الخميس 7 ربيع الأول 1440 هـ :: 15 نوفمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

أحداث فوق الأرض الجديدة


عناصر المادة
مقدمة:
وجوب الحذر من الدنيا وعدم الغرور بزخرفها:
أسماء يوم القيامة الواردة في الكتاب والسنة:
النفخ في الصور ومن يفيق أولا:
حال الأرض يوم القيامة:
أحوال السماء يوم القيامة:
مشاهد القيامة والبعث والنشور:
مجيء الله -سبحانه وتعالى- للحساب:
شفاعات النبي -صلى الله عليه وسلم-:
شفاعة القرآن والصيام لصاحبهما يوم القيامة:
ثلاثة مواطن يوجد النبي -صلى الله عليه وسلم-:
القواعد التي يُحاسب بها العباد يوم القيامة:
الذين يذادون عن الحوض:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، البشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
مقدمة:
00:00:20
 ما هي قصة النهاية؟، إنها نهاية البداية، وقد عرفنا سابقاً بداية التغير في أشراط الساعة، وماذا سيكون في القبر مما يحدث تحت الأرض؟ فماذا سيحدث فوق الأرض بعد ذلك؟ إنها جولة نزيد بها إيماننا، إنها صيحة نذير جاءت في قرآننا، إنها محاسبة للنفس ودعوة إلى تغيير المسار، والعودة إلى ربنا، مشاهد عظام،  من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ  إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ،  إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ،  إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ    كما قال -عليه الصلاة والسلام- [رواه الترمذي: 3333، وأحمد: 4934، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 11239].  
هكذا المرسلات والنبأ والنازعات وعبس والتكوير والانفطار والمطففين والانشقاق، الطارق والغاشية والفجر والبلد، السور الطويلة والقصيرة، إنه التحذير والنذير من رب العالمين -سبحانه وتعالى-.
وجوب الحذر من الدنيا وعدم الغرور بزخرفها:
00:01:35
 يجب أن نمد البصر إلى ما بعد هذه الحياة، وألا ننخدع بزخرفها وزينتها، إنه اليوم الآخر، إنه أحد أركان الإيمان العظيمة، لا يستقيم الدين إلا به، إنه من البر،  وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  [البقرة: 177] ،  وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا  [النساء: 136].
إنه من أعظم الفوارق بين المؤمنين والكفار، بل لأجله يُقاتَلون،  قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ  [التوبة: 29]. إنه أساس الأعمال، وأساس الانتفاع بالأحكام، قال الله في العضْل بعد الطلاق: ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  [البقرة: 232]. إنه أساس تحسين الأخلاق وعمل النافع وترك الضار،  من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت  [رواه البخاري: 6475].
لقد كان الإيمان بهذا اليوم الأثر الكبير في حياة سلفنا.
قال مالك بن دينار -رحمه الله-:" إنما العالم الذي إذا أتيته في بيته فلم تجده، قص عليك بيته".
يعني: حاله في البيت، "رأيت حصيره للصلاة ومصحفه ومطهرته في جانب البيت، ترى أثر الآخرة"
[صفة الصفوة: 2/169].
النبي -صلى الله عليه وسلم- لما جيء إليه بالشراب المسكر، قال:  هذا شراب من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر  [رواه النسائي في الكبرى: 5194، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي: 5704].
وعدم الشفقة عند تنفيذ حد الجلد في الزنا،  الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  [النور: 2].
يدفعك إلى الإخلاص يا أخي، فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا  [الكهف: 110].
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك  حديث حسن.
[رواه الترمذي: 3154، وحسنه الألباني في المشكاة: 5318]. 
ما الذي يدفعنا إلى التضحية بالنفس؟ الإيمان باليوم الآخر، وما الذي يقعد بنا عن ذلك؟ ضعف هذا الإيمان، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ  [التوبة: 38].
ألا ترى أن الأحكام بُنيت على هذا،  لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة  محرم، ولا تُحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام ولا تسأل طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها وهكذا، أفظع ما في الكفر باليوم الآخر أنه تكذيب لله تعالى،  زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  [التغابن: 7].
قامت المعركة بين النبي -عليه الصلاة والسلام- وكفار العرب من أجل هذا، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل: 38]، لقد جاءت التأكيدات على هذا اليوم ليتوالى تأسيسه في نفس المؤمن والمؤمنة، قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ  [الجاثية: 26].
هؤلاء البشر اليوم في الأرض -أيها الإخوة والأخوات- كثير منهم لا يعلمون شيئاً عن هذا الموضوع،  وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ  [الروم: 6- 7].
كأنهم خلقوا للبقاء هنا، وليست دار ممر، يقول الرب في الحديث القدسي: أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته  [رواه النسائي في الكبرى: 11275، وقال الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي: حسن صحيح: 2078]. من أذكارنا:  لك الحق، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق [رواه البخاري: 1120].
أسماء يوم القيامة الواردة في الكتاب والسنة:
00:05:40
 أيها الإخوة، إن العرب إذا زاد عندهم شرف الشيء كثرت أسماؤه لديهم، والقيامة لما عظم أمرها وكثرت أهوالها، سماها الله تعالى بأسماء متعددة، قال البخاري في صحيحه: "باب القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة؛ لأن فيها الثواب وحواق الأمور الحقة، والحاقة واحد، والقارعة، والغاشية، والصاخة، والتغابن"  [صحيح البخاري: 8/111]
لقد سماه الله تعالى يوم الجمع، ويوم الفزع الأكبر، ويوم التناد، ويوم الوعيد، ويوم الحسرة، ويوم التلاق، ويوم المآب، ويوم الفصل، ويوم العرض على الله، ويوم الخروج، ويوم الخلود، إنه يوم عظيم، ويوم عسير، ويوم مشهود، ويوم عبوس قمطرير،  يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ  [الطارق: 9]،  يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا  [الانفطار: 19]، يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا  [الطور: 13] ، يوم تشخص فيه الأبصار، إنه يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولا هم ينطقون،  يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ  [الشعراء: 88]، يوم لا يكتمون الله حديثاً، إنه يوم لا مرد له من الله، يوم لا بيع فيه ولا خلال، ولا تنفع شفاعة إلا بإذن الرحمن، يوم القيامة؛ لأن الساعة تقوم فيه، ولأنهم يقومون فيه لرب العالمين.
قال -عليه الصلاة والسلام-:  يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه 
[رواه البخاري: 4938 ].  يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا  [النبأ: 38].
يوم يقوم الناس من قبورهم، لماذا سمي باليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده.
إنها الساعة،  يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ  [الحج: 2]،  يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ  [عبس: 34 - 36].
يوم البعث يبعثون فيه من قبورهم، يوم الخروج يخرجون من قبورهم ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [الروم: 25].
إنها القارعة التي تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها، إنه يوم الفصل الذي يحكم فيه بين العباد ويقضى بينهم،  كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس [رواه أحمد: 17333، والحاكم في المستدرك: 1517، وابن خزيمة: 2431، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 4510]. قالها -عليه الصلاة والسلام- إنه يوم الدين، يعني: يوم الجزاء والحساب، الطامة الكبرى الداهية العظمى، إنه يوم الحسرة،  وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ  [مريم: 39]. إنها الحسرة على ما فات من الجنة، وهكذا عندما يذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، قرأ عليه الصلاة والسلام:  وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ  إنها تصل لدرجة أن يتمنّى الواحد منهم أن يموت.
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً وحسب المنايا أن يكن أمانيا
 أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ  [الزمر: 56].
ماذا نعمل اليوم؟
نعمّر الدنيا وما الدنيا لنا دار إقامة *** إنما الغبطة والحسرة في يوم القيامة
ذلك اليوم الغاشية تغشى الناس بشدائدها، يوم الحساب.
إن يوم الحساب يوم عسير *** ليس للظالمين فيه نصيرُ
فاتخذه عدة لمطلع القبر *** وهول الصراط يا منصورُ
إنها الواقعة؛ لتحقق وقوعها، إنه يوم التلاق، يلتقي فيه رب العالمين بالعباد، وأهل السماء بأهل الأرض، ويلتقي الظالم بالمظلوم، وكل إنسان يلتقي مع عمله، ويلتقي الأولون والآخرون، لماذا سمي بيوم التناد، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ [غافر: 32]؛ لكثرة ما يسمع فيه من النداءات، نداء من وراء نداء، وأول من يُنادى آدم أخرج بعث النار، ينادى أهل القيامة جميعاً، وينادى أهل الجنة وأهل النار، وينادي أهل الأعراف أهل الجنة وأهل النار، وينادي أهل النار مالكاً، ينادي المشركون آلهتهم.
أي يوم نسيتُ يوم التلاقي *** أي يوم نسيتُ يوم التنادي
أي يوم يوم الوقوف على الله *** ويوم الحساب والإشهاد
أي يوم يوم الممر على النار *** وأهوالها العظام الشداد
أي يوم يوم الخلاص من النار ***وهول العذاب والأصفاد
[مجموعة القصائد الزهديات: 2/251].
إنه يوم التغابن، يغبن أهل الجنة أهل النار، إذا كان يوم القيامة دفع الله -عز وجل- إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً، فيقول: هذا فكاكك من النار  [رواه مسلم: 2767].
فأهل التوحيد لا يخلّدون في النار؛ لأن مكانهم في النار يشغله هؤلاء كما جاء في الحديث الصحيح.
هذا الزمان زمان حيث ما نظرتْ *** عينٌ به وقعت منه على عبرِ
قل للغرير الذي أبدى نواجذه *** ضحكاً سيبسم يوم الفصل عن كشرِ
يوم التغابن لا تدري يساق إذا  *** سيق الورى زمراً  في أية الزمرِ
من خاف أدلج إن الخائفين لهم *** في الليل همهمة بالذكر والسورِ
 
كيف يبدأ؟ بالنفخ في الصور، ولا شبهة عند أهل الإسلام.
 قال شيخ الإسلام: "أن الله -سبحانه وتعالى- خلق قرناً ينفخ فيه ملك من الملائكة يسمى بالصور على ما ذكر الله تعالى هذا المعنى في مواضع من كتابه، اشتهر عند العلماء أنه إسرافيل -عليه السلام-، ونقلوا فيه إجماعاً، ولم يصح في ذلك حديث، لكنه مستقر عند العلماء أنه إسرافيل،  وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ  [ق: 20].
هذا النفخ يجمع الناس،  وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا  [الكهف: 99]، يختلطون في حيرة، يأتون إلى الله أفواجاً،  يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا  [النبأ: 18] ، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: 102].
لماذا عيونهم ازرقّت وأجسادهم وألوانهم؟ من الخوف والفزع والقلق والعطش، حتى قال الفرزدق:
لقد خاب من أولاد دارم من مشى *** إلى النار مشدود الخناقة أزرقا
إذا جاءني يوم القيامة قائد *** عنيف وسواق يسوق الفرزدقا
أخاف وراء القبر إن لم يعافني *** أشد من القبر التهاباً وأضيقا
إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم *** يذبون من حر الصديد تمزقا
[العاقبة في ذكر الموت: 200].
 وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 73].  فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ  [المدثر: 8 - 10].
ما هو الناقور؟ إنه الصور، لماذا كان يوماً عسيراً ؟ لماذا كان طويلاً قمطريراً ؟ لكثرة أهواله وشدائده، يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ  [القمر: 8] ، وحُق للقلوب أن تخشع في ذلك اليوم.
