الاثنين 14 محرّم 1440 هـ :: 24 سبتمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

حساب العواقب والمصالح والمفاسد


عناصر المادة
المقدمة:
أهمية مراعاة العواقب والمصالح المفاسد:
الأدلة الدالة على مراعاة المآلات:
الأدلة على مراعاة المآلات في القرآن:
الأدلة على مراعاة المآلات في السنة:
أمثلة الموازنة بين المصالح والمفاسد:
شرط مراعاة المآلات:
خطر عدم مراعاة العواقب:
أمثلة تقديم المصالح على المفاسد:
قواعد في مراعاة المفاسد والمصالح:
المقدمة:
00:00:06
 الحمد لله الكبير المتعال، عالم الغيب والشهادة شديد المحال، والصلاة والسلام على نبينا محمد والآل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما اختلفت الأزمان، وتغيرت الأحوال.
في هذا المجلس الذي نسأل الله تعالى- أن يجعله مجلساً نافعاً مباركاً علينا، وأن يرزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، والقول بالحق، والعدل به، إنه هو السميع العليم.
في أوقات الفتن واضطراب الأحوال يحتاج المسلم حاجة ماسة إلى فقه روح الشريعة، ومقاصد الشريعة، وقواعد الشريعة، ومن ذلك أمران مهمان جداً:
مراعاة المصالح والمفاسد.
ومراعاة العواقب، والنظر في مآلات الأمور.
أهمية مراعاة العواقب والمصالح المفاسد:
00:01:37
 يحتاج المسلم إلى فقه أولويات، وفقه موازنات، ولكن مراعاة العواقب وحساب المآلات، وموازنة المصالح والمفاسد، هذه قضية لا يجيدها كثير من الناس؛ لأنها مسألة تحتاج إلى علم غزير، وعمق في التفكير، وعقل سديد، وحكمة وروية وأناة وبصيرة، ومعرفة بالحال، واطلاع على الأحوال، ولذلك فتتفاوت تصرفات الناس عند وقوع الفتن؛ نظراً لتفاوتهم في العلم والنظرة والفقه والوعي والتفكير، طريقة الموازنة التي لديهم، وزمن هذا ولا شك من آخر الزمان.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- أخبرنا عن آخر الزمان أنه تكون فيه فتن تجعل الحليم حيراناً، إذن فيه حيرة، أخبرنا عن آخر الزمان أنه يحدث فيه اختلاط، واضطراب، وفوضى، يحدث فيه اتباع كل ناعق، يعني: أن عامة الناس يصيرون أتباع كل ناعق، يحدث فيه نطق الرويبضة:  الرجل التافه يتكلم في أمر العامة [أخرجه ابن ماجه: 4036، وصححه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1887].
يحدث في آخر الزمان خلط، يكون في آخر الزمان التباس، ولذلك لا بد لنا من الفقه ، فقه الشريعة، فقه الحال، فقه المصلحة والمفسدة والموازنة بينهما، فقه النظر في عواقب الأمور، "والنظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً" -كما قال الشاطبي -رحمه الله- "وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام؛ إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه هذا الفعل".
وقال: "فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تفوت به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة"، هذا معنى كلامه ومختصر كلامه رحمه الله [الموافقات:5/ 177].
الكيس الفطن يراعي عواقب الأمور، على سبيل المثال الفتن إذا جاءت الهيشات، إذا جاءت الفتن وأقبلت، فيها أول ما تأتي جاذبية للدخول، ولذلك كان السلف يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات، مع أنها لامرئ القيس، وهو شاعر جاهلي، لكن أودع أبياته حكمة، وكان السلف يحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن :   
الحرب أول ما تكون فتية *** تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها *** ولت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت *** مكروهة للشم والتقبيل

[صحيح البخاري: 9/ 54].
أول ما ترد الفتن تجذب النفوس للدخول فيها، بدون نظر، بدون تعمق، لها مغناطيس، كالشابة الفتية الجميلة المتبرجة التي يرغب فيها الجهلاء ويتبعونها، وزينة فاضحة، أول شيء تشرئب إليها أعناق الشباب من أهل الجهل والمعصية، فيتبعونها وينساقون وراءها، دون تفكير في العواقب، يمشون وراءها، حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها، ولت عجوزاً غير ذات حليل، شمطاء ينكر لونها وتغيرت مكروهة للشم والتقبيل، فإذا رأوا حقيقة الفتنة، وآثار الفتنة، صارت الفتاة عجوزاً شمطاء ، ليس لها زوج، يأنف منها كل واحد، ويكرهها، رائحتها سيئة منتنة مقرفة منفرة، وكذلك مآل الحروب والفتن إذا لم ينظر المرء في عواقبها ونتائجها وما يترتب عليها، فاعتبار المآلات والعواقب، اعتبار المآلات في التصرفات، والآثار، والنتائج، والثمار المترتبة على فعل من الأفعال أصل عظيم من أصول الشريعة، وهو في غاية الأهمية، ولذلك طالب العلم الفقيه الرباني، الراسخ في العلم، المتأني المتروي، واسع الأفق، كثير الاطلاع، بعيد النظر، سليم الرؤية، هذا 
بصير بأعقاب الأمور برأيه ***  كأن له في اليوم عيناً على غد
[مختصر تاريخ دمشق: 26/ 131].
كأنه يبصر، كأنه يبصر عاقبة هذا الشيء، ومستقبل هذا الشيء، وما يؤول إليه، إدراك النتائج، توقع العواقب، دراسة ما يمكن أن تنتهي إليه الأمور، هذا المبدأ الأصيل، مراعاته في الكتاب والسنة واضحة، وأحكام الشريعة مبنية عليه، على اعتبار المآلات، ومن استقرأ ذلك وجده.
قال ابن العربي -رحمه الله-: "النظر في مآلات الأفعال في الأحكام متفق عليها بين العلماء، فافهموها، وادخروها" [الموافقات: 5/ 182].
الأدلة الدالة على مراعاة المآلات:
00:09:18
 والنصوص الدالة على مراعاة المآلات وعواقب الأمور، والنتائج المترتبة كثيرة، فلنأخذ بعضها، لأنه لا يشرح القاعدة مثل الأمثلة.
الأدلة على مراعاة المآلات في القرآن:
00:09:33
 قال تعالى:  وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ  [الأنعام: 108]، سب آلهة المشركين ما حكمه ؟ جائز، بل مطلوب شرعاً، ومحمود، ولكن إذا كان سب آلهة المشركين يؤدي إلى أن هؤلاء المشركين يسبون الله، فما حكم سب آلهة المشركين ؟ فنهى الله -تعالى- عن سب آلهة المشركين مع ما فيه من المصلحة، وذلك لما يؤول إليه من مفسدة تزيد على تلك المصلحة، لأن مفسدة سب الله لا تعدلها مصلحة، "فحرم الله -تعالى- سب آلهة المشركين مع كون السب غيظًا وحمية لله، وإهانة لآلهتهم، لكونه ذريعة إلى سبهم لله -تعالى-، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم" -كما يقول ابن القيم في إعلام الموقعين- "وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سبباً في فعل ما لا يجوز" [إعلام الموقعين: 3/110]، إذا كان يؤدي إلى سب الله.
