الأحد 28 ذو القعدة 1438 هـ :: 20 أغسطس 2017 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

الحج شوق واستعداد


عناصر المادة
الحج مدرسة:
شروط صحة الحج:
من فضائل الحج:
نصائح لمن أراد الحج:
التعاون على البر في الحج:

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

الحج مدرسة:
00:00:28

الحمد لله الذي شرع لنا من الشعائر والعبادات ما أنعم به علينا باستكمال الإيمان وتأسيسه، وعرَّفنا كيف نعبده سبحانه، وهذه العبادات لها حكم عظيمة، ومصالح كثيرة، تزكية للنفوس، وترويض على الفضائل، وتطهير من النقائص، وتصفية من المكدرات، وتحرير من رق الشهوات، وإعداد هذه النفس لتقريبها للملأ الأعلى.

ومما بني عليه الإسلام عبادة الحج العظيمة: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، ثم هدد الله تعالى تاركه بغير عذر وهو يقدر، فقال: وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَسورة آل عمران:97، ولذلك بين عمر رضي الله عنه وغيره أنه همَّ أن يضرب الجزية على تُرَّاك الحج بلا عذر، وهذه آية عظيمة تبين خطر تركه مع القدرة عليه لمن لم يحج فرضه.

وبالحج يتم تحقيق العبودية لله، ففيه تذلل وخضوع وانكسار يخرج الحاج من ملاذ الدنيا مهاجراً إلى ربه تاركاً أهله وماله ووطنه متجرداً من ثياب الزينة، لابساً للإحرام متواضعاً، تاركاً للطيب والنساء، متنقلاً بين المشاعر بقلب خاضع وعين دامعة، ولسان ذاكر يرجو رحمة ربه، ويخشى عذابه.

هذه الشعيرة مما يحقق التوحيد، التوحيد الذي خلق الله لأجله السماوات والأرض: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِسورة الحـج:26، ولأجل تحقيق التوحيد كان خير دعاء يقوله الحاج على الإطلاق في يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا شريك يدعا مع الله، ولا شريك يستغاث به من دون الله، ولا شريك ينذر له غير الله، لا ميت، ولا حي، لا نبي، ولا ولي، كما يفعله المشركون في القديم والحديث عند العتبات والقبور والأضرحة، لا زالوا يعبدون من دون الله من لا يُغني عنهم شيئاً يوم القيامة.

بالحج يتربى المسلم على التسليم والانقياد لله، فإذا تنقل بين المشاعر، وطاف بالبيت العتيق، وقبل الحجر الأسود، ورمى الجمرات؛ انقياد لله، طاعة؛ لأن الله عز وجل أمر عباده بالحج يدخل في ذلك كل واجب، وكل ركن، وكل ما لا يتم الحج إلا بالإتيان به.

 

بالحج يتربى المسلم على التسليم والانقياد لله، فإذا تنقل بين المشاعر، وطاف بالبيت العتيق، وقبل الحجر الأسود، ورمى الجمرات؛ انقياد لله، طاعة؛ لأن الله عز وجل أمر عباده بالحج يدخل في ذلك كل واجب، وكل ركن، وكل ما لا يتم الحج إلا بالإتيان به.

 

لقد دعا إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ربهما فقالا: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا، أرنا مناسكنا، علمنا كيف نعبدك، علمنا كيف نحج، علمنا ماذا نقول، وماذا نفعل، عيِّن لنا المواضع التي نأتيها في الحج: أَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُسورة البقرة:128.

الدعاء للنفس، والدعاء للذرية يعلم الأب، يعلم المسلم مد البصر إلى المستقبل الفسيح في عالم الدعاء ليشمل الذرية، وليس النفس والولد المباشر فقط.

بالحج يعظم شعائر الله هذا المسلم؛ لأنها مواضع وأفعال وأقوال أمر بها الرب عز وجل أن تؤتى، وأن تقال، وأن تفعل: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِسورة الحـج:32، هذه حرمات لا يقدِّر قدرها كثير من الذين يحجون، فيفسدون ويعصون، وينتهكون الحرمات، وقال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِسورة الحـج:30، ذكرها تعالى بعد ذكر أحكام عن الحج: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، فهذا الإحرام من حرمات الله، وله محظورات يجب تركها تعظيماً لحرمات الله، هذا البيت الحرام، هذه الكعبة، هذا الطواف من حرمات الله، فيتقي ربه، ويغظ بصره، ويجتنب، ويتباعد عما حرم الله تعظيماً لحرمات الله، فتعظيم شعائر الله وحرماته دليل على تقوى القلب: وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِسورة الحـج:32، فكلما عمل الحاج عملاً من المناسك تذكر عظمته تعالى، وهو واقف بمشاعره، وهو يطوف بتلك الأماكن التي أمر الرب بإتيانها.