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال:  يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه  [رواه الترمذي: 2457،وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 7863].  كان يخوفهم بالراجفة والرادفة، ما هي الراجفة؟ النفخة الأولى، ما هي الرادفة؟ النفخة الثانية.
قالت بنت الربيع بن خثيم: "يا أبتاه، إني أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟ قال: "يا بنية إن أباك يخاف عذاب البيات" [صفة الصفوة: 2/36]. هذه الآية عظيمة،  يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ  [الأنعام: 73]، والآية العظيمة الأخرى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ  [المدثر: 8 - 9]. لقد قرأها زرارة بن أوفى قاضي البصرة -رحمه الله- وهو من أعلام التابعين في مسجد بني قُشير، فلما بلغ قول الله:  فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ  قرأها فغُشي عليه، فخر فمات -رحمه الله- وصحح إسنادها الذهبي.
وكل من مات مسؤول ومفتتن *** من حين يوضع مقبوراً ليختبرا
وإن أرواح أصحاب السعادة في ***جنات عدنٍ كطير يعلق الشجرا
أرواح المؤمنين تأكل من شجر الجنة.
لكنما الشهداء أحياء سارحة *** من كل ما تشتهي تجني بها ثمرا
وإن أرواح من يشقى معذبة  *** حتى تكون مع الجثمان في سقرا
وإن نفخة إسرافيل ثانية *** في الصور حقاً فيحيا كل من قبرا
كما بدا خلقهم ربي يعيدهم *** سبحان من أنشأ الأرواح والصورا
حتى إذا ما دعا للجميع صارخه *** وكل ميت من الأموات قد نشرا
قال الإله قفوهم للسؤال لكي *** يقتص مظلومهم ممن له قهرا
فيوقفون ألوفاً من سنيهم *** والشمس دانية والرشح قد كثرا
وجاء ربك والأملاك قاطبة  *** لهم صفوف أحاطت بالورى زمرا
وجيء يومئذ بالنار تسحبها *** خزانها فأهالت كل من نظرا
[مجموعة القصائد الزهديات: 2/27].
إن رحلتنا من هذه الأرض إلى الأرض الجديدة، إن قيامنا من القبور، إن نهاية هذه الحياة أصلاً بالنفخ في الصور ليست بتصادم كواكب ونيازك تضرب الأرض كما يقولون، وليست بانفجارات وقنابل ذرية وهيدروجينية وحروب عالمية كما يتخرصون، وإنما تكون بصيحة واحدة، من قرن ينفخ فيه، الملك الموكل ينفخ،  فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: 13 - 18]. هكذا قال ربنا، فإذا نفخ الملك في القرن النفخة الأولى فزع الناس فصعقوا وماتوا وهلك العالم، ورفعت الأرض والجبال ووضعتا ودقتا وتدكدكت الأرض وانصدعت السماء وهكذا حصلت التغيرات العظيمة في ذلك اليوم الرهيب، والمشهد الذي يذهل فيه اللبيب حدثنا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كيف يقلق ويزعج، قال -عليه الصلاة والسلام-: كيف أنعم  يعني: كيف أطمأن ويطيب لي عيش وأفرح،  وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته  يعني: أمالها استعداداً وإصغاء، وأصغى سمعه وأمال أذنه ليسمع الأمر بالنفخ، استمع الإذن متى يؤمر بالنفخ، فينفخ فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال المسلمون: "يا رسول الله ما نقول؟ قال لهم:  قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل  على الله توكلنا، رواه أحمد، وهو حديث صحيح. [رواه احمد: 19345، والحاكم في المستدرك: 8678، والطبرافي في الأوسط: 45، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 4592] 
كلنا يأمل مداً في الأجل*** والمنايا هن آفات الأمل
لا تغرنك أباطيل المنى *** والزم القصد ودع عنك العلل
إنما الدنيا كظل زائل *** حلّّ فيه راكب ثم ارتحل
[تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 21/152].
يقول كعب: "لو أن رجلاً كان له مثل عمل سبعين نبياً لخشي أنه لا ينجو من شر يوم القيامة" [الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد: 1/51].، يوم آل الله فيه أن لا يترك عبداً كلّفه حتى يسأله عن عمله دقيقه وجليله، سره وعلانيته، فانظر بأي بدن تقام، وبأي لسان تجيب، وأعد الإجابات للأسئلة، وليكن الجواب صواباً.
لقد أفزعت هذه الحقيقة وهي النفخ في الصور أعرابياً، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه رواه أحمد، وهو حديث صحيح. [رواه احمد: 19345، والحاكم في المستدرك: 8678، والطبراني في الأوسط: 45، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 4592].
قال -عليه الصلاة والسلام- في يوم الذي سينفخ فيه في الصور:  إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم -عليه السلام- وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة  [رواه أبو داود: 1047، والنسائي في الكبرى: 1678، وابن ماجه: 1085، وصحح إسناده الألباني في المشكاة: 1361].
الصيحة هي هذه النفخة الأولى، والثانية التي يبعث الله فيها العباد، قال -عليه الصلاة والسلام- عن صباح يوم الجمعة تحديداً:  وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والأنس [رواه ابن حبان: 2772، والحاكم في المستدرك: 1030 ، وحسن إسناده الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 697].
ما هي الإصاخة؟ استماع مع توقع أمر يطرأ، وما الذي سيطرأ ؟ إنها الساعة،  وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ  [ق: 20] ،  ستقوم الساعة على شرار الخلق في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، يتهارجون تهارج الحمر  [رواه مسلم: 2936].
النبي عليه الصلاة والسلام أخبر عن حالهم هذه، يعني: يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك، فتفاجئهم هذه النفخة وهم في أسواقهم وهم في أحوالهم، مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ  [يس: 49].
قال -عليه الصلاة والسلام-:  ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً 
 أمال صفحة عنقه فارتفعت الصفحة الأخرى تلقائياً، قال:  وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله  يعني: يطينه ويصلحه لسقي الإبل، قال:  فيصعق ويصعق الناس  [رواه مسلم: 2940].
وفي البخاري قال -عليه الصلاة والسلام-:  ولتقومن الساعة وقد نشر رجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أُكلته إلى فيه فلا يطعمها  [رواه البخاري: 6506].
فاجأهم الأجل وانتهى الأمل.
ارتحل سيبويه إمام النحو إلى خرسان ليحظى عند واليها طلحة بن طاهر بأعطيات، فمرض في ذلك السفر، وتوفي وهو يتمثل بأبيات:
يؤمل دنيا لتبقى له *** فوافى المنية دون الأمل
حثيثاً يروي أصول الفسيل *** فعاش الفسيل ومات الرجل
[البداية والنهاية: 10/190].
 
 وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ  [النمل: 87].
قال بعض العلماء: هذه النفخة الثانية يقومون فزعين.
وقال بعضهم: إنها أولى وثانية وثالثة، والراجح أنهما نفختان، فإذا أمر الله إسرافيل ونفخ في الصور، وقام الناس من قبورهم، عند ذلك ستحدث الحوادث العظيمة من ارتجاج الأرض، واضطراب الجبال، وتصبح الدنيا كالسفينة المرمية في البحر، تضربها الأمواج، وكالقنديل المعلق في السقف ترجرجه الرياح،  يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ  [النازعات: 6 - 8].
فيميد الناس على ظهرها؛ لأنها تتزلزل وهم يريدون ثباتاً وتوازناً، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الوالدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، ويولي الناس مدبرين، ما لهم من أمر الله من عاصم، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمراً عظيماً لم يروا مثله، وكرباً هائلاً كبيراً، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي تشققت ثم ذابت، يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ  [القيامة: 10].
لقد وصف الله الزلزلة فقال: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ 
[الحج: 1،-2].
يوم يشيب الطفل من أهواله *** ويصير مثل شيوخه وكهوله
 
إنها رحلة يجب أن نعيشها حتى تعتدل أحوالنا، ونغير المسار ونعود إلى الله، ولا ننشغل بالدنيا انشغالاً يلهينا عن الله وذكره، ينبغي أن نعيش أهواله هذه الرحلة الكبيرة، إنه حدث سنصير إليه ولا بد، وهو شيء طويل، هذه الحياة بالنسبة إليك كالمزحة، إن هي إلا ساعة، ثم لعب ولهو، هذه الزلزلة التي تسبب انخلاع القلوب، هل الزلزلة تكون في الدنيا قبل يوم القيامة مباشرة، يعني: عند قيام الساعة، كما ذكر بعض العلماء، أو الزلزلة تكون يوم القيامة بعد قيام الناس من قبورهم، ورجح هذا جماعة من العلماء؛ لأن سياق الآيات يقتضيه، ورجح الأول جماعة آخرون وقال بعضهم: لا يمنع أن تحدث مرتين.
الحمد لله الحميد بمنه *** خسرت ولم تربح يد البطّال
لله يوم تقشعر جلودهم *** وتشيب منه ذوائب الأطفال
يوم النوازل والزلازل والحوامل *** فيه  إذ يقذفن بالأحمال
يوم التغابن والتباين والتوازن *** والأمور عظيمة الأهوال
يوم ينادى فيه كل مضلل *** بمقطعات النار والأغلال
للمتقين هناك نُزْل كرامة  *** علت الوجوه بنضرة وجمال
زمر أضاءت للحساب وجوهها *** فلها بريق عنده وتلالي
[من أشعار أبي العتاهية].
النفخ في الصور ومن يفيق أولا:
00:22:58
  يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ  [النازعات: 6، 7] ،  وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى  [الزمر: 68]. هكذا السياق يدل على مرتين، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68]
كم بين النفختين؟
قال -عليه الصلاة والسلام-:  بين النفختين أربعون  [رواه البخاري: 4814، ومسلم: 2955].
وجاء في رواية عن ابن مسعود موقوفاً: "ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فلا يبقى لله خلق في السموات ولا في الأرض إلا مات إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون من الزمن والأحداث. [فتح الباري لابن حجر: 11/370].
قال ابن حجر: بسند قوي عن ابن مسعود، ثم قال -رحمه الله-: "فالأولى يموت بها كل من كان حياً، ويغشى على من لم يمت ممن استثنى الله، والثانية يعيش بها من مات، ويفيق بها من غُشي عليه، وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [فتح الباري لابن حجر: 11/370].
قاموا من قبورهم فزعين، يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت، قال أبو هريرة لما سئل: "أربعون سنة أو يوم أو جمعة أو ماذا؟ قال: "أبيت أبيت أبيت"؛ لأنه لم يكن يعلم، وهذا شأن المسلم، لا يقول على الله بلا علم.  
قال أبو هريرة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يحدث بين النفختين:  ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة  [رواه البخاري: 4814، ومسلم: 2955].
 كما قال -عليه الصلاة والسلام-:  كل ابن آدم يأكله التراب، إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب  [رواه مسلم: 2955]. عند أحمد:  يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه 
قيل: ومثل ما هو يا رسول الله ؟
قال:  مثل حبة خردل منه تنبتون  حسن لغيره. [رواه احمد: 11230، وقال محققه الأرنؤوط: حديث حسن لغيره].
قال ابن حجر: "هو رأس العُصعُص، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع" [فتح الباري لابن حجر: 8/552].
ولله في هذا سر، وبنو آدم سواء، إلا أنه قد ورد استثناء للأنبياء أن الأرض لا تأكل أجسادهم؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:  إن الله -عز وجل- قد حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام 
حديث صحيح. [رواه النسائي: 1374، وابن ماجة: 1085، والحاكم في المستدرك: 1029، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي: 1374].    
وقيل: الشهداء يُستثنون أيضاً، فالله أعلم.
يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، ثم يبعثهم الله كما بدأنا أول خلق نعيده، فتعاد أرواحهم في أجسادهم، اتصال الروح بالجسد موجود في الجنين في بطن أمه، وعندما يولد بعد خروجه، ويوجد اتصال عندما تعود الروح في الجسد في القبر، ويوجد اتصال عندما تدخل الأرواح في الأجساد يبعثون يوم القيامة، وهذا أشد الأحوال الأربعة علاقة بين الروح والجسد، لأنه لن تسحب بعد ذلك من  الجسد.
 ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68]. من هو أول من يقوم من قبره؟
قال -عليه الصلاة والسلام-:  إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة  [رواه البخاري: 4813].
مما سيحدث بين النفختين ما أخبر به -عليه الصلاة والسلام- فيرسل الله تعالى من السماء على خلقه، الناس في قبورهم، وقد بُليت الأجساد، ولم يبق إلا عجب الذنب، مثل بذرة النبات، كيف تنمو؟ قال -عليه الصلاة والسلام- في الصحيحين:   فيرسل الله تعالى من السماء على خلْقه مطراً كالطل  الرش الخفيف. وقد ورد في حديث آخر، ولكن فيه ضعف:  كمنّي الرجال ينبتون يقومون يخرجون من قبورهم.
قال -عليه الصلاة والسلام-:  إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة  [رواه البخاري: 4813].
وجاء عن أبي الزعراء: "كنا عند عبد الله بن مسعود، فقال: "ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس في بني آدم خلق إلا في الأرض منه شيء، لازم يكون هناك أثر، قال: "فيرسل الله ماء من تحت العرش، فتنبت جسمانهم ولحماتهم من ذلك الماء، كما تنبت الأرض من الري"
قال ابن حجر: "رواته ثقات، وهذا موقوف وله حكم الرفع" [فتح الباري لابن حجر: 11/370].
هكذا يحيي الله الأرض بعد موتها، ويضرب لنا المثل، وكذلك يخرج الموتى، وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ  [فاطر: 9].
عن أبي رزين العقيلي، قلت: يا رسول الله ، كيف يحيي الله الموتى؟ قال:  أما مررت بالوادي ممحلاً 
يعني: مجدباً،  ثم تمر به خضراً، كذلك يحيي الله الموتى [رواه أحمد: 16193، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1334]. 
حديث حسن .
قال ابن القيم في النونية :
وإذا أراد الله إخراج الورى *** بعد الممات إلى المعاد الثاني
ألقى على الأرض التي هم تحتها ***والله مقتدر وذو سلطان
مطراً غليظاً أبيضاً متتابعاً  *** عشراً وعشراً بعده عشران
لأنهم يمكثون بين النفختين أربعين.
فتظل تنبت منه أجسام الورى *** ولحومهم كمنابت الريحان
حتى إذا ما الأم حان ولادها ***وتمخضت فنفاسها متدان
أوحى لها رب الورى فتشققت *** فبدا الجنين كأكمل الشبان
وتخلت الأم الولود وأخرجت *** أثقالها أنثى ومن ذكران
والله ينشئ خلقه في نشأة *** أخرى كما قد قال في الفرقان
[نونية ابن القيم: 13].
نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فمنهم الذين استثنى الله؟ منهم الذين لا يُصعقون؟ قال -عليه الصلاة والسلام-:  لا تخيروني على موسى  قاله تواضعاً،  فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش  يعني: ممسك به،  فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله [رواه البخاري: 2411، ومسلم: 2373].
وهذه فضيلة ظاهرة لموسى -عليه السلام-، ولا يلزم أن يكون بهذا أفضل من نبينا، فإن أول من يكسى إبراهيم عليه السلام، أيضاً هناك أوليات للأنبياء، ويبقى نبينا -عليه الصلاة والسلام- هو الأفضل، لماذا لم يصعق موسى؟
قال -عليه الصلاة والسلام-:  فلا أدري أكان فيمن صُعِق، فأفاق قبلي، أم حُوسب بصعقته الأولى 
[رواه البخاري: 7257].  
يعني: التي صعقها يوم سأل الله أن يريه نفسه،  أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ  [الأعراف: 143] ،  وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا  [الأعراف: 143]. فقال: أحوسب بصعقته يوم الطور.
وقال بعضهم: إن الشهداء لا يصعقون، وقال بعضهم أيضاً: الولدان والملائكة، وقيل: أقوال كثيرة، وهذه تحتاج إلى أدلة، وقال ابن القيم في النونية: "إنه لا يفنى العرش ولا الكرسي والنار والجنة، ولا الحور العين والولدان وأجساد الأنبياء والشهداء وعجب الذنب والأرواح واللوح والقلم، فالله تعالى أعلم".
قال حافظ الحكمي -رحمه الله-: وهذه الأشياء مخلوقة للبقاء لا للفناء، والمخلوق للبقاء باق لا بنفسه، بل بإبقاء الله إياه، وقد ذكر الله تعالى الجنة ونعيمها ودوامها وخلود أهلها فيها، وذكر النار وجحيمها ودوام عذابها وخلود أهلها فيها في مواضع كثيرة من كتابه"[معارج القبول بشرح سلم الوصول: 2/863].
أما أجساد الأنبياء، فالله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وهذه الأرواح لا تفنى أيضاً، الروح باقية، إنما تنتقل من حال إلى حال، ومن طور إلى طور، فمنذ أن يخلق الله الروح، الروح لا تفنى، تفنى الأجساد، الروح تنعّم وتعذّب وتدخل وتخرج وتتصل بالجسد وتنفصل عنه، كما يشاء ربنا -عز وجل-، فإذا قام الناس من قبورهم كأنهم إلى نصب يوفضون، وقاموا فزعين، وقاموا يهرعون، وقاموا من الأجداث ينتشرون كالجراد وكالفراش، فإنهم سينطلقون إلى أين؟ إلى الأرض الجديدة، وهكذا سنعرف ماذا سيحدث فوق الأرض الجديدة؟ إنها أرض غير أرضنا، قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: 48].
هكذا ستكون التغيرات العظيمة في العالم العلوي والسفلي.
يوم القيامة لو علمت بهوله *** لفررت من أهل ومن أوطان
يوم تشققت السماء لهوله *** وتشيب فيه مفارق الولدان
يوم عبوسٌ قمطريرٌ شره *** في الخلق منتشر عظيم الشأن
يوم يجيء المتقون لربهم *** وفداً على نجب من العقيان
ويجيء فيه المجرمون إلى لظى*** يتلمظون تلمظ العطشان
والجنة العليا ونار جهنم *** داران للخصمين دائمتان
 
هذا العالم الموزون الذي نراه اليوم، سيتغير ويتبدل، سينفرط عقده وتتناثر أجزاءه.
قال ابن القيم:
بل صرّح الوحي المبين بأنه *** حقاً مغير هذه الأكوان
فيبدل الله السموات العلى والأرض أيضاً ذان تبديلان
وتحدث الأرض التي كنا بها *** أخبارها في الحشر للرحمن
وتظل تشهد وهي عدل بالذي  *** من فوقها قد أحدث الثقلان
وتمد أيضاً مثل مد أديمنا *** من غير أودية ولا كثبان
[نونية ابن القيم: 11].
وهذه التحولات والتغيرات الرهيبة التي ستحدث للأرض، قال -سبحانه وتعالى- فيها: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  [إبراهيم: 48].
حال الأرض يوم القيامة:
00:32:44
 فأما بالنسبة للأرض فقد قال عز وجل:  كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا  [الفجر: 21] تفتتت وتكسرت، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: 3]. بُسطت ودُكّت جبالها، ثم تُنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الأرض، وأين سنكون يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ لأنه عند تبديل الأرض أين سيكون الخلائق؟ وسنسمع الجواب بعد قليل إن شاء الله، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ  [الانشقاق: 3]. بسطت ودكت جبالها،  كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا  [الفجر: 21].
وفي الحديث أيضاً جاء الخبر، والأرض ألقت ما فيها وتخلت كما قال الله، وألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت عما في ظهرها من الأحياء، وأخرجت ما في بطنها من الكنوز وجميع المعادن، وأذنت لربها واستمعت وأطاعت أمره وحق لها ذلك، إنها لم تعد ثابتة راسية، بل تتزلزل زلزالاً شديداً  كما قال تعالى:  إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا *وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا  [الزلزلة: 1 - 5].
فتخبر عما فعل عليها، وهذه الأرض ستقيء ما في بطنها من الكنوز، وقد جعل الله فيها كنوزاً يستخرجها الناس اليوم ومعادن، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث العجيب:   تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع، فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق، فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً  [رواه مسلم: 1013].
ومعنى تقيء يعني تخرج ما في جوفها من القطع المدفونة مثل الأسطوان.
والأسطوان: العمود والسارية الكبيرة، شبهه بالأسطوان لعظمه وكثرته، فالذهب والفضة كله ستخرجه الأرض أسطوانات أسطوانات يوم القيامة، والناس سينظرون إليه ويتعجبون، كيف عصوا ربهم من أجل هذا؟ ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً، قال -عليه الصلاة والسلام-:  يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا   أتدرون ما أخبارها؟ فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها  رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. [رواه الترمذي: 2429، وقال: حديث حسن صحيح غريب صحيح].
لا تترك الزلازل سهلاً ولا جبلاً، تتفتت الجبال وتصبح كأكوام الرمل المفككة، لتذوب بعد ذلك وتضمحل،  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا  [طه: 105- 106] مستوياً ممهدة بالأرض،  لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [طه: 107].
سأل رجل من ثقيف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ  [تفسير البغوي: 5/294].
يعني: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟  فَقُلْ جواباً لهم:  يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ،  يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا  [المزمل: 14]. ستمر الجبال بمراحل في الدكدكة والهدم والزوال،  يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ  [القارعة: 4، 5].
 يكونون كالفراش المبثوث بعد القيام من قبورهم، والجبال تتحول، وهذا دليل من قال من العلماء: إن التحولات، يعني: زلزلة الأرض وانشقاق السماء وزوال الجبال هذا بعد قيام الساعة، يعني: بعد قيام الناس من قبورهم سيشهدون مشاهد عجيبة من التغيرات، سوف نشهد -أيها الإخوة- مشاهد لا قِبَل لنا بها، ولم نر مثلها إطلاقاً، أشياء مفزعة وهائلة، لأننا سنرى بأم أعيننا الأرض تتزلزل والجبال تزول والسماء تتشقق، فيصبح الناس في تلك الأهوال كالفراش المنتشر، يموج بعضه في بعض، وهم يرون هذه الجبال تتحول إلى صوف منفوش تطير به الريح،  وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة: 5، 6]. كرهج الغبار يسطع ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء، شبهه ابن عباس بشرر النار، كيف يطير ويتلاشى؟ وهكذا تقلع قلعاً، وتزال من أماكنها، وتصبح رملاً، ثم تصبح كالعهن المنفوش، ثم تطيره الرياح.
وكذا الجبال تفُتّ فتّاً محكماً  *** فتعود مثل الرمل ذي الكثبان
وتكون كالعهن الذي ألوانه *** وصباغه من سائر الألوان
[نونية ابن القيم: 11].
فماذا سيحدث للبحار؟ ونحن سنشهد أرضنا وكوكبنا الذي نعرفه، كيف تتحول بحاره، وهي أكثر مساحة من اليابسة إلى نار تشتعل،  وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ  [الانفطار: 3]. فغار بعضها في بعض، ذهب ماؤها، اختلط عذبها بمالحها، وزالت الحواجز فيما بينها، وتشتعل مياهها ناراً، وقد كانت مياهها في الدنيا تطفئ النيران.