كان المسلمون يخاطبون النبي -عليه الصلاة والسلام- أحياناً بكلمة مشهورة راعنا، ارع حالنا، انظر إلينا، راع أمرنا، راعنا: انتبه لنا، انظر إلينا، يقصدون معنى صحيحاً، ولكن اليهود كانوا يستعملون هذه الكلمة في الزحمة، يعني: في خضم استعمال المسلمين للكلمة، يستعملها اليهود، راعنا يا محمد، ما يقصدون بها؟، ليس المقصود انظر إلينا، أو راع حالنا، نحن مثلاً أهل جهل، ارفق بنا حتى نتعلم، نحن أهل حاجة، راع حالنا حتى نفقه، لا، اليهود يقصدون راعنا من الرعونة، والطيش، والحمق، لهذا المعنى الفاسد الذي أراده اليهود، نهى الله -تعالى- المؤمنين أن يقولوا للنبي -عليه الصلاة والسلام راعنا-، حتى ما يستغل الفرصة اليهود، ويقولون الكلمة قاصدين الرعونة، فيؤدي إلى سب النبي -عليه الصلاة والسلام-.
فقال الله -تعالى-:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا  [البقرة: 104].
، مع أن راعنا في الأصل جائزة، لكن لأنها تؤدي إلى استعمال على وجه يقصد به عند الأعداء الطعن والسب والإساءة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فمنع منها، وعدل عنها إلى لفظة لا وهم فيها ولا إيهام، ولا يمكن استعمالها في معنى سيئ، لا توهم معنى سيئ بأي حال من الأحوال،  لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا  [البقرة: 104]، إذن مراعاة المفسدة والعاقبة كانت سبباً للنهي عن استعمال كلمة في الأصل هي جائزة .
عاقب الله أهل الجنة، ما هي الجنة ؟ يعني: البستان، في سورة  ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ  [القلم: 1]، أصحاب الجنة: أصحاب الحديقة والبستان، عاقبهم على جني الثمار في وقت الفجر، مع أن جذاذ النخل مباح في أي وقت، ولكن لما قصدوا من وراء التبكير المبالغ فيه، منع الفقراء من أخذ الصدقة والزكاة، ويكون الفقراء في ديارهم، لا يلحقون الحصاد، فأصحاب الجنة البستان الذين ذمهم الله على علمهم، لما قصدوا بالجذاذ بالليل أو في وقت الفجر، وقبل أن ينتشر الضوء والنهار، وقبل أن يقوم الناس، ويأتوا إلى أصحاب الثمار، لماذا؟ لأنهم قصدوا بهذا العمل حرمان الفقراء  فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [القلم: 21 - 24] ، إذًا هذا مقصودهم، أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ  [القلم: 24] هذا مقصود .
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فجذاذ النخل عمل مباح في أي وقت شاء صاحبه، هذا هو الأصل، ولما قصد أصحابه به في الليل حرمان الفقراء، عاقبهم الله بإهلاكه، أهلك البستان، أحرقه، أرسل عليها إعصاراً فيه نار فاحترقت، صارت سوداء، وقال:  وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ  [القلم: 33]، ثم جاءت السنة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بكراهة الجذاذ في الليل، لكونه مظنة لهذا الفساد، وذريعة إليه، ونص عليه العلماء أحمد وغيره"، انتهى من كلام شيخ الإسلام. [الفتاوى الكبرى: 6/ 55].
طيب، لماذا لم يبسط الله الرزق لجميع الناس ؟ لئلا يبطروا، يبغوا في الأرض،  وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ  [الشورى: 27]، ما هي الحكمة الإلهية من وراء التضييق على بعض الناس، وبعض الناس وسط، وقلة من الناس عندهم سعة كبيرة ؟ لأنه لو بسط تعالى لعباده جمعياً الرزق لبغوا في الأرض، هم الآن يبغون وحالهم هذه، كيف لو بسط لهم ؟ لصار البغي أضعاف مضاعفة، لوصل البغي إلى الكواكب الأخرى، فلو أعطاهم فوق حاجتهم لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشراً وبطراً، كما قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسيره .
لماذا نهى الله المرأة المسلمة أن تضرب برجليها الأرض، مع أنه جائز، يعني: خبطت على الأرض برجلها، ماذا فيها ؟ قال عز وجل:  وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور: 31]، فنهى تعالى عن ذلك، لئلا يؤول ضرب المرأة الأرض برجلها وهي تمشي إلى إثارة شهوة الرجال بما يتكشف من زينتها، وبسماع صوت الخلخال الذي تلبسه في ساقها.
لماذا نهى الله -تعالى- عن خطبة المرأة في العدة؟ لئلا يؤول ذلك إلى كذب المرأة استعجالاً للنكاح، فقال تعالى:  وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ [البقرة: 235]، خوفاً من أن تكذب استعجالاً للزواج، وهي لا تزال في العدة.
الأدلة على مراعاة المآلات في السنة:
00:17:55
 لماذا كان النهي عن الجمع للنساء بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها ؟ الأصل أن التعدد جائز، يجوز للإنسان أن يتزوج امرأة وقريبتها، لكن ما يتزوج أختين معاً، لا يجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، والمرأة وأختها، لما يؤدي ذلك إليه من قطيعة الرحم؛ لأن هؤلاء ضرائر، وبينهن تنافس، فربما يؤدي ذلك إلى مفسدة واضحة، وهي قطع الرحم، فقال عليه الصلاة والسلام:  لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها ، متفق عليه [أخرجه البخاري:5109، ومسلم:1408]، ووضح السبب في ذلك في رواية ابن حبان: إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن [أخرجه ابن حبان في صحيحه:4116، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة:6528].
لماذا منع الرجل من الوصية بأكثر من الثلث ؟ لماذا لا يجوز لك أن توصي بأكثر من الثلث؟ لئلا يضر ذلك بالورثة، ولهم حق، وأولى الإنسان بماله، أهله، ذريته، عصبته، وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ  [الأحزاب: 6]، وقال عليه الصلاة والسلام:  إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، متفق عليه [أخرجه البخاري:1295، ومسلم:1628].
لماذا نهينا عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، إذا كان لا يؤمن على القرآن ؟ لئلا يؤدي ذلك إلى مفسدة إهانة القرآن، وأن تناله أيدي الكفار بالسوء، يوضح ذلك حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدو ، رواه مسلم [أخرجه مسلم:1869].
قال النووي -رحمه الله-: "فإن أمنت هذه العلة، فلا كراهة ولا منع حينئذ؛ لعدم العلة" [شرح النووي على مسلم:13/ 13]، فالحكم يدور مع علته، وجوداً وعدماً.
لماذا نهينا أن يتناجى اثنان دون الثالث ؟ قال في الحديث: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه ، متفق عليه [أخرجه البخاري:6288، ومسلم:2184، واللفظ له]، فلما كان تناجي الاثنين، والثالث في المجلس لا يسمعهما، ويستسران دونه بالحديث، يؤدي إلى كسر قلبه، وإيلامه، وظن أنهما يتآمران عليه أو أنه أحقر من أن يسمع، أدنى من أن يسمع الكلام هذا، ما هو مستواه يعني: فلأجل أن لا يحزن هذا المسلم الثالث، نهينا عن التناجي.
لماذا منع الرجل من النظر إلى من فضل عليه بالمال واللباس ؟ لماذا أنت ما تنظر في الدنيا إلى من هو فوقك؟، لئلا تزدري نعمة الله عليك، قال عليه الصلاة والسلام: انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ، رواه مسلم [أخرجه مسلم:2963].
لماذا نهينا عن إقامة الحدود في بلاد الحرب ؟ يعني: إذا غزا جيش مسلم بلاد الحرب، ما تقطع الأيدي في الغزو، ولو واحد سرق، وانطبقت عليه شروط القطع، لا يقطع، لماذا ؟ لئلا يلتحق بالكفار، لأن هذا الآن في بلاد الحرب ممكن يهرب إليهم بكل سهولة، ليس هو في بلاد الإسلام، وتحت سلطان أهل الإسلام، فإذا أقيم الحد عليه، أكيد إذا حد وقطع يده سوف يغضب، ولكن وربما يؤدي هذا الغضب بالرجل إلى أن يلتحق بالكفار، ولذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه فقال:  لا تقطع الأيدي في الغزو ، رواه الترمذي، وقال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو، مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو" [أخرجه الترمذي:1450، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح:3601]، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب، ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه، من أصاب حداً يقام عليه.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "فهذا حد من حدود الله -تعالى-، وقد نهى عن إقامته أو نهي عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره، من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضباً" [إعلام الموقعين:3/ 13].