شروط صحة الحج:
00:06:15

الحج في كل سنة أو مرة واحدة سئله النبي صلى الله عليه وسلم فأجاب: (بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع)[رواه أبو داود (1463)]رواه أبو داود.

لا بد من إسلام لأجل أن يصح الحج، وهذا الشأن في جميع العبادات؛ لأن العبادة لا تصح من الكافر، ما الدليل؟ قال تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِسورة التوبة:54، وبهذا نعرف لماذا لا يقبل الله عمل الكافر؟ لماذا لا يقبل الله عمل الكافر لو تصدق، لو عمل جمعيات خيرية، وكفل أيتام، لو عمل مؤسسات عالمية، لو أوقف ماله كله لمساعدة المحتاجين، وتدريس الفقراء، ونحو ذلك من أعمال البر، قال تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِسورة التوبة:54.

إن قضية الإيمان بالله عظيمة، التوحيد والإسلام شيء كبير، هذا هو الأساس، فإن لم يكن أساس فلا بنيان، لا يقوم شيء بلا أساس، فلذلك تجد بعض الناس يعظمون شأن هؤلاء المتبرعين من الذين جعلوا أموالهم في أعمال خيرية من الكفار، والله قال: وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِسورة التوبة:54، ولذلك لا يقبل الله عملاً من يهودي، ولا نصراني، ولا غيرهما من الكفار حتى يؤمن بالله وحده ويترك الشرك، لا يقبل الله من عباد القبور، لا يقبل الله من عباد الأولياء، لا يقبل الله من المشركين عملاً حتى يوحدوه، حتى يخلصوا له بالعبادة، هذا هو الأساس، ومن فقهه عرف الميزان عند الله، ومن لم يفقهه خلط حابلاً بنابل، وحقاً بباطل.

عباد الله، إذا أسلم الكافر يؤمر بالحج إن استطاع، وكذلك العقل والبلوغ من شروطه لقوله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)[رواه أبو داود (3825)]، فالصبي لا يجب عليه الحج، لكن لو حج به وليه، فللصبي أجر الحج، وللوالد والولي أجر الدلالة والتمكين من العبادة، وهي عظيمة يمكن أن تصل إلى درجة أجر الحج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة لما رفعت إليه صبياً وسألت: ألهذا حج؟ قال: (نعم، ولكٍ أجر)[رواه مسلم (2377)].

والحرية من شروطه، فلا يجب الحج على العبد لانشغاله بسيده، والاستطاعة من شروط الوجوب، قال تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَسورة آل عمران:97، وهذا يشمل الاستطاعة البدنية، أن يكون عنده قدرة ببدنه أن يأتي بيت الله الحرام، ويتحمل مشقة السفر، واستطاعة مالية، وهي نفقة زائدة عن حاجة أهله في وقت غيبته حتى رجوعه، أن يملك نفقة توصله إلى بيت الله الحرام ذهاباً وإياباً، ولذلك فإن بعض الناس الذين يقولون: نذهب، ثم العودة على من تكون؟ فلا يجب عليهم حتى يملكوا النفقة ذهاباً وإياباً، ويملك من المواصلات -كما قال العلماء- ما يصل به إلى بيت الله الحرام من استئجار سيارة، أو دابة، ونحو ذلك تليق بالحال، ولذلك يجب على الناس فيما مضى في إتيان البيت على الرواحل ما لا يجب عليهم الآن؛ لأنهم لا يطيقون السفر على الدواب في هذا الزمان، ولذلك قال العلماء: تليق به وبحاله، وإنما يملك زاداً يكفيه ذهاباً وإياباً على أن يكون زائداً عن نفقات من يلزمه نفقته حتى يرجع.

