الخميس 5 ذو الحجة 1439 هـ :: 16 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

عبودية أهل الصيام


عناصر المادة
عبودية الصيام.
محبة الله.
فرح الصائم.
مقام العبودية.

الخطبة الأولى.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَآل عمران:102، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاالنساء:1، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاالأحزاب:70-71.

أما بعد:

عبودية الصيام.
00:01:10

فعبودية الصيام لله نوع فريد من أنواع العبوديات، والمسلم مطالب بعبادة ربه في كل وقت وحين، يخلص لله اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُالمؤمنون:32، هذه العبودية التي ترفع العبد إلى المنزلة العالية، لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِالنساء:172؛ لأن العبودية شرف، تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِالفرقان:1، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِالإسراء:1،الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَالكهف:1، وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُالجن:19، إن نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أشرف الأنبياء، وأكمل الناس، وهو عبد لله، فالشرف العظيم أن ينال الإنسان المسلم هذه المرتبة، (أن تعبد الله كأنك تراه)، إحسان العبودية، (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)[رواه البخاري (50)، ومسلم (8)]، وظيفتنا في الحياة هي أن نعبده،وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِالذاريات:56، ماذا عندنا في هذه الدنيا إلا عبادة الله من الوظائف، حتى نومنا، وطعامنا، ونكاحنا يمكن أن يكون عبادة بصلاح النية وحسنها، فالعبودية طريق عظيم، والعبودية مراتب، والعبودية أصلها الخضوع، والتذلل، إياك نعبد، لك نخشع، ونذل، ونستكين، نقر لك بالربوبية لا لغيرك، نوحدك، ونشكرك، ولا نكفرك، تقول العرب: طريق معبد، أي: مذلل قد وطأته الأقدام حتى صار لها أثر بين يعرف.


العبد هو الذليل المنقاد، وعبد الله قد ذل لربه، وانقاد، واستسلم لأمره، وكلما كان العبد أكمل معرفة بالله، وأكمل إيماناً صار أكمل عبادة، كان الرسل أكمل الناس عبادة؛ لأنهم أكمل الخلق معرفة بالله، وعلماً به، وتعظيماً لأمره، إنه الشرف العظيم، والمقام الرفيع، ونحن لله، وبالله، لله نعيش، لله نعبد، نتوجه بالعبادة له مخلصين

 

كلما كان العبد أكمل معرفة بالله، وأكمل إيماناً صار أكمل عبادة، كان الرسل أكمل الناس عبادة؛ لأنهم أكمل الخلق معرفة بالله، وعلماً به، وتعظيماً لأمره، إنه الشرف العظيم، والمقام الرفيع، ونحن لله، وبالله، لله نعيش، لله نعبد، نتوجه بالعبادة له مخلصين

 