 لماذا حرمت الشريعة القاتل من الميراث ؟ قالت: إذا قتل الوارث المورث، إذا قتل شخص قريبه لا يرث منه، حتى لا يستعجل الناس الإرث، أو بعض الناس الإرث، فيقول: اقتله، لأرث منه، فإذا علم من يريد القتل أنه لا يرث، يقول: ما هي الفائدة؟ اقتله، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: القاتل لا يرث  [أخرجه الترمذي:2109، وصححه الألباني في صحيح الجامع:4436]، فتوريث القاتل يؤدي إلى استعجال بعض الناس قتل مورثيهم، لأجل الحصول على الإرث.
لماذا جعل الرجل ساباً لأبويه إذا تسبب في سب الناس لأبويه ؟ فإذا تسبب في سب الناس لأبويه، فهو ساب لأبويه،  إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه ، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟" -هذا ما يحدث عادة- فقال: (( يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه)) متفق عليه[أخرجه البخاري:5973، ومسلم:90].
قال ابن بطال -رحمه الله-: "هذا حديث أصلاً في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم، يحرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد إلى ما يحرم" [شرح صحيح البخاري لابن بطال:9/ 192]، يعني: لو قال: أنا ما قصدت أن الطرف الآخر يسب أبي، أنا ما قصدت أن أبي يسب.
نقول: ولو ما قصدت، لما كان فعلك يؤدي إلى ذلك منعت منه.
وأيضاً لسبب آخر، وهو أيضاً  لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ  [النساء: 148]، يعني: لو كان الطرف الآخر عفيف اللسان، أيضاً ما يجوز أن تسبه، ما يجوز أن تسب أباه ولا أن تسب أمه لو كان أخرس، أرأيت لو كان أخرس، هل يجوز أن تسب أباه ؟ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، ولكن فيه سبب إضافي، وهو أنك إذا سببت أباه، سب أباك وأمك.
لماذا منع النبي -صلى الله عليه وسلم- من كتابة غير القرآن في عهده؟ وقال:  لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ، رواه مسلم [صحيح مسلم:3004]، لماذا ؟ خشية أن يختلط القرآن بما ليس منه، ويكتب الناس فيظن البعض أن هذا من القرآن، قد يكون حديثاً يشرح القرآن يفسره، لكن ليس من القرآن، حتى لا يختلط القرآن بغيره، منع من كتابة شيء غير القرآن، منع من كتابة الحديث، حتى لا يظن الناس أن هذا قرآن، ولذلك جمع القرآن سهل بسبب هذا النهي، مما سهل على الصحابة جمع القرآن وتمييزه، إن النهي هذا كان في حياته عليه الصلاة والسلام من أسباب نجاح عملية جمع القرآن فيما بعد.
فلما مات عليه الصلاة والسلام وزال المحذور، انقطع الوحي، هل استمر المانع من كتابة غير القرآن ؟ لا، ولذلك نهض العلماء والأئمة إلى كتابة الحديث النبوي، كما وقع في عهد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- وغيره، تدوين السنة، تدوين السنة، من المراجع العظيمة في هذا الزمن "السنة قبل التدوين" لمحمد عجاج الخطيب، تناول هذا الموضوع بطريقة بحثية تحليلية.
لماذا نهينا عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ؟ هذا العنب أو هذا الرطب هذا الثمر في النخل قبل أن يحمر أو يصفر ليس لك تبيعه، لا يحق لك أن تبيعه، لماذا ؟ "نهينا عن بيع النخل قبل أن يزهو" [أخرجه مسلم:1535]، قال في الحديث، قال الصحابي: "نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، فقيل له: وما تزهي ؟ قال: حتى تحمر"، متفق عليه [أخرجه البخاري:2198، ومسلم:1555]، لماذا ؟ حتى تأمن العاهة والآفة، لماذا ؟  من أجل الغبن، وإذا وقع الغبن ماذا يحدث ؟ شقاق، شحناء، أخذ مال أخيه بغير حق، وقوع العداوة بين المسلمين، فنظراً لما يؤول إليه هذا البيع من حصول الشحناء، والعداوة بين المسلمين، نهينا عنه، وعاقبة هذا البيع وقوع التنازع والتشاجر بين المتبايعين في كثير من الأحيان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: أرأيت إذا منع الله الثمرة، بما يأخذ أحدكم مال أخيه [أخرجه البخاري:2198، ومسلم:1555]، ولذلك نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يشتري على شراء أخيه، وأن يسوم على سوم أخيه؛ لأنه يؤدي إلى وقوع التنازع والشجار، وقد يصل الأمر إلى أن يترك الفعل المشروع لما يؤول إليه من المفاسد، مع أنه مشروع.
امتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتال قريش في الحديبية، مع أن قتالهم جهاد عظيم، وعمل صالح، لماذا ؟ لأنه في تلك الموقعة الخاصة نظر إلى عواقب الأمور، والنتائج المترتبة على ذلك، لو أغار المسلمون الآن على مكة، واقتحموها، ماذا سيحدث ؟ قال الله -تعالى-: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ  [الفتح: 25]، هذا سبب، لو اقتحمتم الآن مكة وأوقعتم السيف فيها، هناك أناس ممن استخفوا بإسلامهم من الرجال والنساء سيقتلون، ثم يتبين بعد ذلك لكم أنكم قتلتم إخوانكم في الدين، فيقول الكفار: قتلوا إخوانهم، سبب آخر، قال:  لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [الفتح: 25] لأن الله يريد أن يسلم من قريش من يسلم بعد الحديبية، ويلتحق بالمسلمين، لو اقتحم المسلمون مكة وقاتلوا، لمات من هؤلاء، وقتل كافراً، لمات من هؤلاء أو قتل من هؤلاء من قتل كافراً، والله يريد أن يدخلوا في الإسلام بين الحديبية والفتح، ودخل كثير جداً من الكفار في هذا الوقت في الإسلام، فسبب آخر لعدم القتال في الحديبية أيضاً، لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ  [الفتح: 25]، فيسلمون.
هناك حالة لو حصلت في الحديبية لقاتل، ما هي ؟ هناك حالة لو حصلت في الحديبية كان قاتل، ما هي ؟ يعني: لو قتل عثمان رضي الله عنه،  لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا  [الفتح: 25]، ماذا يعني:  لَوْ تَزَيَّلُوا ؟ لو انفصل الكفار عن المسلمين، لو تمايزوا، لو صاروا صفين متميزين، لو أن الكفار انفصلوا عن المسلمين، لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا  [الفتح: 25]، بس الاختلاط كان مشكلة، الاختلاط كان مشكلة .
قال العلماء: أي أن وجود بعض المؤمنين المقيمين بين أظهر المشركين ممن لا يعرفهم المسلمون لعدم تميزهم عن المشركين، كان مانعاً من مشروعية القتال، لأنه لو أبيح لنال الأذى والمكروه أولئك المسلمين المتسترين، لكن لو تزيلوا وتميز الصفان، لأباح الله قتالهم وأذن فيه.
وثمت مانع آخر، وهو أنه تعالى أراد أن يدخل في رحمته، أو أن يدخل في رحمته من يشاء، فيمن من عليهم بالإيمان بعد الكفر، وبالهدى بعد الضلال، لهذا منع الصحابة من القتال. تفسير ابن سعدي -رحمه الله- [تفسير السعدي:794].