وكذا البحار فإنها مسجورة *** قد فُجّرت تفجير ذي سلطان
[نونية ابن القيم: 11].
لأن الله تعالى قال: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ  [الانفطار: 3]. وقال: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ  [التكوير: 6]. تغير كل شيء، فلا الناس بالناس الذين عهدتهم، ولا الأرض بالأرض التي كنت تعرف، فماذا سنرى السماء يحدث بها؟ إنه شيء عجيب، فالسماء الأولى سمكها خمسمائة عام ، وبينها وبين الثانية خمسمائة عام، والثانية تحيط بالأولى من كل ناحية وسمكها خمسمائة عام، وبين الثانية والثالثة خمسمائة عام، والثالثة تحيط بالثانية من جميع الجهات وسمكها خمسمائة عام، ولذلك ترى السماء من كل مكان وأنت على الأرض الكروية وهكذا، هذه السماوات المسموكة الشداد التي وصفها الله -عز وجل- مرفوعة بغير عمد هكذا نراها  إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ  [الانفطار: 1- 2].
لقد تشققت وانتثرت نجومها، والسماء أيضاً تنفطر تنشق وتصبح أبواباً،  وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا  [النبأ: 19] إيذاناً بنزول الملائكة ومجيئهم، قال تعالى:  وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا  [الفرقان: 25].
يأتي الله تعالى في ظُلل من الغمام والملائكة، فتتفطر السماوات وتتشقق لمجيء الرب فزعاً وتصبح أبواباً، وتنزل الملائكة من كل سماء، فيقفون صفاً، صفاً، يحيطون بالخلائق من كل ناحية ويتحدى الله الجن والإنس،  يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ  [الرحمن: 33].
وقد هلك السلطان،  مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ  [الحاقة: 28- 29].
أحوال السماء يوم القيامة:
00:40:11
 السماء من أحوالها يوم القيامة أنها ستكشط، يعني: تنزع وتقلع من مكانها، أرأيت جلد الكبش كيف يُسلخ بعد ذبحه؟ قال تعالى: وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ  [التكوير: 11]. الكشط قلعٌ عن شدة التزاق، وهكذا تُنزع من مكانها كما يُنزع الغطاء عن الشيء، وينظر الناس فلا يرون فوقهم قُبّة، ومن الأشياء التي ستحدث في السماء ،  يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور: 9]. يموج بعضها في بعض، وأيضاً سيتغير لونها وتتلون تلون الأصباغ، قال تعالى:  فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن: 37]. على لون الورود: أحمر وأصفر وأزرق وأخضر، من شدة الأمر وهوله، ثم تذوب وتطش طشاً،  تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ  [المعارج: 8]. كالزيت المغلي أو الرصاص المذاب .
وكذا السماء تشق شقاً ظاهراً *** وتمور أيضاً أيما موران
وتصير بعد الانشقاق كمثل هذا  *** المهل أو تك وردة كدهان
 
الشمس والقمر يجتمعان في ذلك اليوم، وقد كانا لا يجتمعان في الدنيا، كل في فلك يسبحون، والنجوم انكدرت: تناثرت، طمس ضوؤها، ضرب بعضها في بعض وهكذا الكواكب .
وكذلك القمران يأذن ربنا *** لهما فيجتمعان يلتقيان
هذه مكورة وهذا خاسف *** وكلاهما في النار مطروحان
وكواكب الأفلاك تنثر كلها  *** كلآليء نثرت على ميدان
 
قال تعالى: فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ  [القيامة: 7 - 9]. جمعا وذهب ضوؤهما  يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَر  [القيامة: 10]. ولذلك استدلوا بهذا على أن التغيرات العظيمة هذه يوم القيامة بعد ما يبعثون، يوم يقول الإنسان أين المفر؟  كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: 11 - 13] فالبصر يخطف ويتقلب تقلباً سريعاً بسبب هذه الأهوال التي يراها، والقمر يخسف ويطمس نوره، والشمس تقرن بالقمر، لقد ورد أنهما ثوران، يعني: على هيئة الثورين، عقيران وسيلقيان في النار، وقال تعالى:   إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ  [التكوير: 1 - 4].
هذه الناقة الحامل مغفول عنها،  وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير: 5 - 7]. هكذا الناس أشباه الزناة مع الزناة، والسراق مع السراق، وأهل العلم مع أهل العلم، وأهل المساجد مع أهل المساجد، وأهل الطاعة مع أهل الطاعة، وأهل المعصية مع أهل المعصية،  وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ  [التكوير: 8 - 14] وهكذا يحصل من الخراب في ذلك اليوم خراب العالم العجيب.
قال ابن القيم: "وقرأ قارئ إذا الشمس كورت، وفي الحاضرين أبو الوفاء بن عقيل، فقال له قائل: يا سيدي هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب، وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب، فلم هدم الأبنية، وسير الجبال، ودك الأرض، وفطر السماء ونثر النجوم وكور الشمس؟ قال: "إنما بنى لهم الدار للسكنى والتمتع، وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر، فلما انقضت مدة السكنى، وأجلاهم عن الدار خربها لانتقال الساكن منها"، فأراد أن يعلمهم بأن الكون كان معموراً بهم وفي إحالة الأحوال وإظهار تلك الأهوال وبيان المقدرة بيان العزة وتكذيب لأهل الإلحاد وزنادقة المنجمين وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان" [بدائع الفوائد: 3/182].
وماذا سيحدث لهم نفسياً عندما يرون معبوداتهم وقد صارت في النار، وقد فنيت؟،  يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: 104]. وهذه مرحلة أخرى أيضاً مما سيمر بالسماء من المراحل عندما تنزع تطوى، هكذا تطبق تطبيقاً، يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كما تطوى الورقة، كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  بعد أن تكشط،  وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ  [الزمر: 67]. قال -عليه الصلاة والسلام-:  يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة، ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟  [رواه البخاري: 2787، ومسلم: 7382].
استدل بهذا الحديث العلماء الذين قالوا: إن طي السماوات والنداء لمن الملك اليوم؟ أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أنه سيكون بعد البعث، وقال بعضهم: إنه سيكون بين النفختين عندما لا يبقى أحد يجيب، ويقول الله: لمن الملك اليوم؟ فيجيب نفسه بنفسه قائلاً:  لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  [غافر: 16].
وقال بعض العلماء: إن هذا يحدث مرتين، الأظهر من الأدلة أن ذلك سيكون هذا النداء يعني: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ يوم القيامة وأن العباد يجيبونه لله الواحد القهار معترفين بملكه سبحانه وتعالى،  وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ  [البقرة: 210] العباد لما قاموا من قبورهم إلى هذه الأرض الجديدة، وحصلت التغيرات في السماوات فزعاً من الله -عز وجل-، وخوفاً وإشفاقاً، ويأتي الله تعالى مع الملائكة، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ  [البقرة: 210].
ولما عاد مهاجرة الحبشة سألهم النبي -عليه الصلاة والسلام- عن أعجب ما روأه في أرض الحبشة، فأخبره فتية من المسلمين أنهم رأوا شاباً من هؤلاء الجبارين أهل الطيش والاعتداء وقد رأى امرأة عجوزاً على ظهرها كتفها قربة ماء مملوءة، فوضع كفه بين كتفيها ودفعها، فوقعت المرأة وانكسرت القربة، فانتصبت قائمة وقالت: ستعلم أي غدر إذا جاء الله لفصل القضاء ونصب كرسيه شأني وشأنك عنده غداً، فقال النبي-عليه الصلاة والسلام-:  صَدَقَتْ صَدَقَتْ  [رواه ابن ماجه: 4010، وحسن إسناده الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة: 4010].
فإذن، سينزل الله تعالى مع ملائكته، وتتشقق السماء بالغمام، ويأتي الرب عز وجل في ظلل من الغمام إتياناً كما يشاء، لا نعلم كيفيته، ولكننا نعلم حقيقته يأتي إتياناً حقيقياً، ويجيء مجيئاً حقيقياً،  وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  [الفجر: 22].
مثِّل لنفسك أيها المغرور *** يوم القيامة والسماء تمور
إذ كورت شمس النهار وأدنيت *** حتى على رأس العباد تسير
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت *** وتبدلت بعد الضياء كدور
وإذا البحار تفجرت من خوفها *** ورأيتها مثل الجحيم تفور
وإذا الجبال تقلعت بأصولها  *** فرأيتها مثل السحاب تسير
وإذا العشار تعطلت وتخربت  *** خلت الديار فما بها معمور
وإذا الوحوش لدى القيامة حشرت  *** وتقول للأملاك أين نسير؟
وإذا تقاة المسلمين تزوجت من حور عين زانهن شعور
وإذا الجليل طوى السماء بيمينه *** طي السجل كتابه المنشور
وإذا الصحائف عند ذاك تساقطت *** تبدى لنا يوم القصاص أمور
وإذا الصحائف نشرت فتطايرت *** وتهتكت للمؤمنين ستور
وإذا السماء تكشطت عن أهلها *** ورأيت أفلاك السماء تدور
وإذا الجحيم تسعرت نيرانها *** فلها على أهل الذنوب زفير
وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت *** لفتى على طول البلاء صبور
فأين الفتيان؟ وأين الشبان؟ وأين الصابرون؟ وأين الشاب الذي ليس له صبوة؟ أين المقاومون لشهواتهم اليوم؟
وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت *** لفتى على طول البلاء صبور
وإذا الجنين بأمه متعلق *** يخشى القصاص وقلبه مذعور
هذا بلا ذنب يخاف جناية *** كيف المصر على الذنوب دهور
[التذكرة: 545].
لقد تفرق الناس في قبورهم من قبل، وأكلتهم الأرض، وصاروا رمماً بالية، لكن الله يجمعهم، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا  [مريم: 93، 94].
لن تضيع الأرض مما أكلت في بطنها شيئاً، ولن تخفي قيعان المحيطات من الجثث التي غرقت فيها، وإن العباد ليجتمعون من حواصل السباع التي أكلتهم، والأسماك التي ابتلعتهم، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير، قال تعالى:  أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا  [البقرة: 148]. وذلك الرجل الذي حرقه أولاده بناء على وصيته بعد موته، وذروا نصفه في البر ونصفه في البحر في يوم عاصف، جمعه الله، فقام بين يديه،  وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ  [الشورى: 29] ،  يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ  [ق: 44]، عندما نقوم من القبور سنتجه إلى أرض الحساب، وأرضنا تبدل،  يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ  [إبراهيم: 48]. التبديل: جعل شيء مكان آخر، هكذا قال الراغب، تبدل الأرض المشاهدة يومئذ غير الأرض التي كانت، التبديل قد يكون تبديل صفات، وقد يكون تبديل ذوات، اختلف العلماء هل هي أرضنا تبدل بصفات أخرى ؟ أو أرضنا هذه تزول وتصبح شيئاً آخر، ويؤتى بأرض جديدة تختلف تماماً عن أرضنا هذه؛ ليكون عليها الحساب والجزاء، وتحدث الأهوال العظام في خمسين ألف سنة طول يوم القيامة حتى يدخلون الجنة والنار.
قال -عليه الصلاة والسلام-:  يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد  [رواه البخاري: 6521، ومسلم: 2790].
العفر: البياض الذي ليس بالناصح، وقيل: البياض الذي يضرب إلى الحمرة.