ويشترط للمرأة أن يكون لها محرم في سفرها، فإن لم تجد فلا حج عليها، ويشترط أن تكون النفقة التي توصله إلى بيت الله الحرام فاضلة عن حاجاته الأصلية، ونفقاته الشرعية، وقضاء ديونه، والمراد بالديون حقوق الله كالكفارات، وحقوق الآدميين، فمن كان عليه دين، وماله لا يتسع للحج وقضاء الدين فإنه يبدأ بقضاء الدين ولا يجب عليه الحج، ويظن بعض الناس أن العلة هي عدم إذن الدائن فقط، فقد ذكر بعض الفقهاء كالشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن هذا الظن لا أصل له، بل العلة هي انشغال الذمة، فلو أذن الدائن للمدين بالحج فإن ذمة المدين تبقى مشغولة بالدين، ولا تبرأ ذمته بهذا الإذن، ولذلك يقال للمدين: اقض الدين أولاً، ثم إن بقي معك ما تحج به يجب عليك، وإذا مات المدين الذي منعه سداد الدين عن الحج، فإنه يلقى الله كامل الإسلام غير مضيع، ولا مفرط؛ لأن الحج لم يجب عليه، وأما إن مات وعليه دين فهو على خطر، فالشهيد يُغفر له كل شيء إلا الدين، وكذلك فإنه لا يلزم الإنسان أن يحج بتصفية تجارته التي ينفق منها على أهله؛ لأن هذا ضرر، وكذلك فإن على الإنسان المسلم أن يضحي لله بما يزيد عن حاجته، ولذلك قال العلماء، لا يلزمه أن يبيع بيته ويستأجر، ولكن إذا كان عنده ما يزيد عن حاجته باعه لأجل الحج من عقار آخر، وأرض أخرى، ونحو ذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة)[رواه أحمد (1737)]رواه أحمد، وهو حديث حسن، وقال: (تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له)[رواه أحمد (2721)]، وقال عمر رضي الله عنه: "لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فننظر كل من كانت له جدة" قدرة وغنى "ولم يحج فيضربوا عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين" وصححه ابن حجر.

وقال علي رضي الله عنه: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، والحج يهدم كل ما كان قبله هذا من فضله.

من فضائل الحج:
00:14:36

ولما جاء عمرو رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (ابسط يمينك فلأبايعك)قال: فبسط يمينه، ثم قبض، فقال: (مالك يا عمرو؟)قلت: أردت أن أشترط، قال: (تشترط ماذا)، قلت: أن يُغفر لي، قال: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله)[رواه مسلم (173)]رواه مسلم.

يخرج الإنسان من ذنوبه كيوم ولدته أمه كما في الحديث: (فلو كان عليك مثل رمل عالج)صحراء كبيرة (أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك)[رواه الطبراني في الكبير (13566)].

من أفضل أعمال البر، قال: (إيمان بالله ورسوله) ثم ماذا؟ قال: (جهاد في سبيل الله) ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور) [رواه البخاري (1422)]، ويجتمع فيه من عبادة اللسان والقلب، والعبادات البدنية والمالية، وأنواع الذكر، وأنواع العبادة لله ما لا يجتمع في غيره، ولذلك ليس له جزاء إذا كان مبروراً إلا الجنة، والمبرور: الذي لا يخالطه إثم، والذي لا رياء فيه ولا سمعة، والذي لا رفث فيه ولا فسوق، هذا هو الحج المبرور، الذي يسأل الناس عنه ما هو الحج المبرور؟ فالحج المبرور لا رياء فيه ولا سمعة، ولا رفث ولا فسوق، ويكمله إطعام الطعام، وطيب الكلام، وإفشاء السلام، ويرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة.

إنه جهاد النساء، إنه جهاد المرأة الضعيفة، (الحج جهاد كل ضعيف)[رواه ابن ماجه (2893)]، جهاد الكبير والضعيف والمرأة، جهاد كل ضعيف، وغير قادر وغير مستطيع، وهو ينفي الفقر، (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب)[رواه الترمذي (738)]، ودعوته مستجابة –أي الحاج–، وهو في ذمة الله وحفظه وضمانه إذا خرج إلى هذه العبادة.

أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام، فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة، ويمحو عنك بها سيئة، وأما وقوفك بعرفة، فإن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، يقول: (هؤلاء عبادي جاؤوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني، فلو كان عليك مثل رمل عالج، أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك، وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك، وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك)[رواه الطبراني (13566)].