المثال المشهور، لماذا لم يقتل النبي -عليه الصلاة والسلام- عبد الله بن أبي المنافق ؟ لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، لأنه بالنسبة إلى بقية العرب بعيدين عن المدينة، عبد الله بن أبي، يظنونه مسلماً، محسوب على المسلمين، في الظاهر واحد منهم، فإذا قتل، قالوا: لن ننجو، إذا بقينا على ديننا قاتلنا، وإذا دخلنا في دينه قتلنا، لا فائدة، فيصدهم ذلك عن الإسلام، ولا يريد النبي -عليه الصلاة والسلام- تشويهاً للمسلمين، وأفعال المسلمين، وسمعة المسلمين، ما يريد تشويهاً، ما يريد تشويهاً، حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، وأيضاً فيها مصلحة في الاستئلاف، لأن قوم عبد الله بن أبي قد يغضب منهم من يغضب، ويحدث شقاق بين المسلمين، فلعدم التنفير عن الإسلام، ولمصلحة الاستئلاف، ومراعاة للمآلات والنتائج، وإلا فإن هذا الرجل من أوجب من يقتل، هذا من شدة أذاه، من أوجب من يقتل.
لماذا امتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتل لبيد بن الأعصم ؟ أنتم تعرفون شر لبيد بن الأعصم، لبيد بن الأعصم هذا، اليهودي الذي سحر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتسبب في علة للنبي -عليه الصلاة والسلام- استمرت معه قرابة ستة أشهر، قيل: حصل له تغير بصره، وكان يخيل له أن يأتي النساء، وهو لا يأتيهن، وهذا من أشد ما يكون على الرجال، وحصل له من الأذى ما الله به عليم نتيجة السحر هذا، غير أن عقله عليه الصلاة والسلام بقي سليماً لم يتغير، حفظه للوحي بقي سليماً لم يتأثر، بقي النبي -عليه الصلاة والسلام- يعاني من هذا -كما قلنا- قرابة ستة أشهر حتى أنزل الله جبريل بالفرج، ودعا النبي -عليه الصلاة والسلام- ذات ليلة دعا ودعا، لما خشي أن تتأثر عبادته بالسحر هذا، أو أن يضعف عن بعض العمل الصالح، دعا ودعا، هو بالأول صبر، صبر وصبر، ولما خشي أن تتأثر عبادته، أو يضعف عن بعض العبادة، دعا ودعا، فنزل جبريل بالفرج من الله -تعالى-، وجاءت المعوذتان، ورقى النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه بهما، وبرئ من السحر، وانتهت القضية، وأرسل علياً، أو أرسل من الصحابة من يستخرج السحر، وصف لهم المكان، واستخرجوه، وأتلف، وانتهينا، لماذا لا تقتله ؟ قال: أما الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شراً ، رواه البخاري ومسلم [صحيح البخاري:5765، ومسلم:2189] ، معناها كما قال القرطبي وابن حجر: فترك قتله، خشية أن يثير ذلك فتنة، أو لئلا ينفر الناس عن الدخول في الإسلام، وهو من جنس ما راعاه النبي -صلى الله عليه وسلم- من منع قتل المنافقين.
المثال المشهور الآخر: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- امتنع بعد فتح مكة عن إعادة بناء البيت على قواعد إبراهيم الخليل؛ لئلا يثير بلبلة بين العرب، ويقول من أسلم حديثاً: إنه يهدم المقدسات، ويهدم الكعبة، وهو قال مخاطباً عائشة، بين لها:  لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفا  [أخرجه البخاري:1585، ومسلم:1333]، كان نقضتها كلها، واستخرجت قواعد إبراهيم الخليل، المسنمة الخضراء تحت القواعد، وأدخلت الحجر فيها؛ لأنه من الكعبة، وبنيتها كاملة بما فيها الحجر، ونزلت بمستوى الباب إلى الأرض؛ حتى ما يمنع من دخولها أحد، سلم وسلم، ما يمنع من دخولها أحد، وجعلت لها بابين، باب يدخل منه الناس، وباب منه يخرجون، لماذا لم يفعل ذلك؟ هكذا بناه إبراهيم، النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يفعل ذلك تركه لماذا ؟ لئلا نعم لئلا يقولوا : إنه يهدم بيت الله، ما تتحمل عقولهم، ما عندهم فقه، أسلموا قريبا، حديثو عهد، فتركه تأليفاً للقلوب، ولذلك مضى الأمر على هذا، وجاء ابن الزبير -رضي الله عنه- بعد ذلك، وقال: زال المحذور ، وصار الناس فيهم إيمان، ويقين، ودين، فنقض الكعبة، وتهيب الناس في البداية، ثم أزيل أول حجر، وتتابعوا بعد ذلك، تابعوا ابن الزبير، كان هو إمام المسلمين، واستخرج الحجارة المسنمة الخضراء، أساس إبراهيم الخليل، ووسع البنيان، وأدخل الحجر، وجعل لها بابين وهكذا .
لما جاء الحجاج وحاصر مكة، وقصف الكعبة بالمنجنيق، وقتل ابن الزبير، قال الطاغية هذا: ابن الزبير أحدث، ابن الزبير ابتدع، ابن الزبير غير، ابن الزبير بدل، ارجعوا إلى ما كانت عليه، ونقض عمل ابن الزبير كله، وأعادها مثل ما كانت في عهد قريش الذين ما وجدوا ما يكمل به البنيان، بنوها إلى الحد هذا، والباقي جعلوا عليه علامة الحجر، إن هذا باقي من الكعبة، جزء باقي من الكعبة.
لما جاء عهد هارون الرشيد أراد أن يفعل مثل ابن الزبير، فقال له الإمام مالك -رحمه الله-: يا أمير المؤمنين لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك . [البداية والنهاية:11/ 693]، "دع بيتاً أسلم الناس عليه" [أخرجه مسلم:1333]، لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله، كل من جاء واحد، قال: لا لازم نسوي من أوله، لا لازم نعمل، ويصبح بيت الله كل فترة يزيد وينقص، ويتقدم ويتأخر، ويبنى ويهدم، قال: سبحان الله! مالك -رحمه الله- مسدد، وأهل العلم لهم نظرة، أهل العلم لهم نظرة، صحيح أنها كانت أمنية النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يحدث هذا، لكن ما دامت المفاسد ما زالت موجودة، ولو كانت من وجه آخر، يعني: ما صارت الآن القضية أن الناس حديثو عهد بالجاهلية والآن أسلموا، لا، هؤلاء آبائهم وأجدادهم مسلمين، لكن هناك مفسدة من وجه آخر، لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك، فلذلك دع بيتاً أسلم الناس عليه، ولعل الأمنية النبوية قد حصلت بوجود فتحة بين الحجر والكعبة من الجهتين، فتحة يدخل منها الناس، وفتحة منها يخرجون، ولو أراد واحد أن يصلي في الكعبة وبابها مغلق والسلم مرفوع، ما عليه إلا أن يدخل بين الكعبة والحجر، ويصلي ويكون مصلياً داخل الكعبة، ومطبقاً لسنة الصلاة داخل الكعبة، والحمد لله.
لماذا منع النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه من منع الأعرابي من البول في المسجد؟ السبب معروف لئلا يتأذى الرجل، ولئلا تنتشر النجاسة، فإنه إذا كان يبول، وهجموا عليه، قام وهو يبول، وخط من مكانه إلى خارج المسجد، فيؤدي هذا إلى مضاعفة الضرر والنجاسة.