إذن هذه لون أرض الحساب، أرض المحشر.
وقوله:  كقرصة النقي  يعني: مثل الدقيق المنخول الذي لا تشوبه شائبة، يعني: أرض صافية جداً،  ليس فيها علم لأحد  [فتح الباري لابن حجر: 11/375]. مستوية ليس فيها سكن ولا بناء ولا أثر لأحد، وفي هذا تعريض بأرض الدنيا التي ذهبت وانقطعت العلاقة منها، وفيه إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة، كما قال ابن حجر ونقل -رحمه الله-.
لماذا تبدل الأرض؟ قالوا: يوم القيامة يوم عدل وظهور حق فناسب أن تكون الأرض الجديدة التي نُحشر إليها ونُحاسب عليها هذه الأرض مختلفة تماماً عن أرضنا، ولذلك لم تُعمل عليها معصية قط.
وقد ورد عن ابن مسعود في حديث رواه البزار وابن المنذر والطبراني، ورجاله رجال الصحيح كما قال ابن حجر أرض بيضاء كأنها فضة، لم يُسفك فيها دم حرام، ولم يُعمل بها خطيئة  [فتح الباري لابن حجر: 11/375].
وهذا العدل الذي سيقام عليها في ذلك اليوم ناسب أن يكون محلاً خالصاً جديداً، ورجح ابن حجر -رحمه الله- أنها أرض أخرى تختلف تماماً عن أرضنا هذه، وذهب شيخ الإسلام -رحمه الله- وغيره إلى أن التبديل تبديل صفات وللعلماء في ذلك أدلة، وقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ  [إبراهيم: 48].
وقد جاء أيضاً عن ابن مسعود -رضي الله عنه- ورجاله موثقون، قال: "أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة"
[فتح الباري لابن حجر: 11/375].
وقال بعضهم: إن التغيير يحدث لأرضنا ويؤتى بأرض أخرى.
جاء في حديث جابر مرفوعاً:  تُمد الأرض مد الأديم، ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه  ورجاله ثقات. [رواه ابن حجر في الفتح: رجاله ثقات: 11/376]. مد الأديم.
إذن هكذا يفرش الجلد على الأرض، قال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، هذا من أدلة الذين قالوا إن أرضنا تتحول إلى شيء آخر، وأرض الآخرة أرض القيامة هي أرض أخرى، قال:  تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة  فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ لاحظ الآن معي، النبي -عليه الصلاة والسلام- يخبر أصحابه بمعلومة غيب، يقول: هذه الأرض يوم القيامة تكون خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده، يعني: يقلبها كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر؛ لأن السفر ليس فيه آلات لدحو العجين وجعله مستوياً من كل جهة، فماذا يفعل الإنسان في السفر بالعجين؟ يقلبه بيديه قبل أن يخبزه، وهكذا التكفؤ بينما النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول لهم: إن الأرض تكون خبزة يوم القيامة يقلبها الجبار، جاء يهودي فجأة، قال: يا أبا القاسم بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى، قال: تكون الأرض خبزة واحدة، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام، فنظر النبي-صلى الله عليه وسلم- إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه"
[رواه البخاري: 6520، ومسلم: 2792]
لماذا ضحك؟ تصديقاً عجباً كيف جاء هذا اليهودي وقال المعلومة من عنده، عندهم معلومات صحيحة، ووافق قوله قول نبينا -صلى الله عليه وسلم-. الخلاصة: أن بعض العلماء فهم من هذا أن هذه الأرض تتحول إلى خبزة يأكل منها أهل الجنة قبل دخولهم الجنة يوم القيامة تعد نزلاً تمهيداً، ولذلك لا يجوعون يوم القيامة، كما أنهم لا يعطشون، وأما الأرض التي سنحشر عليها، وسنجتمع فيها للحساب، فهي أرض أخرى على الصفات المتقدمة، لكن السؤال الآن أين يكون الناس عند التبديل؟ روى مسلم -رحمه الله- عن ثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "كنت قائماً عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يُصرع منها، قال: لم دفعتني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله؟ لماذا تقول يا محمد فقط؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي  فقال اليهودي: جئتُ أسألك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعود معه، فقال:  سل  فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ أين سيكون الخلق كلهم ؟ عند التبديل الناس لا بد أن يكونوا في مكان على شيء، والتبديل فيه قلب للأمور كلها، فأين سيكون الناس عند التبديل؟ هذا السؤال الذي فطن له اليهودي، وهو سؤال جيد، الذي يتدبر المعاني سيتعجب ويسأل، فقال -عليه الصلاة والسلام-:  هم في الظلمة دون الجسر  [رواه مسلم: 315]. يعني: قبل الصراط المضروب على جهنم، هذا مكان الناس عند التبديل، ثم يُنقلون إلى الأرض الجديدة، هكذا إذن أجاب -عليه الصلاة والسلام- الخلق في ظلمة، وهم في تلك المنطقة، وطبيعة ذلك المكان الله أعلم به، لكن في ظلام دامس  اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ  [النساء: 87] ،  وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ  [الأنعام: 38]. قال شيخ الإسلام: "وأما البهائم فجميعها يحشرها الله سبحانه كما دل على ذلك الكتاب والسنة"  
[مجموع الفتاوى: 4/248].
والنبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر عن القصاص الذي سيكون بين البهائم، ثم تتحول كلها إلى تراب، فيتمنى الكافر أنه صار تراباً، فتأمل حالك في ذلك اليوم وقد أحاط الخصماء، فهذا يأخذ بيده، وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يقول: ظلمتني، وهذا يقول: شتمتني، وهذا يقول: استهزأتَ بي، وهذا يقول: اغتبتني، وهذا يقول: أسأتَ جواري، وهذا يقول: غششتني، وهذا يقول: كذبتني، وهذا يقول: رأيتني محتاجاً فلم تطعمني، وجدتني مظلوما ًفلم تنصرني، والخصماء يجتمعون عند الرب -عز وجل- وأنت مبهوت متحير من هؤلاء الخصماء  الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: 17].
قال -عليه الصلاة والسلام- في أول من يحشر:   لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحوا الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب [رواه البخاري: 3532].
يعني: ليس بعدي نبي، آخر نبي، يُحشر الناس على قدمي  يعني: أنه يحشر قبل الناس.
وجاء في الحديث الصحيح الآخر:  وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر  [رواه الترمذي: 3148، وأحمد: 2546، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي: 3615]. فهو يقولها تحدثاً بنعمة الله، وليس تفاخراً وتكبراً، كما قال:  وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ  [الضحى: 11]. فأول من يعجل الله إحياءه من الناس -محمد صلى الله عليه وسلم- مبالغة في إكرامه، ثم يتبعه الناس بعد ذلك،  يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا  [ق: 44]. لا يدرون أين يذهبون؟ يموج بعضهم في بعض مثل الفراش المبثوث، و  كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ  [الأنبياء: 104].
قال -عليه الصلاة والسلام-: تُحشرون حفاة  [رواه البخاري: 3447]. كيف خرجت من بطن أمك؟ كما بدأنا أول خلق نعيده  تُحشرون حفاة عراة غُرْلاً قالت عائشة: "يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟
قال:  الأمر أشد من أن يهمهم ذلك  [رواه البخاري: 6527].
وفي رواية لما قالت امرأة: يبصر بعضنا عورة بعض، يا فلانة، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه  [رواه الترمذي: 3332، والحاكم: 2995، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي: 3332].
غُرْلاً جمع أغرل وهو الأقلف، لقد ردت الجلدة المقطوعة.
وقال -عليه الصلاة والسلام-:  إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها  [رواه أبو داود: 3114، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 1971]. وهنا سأل العلماء كيف يكون التوفيق بين الأحاديث؟ فقالوا أقوالاً ومنها: أنهم يبعثون في ثيابهم ثم تتطاير الثياب فيُحشرون عراة، ثم تبدأ الكسوة مرة أخرى، وأول من يُكسى إبراهيم -عليه السلام-  وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  [الأنعام: 94]. ويحشر الشهداء في ثيابهم التي ماتوا فيها قبل أن تتطاير الثياب، ويأتون بعد ذلك، يأتون يوم القيامة بهذا الفخر، قال:  يُحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا  [رواه البخاري: 6522، ومسلم: 2861].
قال بعضهم: هذا يوم القيامة الحشر، ولكن الراجح أن هذا الحشر قبل قيام الساعة عندما تخرج النار من قعر عدن وتنتشر يميناً وشمالاً في الأرض لتسوق الناس إلى محشرهم في أرض الشام، ثم بعد ذلك يقضى عليهم ويبعثهم الله -سبحانه وتعالى-، غير أن هنالك حشراً للمؤمنين يناسبهم وحشراً للكفار يناسبهم.
مشاهد القيامة والبعث والنشور:  
01:01:00
 إن مشاهد الرعب في ذلك اليوم،  يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا  [الحج: 1-2].
فقد يقول قائل: كيف تضع حملها؟ وأين المرضعة؟ والجنين والناس ماتوا كانوا في القبور، فيقال: أليس هنالك من ماتت في الرضاع؟ أليس هنالك من ماتت وفي بطنها جنين؟ فإذا بعثها الله كما هي تذهل المرضعة عما أرضعت والتي هي حامل تضع حملها من الأهوال والفزع الذي سيكون نتيجة تغير الأرض والجبال والبحار والسماوات إلى آخره، وقال بعضهم: إن هذا عند قيام الساعة، والراجح الأول بدليل قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  يقول الله -عز وجل-: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها  [رواه البخاري: 3348، ومسلم: 222].
إذن، الراجح أن هذا سيكون بعد القيام من القبور، قال -عليه الصلاة والسلام-:  يُحشر الناس يوم القيامة عراة غرلاً بُهماً وهذه صفة أخرى  بُهماً  فما معنى بُهماً؟ سئل فقال:  ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعُد كمن يسمعه من قرُب، أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصّه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة  [رواه أحمد: 16042، والحاكم: 3638، وقال الالباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن لغيره: 3608].
 قلنا: يا رسول الله، كيف وإنما نأتي الله -عز وجل- عُراة غُرلاً بُهماً، ما معنا أموال، كيف نحاسب؟ قال:   بالحسنات والسيئات  رواه البخاري في الأدب المفرد، وحسّنه الألباني. [رواه البخاري في الأدب المفرد: 970، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3608]. 
 فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ  [المؤمنون: 101].
قال رجل لزهير بن نعيم: ممن أنت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ممن أنعم الله عليهم بالإسلام، قال: إنما أريد النسب؟
قال:  فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ  [حلية الأولياء: 10/149].
فحينئذ لا يهتم الإنسان إلا بنفسه، ولا يلتفت إلى غيره، ويفر من أحب الناس إليه،  فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ  [عبس: 33 - 37].
 يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا  [لقمان: 33]. قال عكرمة: "وإن الوالد يتعلق بولده يوم القيامة، فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني خيراً، فيقول: يا بني إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبتَ، ولكني أتخوف مثلما تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً، ثم يتعلق بزوجته، فيقول: يا فلانة أي زوج كنت لك؟ فتثني خيراً، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبينها إلي لعلي أنجو بها مما ترين، فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، إني أخاف مثل الذي تتخوف" [تفسير ابن أبي حاتم: 10/3178].