، فهذا الإخلاص إياك نعبد أنت، ولا نعبد غيرك، لله وبالله، الباء للاستعانة، نحن لله وبالله، نستعين به، ونتوكل عليه، ومن ذا الذي يقدر على النفع والضر إلا هو عز وجل، إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُالأعراف:54، فننطلق من توحيد الربوبية والأسماء والصفات إلى توحيد الألوهية، من الخلق إلى الأمر، ما دام خلقنا فله الأمر علينا،تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَالأعراف:54،ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةًالأعراف:55، انظروا كيف ساقت الآيات قارئها من الربوبية إلى الألوهية، ما دام خلق السموات والأرض، واستوى على العرش، ويغشي الليل النهار، وما دام أنه يمسك السماء أن تقع على الأرض، وهو الذي يسير الشمس والقمر والنجوم، وأنها مسخرات بأمره، إذن ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَاالأعراف:55- 56؛ لأن الله خلقنا فيها لنعمرها بشرعه، لا لنفسد فيها، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَالبقرة:21، فما دام هو الخالق؛ إذن هو المستحق للعبادة، فقضى أن لا نعبد إلا هو، وأمرنا وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَالبينة:5، وجعل عبوديته آتية إلينا عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن، والوحي المنزل، وبهذه السنة الشارحة المبينة، الساطعة المنيرة، كي نعرف كيف نعبده؛ لأنه لو لم يخبرنا ما عرفنا، ولضللنا، فمن رحمته أنه أنعم علينا فعرفنا كيف نعبده؟ بهذه الصلاة، بهذا الذكر، بهذا الدعاء، بهذا الصيام، نجوع، ونمنع نفسنا من الشهوة، نعطش، لماذا الجوع، والعطش، ومنع النفس من الشهوة؟ طاعة له؛ لأنه أمرنا بذلك، عبودية لله عز وجل، ولذلك تحلو العبادة مع مشقتها، فيجتمع في الإنسان مشقة العبادة، فهو من جهة يحس بجوع، وعطش، ويقاوم الشهوة، لكن الذي يجعل هذه المشقة سائغة جميلة عذبة أن هذا المتعرض للمشقة يعبد ربه، يتعبد، يتقرب، يرجو الثواب بها، ولأنه يحب مولاه فهو مستعد بهذه المحبة والرجاء للثواب أن يجوع، وأن يعطش، وأن يمتنع عن الشهوة، والعبد كلما كان أذل لله، وأعظم افتقاراً إليه، وخضوعاً له، كان أقرب إليه وأعز، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية، فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا ينعم، ولا يصر، ولا يسكن، ولا يطمئن، إلا بعبادة ربه، فطر الله النفس على هذا، فليس هناك سعادة إلا بهذا، والبشر الضلال الآخرون الذين لا يعبدون الله، أو يعبدون بالبدع ترى فيهم شقاء، وتراهم يعيشون في نكد، في ضيق من العيش، انهيارات، انتحارات، لا طعم للحياة، ولا معنى، وهذه اللذائذ التي هي في الحقيقة غلاف وقشرة، إذا أمعنت النظر تحتها ستجدنَّ الشقاء، ولذلك يقدمون على الانتحار، وهم في قمة الغنى والثروة والشهرة والجاه؛ لأن النفس هذه لا تشعر بالسعادة إلا إذا عبدت ربها.