ومن مراعاة العواقب أن الشارع أجاز كتمان بعض العلم في بعض الأزمنة أو الأمكنة خوفاً من اتكال الناس على نصوص الوعد، فلا يعملون بالبقية، مثل حديث  حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً ، قال معاذ: أفلا أبشر به الناس، قال:  لا تبشرهم فيتكلوا  ، رواه البخاري ومسلم [أخرجه البخاري:2856، ومسلم:30]، فمعاذ حدث به عند موته تأثماً، يعني: من كتم العلم، يجوز كتم بعض العلم إذا خيف من نشره حدوث فتنة، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"، رواه مسلم [صحيح مسلم:1/ 11]، ولذلك قال علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"، رواه البخاري [أخرجه البخاري:127].
مراعاة المآلات من فعل الصحابة:
ومن هذا الباب حديث عمر -رضي الله عنه- أنه لما كان في منى في الحج، قام واحد من الناس، وقال: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً" -وسمى شخصاً- "فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة، فتمت، فغضب عمر"، وهم أن يتكلم بالأمر، وقال: "إنني إن شاء لقائم العشية في الناس في الحج، فمحذرهم، هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمر أمورهم.
فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم"، يعني: فيه ناس فهمهم قليل، وعلمهم قاصر، وحفظهم ناقص، يغيرون ويبدلون، يعني: يحفظ غير ما يسمع، ويكتب غير ما يحفظ، ويحدث بغير ما يكتب، كيف يكون الحديث ؟
قال له عبد الرحمن بن عوف: "يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس"، لو قمت الآن من يقترب منك، أنت الخليفة يزدحم عليك الغوغاء والرعاع، لا يتركون المجال لأهل الفقه أن يتقدموا، بسرعة يشكلوا زحمة، يأتوا.
قال: "فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه، وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها"، وما كان من عمر -رضي الله عنه- إلا أن استجاب لنصيحة أخيه عبد الرحمن بن عوف، وقال: "أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه في المدينة". [رواه البخاري: 6830].
إذن التأخير، هذا منكر، لماذا لم ينكره فوراً، ويتكلم مباشرة ؟ مراعاة للعواقب، وللحال الأحسن والأفضل، ولئلا تفهم خطأً.
وهكذا لا يسوغ للإنسان أن يقول في القنوات الفضائية أمام الناس كلهم، العامي، والذي يفهم، والذي ما يفهم، وصاحب العلم، وصاحب الجهل، والمتوسط والضعيف، يقول أمامهم أحياناً كلاماً يسبب فتنة، ما يفهم على وجهه، لا يحمل على المحمل الصحيح، ولذلك تجد بعض من يتعجل من طلبة العلم أحياناً يصدر فتوى، قد تكون صحيحة في المضمون والجوهر، لكن ما تنفهم صح، تنفهم بشكل خطأ، ويتطير بها الناس، وعندك مترصدون منافقون من العلمانيين وغيرهم، أول ما تقول الكلمة على طول وطالت وصار لها أذيال وأشبار مثل ما قال لك قال: يخرج الحديث من عندنا شبراً، فيعود إلينا ذراعاً.
فهناك مترصدون، ولذلك ما يصلح الواحد يتكلم في كل مسألة، ولا يتكلم في أي مسألة في أي وقت، ففي بعض المسائل ما يصلح يتكلم فيها أمام العامة أبداً، وفي بعض المسائل يتكلم فيها في وقت دون وقت، وفي حال دون حال، ومع ناس دون أناس، وهكذا وهكذا، لماذا؟ مراعاة للعواقب، لئلا تفهم خطأ، لئلا يطيروا بها، ويحلقوا في الباطل، ولئلا تستغل الكلمة، فتصبح كلمة سوء، ويصبح الفهم سيء.
ومن مراعاة السلف لهذا أن امرأة جاءت إلى عبد الله بن المغفل، فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها، زنت، وحملت، ولدت، وقتلت المولود، قالت: ما لها ؟ قال: لها النار، فانصرفت وهي تبكي، ثم دعاها، فقال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين:  وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا  [النساء: 110] [تفسير الطبري:7/ 476]، طيب، لماذا قال لها في البداية لها النار، وصحيح الذي تقتل، يقتل مسلماً متعمداً،  يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا  [النساء: 93]، لماذا أضاف الإضافة الثانية ؟ بدأ بالأولى، لئلا تستسهل المرأة ما فعلت، لو جاءت قالت: امرأة زنت، أو زنيت، وحملت، وولدت، وقتلته، فقال: استغفري الله، والله غفور رحيم، النتيجة  استسهال واستصغار، ويعمل غيره، فقال: لها النار، وهو صادق، ما أفتى بالباطل، أو قال: خلنا نغلظ عليها، وهي أصلاً ليست هكذا، لا ، هو هكذا ، لها النار، فلما ولت تبكي خشي عليها من اليأس من رحمة الله، فناداها، وقال لها: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين:  وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا  [النساء: 110].
بالله عليكم من الذي يتمتع اليوم بهذه الحكمة من مفتي القنوات الفضائية، أو من الناس الذين يتكلمون، ويجيبون على الأسئلة ؟
ومن ذلك ما جاء عن سعد بن عبيدة قال: "جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: ألمن قتل مؤمناً متعمداً توبة ؟ فقال ابن عباس: لا ، إلا النار، فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا"، يعني: السؤال هذا سمعناه منك من قبل، يعني: سمعنا ناسا سألوك، هل للقاتل توبة ؟ وقلت: نعم، ما هذا؟ وهذا تقول له: لا النار، قال: "إني لأحسبه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً" [تفسير القرطبي:5/ 333]، انظر الفراسة،  اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل  [أخرجه أحمد:2397، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة:2589]، ابن عباس من آل البيت النبوي، ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم، قال: أنا أظنه رجل غاضب وناوي يقتل مؤمناً، وجاء يسأل قبل الجريمة، ينظر إذا كان فيه توبة، ففي بعض الناس هكذا،  اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ  [يوسف: 9]، اعملوها وبعدين توبوا، والله غفور رحيم، فلما جاء يسأل ابن عباس، ابن عباس قرأ في وجهه، وهذا أين هذه القراءة من المفتين، أين المفتي الذي يفهم نفسية السائل، ويتلمح ماذا يمكن أن يقدم عليه.
هذا الفرق بين المفتي والمفتي هذا، قال: "فبعثوا في إثره، أصحاب ابن عباس ما اكتفوا، راوحوا يتقصوا عن الرجل هذا كيف وضعه ؟ فوجدوه كذلك، فعلاً بينه وبين واحد مشكلة، وقاصد قتله، فقط يتأكد أن فيه توبة ، وبعد ذلك يعملها ويتوب، الحديث رواه ابن أبي شيبة [في مصنفه:27753]، قال الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات [التلخيص الحبير:4/ 454].
هنا قصة طريفة، لا توازي هذا المستوى، ولا تقترب منه، لكن يعني من باب الطرف، قالوا: "إن رجلاً دخل على الخليفة العباسي المهدي ومعه نعل، فقال للخليفة: هذه نعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أهديتها لك، فقال المهدي: هاتها، فناولها إياه، فقبلها ووضعها على عينيه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما انصرف الرجل، قال المهدي لجلسائه: والله إني لأعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم ير هذا النعل أبداً"، ولا له علاقة فيه من قريب ولا بعيد، فضلاً عن أن يلبسها، "ولكن لو رددته، لذهب يقول للناس: أهديت إليه نعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فردها"، انظروا كيف هذا الكفور الجحود، "فيصدقه الناس".
هناك عامة تصدقه، ما أسهل مهمة الأعور الدجال في الأمة، خذ لك شعرة وضعها في علبة خضراء قديمة أو مصدية، واذهب لمجموعة أعاجم قل لهم: اليوم الصباح، أنا آتي من المدينة اكتشفنا هذه جلسنا نحفر في البقيع، نحفر القبر ولقينا هذه مكتوب عليها إن هذه من شعرة النبي-صلى الله عليه وسلم-  ، وانظر الإنكباب والتبرك.