مشهد عظيم، وفرار عجيب، طويل ذلك اليوم،  فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ  [المعارج: 4]،  وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ  [يونس: 45] لماذا؟ لأن هذه التسعين سبعين ثمانين ستين سنة قضيناها في الدنيا بالنسبة لخمسين ألف سنة تصبح كساعة، ولذلك يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة، يقسمون ما لبثوا غير ساعة في الدنيا؛ من طول ما يرون، ومن العجائب أن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق في ذلك اليوم
قال -عليه الصلاة والسلام-: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه  إلى الخاصرة منتصف الجسم، ومنهم من يلجمهم العرق إلجاماً  وأشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى فمه"
[رواه مسلم: 2864]. كثرة العرق من ماذا؟ الفزع، تراكم الأهوال، الإنسان إذا خاف عرق، ازدحام العباد ليس للإنسان إلا موضع قدميه، والزحمة تخرج العرق، دنو الشمس تصهر العباد، وهذا هو السبب الرئيسي للعرق، وتقريب جهنم، وجهنم تلفح،  وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ  [الفجر: 23].
فيوقفون ألوفاً من سنيهم *** والشمس دانية والرشح قد كثرَ
جاء في الحديث الصحيح أنهم يمكثون أربعين سنة في العرق.
لكن أهل الإيمان سيكونون في ظل العرش فلا حر، وكذلك فإن المدة عليهم يهونها الله، فعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  [المطففين: 6] ، قال:  مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى أن تغرب  رواه أبو يعلى، وصححه الألباني في صحيح الترغيب. [رواه أبو يعلى: 1893، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1893].  
وفي رواية للحاكم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر وصححه الألباني، [رواه الحاكم: 284، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 8193].
أما دليل الوقوف أربعين سنة في العرق، فأخرجه البيهقي في البعث بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:  يشتد كرب ذلك اليوم حتى يلجم الكافر العرق، قيل له: فأين المؤمنون؟ قال: على الكراسي من ذهب، ويظلل عليهم الغمام  [رواه البيهقي: 643، وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح: 11/394].
وبسند قوي عن أبي موسى: الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة، وأعمالهم تظلهم.
وجاء في الحديث الذي قال عنه ابن حجر أن سنده جيد رواه ابن المبارك في الزهد عن سلمان قال: "تُعطَ الشمس يوم القيامة حر عشر سنين؛ لأن الشمس تطلع علينا بحر يوم واحد، يوم القيامة الحر الذي يجتمع في الشمس حر عشر سنين، ثم  تدنى من جماجم الناس حتى تكون قاب قوسين، فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم ترتفع حتى يغرغر الرجل" [فتح الباري: 11/394].
لقد مر معنا أن الشمس كورّت وذهب ضوؤها، فما هذا الذي يحدث الآن؟
قال العلماء: إن الشمس تمر بمراحل، فتلف تكور يذهب ضوؤها، ثم تعود إذا اجتمع الناس في المحشر، ويزاد في حرها عشر سنين، وتدنو من رؤوس العباد، فإذا انتهى ذلك المشهد، لفت وكوّرت ورميت في النار عقوبة لعابديها، يتعذبون بها في النار، هكذا جمع العلماء.
مجيء الله -سبحانه وتعالى- للحساب:
01:08:13
 وأما مجيء الله -سبحانه وتعالى- للحساب في ذلك اليوم، فإنه مجيء عظيم كما تقدم، والناس شاخصة أبصارهم
قال ابن مسعود في الحديث الصحيح:  يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً أربعين سنة، شاخصة أبصارهم، ينتظرون فصل القضاء  قال:  وينزل الله -عز وجل- في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي مناد: أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً أن يولي كل إنساناً منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدنيا؟ أليس ذلك عدلاً من ربكم؟ قالوا: بلا، فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا، فيتبع أهل الشمس الشمس، ويتبع عباد القمر القمر، ويتبع عباد النجوم النجوم، وهكذا كلهم إلى النار  [رواه الحاكم في المستدرك: 3424،والطبراني في الكبير: 9763، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3591]. 
إذن، مشهد مجيء الله -سبحانه وتعالى- ومشهد مجيء جهنم وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: 23]، تأتي في سبعين ألف زمام على كل زمام سبعون ألف ملك، أربع ألاف وتسعمائة مليون ملك يجرون جهنم، لا شك أن هذا المجيء، مجيء الله تعالى، ومجيء جهنم سيخلع قلوب هؤلاء العصاة والمكذبين، وإذا كان المؤمنون في ظل العرش، سيقال للكفار:  انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ [المرسلات: 29-30].
هؤلاء في ظل النار، وأولئك في ظل العرش، لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ  [المرسلات: 31].
شفاعات النبي -صلى الله عليه وسلم-:
01:09:58
 عندما يقف الناس أربعين سنة في العرق، وليس للإنسان إلى موضع قدميه، والشمس دانية، الغم والهم والكرب يصل بالناس إلى درجة أن الكافر يتمنى انفضاض الموقف ولو إلى النار، فيذهب الناس يطوفون على الأنبياء يلتمسون منهم التدخل، التوسط، الشفاعة عند رب العالمين لانفضاض الموقف، كل نبي يردها إلى آخر، آدم إلى نوح، ونوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، وكلهم يذكر ذنباً إلا عيسى، وعيسى آخر واحد، سيذهب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- الموجود في ذلك الوقت قريباً من الصراط، ويخبره بما بلغ الناس في الموقف، ويطلب منه التدخل والشفاعة، ويذهب الناس معه، ويطلبون من محمد -عليه الصلاة والسلام- الشفاعة لفصل القضاء وانفضاض ذلك اليوم، فيقول: أنا لها، وتبدأ عملية الشفاعة العظمى، وهو المقام المحمود، هذه الشفاعة أعظم شفاعات نبينا -صلى الله عليه وسلم- سيحمده عليها حتى الكفار، قال -عليه الصلاة والسلام- في قوله تعالى:  عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا  [الإسراء: 79] ، قال:  هي الشفاعة  [رواه البخاري: 7440].
وذلك يوم فيه نور نبينا  *** برفع لواء الحمد يعلو ويسطع
ويظهر فيه جاهه بشفاعة  *** إليها لكرب الموقف الخلق يهرع
[ذيل مرآة الزمان لليونيني: 1/303].
قال -عليه الصلاة والسلام-:  أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة، فاخترتُ الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً  [رواه الترمذي: 2441، وصححه الألباني في المشكاة: 5600]. 
النبي -عليه الصلاة والسلام- له عدة شفاعات: شفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، شفاعة لقوم يدخلون الجنة بلا حساب، شفاعة لقوم أن ترتفع منازلهم في الجنة، قيل: شفاعة لقوم استحقوا دخول النار أن لا يدخلوها، والشفاعة العظيمة جداً جداً لناس دخلوا النار أن يخرجوا منها، شفاعة لتخفيف عذاب عمه أبي طالب خاصة، والشفاعة العظمى هي الشفاعة أن ينفض الموقف الآن من الكرب والهول ليبدأ الحساب وتتطاير الصحف.
إذن، أعظم شفاعات النبي -عليه الصلاة والسلام- المقام المحمود، ثم الشفاعة لناس أن يخرجوا من النار، شفاعة المقام المحمود خاصة بالنبي -عليه الصلاة والسلام- الشفاعة للخروج من النار، يشفع نبيون، صديقون، ملائكة، صالحون، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:  أُعطيتُ خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء  قال:  وأعطيتُ الشفاعة 
[رواه البخاري: 438]
قال ابن حجر:             
  وهو المشفّع في العصاة إذا طمى *** عرق وألجم في الورود وريداً

فهنالك إذن شفاعات للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، ويذكرونه بمناقبه، وهكذا بقية الأنبياء، إذا جاءت إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- قال:  فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي -عز وجل-، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبل  أنت الآن تعرف من الأذكار سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله، الله أكبر، هناك محامد سيفتح الله على نبيه لا يعرفها أحد إلا الله -عز وجل-،  ثم يفتح الله علي من محامده، وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد  النبي -عليه الصلاة والسلام- يمكث ساجداً ما شاء الله أن يمكث في سجدة طويلة يذكر المحامد هذه والثناءات، حتى يقول الله -عز وجل-:  يا محمد ارفع رأسك، سل تعطى، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة  [رواه البخاري: 7510، ومسلم: 193].
إذن، الجنة فيها اتجاهات، وفي الباب أقصى اليمين أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، إذن الذين لا حساب عليهم من هذه الأمة سيدخلون من باب خاص من الأبواب الثمانية لا يدخل منه غيرهم، ويشاركون الناس في بقية الأبواب، قال -عليه الصلاة والسلام-:  والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وحمير، أو كما بين مكة وبصرى  [رواه البخاري: 4712، ومسلم: 194].
إذن، عرفنا شفاعته في أهل الموقف، وفي قوم من أمته أن يدخلوا الجنة بغير حساب، وفي أقوام من المؤمنين في زيادة ثوابهم ورفع درجتهم، وفي قوم استوجبوا دخول النار على ما قيل يشفع لهم أن لا يدخلوها، ولأهل الكبائر من أمته، وهذه من أعظم الشفاعات، من أعظم الشفاعات شفاعته لأهل الكبائر من أمته أن يخرجوا من النار، ولو في يوم من الأيام بعد أن يعذبوا، يخرجون من النار.
وله الشفاعة يوم تحتبس الورى  *** في الكرب من عرق إلى الآذان
سبعون ألفاً لا حساب عليهم  *** مع ألفها سبعون ألف مُعان
ولسوف يبعثه الإله مقامه *** المحمود  بعث مقرِّب منان
وله الوسيلة وهي أرفع رتبة  *** خلصت له في جنة الحيوان
يعني الحياة الدائمة المستقرة.
وله مزيد لا انتهاء له كما *** لا منتهى لمواهب الرحمن
كيف يا أخي نستحق الشفاعة؟ أولاً: الإخلاص لله.
شفاعة القرآن والصيام لصاحبهما يوم القيامة:
01:15:43
 ثانياً: القرآن يشفع لأصحابه.
ثالثاً: الصيام يشفع لأصحابه، نسأل الله أن يبلغنا شهره، ويتم علينا نعمته.
وكذلك إذا طلبنا الوسيلة في الدعاء بعد الأذان: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، من أسباب أن ترزق الشفاعة.
السكنى في المدينة والصبر على لأوائها كما ثبت في صحيح مسلم.
أما الكفار فلا شفاعة لهم، ولا يخرجون من النار، ولا يخفف عنهم من عذابها، استثناء خاص لأبي طالب كما تقدم بسبب النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك، ويغضب لك، قال:  هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار  [رواه البخاري: 3883، ومسلم: 209].
وقال:  لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة  [رواه البخاري: 3885، ومسلم: 210].
ثلاثة مواطن يوجد النبي -صلى الله عليه وسلم-:
01:16:34
 ومما يدل على شدة الموقف في ذلك اليوم أن أنساً -رضي الله عنه- لما سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يشفع له قال:  أنا فاعل  سأل أنس: أين أطلبك يا رسول الله؟ فأين أطلبك؟ فقال:  اطلبني أول ما تطلبني على الصراط  قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال:  فاطلبني عند الميزان ، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال:  فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن  [رواه الترمذي: 2433، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي: 2433].  هذه الثلاث من هولها الناس يحتاجون، الحاجة إلى رحمة رب العالمين، والنبي عليه الصلاة والسلام يبحث عنه يوم القيامة في تلك المواطن الثلاث، احفظ هذه المواطن يا عبد الله؛ لأنك تبحث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- يوم القيامة عندها، والعلم بها مفيد جداً، طبعاً والإيمان والثبات على الحق والعمل الصالح .