فصلاة الفجر لماذا يتحمل العابد مشقة القيام من النوم، والذهاب في البرد، والوضوء؛ لأنه يعلم أن هذه محبوبة إلى محبوبه، ومحبوب المحبوب محبوب، ولذلك فهو يحب صلاة الفجر، والقيام إليها، ويجاهد نفسه في ذلك، ويتحمل ما يتحمل، ليس فقط لأنه يخشى النار، لكن لأنه يحب الله، ولأنه يرجو ثوابها عنده، ولأنه عبد قد أمر بها فلابد أن ينفذ ويطيع، وعن محبة وقناعة، وليس عن سخط، وتبرم، وكراهية، وهذا الفرق بين عبودية البشر لله، وعبودية البشر للبشر، فعبودية البشر للبشر يمكن أن يحصل فيها طاعة، ويحصل فيها انسياق، ويحصل فيها استسلام، لكن لا تكون عن محبة، ولا عن قناعة، ولا عن رضا واختيار، وإنما تكون عن جبر، وإذلال، وربما يساق بالسوط سوقاً لمراد سيده، لكن العبودية في هذه الحياة لله فيها حلاوة، فيها طلاوة، فيها سعادة، فيها احتساب، أنت تعمل لشيء في المستقبل أنت ترجوه بعد الموت، حياة طويلة جداً،(بشر المشائين في الظُلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)[رواه الترمذي223 وصححه الألباني في صحيح الجامع2823]، فهو مستعد أن يتحمل ما يتحمل في هذا الصيام من جوع وعطش في حر، وأن يمتنع، ويقاوم رغبات النفس لشيء أعظم، النفس لا تترك محبوباً إلا لمحبوب أعلى منه، وهذه قاعدة، وعندما يعيش العبد في طيب العبادة، ويتفيء ظلالها الوارفة يكون له حياة طيبة، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةًالنحل:97، ولذلك كان العباد يعبدون ولا ينقطعون؛ لأنهم ذاقوا الحلاوة، فلماذا يخرجون من ذلك الجو الذي يعيشون فيه؟! ووعد الله لابد أن يتحقق، فمن عمل صالحاً مخلصاً محسناً على طريقة النبي عليه الصلاة والسلام فلابد أن تحصل له هذه الحياة الطيبة، وهذا هو الأجر المعجل، وإذا قلت حياة طيبة في الآخرة؛ لأنه قال بعدها في ذكر الأجر المؤجل،وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَالنحل:97، يجتمع هنالك الأمران حياة طيبة، وأجر عظيم، وكيف لا تكون طيبة وهي في جنات النعيم، في الدنيا يعيش طيباً حتى لو كان فقيراً، حتى لو كان معسراً، يعيش بالقناعة، والرضا بالقسم، والرزق، وتوقع الأجر، والصبر على البلاء لما في الصبر من الأجر، وهكذا، قناعة، سعادة، طاعة، رزق طيب، ولو كان قليلاً، حلاوة الطاعة، العافية، الكفاية، الرضا بالقضاء، العيش مع الله، فسبحان من أشهد بعض عباده جنته قبل لقاءه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها، ونسيمها، وطيبها، ما استجمع قواهم لطلبها، والمسابقة إليها، فبمحبته، ومعرفته، ودوام ذكره، واللجوء إليه، والطمأنينة له، وإفراده بالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، يتغلب العبد على هموم الدنيا، فيدخل جناتها، جنة الدنيا من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، سبيل الراحة بالتعب الآن، قيل لأحد الصالحين: إلى كم تتعب نفسك؟ قال: راحتها أريد، والإقبال على الله، والإنابة إليه، والرضا به، وامتلاء القلب من محبته، واللهج بذكره كما يحصل للصائمين من تلاوة كتابه، فهم يقرؤون، ويقرؤون ليس جرياً على عادة، ولا لأن عدداً من المصلين يجتمعون بعد صلاة العصر يقرؤون فهو يدخل معهم لمجرد التقليد، كلا، بل إنه يريد أن يقرأ كلام من يحبه، فهو يحب الله، ولذلك يحبه كلامه، ومن أحب شخصاً أحب أن يستمع إليه، أحب كلامه، فهذا كلام الله، هذا كتابه، هذا الدستور، هذه الصلة، هذا الحبل بيننا وبينه، ولذلك العبد يحس بحلاوة المتلو عندما يتلو، وأن هذه صلة مباشرة، هذا كلام الله، هذا كلام مباشر من الله، هذا كلام دون تغيير ولا تحريف، هذا كلامه كما أنزله، ثم إن العبد يحس وهو في جولات العبادة ما بين صيام، وقيام، وذكر، ودعاء، والدعاء قد تخلل آيات الصيام، وهذا يدل على أهميته، واقترانه بالعبادة هذه، وأن الصيام مع الدعاء قرينان لا يفترقان، عندما يعيش العبد بين صلاة، وقيام، وذكر، ودعاء، وتلاوة، وهو يجوع، ويعطش، ويمتنع عن الشهوة لله تعالى، وقد سمت نفسه وتعالت فوق الدنيا، فوق الطعام المحبوب، والشراب اللذيذ، وبين هذه الشهوة، سمت فوق هذه الشهوة عند ذلك يزداد الإيمان، ويحس بقوة إضافية جاءت من هذا الصيام، عندما تغلب على نعيم الدنيا، فاستعلى فوقه، وتركه لله، إنه سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه إلا الله، يمكن للإنسان أن يفطر بالنية، ومن يدري فلان وعلان أن هذا صائم، فالصيام عبادة تركية فيها ترك، فأنت لا تفعل شيئاً، بل تترك لله مع النية هذه تكون ممسكاً من الفجر إلى المغرب، وعندما يحدث هذا وهو يتركه لمن لا يخفى عليه مكنون، ويطلع على إغماض الجفون، ولا يخفى عليه لحظ العيون، ويحتاجه كل شيء في كل شيء، وهو غني عن كل شيء عز وجل، اتصف بالكمال، الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء، والظاهر ليس فوقه شيء، والباطن ليس دونه شيء، ويحس هذا العبد وهو يصوم بحاجته إلى ربه، وأنه مفتقر إليه، جسمه مفتقر إلى الطعام والشراب في الدنيا حتى يبقى، ولكن هنالك حاجة القلب والروح أيضا ًإلى الذكر فتحيا، فيرى في المقابل حاجة روحه، وحاجة نفسه، وحاجة قلبه لابد أن يغذيها، فإذا تغذت الروح، والقلب، والنفس شعر بأنه قد عوض أيما تعويض عما فقده من طعام، وشراب، ولذة الجسد، وهذا الفرق بين صيام العباد الذين ذاقوا حقيقة العبادة، وبين الذين يصومون ظاهراً، وتقليداً للمجتمع، ولأنه عيب أن يفطر، أو لأجل فوائد صحية، أو مجاراة للآخرين، فالفرق أن هذا مثلاً إذا جاء وقت الإفطار له فرحة، الذي يقف عند حدود الظاهر والجسد فرحته بأن يلتهم الطعام، والشراب، ويضاعف، ويكوم الأكوام، ويأكل، ويشرب بالأسطال، لكن الذي يعبد ربه حقيقة فهو لا ينس الدعاء عند الإفطار، وفرحته صحيحة بإباحة ما كان ممنوعاً، ولكن أيضاً فيها فرحة بنعمة إتمام اليوم، وفرحة بالتوفيق للعبادة، وفرحة وشكر على هذه النعمة، أن عرفه الصيام، أن مكنه منه، وإذا عجل الفطر فرح بإتباع السنة، ويفرح بأن له فرصة بدعوة مستجابة؛ لأن للصائم عند فطره دعوة مستجابة، ففرحه متنوع، متعدد، بخلاف الذي لا يخطر بباله عند الفطر إلا الفرح بهذا الطعام والشراب الذي أمامه، والذي يعبد ربه يعبده حباً، وخوفاً، ورجاء.