مات حمار في الطريق فدفنه وذهب لأهل القرية وقال: مات الولي معي من أولياء الله كان مسافراً -رحمه الله-، كان يقوم الليل ويصوم النهار، فمات فشهق وكان آخر كلامه كذا، فدفنته، وأوصاني أن تبنوا على قبره ضريحاً، وأن أكون أنا سادن الضريح، لأني صاحبه، هناك أشياء تروج على العامة، يعني: سبحان الله العظيم! أحياناً تقول في بعض الأشياء: ما هذا ؟ لكن هذا الواقع.
فقال المهدي: "فتصدقه الناس لأن العامة تميل إلى أمثالها، ومن شأنهم فاشترينا لسانه بعشرة آلاف، ورأينا أن هذا أرجح وأصلح" [البداية والنهاية:10/ 163].
أمثلة الموازنة بين المصالح والمفاسد:
00:56:04
 وقد يكون في الشيء نوع مفسدة إذا حصل، لكنه مصلحته أرجح، فيباح فعله، ومن ذلك إباحة اللعب للبنات الصغار، لمصلحة الأمومة، تربية البنت على الأمومة، فقد كانت عائشة تلعب بالبنات عند النبي -صلى الله عليه وسلم- هي وصواحباتها، رواه البخاري [6130].
  قال العلماء: "وقد خص هذا من عموم النهي عن اتخاذ الصور، لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن" [فتحالباري:10/ 527].
الدف من المعازف، والمعازف محرمة، فلماذا أبيح الدف للنساء في الأعراس والأعياد ؟ مع أنه في الأصل محرم، يعني: الدف من المعازف، من جنس الطبل، أليس من أدوات اللهو، الدف هذا ؟ فلماذا أباحته الشريعة للنساء في الأعراس والأعياد ؟ علم الله -تعالى- أن في نفوس النساء شيئاً لا يصلحه  لا يصلح له إلا مثل هذا.
يقول ابن القيم في روضة المحبين: "لما كانت النفوس الضعيفة كنفوس النساء والصبيان، لا تنقاد إلى أسباب اللذة العظمى إلا بإعطائها شيئاً من لذة اللهو واللعب، بحيث لو فطمت عنه كل الفطام طلبت ما هو شر لها منه، رخص لها من ذلك فيما لم يرخص فيه لغيرها" [روضة المحبين:162]، يعني: بعض النفوس لا بد لها من شيء من اللهو، وإذا ما أخذت حظاً من اللهو ستنتكس.
فلا تأخذ اللهو على مصراعيه، فرخص للنساء والصبيان بالضرب بالدف في الأعراس، والأعياد؛ لأن في نفوسهن أو في نفوسهم شيئاً لا يعالجه إلا هذا، ولو منعهن بالكلية تنفجر، فتريد أن تفعل كل منكر في السماع، فرخص لهن في شيء من ذلك، بحدود وقيود وضوابط، يعني: دف وليس طبل ولا دربكة، وكذلك دف مجرد ما معه صلاصل، ولا قطع معدنية، ولا ولا إلى آخره، وليس هو في أي وقت، ولو كان بعض الناس يقول: قصدك أي مناسبة فرح، انظر  كيف يحملوا أحياناً الفتوى؟ أنا ما قلت، لكن هو على طول، قصدك أي مناسبة فرح شكراً شكراً يا شيخ ما قصرت الله يجزيك خيرا ويطول ويكثر من أمثالك. نقلوا بيت جديد، هذه مناسبة فرح اضربوا دفاً، اتخرجت من المدرسة، رجع ولدها من الخارج، اضربوا دفاً ، نبتت أسنان الطفل، ولد الولد، هذا ابن ولد الولد مناسبة فرح دف، الذي بعده، ذبحنا العقيقة مناسبة فرح اضرب دفاً ، نبتت، فطم، الختان ختناه، اذبح هذه مناسبة الختان، فرح بعده اضرب دفاً ، نبتت أسنانه مناسبة فرح اضربوا دفاً ، فطمناه مناسبة فرح، بدأ يمشي، ما شاء الله مناسبة مفرحة، اضرب دفاً ، وهكذا تعبنا مناسبات، فلذلك إذا ما قيدت الرخصة ضاعت، ما بقيت رخصة، تحولت إلى أصل، أصل ما بقيت رخصة.
طيب الشرع حرم الخيلاء، لكن في الحرب أباحه، لوجود مصلحة في إغاظة المشركين، فالشيء قد يكون محرماً في الأصل، مفسدة، لكن لما تكون له مصلحة أعظم من مفسدته يباح.
الكذب حرام ومفسدة، لكن إذا احتيج إليه في الإصلاح بين اثنين، بحيث لو ما كذبنا ما أصلحت، جائز طبعاً، أنا سمعته والله يقول عنك: إنه يحبك وكان كذا، ولا بد أن يكون بحكمة، وإذا ذهب وقال له: فلان قال: إنك تحبني، قال: والله ما كنت هذا كذاب.
شرط مراعاة المآلات:
01:01:18
 مراعاة المآلات تحتاج إلى علم راسخ، ونظر ثاقب، وخاصة في الفتن، لما خرج على قومه في زينته، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  [القصص: 79]، وهذا حال من نظر إلى ظواهر الأمور، وأوائلها، ومبادئها، وأما صاحب النظر الثاقب والبصيرة النافذة الذي يخرق الحجب الظاهرة، ويجاوزها إلى العواقب والغايات، فقد جاء ردهم في قوله تعالى:  وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُون  [القصص: 79]، لما تكلمنا على قضية الغوغاء، أن بعض الناس دهماء وغوغاء،  فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ  [القصص: 79]، ماذا قال الدهماء والغوغاء والعامة الذين على طول ينخدعوا، الظاهر،  يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  [القصص: 79]، الذين لا ينخدعون بالظاهر أصحاب النظر الثاقب وأصحاب العلم،  وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُون  [القصص: 80].
خطر عدم مراعاة العواقب:
01:02:38
 الذي لا يراعي عواقب الأمور، ونتائج الأمور يمكن أن يتسبب في موت ناس، رجل شج في رأسه، أصابته شجة، نام واحتلم، سأل أصحابه، قالوا: لا بد تغتسل، ما نظروا في العواقب، اغتسل مات [أخرجه أبو داود:336، وصححه الألباني في  صحيح أبي داود 363]، دخل الماء مات، هذا من جراء عدم النظر في العواقب، هؤلاء كما قال ابن تيمية في رفع الملام: "اخطئوا بغير اجتهاد، ولذلك ذمهم وعنفهم" [رفع الملام عن الأئمة الأعلام:41]، لأنهم ما هم من أهل العلم، لو كانوا من أهل العلم واجتهدوا وأخطئوا، كان لهم أجر، لكن لأنهم لم يكونوا من أهل العلم، لو كانوا من أهل العلم عذروه، قالوا: يكفيك التيمم، أين مراعاة الحال ؟ يعني: يموت الرجل يغتسل لو مات.
اعتبار مآلات الأمور مهم، وعدم المراعاة يؤدي للمفاسد العظيمة، وما يمكن يفقه الإنسان حتى يدرك خير الخيرين وشر الشرين، وهذا موضوع محاضرة سبق إلقاؤها، كيف تميز بين خير الخيرين، وشر الشرين؟، حتى إذا اجتمعت عندك مصلحتان لا تستطيع أن تحصلهما معاً، ولا تقدر إلا على إحداهما، كيف تختار ؟ ماذا تختار ؟ هذا خير الخيرين أنك تعرف خير الخيرين وأعلى المصلحتين، وإذا صار عندك مفسدتان لا تستطيع تلافيهما، ولا بد أن ترتكب إحداهما، فلا بد أن تعرف شر الشرين، وتدرك أدنى المفسدتين لترتكبه؛ دفعاً للمفسدة الأعلى، هذا الفقه والله، والله العظيم، هذا الفقه.