اللهم ارزقنا تقواك، وأسعدنا بطاعتك، ولا تشقنا بمعصيتك، اللهم اجعلنا لك ذاكرين، لك تائبين، إليك منيبين، تقبل عملنا، واغفر ذنبنا، وارفع درجاتنا يا أرحم الراحمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثاني:

الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأشهد أن محمداً رسول الله، عبده ومصطفاه، أمينه على وحيه، ورسوله إلى خلقه، خاتم الأنبياء، أشهد أنه رسول الله حقاً، اللهم صل وسلم وبارك عليه، اللهم اجعلنا من أهل سنته، وارزقنا شفاعته، واجعلنا ممن يقتفي أثره يا رب العالمين، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأزواجه وذريته الطيبين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

نصائح لمن أراد الحج:
00:19:15

عباد الله، يلزم إصلاح ما بيننا وبين الله، وكل من أراد هذه الفريضة فليستعن بالله، وليتحلل من الحقوق والودائع التي لديه، وليقض الديون، وليكتب الوصية، وليعدَّ النفقة من المال الحلال قبل أن يقال: لا لبيك، ولا سعديك، زادك حرام، وراحلتك حرام، وعملك مردود عليك، وليختر النفقة الطيبة والرفقة الصالحة؛ فإن ذلك والله من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، ونحن في زمن تفشت فيه المكاسب المحرمة، وكثرت فيه الأموال المشبوهة، ولذلك العبد يختار، ويتحرى، ويسعى؛ لأن التقرب إلى الله لا بد أن يكون بالشيء الطيب الذي يحبه عز وجل.

إن رفقة طيبة تعينك إذا ذكرت، وتذكرك إذا نسيت، وتقويك إذا ضعفت، وتعلِّمك إذا جهلت، وتأمرك بالمعروف، وتنهاك عن المنكر، وأما الفاسدة تعينك على الباطل، وتقودك إلى المعصية، وتزين لك الحرام، وتميت قلبك إذا ذكرت، وصحبة البطالين لا تعود بالنفع لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وليتزود من كتب أهل العلم، ووسائط التعليم الكثيرة والمستجدة التي تيسر التعلم، وقد كثرت الوسائط الحديثة التي تحفظ المعلومات الضخمة، وإذا عزم المسلم، فإنه يوصي أهله بتقوى الله، ويبادر إلى التوبة النصوح، ويستغني عما في أيدي الناس ما استطاع، قال عليه الصلاة والسلام: (ومن يستغنِ يغنه الله)[رواه البخاري (1338)]، ويتحرى الإخلاص، ويقصد وجه الله، والدار الآخرة، وينبغي له أن يكثر من الذكر والاستغفار، والتضرع وتلاوة القرآن.

التعاون على البر في الحج:
00:21:46

وهذه عبادة للمسلمين عظيمة الآن وهم في شهر حرام -ذي القعدة-، يقبلون على شهر آخر حرام ذو الحجة، وفيه عبادات كثيرة، ونحن ما بين رمضان إلى الحج ننتقل من عبادة الصيام إلى عبادة الحج والأضحية، وعشرها العظيمة، ومن قال: لا أستطيع الحج إلا باستدانة، فلا يجب عليه، ولو استدان فيصح حجه، والأفضل أن يحج بماله، فإن حج بمال يوفر له، أو بمن يتبرع له، أو بمن يحمله مكفولاً حتى يعود، فحجه صحيح، ولو كان فريضة.

وكذلك فإنه لا بد من المحافظة على النساء، وكثير من النساء تقول: أطلب من محرمي الحج، فلا يجيبني، أتوسل إلى هذا، وأرجو هذا، وألح على الآخر، فلا أحد منهم يجيبني، ويقول بعض الناس: هذا الحج ربما لم يقم به من الناس إلا نسبة قليلة، فماذا على الباقين؟ نقول: على الباقي أن يعينوهم، أن يمكنوهم، أن يساندوهم، أن يحثوهم، أن يذكروهم، فهذا يضحي براحته لحج موليته، وهذه عبادة عظيمة، ولو كان هو قد قضى فرضه، لكن إعانة الحاج، إعانة العابد على العبادة هذا من أعمال الأنبياء: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِسورة الحـج:26، هذه مهام الأنبياء إعانة العابدين على العبادة، تهيئة المساجد للعابدين، وكذلك أن يعين بالمال الذين يذهبون إلى الحج، أو يذهب محرماً مع امرأة لم تحج فرضها براً بها، وإعانة لها على العبادة، إعانة العابدين، هذه المسألة الكبيرة فيها أجر كبير، ومن أعطى شخصاً لم يحج نفقة الحج، فيرجى له أن يكون له مثل أجره، بناء على حديث: (من جهز غازياً فقد غزا)[رواه مسلم (3512)]، مع أنه لم يغزُ، ولم يذهب، لكن أعان على العبادة، مكَّن منها، والإعانة عليها لها سبل كثيرة، وقد تكون إعانة نفسية، تشجيع ودعم.