محبة الله.
00:19:24

هذه المحبة التي تذلل الصعاب، وفيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، هذه اللذة العظيمة في محبة الله عز وجل؛ هي التي تجعل ذكره والشوق إليه قائماً في قلب العبد، والناس يعذبون في الدنيا بأشياء وفي الآخرة، إما بمحبة الأوثان في الدنيا، أو محبة الصلبان كالنصارى، أو محبة النيران كالمجوس، أو محبة النسوان كأهل الشهوات، أو المردان، أو بمحبة الأثمان والتعلق بالدنيا والتجارة، ومحبة الخلان كالذين يجتمعون مع شللهم ولذتهم في هذه الشلة التي يجتمع معها، ولذلك لا يجد أنساً إذا خلا بربه، فتتبرم نفسه من الاعتكاف، أو من الخلوة؛ لأنه فقط يريد الأنس مع البشر، أما الذي يعرف حقيقة العبودية، فإنه يحب الخلوة بالله، ولذلك كان من السبعة الذي يظلهم الله (رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)[رواه البخاري660 ومسلم1031]، والاعتكاف من المحبوبات عند هذا؛ لأنه يقطعه عن العلائق، يقطعه عن البشر لكي يتفرغ لعبادة رب البشر، وإذا كان بعضهم في الحب مجانين، ومستعد أن يضحي بالغالي والنفيس في سبيل من يحب، وربما انتحر إذا ماتت محبوبته، أو جُن، وهذا مجنون ليلى مشهور، أو أحب أشياء عجيبة لأجل محبوبته كما قيل: إن أحدهم عشق جارية سوداء فقال:

أحب لحبها السودان حتى *** أحب لحبها سود الكلاب.