وكثيراً ما دندن عنها حولها شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه، ما يفقه الإنسان، لا يفقه حتى يميز ويعرف ويدرك خير الخيرين وشر الشرين، ما هو أعلى المصلحتين، وما هو أدنى المفسدتين، وإلا يخرب ويفسد أكثر مما يصلح، إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  [البقرة: 173]، الميتة حرام، وفيها مفاسد كثيرة، لكن لو الإنسان صار في وضع الاضطرار، ولو ما أكل منها يموت، يأكل، طيب مفسدة، لكن لو أنه تركها أدى إلى مفسدة أكبر وهي فوات النفس، تلف النفس،  أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا  [الكهف: 79]، خرق السفينة، اعتدى على ملك غيره، صح وإلا لا، إيش حكم الاعتداء على ملك الغير ؟ طيب وكيف إذا أحسنوا إليه، وحملوه بغير أجره، وراح خرق السفينة، كيف يخرق السفينة، يعتدي على ملك الغير، وأحسنوا إليه وحملوه بغير أجرة، لكن لأن عبد الله الخضر كان يدرك أدنى المفسدتين، ويميز أهون الشرين، يميز، أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا  [الكهف: 79]، ما قال فأراد ربك، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا  [الكهف: 79]، انظر الفقه في القول، والفقه في العمل والله، فقه في القول وفقه في العمل،  فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا  [الكهف: 79]، لو تركتها بلا تعييب أخذها، وذهب على هؤلاء المساكين مصدر رزقهم كله، لا يسترزقون عليها مخروقة معيبة  تذهب كلها.
أمثلة تقديم المصالح على المفاسد:
01:07:36
 في إقامة الحدود مفسدة، يعني: ألم المحدود، والفضيحة التي تحصل له، لكن هناك مصلحة عظيمة من ردع الناس والمجرمين، وفيها تطهير المحدود، أيضاً له مصلحة فيها، فلأن مصلحة إقامة الحدود أكبر من مفسدتها، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون [البقرة: 179].
كذلك التعزيرات.
طيب الجهاد في سبيل الله يؤدي إلى تلف النفس، يصير ولدك يتيماً، وزوجتك تصبح أرملة، لكن لما فيه من إعزاز الدين، والدفاع عنه، ونشره، والدفاع عن أهل الإسلام، دفاع جهاد الطلب وجهاد الدفع رغماً عن أنف الذي أنكره، جهاد الدفع وجهاد الطلب كلاهما، خير عظيم، ولذلك شرع، وإلا ممكن واحد يقول: فيه مفسدة.
إذا اختلط قتلى الكفار بقتلى المسلمين، ما عرفنا المسلم من الكافر، جاء زلزال في مكان فيه مسلمون وكفار،مات الجميع، وما عرفنا نميز بين المسلم والكافر، فهل نترك الجميع بلا تغسيل، ولا تكفين، ولا نصلي على أحد، وندفنهم هكذا في حفرة جماعية، ما استطعنا نميز المسلم من الكافر.
أو نغسل الجميع، ونكفن الجميع، ونصلي على الجميع، وندفن الجميع، الأول أو الثاني؟ الثاني، لكن أكيد هناك كفار صلينا عليهم وغسلناهم، وما يستاهلوا، أصلاً ما يجوز إنك تصلي عليهم أصلاً، هذه مفسدة، لكن مفسدة ترك إخواننا أكبر، هذا الفقه، هذا هو الفقه، هذه هي الموازنة.
إذا ماتت امرأة وفي بطنها جنين حي، ولم يمكن إخراجه إلا بشق بطنها، نشق بطنها؟ نعم، كيف بالله عليك تشق بطن ميتة، ميتة مسلمة تشق بطنها، أين حرمة الميت ؟ لأن مصلحة إنقاذ النفس المعصومة لهذا الجنين عظيمة جداً، ومفسدة تركه يموت أعظم من مفسدة شق البطن، مفسدة ترك واحد يموت أكبر أو مفسدة شق بطن ميت، أيهما أعظم ؟ تركه يموت أعظم، ولذلك من أجل تحصيل المصلحة الكبيرة هذه، نرتكب المفسدة الأقل، من أجل درأ المفسدة الأعلى والأشد، نرتكب  المفسدة الأدنى والأخف، وهكذا لا يقال هنا: أنتم تشوهون الميت.
بل حتى إذا دفن ميت بغير تغسيل ولا تكفين، نبشنا قبره واستخرجناه، إذا ما طال العهد،يعني: ما زال باقياً موجوداً، واستخرجناه، وغسلناه، وكفناه، ودفناه على السنة، نبش القبر أصلاً حرام، الله جعل الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً، نقول: حرام لكن ترك أخينا المسلم بلا تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة عليه، هذا مفسدته أشد، نبش القبر واستخراجه مفسدة أقل.
النظر إلى العورات مفسدة، لكن إذا كان اضطر إليه لعلاج مرض، لو ما عالجه هو ألم شديد، أو يموت، أو يحصل له ضرر عظيم بدون علاج، أي المفسدة أشد، تركه بلا علاج، أو النظر إلى عورته من قبل طبيب ثقة وبشروط، ولو امرأة ما يجوز يخلو بها، ولا تكشف إلا موضع الضرورة، وإذا كان ما يحتاج يلمس ينظر فقط، ولا يكون النظر متعدي أكثر من الوقت اللازم للفحص، ولا يجوز أن ينظر بشهوة، حتى الطبيب والخاطب، والخاطب لا يجوز أن ينظر بشهوة، لأنها ما صارت زوجة هذه بعد، والطبيب لأن المرأة أجنبية عنه، والخاطب كذلك، نظر هذا نظر حاجة، له شروط، أصلاً نظر الرجل للمرأة الأجنبية مفسدة، لكن في الخطبة، لأن ترك النظر مفسدته أكبر، غداً يفاجأ بشيء لم يكن يتوقعه، ويصير الطلاق، لا، نرتكب مفسدة النظر الآن، وبضوابط ينظر بقدر الحاجة، وما في خلوة، وما يصافح، ينظر للحاجة، ولا أنها تفاجأ به، ولا يفاجأ بها غداً، ثم يحصل الطلاق، وينفر منها، يقول: ما توقعتها كذا، وهي تقول: ما توقعته كذا.
تعدد الزوجات في مفسدة أو لا ؟ فيه غيرة، وضرائر، وحرب ، ولكن ما أثره من زيادة إعفاف الرجل لنفسه، وحمايته، وإعفاف المرأة الثانية، وتكثير الأمة، وإلى آخره مصلحته أكبر، ولذلك يفعل، وأنا أسألك سؤالاً: جاء رجل غني إلى مكان يبني مسجداً، وقال: سأبني لكم هذا المسجد، والمكان يحتاج مسجدا، ولا يوجد إلا هذا، قال: لكن لا أبني لكم مسجدا إلا مزخرفا، فهل نتركه يبني مسجداً مزخرفاً أو لا يبني المسجد ؟ نتركه يبني مسجدا، لأن بقاء الحي بلا مسجد مفسدته أكبر من مفسدة الزخرفة، وقد يهديه الله في آخر لحظة، وقد نقنع المقاول يخفف، وقد نزيل الزخرفة بعد ذلك، لكن مفسدة بقاء الحي بلا مسجد كبيرة .