بعض الآباء لديهم أبناء لم يحجوا الفريضة، وهذا الشاب لا تنقصه قدرة، وقد يغذيه أبوه بالمال، ومن المسائل التي ذكرها العلماء: أن الإنسان لا تلزمه الحجة بنفقة غيره يكون له فيها منة عليه، لا تلزم الإنسان حجة الفريضة بمنَّة من الغير، لكن الأب لو بذل المال للولد يجب على الولد أن يحج؛ لأن منة الأب موجودة أصلاً، وليست هذه المسألة من تلك، ولا تدخل فيها

 

بعض الآباء لديهم أبناء لم يحجوا الفريضة، وهذا الشاب لا تنقصه قدرة، وقد يغذيه أبوه بالمال، ومن المسائل التي ذكرها العلماء: أن الإنسان لا تلزمه الحجة بنفقة غيره يكون له فيها منة عليه، لا تلزم الإنسان حجة الفريضة بمنَّة من الغير، لكن الأب لو بذل المال للولد يجب على الولد أن يحج؛ لأن منة الأب موجودة أصلاً، وليست هذه المسألة من تلك، ولا تدخل فيها

 

، وهذا الشاب الذي لم يحج فرضه يحتاج إلى معالجة نفسية فبعضهم يقول: حتى أنضج أكثر، وأتعلم أكثر، وبين قوسين "وأذنب أكثر" لأكفِّر، فيا عبد الله، يا مسلم، لا تدري متى يأتيك الأجل، وإذا عملت بعدها ذنوباً، فحج مرة أخرى بعدها، ولذلك تأخير الحج لأجل مسح أكبر كمية من الذنوب بزعمهم حيلة شيطانية، ليزدادوا فساداً، وربما أعاقهم فقر، أو مرض، أو خطفهم الموت فلا يحجون.

عباد الله، إن هذه الإعانة بالمال أو بالتشجيع والتمكين، والسعي في إنهاء المعاملات، ونحو ذلك، إنها قضية كبيرة تهمنا جميعاً، لا شك أن هذه فرصة عظيمة للثواب، وربما ترعى امرأة أولاد امرأة أخرى تذهب للحج، فتنال برعايتها لأولادها أجراً عظيماً، وقد يحبس الإنسان نفسه رعاية لما يتركه الذاهب للحج من تركة، فتكون إعانة عظيمة لها أثر، والمرأة يجب أن تراعى في خروجها، وهذا المحرم الذي يذهب معها هي أمانة عنده، يأمرها بطاعة الله، وبالحجاب، ويأمرها بالابتعاد عما يغضب الله، ويراعي ضعفها في التحركات، فإن الحج فيه مشاق عظيمة، والرجل يطيق فيه ما لا تطيق المرأة، فيجب عليه أن يراعي ذلك الضعف: (إني أحرِّج عليكم حق الضعيفين: اليتيم والمرأة)[رواه الحاكم في المستدرك (211)]، وكذلك الحق المالي، وأيضاً ما يكون من توابع الضعف من الأمور، أو ما يدخل في الضعف من الأمور البدنية، والمطلقة الرجعية زوجها محرم لها في العدة، ونفقة المحرم على المرأة إذا طلبت منه، وإذا كان الرضاع تركه يضر بالولد، فإن استبقاء نفسها للرضاع عذر في تأجيل الحج، وإذا تراضى الأبوان على الفطام، وكان لا يضر الولد ذهبت للحج، والتي حصل خلاف بينها وبين زوجها، فذهبت إلى بيت أهلها، فإن كان هو الذي طردها فلا يجب استئذانه، وإن كانت هي التي خرجت، وأخذها أهلها دون أهل الزوج، فهي ناشز لا تذهب للحج إلا باستئذانه، وحج الفرض مما لا يجب الاستئذان له إذا عاند الآخر، ولذلك فإن المرأة إذا لم تحج فرضها، ورفض زوجها أن يذهب معها، وتطوع محرم آخر لها، واستطاعت بالمال والبدن أن تذهب مع المحرم وجب عليها ولو لم يأذن لها زوجها؛ لأن طاعة الله مقدمة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وكذلك الأولاد إذا رفض وليهم، فإنهم إذا بلغوا واستطاعوا وجب عليهم، وفيه درس عظيم في تقديم طاعة الله تعالى على طاعة كل أحد، ويطيب خاطر والديه مع ذلك، والموظف المستأجر لا يذهب في فترة العقد إلا بإذن من استأجره، فإذا انتهت فترة العقد فهو في حل، ولا يمنع الوالد ولده من الحج الواجب، ولا يملك أن يخرجه منه شرعاً.