أيها الإخوة والأخوات، إن الله -سبحانه وتعالى- يشفع لمن يشاء، ولا يشفع إلا من رضي له الرحمن، ولا يقبل الله شفاعة في أحد إلا إذا رضي له الرحمن أيضاً، فلا بد من الإذن للشافع والمشفوع له، نحن سنشهد لجميع الأنبياء يوم القيامة أنهم بلغوا أممهم، مع أننا ما حضرنا؛ لأن نبينا بلغنا، وقرآننا ذكر لنا هذا، وكذلك فإن النبي عليه الصلاة والسلام سيعرف أمته من آثار الوضوء ومن آثار السجود، ولذلك لا بد من إتقان الوضوء وإتقان الصلاة، وكذلك فإن الأرض التي تكون مظلمة والناس في ظلمة، إذا جاء الله يوم القيامة أشرقت الأرض بنور ربها، ويوم القيامة هناك ظلمات، والظلم ظلمات، لكن هنالك ناس نورهم عظيم،   بشّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة  [رواه أبو داود: 561، والترمذي: 223، وابن ماجه: 781، وصححه الألباني في المشكاة: 33].  
الذي يقرأ سورة الكهف كانت له نوراً يوم القيامة، من شاب شيبة في الإسلام، يعني: على طاعة الله أدركه الشيب كانت له نوراً يوم القيامة، منابر من نور للمتحابين في الله، منابر من نور للعادلين، أهل العدل المقسطين في أي شيء ولاهم الله عليه، وناس في ظل العرش كالسبعة الذين يظلهم الله، وجاء في أحاديث أخرى زيادة.
وزد سبعة إظلال غاز وعونه *** وإنظار ذي عسرة وتخفيف حمله
وإرفاد ذي غرم وعون مكاتب *** وتاجر صدق في المقال وفعله
[فتح الباري لابن حجر: 2/144].
ناس في ظل العرش، وناس يغرقون في العرق، ناس في الخزي والهوان، وناس تاج الوقار فوق رؤوسهم، الشهيد صاحب القرآن يلبس تاج الكرامة، الشهداء بريح المسك ولون الزعفران، المؤذنون أطول الناس أعناقاً، يوم يكون الناس في العرق يحتاجون هذا الطول وهم يشرئبون إلى عفو الله ومغفرته، والذي يقيل المسلم أن يقيل الله عثرته، وأهل الوضوء غراً محجلين، أما الكفار شاخصة أبصارهم ترهقهم ذلة، يكونون في الحسرة يتندمون، والقرين يلعن قرينه ويسب ويشتمه، وهكذا الخصومات والعداوات يوم القيامة، إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا  [البقرة: 166]، ويلعن بعضهم بعضاً، وبدا لهم من الله ما لكم يكونوا يحتسبون، مفاجآت وليس للكافر فداء يريد شفاعة لا يجاب، يريد فدية أصلاً ما عنده فدية، ولو عنده ملء الأرض ذهباً لافتدى به، ولكن هيهات ذل وهوان ترهقهم ذلة، بل إنه يغشاهم غشي الموت، قال -عليه الصلاة السلام- في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد:  إني لقائم انتظر أمتي تعبر على الصراط، إذ جاءني عيسى، فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون -أو قال: يجتمعون إليك-، ويدعون الله -عز وجل- أن يفرّق جمع الأمم إلى حيث يشاء الله لغم ما هم فيه، والخلق ملجمون في العرق، وأما المؤمن 
هذا السؤال الآن ما حال المؤمن يوم يغرق الناس في العرق؟
قال -عليه الصلاة والسلام-:  وأما المؤمن فهو عليه كالزكمة، وأما الكافر فيتغشاه الموت 
وصححه في صحيح الترغيب. [رواه أحمد: 12824، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3639].  
الكفار حبطت أعمالهم، ما لهم حسنات، جاء عدي بن حاتم، يقول: يا رسول الله، أبي كان يكرم الضيف ويفعل ويفعل، قال:  إن أباك أراد شيئاً فأدركه  كان يريد سمعة حصلها، جاءت عائشة تسأل عن قريبها ابن جدعان كان يكرم الضيف ويقري ويفعل، قال:  إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين لا ينفعه عمله،  وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23]. الله لا يظلم أحداً، لكن من الكفار من كفل الأيتام وصدقات وأعمال بر وخير وبر أبويه وأحسن إلى جاره وفعل الخير للبشرية من المخترعات وغيرها، فيقال له: إن الله يعطيهم في الدنيا أجر ما عملوه، سمعة، صحة، أولاداً ، أموالاً، يوم القيامة إذا وافوه ليس لهم عند الله من خلاق، بدون التوحيد لا يقبل الله العمل، قال -عليه الصلاة والسلام-: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة ؟، قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما  فإذن، سنرى الله يوم القيامة في أرض المحشر، وهذه الرؤية لها تفصيل، قال: فيلقى العبد، فيقول: أي فل -اختصار فلان- ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس -جعلتك رئيساً ومديراً - وأذرك ترأس وتربع- وكانوا في الجاهلية يأخذوا ربع الغنيمة لشيخ القبيلة – فيقول: بلى، قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي، فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، وهكذا إلى أن يصل إلى واحد، يقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذن، يعني: لنرى صحة هذا الكلام، ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي؟ فيُختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه.
هذا ما يحصل للمنافق، والمؤمن قال -عليه الصلاة والسلام-: ((يدني المؤمن – يعني الله عز وجل – فيضع عليه كنفه – يعني ستره -ويستره فيقول: تعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد:  هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ  [هود: 18].
[رواه البخاري: 2441، ومسلم: 2768] .
هناك ناس لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، ناس يحلفون بالكذب ويبيعون بالأيمان الكاذبة، الرجلة من النساء، المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمين فاجرة عند القاضي وغيره، وشيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر، فقير ومتكبر، والملك لا يحتاج إلى الكذب، فإذا كذب، والشيخ قد ضعفت شهوته فلماذا يزني؟ وكذلك فإن هناك من لا ينظر الله إليه نظر رحمة، وإلا فإنه يرى الجميع، العاق لوالديه، والديوث منهم الذي يقر الخبث في أهله، ولله خصماء يخاصمهم يوم القيامة، والذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه، وناس يلقاهم الله وهو غاضب عليهم كالذي يقتطع مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، وكذلك الذي يتسمى ملك الأملاك، والذي يحتجب دون رعيته يحتجب الله عنه، والذي يأتي أمير على عشرة مغلولاً، والذي يظلم معاهداً أو ينتقص منه النبي -عليه الصلاة والسلام- حجيجه يوم القيامة، وكذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- يعرض عن الذين يغلون ويسرقون من الأموال العامة، ويسرقون من الغنائم في الجهاد يأتي بها على رقبته بصوتها وثقلها يا محمد، فأقول هكذا إليك عني قد بلغتك، وناس قريبون من النبي عليه الصلاة والسلام في المجالس أصحاب الأخلاق الحسنة، أما الثرثارون المتشدقون المتفيهقون بعيدون عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وناس لا يريحون رائحة الجنة وريحها من مائة عام ومن أربعين عاماً مثل النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات لا يدخلن الجنة بدون عذاب، لا يدخلن الجنة مع أول الداخلين، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا، ومن ادعى إلى غير أبيه لا يجد رائحة الجنة، وهكذا الذي لا يحوط رعيته يأتيه يوم القيامة لا يرح رائحة الجنة، وناس يذلون مثل المتكبرين، يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر  يعني: النمل الصغير،  أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس تعلوهم نار الأنيار  هذا الحديث صحيح رواه الترمذي، [رواه الترمذي: 2492، والنسائي في الكبرى: 11827، وأحمد: 6677، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 8040].
وناس يفضحون برايات من عند دبره إلى أرفع شيء على الأشهاد، الفضيحة من آدم إلى آخر واحد في ذريته وعلى الثقلين وعلى الملأ وعند الملائكة من هو؟ أصحاب الغدر، والذي يسأل الله له ما يغنيه يأتي ومسألته خموش في وجهه لدرجة أنه يأتي ناس يوم القيامة ما في وجهه قطعة لحم من كثرة ما سأل، وهو غير محتاج، والذي لا يعدل بين الزوجتين شقه مائل، والذي يأكل الربا يقوم من القبر يتخبط كالمجنون وهكذا من يغلل يأتي بما غل يوم القيامة، والذي يغصب شبراً من الأرض إلى سبع أرضين تحت حول عنقه يحمله ويكلف بحفره ونقله يوم القيامة، وأما مانع الزكاة يُكوى يوم القيامة ويُسلّط عليه الثعبان الذكر الأقرع الذي سقط شعره لكثرة سمه ويتبعه ويقضم يده ويمسكه من شدقيه، وهكذا من قذف مملوكه يقام عليه الحد يوم القيامة والذي يلبس ثوب شهرة يُلَبس ثوب مذلة يوم القيامة، والنائحة التي تنوح وتلطم وتشق الثياب وتقطع الشعر عليها سربال من قطران ودرع من جرب يوم القيامة وهكذا أحوال الناس تتفاوت، وكافل اليتيم والأرملة والساعي على أهل المجاهد، ناس قريبون من النبي عليه الصلاة والسلام، الحساب يسير على الله، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ  [الغاشية: 26] ،  وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ  [الرعد: 41] ،  وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ  [الأنبياء: 47] ،  وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ  [الفاتحة: 47]، والمفلس الذي حقوق الناس تأكل حسناته، ثم يرمى في النار، عند الحساب تجثوا الأمم،  كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً  [الجاثية: 28]، يعني على الركب،  كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا  [الجاثية: 28]، ينزل الله لفصل القضاء، وتجزى كل نفس بما كسبت، وأما الذين يخافون سوء الحساب فهم في مأمن؛ لأن الله لا يجمع على عبده خوفين وأمنين، إذا خاف في الدنيا أمنه يوم القيامة، وإذا أمن في الدنيا أخافه يوم القيامة.
ولم يتأهب للرجوع لربه *** ولم يتزود للطريق البعيدة
وبين يديه الموت والقبر والبلى *** وبعث وميزان وأخذ الصحيفة
وجسر على متن الجحيم وموقف *** طويل وأهوال الحساب المهولة
[مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار: 3/198].
{هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: 53].  
وصيح بكل العالمين فأحضروا *** وقيل: قفوهم للحساب ليسألوا
فذلك يوم لا تحد كروبه *** بوصف فإن الأمر أدهى وأهول
يحاسب فيه المرء عن كل سعيه *** وكل يجازى بالذي كان يعمل
[مجموعة القصائد الزهديات: 1/527].
أول من يُحاسب هذه الأمة، من ميزتها أول من يقضى بينهم يوم القيامة، أول ما يُحاسب الناس على الصلاة من حقوق الله، وفي الدماء من حقوق العباد، هناك ناس يناقشون الحساب مناقشة عسيرة، يوقف عند كل شيء، ويسأل عنه، غير الذي يقرره على ذنوبه ويستره ذاك ينجو، لكن لما قال النبي-عليه الصلاة والسلام-:  اللهم حاسبني حساباً يسيراً  قالت عائشة: "يا نبي الله ما الحساب اليسير؟" قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه، إنه من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك [رواه أحمد: 24215، وقال محققه الأرنؤوط: حديث صحيح].