الغيبة محرمة، فما حكم أن يأتي خاطب أو إنسان يخطب ابنتك أو أختك، فيأتي من يعرفه ويغتابه، يقول: هذا عصبي مثل النار، شفت الشرر، شاهد على ذلك فلان، وفلان، وفلان، والمرأة لا تتحمل، ما حكمه، هذه غيبة،  ذكرك أخاك بما يكره  [أخرجه مسلم:2589] ، لكن قول هذه الغيبة مباح، لأن كتم الموضوع مفسدته أكبر من مفسدة الغيبة، إن أبا جهم ضراب للنساء، وإن معاوية صعلوك لا مال له  [أخرجه مسلم:1480].
النميمة حرام، إنك تبلغ، فما حكم قول الرجل المؤمن  وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ  [القصص: 20]، فنم إليه خبرهم، الصحابة نقلوا، زيد بن أرقم نقل كلام عبد الله بن أبي المنافق، قال: يا رسول الله، قال: قال عنك كذا وكذا وكذا لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ  [المنافقون: 8]، هذه النميمة عبادة، ليست نميمة حرام، لأن مصلحة الإخبار أكبر بكثير، ولا يجوز كتم خبر هؤلاء [أخرجه البخاري:4901].
ظهور الدعاة إلى الله في الفضائيات، فيه مفاسد، مثلاً: فتنة الشهرة، فتنة الأضواء، فتنة الكاميرات، والتزين في الشاشات، وافتتان بعض الناس، إلى آخره، لكن من استطاع أن يغلب نفسه في هذا، ويفيد الناس، ويجاهد نفسه في العجب، والهوى، وفتنة الشهرة، فإن الظهور فيها مصلحته أرجح؛ لأن حاجة الناس عبر هذه القنوات اليوم شديدة جداً، ولأن الفساد لو ما زوحم ينتشر أكثر .
ما حكم تقبيل رأس الكافر ؟ يعني لا يمكن مسلم يقبل رأس كافر، عبد الله بن حذافة لما وقع في الأسر، وطلب فك أسر المسلمين، شرط ملك الروم أن يقبل رأسه، فقبل رأسه، لأن مفسدة ترك الأسرى المسلمين عند الروم يفتنوهم يعذبوهم أشد من مفسدة تقبيل رأس الكافر [السير لأبي إسحاق الفزاري:353].
تشريح الجثة حرام، عبث بالجثة، لكن إذا أدى إلى كشف جريمة؟ تشريح الجثة لا يجوز، لأنه اعتداء انتهاك حرمة الميت، لكن لو أدى إلى كشف جريمة، في مصلحة عظيمة في كشف الجريمة، وهكذا .
إغلاق المساجد فيه مفسدة، لأن بعض الناس يمكن يجي مثلاً بعد العصر بساعة يحصل المسجد لا يجد مكان يصلي، هناك ناس تريد تصلي تقرأ قرآن، لكن مفسدة سرقة المساجد والعبث فيها أكبر، فلو كان يقع، لو كان هذا حسب الحال، لكان إغلاقها بعد الصلاة وجيهاً إذا لم يكن فيها حارس يحرسها .
قواعد في مراعاة المفاسد والمصالح:
01:19:00
 هناك قواعد في هذا:
هناك مفاسد محضة لا يمكن أبداً أن تصبح حلالاً، ولا في أي وقت:
مثل مثلاً: الزنا، لو قال واحد: الزنا مفسدة لكن إذا كانت مصلحته أكبر ممكن نفعله، أين هذه المصلحة ؟ فهناك أشياء لا تقبل، غير قابلة أصلاً.
مثلاً: الخمر حرام، طيب في مصلحة تجارة ربح التجارة، تدفئة الناس بالبلدان الباردة، لذة ، لذة ونشوة، لكن هذا الله حرمه إلى قيام الساعة، فلا يمكن يأتي وقت يصير الخمر حلالا ، إلا إذا مثلاً واحد غص، أو في الصحراء ويموت، إلا بجرعة من خمر، هذه حالة خاصة جداً، ولكن الأصل أنه حرام.
المبالغة في المضمضة والاستنشاق طيبة للتنظيف، لكن إذا كان صائماً هنا في مفسدة أكبر من المصلحة، فنهينا عنها.
تمثيل أدوار الصحابة، ممكن يقول قائل: فيها مصلحة، نعرف سيرتهم، والعامة يحبون التمثيليات، نقول: ولكن تمثيل أدوار الصحابة لازم يترتب عليه مفسدة وتشويه، من هو الذي يكون على مستوى الصحابة؟ فلا بد أن يكون فيه إساءة بوجه من الوجوه، لازم، ولذلك حرم العلماء الثقات تمثيل أدوار الصحابة، والمتساهلون، والعصرانيون، من الذي يجرؤ أن يمثل دور عمر بن الخطاب ؟ من ينال نعال أبي حفص؟
سفر المرأة دون محرم، فيه مصلحة يعني: ما تحتاج لأحد، تروح وقت ما تريد، ويمكن السفر خصوصية لها، ولكن فيه مفسدة أكبر، ولذلك ألزمت بالمحرم، وهكذا يقال في الاختلاط أشياء، ويقال ويقال، والمسألة طويلة .
والخلاصة الفقه في الدين، المصالح مراتب، والمفاسد مراتب، وضرورات، وحاجيات، وتحسينيات، وفيه ضرورات متعلقة بالدين، وفيه متعلقة بالنفس، وفيه متعلقة بالعقل، وفيه متعلقة بالمال، وفيه متعلقة بالعرض.
وفيه قواعد:
درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
تفويت أدنى المفسدتين لحفظ أعلاهما.
المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة.
الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
الضرر لا يزال بمثله.
الضرورات تبيح المحظورات.
الضرورات تقدر بقدرها.
إذا تعارضت مصلحتان أمام الفرد فعليه أن يقدم المصلحة المتعلقة بالأمر الضروري على المصلحة المتعلقة بالأمر الحاجي أو التحسيني.
إذا تعارضت مصلحتان إحداهما متعلقة بحفظ الدين، والثانية متعلقة بحفظ النفس، فماذا تقدم ؟ واحدة متعلقة بحفظ المال واحدة متعلقة بحفظ العرض، ماذا تقدم ؟
لو كان دفاعك عن عرضك يؤدي إلى قتلك، هل يجوز أن لا تدافع، لئلا تقتل، ولو انتهك العرض ؟
يعني: أشياء تحتاج إلى علم.
وكلام شيخ الإسلام في المسألة هذه، أدعو إلى مراجعته في قضية الموازنات بين ما يتعلق بحفظ الدين، وحفظ العرض، وحفظ المال، وحفظ النفس، وحفظ العقل، والضروريات، والحاجيات، والتحسينيات.
الموضوع عميق، الموضوع غزير، الموضوع مفيد، الموضوع مهم، خصوصاً في وقت الفتن التي نعيشها.
أسأل الله تعالى أن يحفظنا أجمعين من الفتن، والشيطان الرجيم، وأن يتم علينا نعمته، ويهدينا سبل السلام، ويخرجنا من الظلمات إلى النور، وأن يهبنا علماً نافعاً، ويرزقنا عملاً صالحاً، وأن يجعل مثوانا جنات النعيم، وأن ينجينا من عذاب الجحيم، وأن يشملنا برحمته، وعفوه، ومغفرته، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: 180-182].                                                      
  • ايهاب الاميري

    بارك الله فيك ياشيخنا الفاضل وجزاك الله خيرا على ماتقدمه من خدمة لدين الله عز وجل

  • aminetou

    جزاك الله كل خير ياشيخنا الفاضل

  • اسماعيل محمد

    ياريت يا شيخنا من مزيد فى هذا الموضوع نحن فى مصر نحتاج اليه كثيراً.

  • محمد

    جزاك الله كل خير ياشيخنا الفاضل