، الشجاعة في الحق، اتخذت يوم حنين خنجراً فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر.
فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  ما هذا الخنجر ؟
قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يضحك تعجباً من كلامها".[رواه مسلم: 4783].
وكانت أم سليم -رضي الله عنها- من الشجعان حقيقة، تدافع عن النبي – عليه الصلاةوالسلام –،وكانت لا تسمح لأحد من الأجانب أن يقترب منها، خشيت من هؤلاء المشركين أن يأخذوها، فاتخذت خنجراً، إذا اقترب منها أحد يريد أن يمسها بسوء بقرت به بطنه.
وهكذا المرأة المسلمة العفيفة، حريصة على نفسها، لا يمكن أن تترك أجنبياً يقترب منها.
فماذا نقول اليوم،ونحن نرى حوادث إركاب البنات في سيارات الشباب؟،وهذه المغازلات،والمعاكسات؟وهذا الاستقبال للمكالمات؟والدخول على مواقع الشات؟ ماذا نقول ونحن نرى اليوم النساء يرسلن رسائل MMS على القنوات، بالمغازلات،والمعاكسات،وبعبارات قلة الحياء؟.
ماذا نقول اليوم أمام حوادث هرب البنات من البيوت؟ ماذا تقول اليوم أمام هذه الكثرة الكاثرة من الحوادث التي -مع الأسف- كثرت،وازدادت؟
أين محافظة المرأة المسلمة على العفّة؟ أين المحافظة على نفسها؟ أين المحافظة على حرمة بعلها؟،وأكرم بعلي أن تُنال مراكبه.
لقدر رأينا أيضاً في هذه المواقف المباركة في السيرة النبوية قصة أسماء بنت عميس – رضي الله عنها – لما جاءت هي ومن معها من الحبشة،وجعل بعض الصحابة يتفاخرون عليهم أنهم كانوا مع النبي -عليه الصلاةوالسلام-،وأنهم جاهدوا معه،وأنهم تعلموا الوحي،وأنهم...،وأن هؤلاء أصحاب الحبشة عندهم نقص،وأنهم كانوا بعيدين عن النبوة،ونحو ذلك من الكلام، فغضبت أسماء– رضي الله عنها –،وذهبت للنبي -عليه الصلاةوالسلام-
وقالت له: بعض أصحابك يقولون عنا: كذا،وكذا،وأن عندنا نقص،وأننا كنا في بلاد البعداء،والبغضاء.
نحن كنا في أرض الحبشة، في سبيل الله، كنا في الأماكن البعيدة في سبيل الله، إذا كان أصحابك معك في المدينة، فنحن كنا بدونك صابرين من أجلك،ومن أجل دينك، فيكون علينا نقص؟
فالنبي - عليه الصلاةوالسلام - أخبرها أن: للناس هجرة،ولكم أنتم أصحاب السفينة هجرتان [رواه البخاري: 4230،ومسلم: 6567]، سبحان الله.
إذن، المرأة المسلمة إذا أحسّت بأنها تظُلم بالكلام، هي ترجع إلى العلماء.
مثلما جاء أبو السنابل بن بعكك،وأنكر على تلك المرأة – رضي الله عنها – أنها تجمّلت للخطّاب بعد أن توفي زوجها،ووضعت وليدها،وخرجت من العدة،وهذا حق؛ لأن المرأة الحامل التي توفي زوجها تنتهي عدتها بوضع الحمل، فلما اعترض عليها أبو السنابل بن بعكك لم ترض باعتراضه، ذهبت للنبي -عليه الصلاةوالسلام- تستفتيه، فأخبرها النبي – صلى الله عليه وسلم – أنها على الحق،وأن لها إذا وضعت ولدها أن تتعرّض، أو أنها تتجهز،وتستعد لاستقبال الخطّاب.[رواه البخاري،رقم: 3991،ومسلم،رقم: 3795].
وهكذا في عدد من المواقف، كان يُنكر، بعض الرجال ينكرون على النساء،والمرأة على الحق،والرجل على غير الحق، فالمرأة تأخذ ثيابها،وتذهب تستفتي النبي- عليه الصلاةوالسلام -؛ لكي ينصرها،وهي على الحق.
فإذن، ما كانت لتنزوي،وتقعد،وتتراجع، ما دامت تعرف أن هذا هو الحق، ما تتركه لأجل أن الزوج خالفها، أو الأب خالفها، أو قريب الأب، أو قريب الزوج خالفها، بل هب بحسب ما هي متأكدة منه، تذهب إلى أهل العلم لكي تقول: أنا أعرف كذا، أنكروا علي، هل إنكارهم صحيح؟ أو موقفي أنا الصحيح؟
وهكذا كانت القضية عندما حدثت في مواقف متعددة، مثل هذه القصة التي تنبئ عن معرفة النساء المسلمات بالأحكام الشرعية،وأنهن قد تمسكن بما عرفنه من الأحكام،ورجعن إلى أهل العلم، إذا أنكر عليهن أحد ليتأكدن منه،ولكي يستعن به على تبيين الحق.
أيتها الأخوات، إن للمتأمل في سيرة النبي – صلى الله عليهوسلم – مجالاً عظيماً لرؤية النماذج الضخمة، الهائلة، الكبيرة، الإيمانية، هذه النماذج المتعددة التي تنبئ عن إيمان،وعلم،وتضحية،وعزة التي تنبئ عن تقديم النفس،والمال في سبيل الله، هذه التي تنبئ عن الصمود،والثبات، هذه التي تنبئ عن خدمة الدين،وأهل الدين، التي تنبئ عن العلم،والتزود بالعلم.
وهكذا نريد من نسائنا المسلمات دائماً، أن يكن صاحبات رحمة،وشفقة،وثبات،وعلم،وإيمان،وعمل صالح،وتضحية،وتقديم ما يمكن لخدمة الدين.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل أنفسنا متبعة لشرعه،وأن يجبنا الهوى،والفتن، ما ظهر منها،وما بطن،وأن يرزقنا الثبات،والإخلاص،والاستقامة،وصلى الله وسلم على نبينا محمد.