والله رحيم لا يوجب على الناس ما يضرهم؛ ولذلك قال العلماء: لا يجب على الإنسان بيع حاجاته الأصلية كالسيارة مثلاً لأجل الحج، ولا بيع مسكنة لأجل الحج، إلا إذا كان هنالك ما يزيد عن حاجته، ومن قدر على الحج بنفسه لا يجوز أن يوكل، ومن كان له عذر يرجى زواله لو بعد حين لا يوكل، والحجة الواحدة لا يمكن أن تكون عن شخصين، وإذا فكَّر أن يحج عن غيره من أقاربه بعد أن حج الفريضة عن نفسه فيقدم الأم، وكذلك فإن المسلم إذا احتسب في الذهاب إلى بيت الله الحرام يلتزم بأحكام الشريعة، فإنه يصطحب من الرفقة ما يعينه، ومن ذلك هذه الحملات، التي يجب على القائمين عليها تقوى الله؛ لأنه عقد فيما بينهم وبين الحجاج، فلا استغلال القضية لرفع الأسعار، والمشقة على الناس، وأن يقولوا شيئاً، ثم يفعلوا شيئاً آخر، وأن يخلوا بما ورد في بنود العقد من الخدمات التي هي شرط عليهم يجب الوفاء بها، والشروط عظيمة عند الله، وقد قال تعالى: أَوْفُواْ بِالْعُقُودِسورة المائدة:1، وهذه شروط يجب الوفاء بها.

اللهم إنا نسألك أن تعيننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأن تجعلنا سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، اللهم اجعلنا آمنين مطمئنين، وبلادنا وبلاد المسلمين يا رب العالمين.

ولقد ساءنا -أيها الإخوة- ما يحصل في بلدنا من هذه الأعمال الإجرامية، فإطلاق النار على الحراس، وقتلهم جريمة -والله-، فلا يمكن أن تعتبر عملاً صحيحاً بأي وجه من الوجوه؛ لأن المسلم لا يجوز قتله، قتله حرام، بأي حق يسفك دمه، مسلم أياً كان لا يسفك دمه إلا بما جاء الشرع به من القصاص، ونحوه، ولذلك فإننا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصم دماء المسلمين، وأن ينصر المظلومين على الظالمين، ونسأله أن يجعل بلادنا آمنة بشرعه وبلاد المسلمين، ونسأله أن ينصر المجاهدين بحق إنه هو القوي العزيز.

اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين، اللهم أعز هذا الدين، وأعز شأن من اعتنقه يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا بخير وعافية في ديننا ودنيانا، وأهلينا وأموالنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه أبو داود (1463).
2 - رواه أبو داود (3825).
3 - رواه مسلم (2377).
4 - رواه أحمد (1737).
5 - رواه أحمد (2721).
6 - رواه مسلم (173).
7 - رواه الطبراني في الكبير (13566).
8 - رواه البخاري (1422).
9 - رواه ابن ماجه (2893).
10 - رواه الترمذي (738).
11 - رواه الطبراني (13566).
12 - رواه البخاري (1338).
13 - رواه مسلم (3512).
14 - رواه الحاكم في المستدرك (211).
  • زهرة الربيع

    ماااشاااء الله تبارك الله... الله يرزقنا الحج المبرور.. اشتاقت والله نفسي.. الله يبلغنا