إذن الذي يحدث له نقاش واستقصاء وتعسير في مسألة الأعمال في صحائفه سيعذب سيعذب، والذي سيمشى أمره وينظر الله في صحيفته ويمشيه هذا ينجو، هذا النظر من الله في صحيفة العبد ثم يسمح له بالمرور، هذا الحساب اليسير، قال -عليه الصلاة والسلام-:  من حوسب عذب [رواه البخاري: 103].
معنى من حوسب يعني دُقق عليه واستُقصي معه، أما الحساب اليسير فقد عرفنا ما هو.
تتطاير الصحف يوم القيامة فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، ملوية يده اليسرى وراء ظهره، وقيل تخرج من بطنه، ويمشيهم الله على وجوههم يوم القيامة، يحشرون على وجوههم عمياً وبكما ًوصماً، وكذلك أهل الرياء أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة، جاهد ليقال فلان شجاع، حفظ القرآن ليقال قارئ، تصدق ليقال كريم، وتعلم ليقال عالم وهكذا أخذوا حظهم في الدنيا. [رواه الترمذي: 2382، والنسائي في الكبرى: 11824، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1713].  
فخف الله واترك الزهو *** واذكر موقف الخاطئين يوم الحساب
وسل الله زلفة واعتصاماً  *** وخلاصاً من مؤلمات العقاب
 
سيحاسب الكفار على أعمالهم؟ نعم، الأعمال غير الكفر أيضاً؟ الجواب: نعم،  وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [العنكبوت: 13] ،  وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ  [الصافات: 24] ،  مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ  [القصص: 65].
وهكذا هناك أسئلة تقريع وتوبيخ، وهناك أسئلة تقرير، وهناك مواطن يتكلمون، ومواطن لا يتكلمون، ومواطن يختم على أفواههم، وتقام الحجج عليهم ويوبخون وكفى بالله شهيداً وبالملائكة الكاتبين، ومع ذلك يقول الظالم: ما أرضى شاهداً علي إلا من نفسي، فيختم على فيه، وتشهد عليهم ألسنتهم وسمعهم وأبصارهم وجلودهم، ويلعنون جلودهم، ويلعنون أسماعهم وأبصارهم، ويقولون: تباً لكن فعنكن كنت أناضل، أنا أناضل وأجادل الآن؛ لنجاة أعضائي، فإذا بها تشهد علي، وسيسألون عن الأهل والأولاد، يسأل الله كل راع عما استرعاه، يسأل عن العمل والعمر والمال والشباب،  لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: 8].
وعن الماء البارد، وعن العهود والمواثيق، وعن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً.
أعدد جوابك في حين الحساب إذا *** نوقشت كيف أتت أو كيف تجريها
ما تبتغي من حطام أصله تعب *** والمنتهى حسرة لا حد يقصيها
كم تخزن المال لا تعطي حقائقه *** تلك المخازن ملئ من نواحيها
ماذا تريد بجمر عشتَ تركمه  *** جحيمه باشتداد الحرص تذكيها
هلا نجوت سليماً من معاطبها  *** فالنفس ميسور هذا العيش يكفيها
قرص وطمر وشكر فهي مملكة  *** عظيمة ملك كسرى لا يوازيها
ارفق بنفسك لا تقوى على سقر *** وافزع إلى الله من ذنب سيخزيها
ارحم عظامك أن تصلى بزفرتها *** وخز البعوضة لو فكرتَ يؤذيها
ألا يهولك ما قدمت من خطأ  *** إن الذنوب ديون سوف توفيها
بادر إلى توبة تمحو الذنوب بها  *** فما سوى أوبة الإخلاص ماحيها
                           بادر لأوبة نفس كلما  ادّكرت *** قبح الخطيئة نار الخوف تشويها
 
القواعد التي يُحاسب بها العباد يوم القيامة:
01:33:40
 ما هي القواعد التي بناء عليها سيحاسب العباد؟
أولاً: إن الله لا يظلم الناس شيئاً.
ثانياً: لا يؤاخذ أحد بجريرة غيره،  وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 164].
ثالثاً: إن الله سيطلع العباد على كل أعمالهم، كل واحد سيرى صحائفه حتى واحد من الخلائق تفرد له تسعة وتسعين سجلاً مد البصر،  لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا  [الكهف: 49]. وكل واحد لن يدخل النار إلا وهو مقتنع بدخول النار، وكذلك أهل الجنة يمن الله عليهم، وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ  [الإسراء: 13]. اقرأ كتابك، ويعطى صحيفته وهكذا من أوتي كتابه بيمينه يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً، ومن أوتي كتابه بشماله يدعو ثبوراً ويصلى سعيراً، إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، وهذا الستر العظيم والله ستير نسأله أن يسترنا.
أيها الإخوة، يدخل الجنة من هذه الأمة  سبعون ألفاً دون حساب ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفاً  [رواه البخاري: 5752، ومسلم: 6472].  وثلاث حثيات من حثيات الله، حثيات ربي، مع كل ألف سبعون ألفاً، فاضرب سبعين ألف في سبعين زائد السبعين الألف الأولى وثلاث حثيات من حثيات الله لا يعلمها إلا الله، ويعاتب الله فيقول:  مرضُت فلم تعدني، استطعمتُك فلم تطعمني، استسقيتُك فلم تسقني [رواه مسلم: 2569].
 فإذن معنى ذلك مرض عبيده وجوع عباده وعطشهم الذي لم يقدم فيه هذا المقدم شيئاً مع قدرته على ذلك.
هناك بعد الحساب وبعد الصحائف يأتي الميزان، لأنه بناء على الوزن سيدخلون الجنة أو النار، فمن خفت موازينه في النار، ومن ثقلت موازينه في الجنة، الميزان حقيقي له كفتان، وقيل: هناك موازين، توزن في هذا الميزان كل العباد وأعمال العباد، سبحان الله ، كيف يسعهم ؟ بقدرة الله تعالى، مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان: 28] وحسابكم يسير على الله -سبحانه وتعالى-.
ماذا يوزن في الميزان؟ دلّت الأدلة أنه يوزن الأشخاص، فساقا ابن مسعود في الميزان أثقل من أحد، والصحائف مثل حديث البطاقة الذي قال لا إله إلا الله مخلصاً طاشت السجلات وثقلت البطاقة" [رواه الترمذي: 2639، وابن ماجة: 4300، وأحمد: 6994، والطبراني في الكبير: 30، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1776].
والأعمال نفسها توزن تتحول إلى أعراض إلى أجسام بأمر الله تعالى وتوزن، كلمتان ثقيلتان في الميزان، هكذا سيكون الوزن، بعد ذلك الكفار إلى النار مباشرة يسحبون، ويأتي الله إلى أهل المحشر بصورة غير صورته، والله على كل شيء قدير، فيقول: أنا ربكم، فيقول المؤمنون نعوذ بالله منك لست بربنا، ربنا نعرفه ما بربنا من خفاء، بأي شيء يعرفونه ولم يروه؟ بأسمائه وصفاته، فاعرف يا مسلم توحيد الأسماء والصفات، ثم يجيء بصورته الحقيقية فيسجد المؤمنون ويبقى المنافقون كانوا مندسين بين المؤمنين، لم يسحبوا مع الكفار الصرحاء إلى النار الآن، فبقوا في أرض الموقف، فكل ما أراد الواحد أن يسجد جعل الله ظهره طبقاً واحداً يخر على وجهه لا يستطيع، ثم يقود الله هؤلاء البقية المؤمنون وفيهم المنافقون إلى الصراط، فيتبعون ربهم، عند الصراط تقسم الأنوار على الناس، لأن الصراط مظلم وجهنم مظلمة ولا بد من نور وإلا كيف سيعبرون؟ والصراط دحض مزلة يروغ روغاناً وأحد من السيف وأدق من الشعرة، فكيف سيقطع بلا نور؟ لا يمكن، فتقسم الأنوار على حسب الأعمال، فناس أنوارهم مثل الجبل، وناس مثل النخلة بيمينه، وناس على إبهام قدمه يضيء مرة وينطفئ أخرى، يبدأ المؤمنون بعبور الصراط، وأول من يعبره محمد صلى الله عليه وسلم يجوزه إلى الجانب الآخر، ولا يقول الأنبياء يومئذ إلا اللهم سلم سلم من الهول على جنهم، وهذا من أصعب المشاهد يوم القيامة،  وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا يعني العبور على الصراط،  كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا  [مريم: 71]، هذا الصراط هو بعد الحوض، والحوض إذا أردنا أن نعرف صفته، فإنه مربع زواياه سواء كما جاء في الحديث الصحيح يصب فيه ميزابان من نهر الكوثر من الجنة، ماءه أحلى من العسل وأبيض من اللبن وكيزانه أكثر من عدد نجوم السماء، أول من يرد عليه فقراء المهاجرين الشعث رءوساً الدنس ثياباً، الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم السدد، هؤلاء لا يؤبه لهم لفقرهم أول من يرد الحوض، النبي -عليه الصلاة والسلام- أي واحد من غير أمته يُذَب عن الحوض؛ لأن لكل نبي حوضا،ً كيف يعرف أمته؟ غراً محجلين.
ومن حوضه يا إله اسقنا *** وبالبعد عنه فلا تشقنا
الذين يذادون عن الحوض:
01:38:58
 هناك ناس يُذادون عن الحوض ويسحبون، فيقول:   يا رب أمتي  فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول:  سُحقاً سُحقاً  [رواه البخاري: 6583، ومسلم: 249].
 هؤلاء الذين يردون الحوض سيشربون شربة لا يظمئون بعدها أبداً، ثم يكون الانتقال إلى الصراط، فمن الناس من ارتوى ومنهم عطشى، ويضرب الصراط على متن جنهم، ويؤمر الناس بالعبور ولا بد من العبور، المنافقون يريدون أنواراً، فيقال: ارجعوا التمسوا نوراً فيضرب بباب بينهم وبين المؤمنين، ثم يقعون في النار، وهذه الخدعة التي خدع الله بها المنافقين، ويعبر المؤمنون الصراط، فمنهم من يعبر كالبرق كطرف العين ومنهم كالريح المرسلة ومنهم كأجاويد الخيل والركاب ومنهم من يجري جرياً ومنهم من يمشي مشياً ومنهم من يزحف زحفاً، فكيف يزحف على صراط أحد من السيف، والذي ينطفئ نوره مرة ويوقد أخرى إذا انطفأ وقف وإذا أضاء مشى، وناس خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فمن الناس من تخطفهم كلاليب وحسك وشوك الموجود على جانبي الصراط تنهش في عظامهم ولحومهم وعصبهم، ومن الناس جنهم تأخذ من أمرت بأخذه فيسقطون في النار، فإذن ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: ناج مسلم ومخدوش ومكردس في نار جنهم، فإذا خرجوا، آخر واحد يخرج من النار يعطى عشرة أضعاف أعظم ملك من ملوك الدنيا وهكذا يتكاملون عند قنطرة بين الجنة والنار ويحسبون عليها في معاتبات فيه قصاص لكن لا يؤدي إلى دخول النار ومن جاوز لا يعود.
فإذًا هنا قصاص معاتبات لأشياء كانت بينهم في الدنيا، ثم يعد ذلك يبدءون في دخول الجنة.
هذا ملخص الرحلة الطويلة ونهاية البداية وماذا سيحدث فوق الأرض الجديدة.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا في ذلك اليوم من الناجين، وأن تغفر لنا ذنوبنا أجمعين، اللهم بيّض وجوهنا يوم نلقاك، وثقل موازيننا، وآتنا صحائفنا بأيماننا، اللهم نجنا على الصراط، وارزقنا شفاعة نبيك وشربة من حوضه لا نظمأ بعدها أبداً، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.