فلما صار هذا اللون حتى في هذا الحيوان صار يحبه لأجل أنه عشق تلك الجارية، فما بالك إذن بمن يحب الله، ونحن لا نعبر كما يعبر المنحرفون عن محبة الله بالعشق الإلهي؛ لأن العشق هذا مرض، فالعشق نوع من الجنون، لكن محبة الله عظيمة، وقد قال سبحانه عن عباده المؤمنين: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُالمائدة:54، فهذه العلاقة بينه وبينهم، يحبهم ويحبونه، وليس العجب من قوله: وَيُحِبُّونَهُالمائدة:54؛ لأن الفقير يحب المحسن، فالله أحسن إليهم، وأنعم عليهم، فمحبة الفقير المحتاج، للكريم المحسن ليست بعجيبة، لكن العجب من محبة المحسن الكريم للفقير المحتاج، يُحِبُّهُمْالمائدة:54، وهو غني عنهم،ولذلك هذه المنزلة العظيمة العالية محبة الله، ولذلك لابد أن نعرف أن كيف تنال؟ وما هي الأشياء التي يحبها الله؟ فالله يحب العبد إذا كان في أي موطن، وهكذا ترى هؤلاء الذين يحبون ربهم يمكن أن يتنازل عن نفسه لله تعالى، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِالتوبة:111، من المشتري؟ الله عز وجل، ومن البائع؟ المؤمن، وما هي السلعة؟ النفس، وما هو الثمن؟ الجنة، ومن هو الواسطة الذي جرى عبره عقد البيع؟ جبريل، مقدم الملائكة، ومحمد صلى الله عليه وسلم مقدم البشر، فأكرم بهذا وأنعم، ويجتمع في قلب العبد مع المحبة خوف من ربه عز وجل، فترى العجب في معيشة بين الخوف والرجاء.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حبه، وحب ما يحب، وحب من يحبه، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من الماء البارد على الظمأ، أحيينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، اللهم اجعلنا ممن عبدك، وذكرك، وشكرك كما تحب وترضى، أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادك.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية.

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وهو القدوس السلام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد الأنام، صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه الكرام، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك، ونبيك محمد، وأشهد أنه رسول الله حقاً، والداعي إلى سبيله صدقاً صلى الله عليه، وعلى أصحابه، وذريته الطيبين، وزوجاته، وخلفائه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

فرح الصائم.
00:25:28

عباد الله:

يرى الصائم من الفرحة عند الإفطار، وعند لقاء الله ما يرى، يفرح بلقاء الرب، ولقاء الرب عظيم، وهو ينزل الملائكة على المؤمنين عند الموت، أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِفصلت:31، نحن معكم، كنا معكم في الدنيا حفظة، وكتبة، وننزل عليكم بالنصر والتأييد، ونثبت المؤمنين، يثبتون الذين آمنوا، ونحن معكم في الآخرة أيضاً، في القبر يؤنسونه، وكذلك في ذلك المقام يوم يقوم الناس لرب العالمين، وعندما يدخلون الجنة، سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَالزمر:73، وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍالرعد:23، هذه الفرحة للصائم عند الفطر، وعند لقاء الرب، وكذلك فهو يفرح؛ لأنه يجد من ألوان الثواب، وعظم الأجر ما يجد؛ لأن الله قال: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍالزمر:10، وقدذهب كثير من المفسرين إلى تفسير الصابرين بالصائمين؛ لأن الصيام يجتمع فيه صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، فالصبر على الطاعة هو الإمساك بالنية، وهذه العبادات التي يقوم بها الصوام من الذكر، والدعاء، والصلاة، والتفكر، والتدبر، وإطعام الطعام، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك، وأيضاً صبر عن المعصية فلا يمكن للواحد أن يفطر في نهار رمضان

 

ذهب كثير من المفسرين إلى تفسير الصابرين بالصائمين؛ لأن الصيام يجتمع فيه صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، فالصبر على الطاعة هو الإمساك بالنية، وهذه العبادات التي يقوم بها الصوام من الذكر، والدعاء، والصلاة، والتفكر، والتدبر، وإطعام الطعام، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك، وأيضاً صبر عن المعصية فلا يمكن للواحد أن يفطر في نهار رمضان

 

، كيف وقد عرف بأن هناك ناس رآهم النبي عليه الصلاة والسلام قد عُلقوا من عراقيبهم تسيل أشداقهم دماً لأنهم كانوا يفطرون قبل تحلة صومهم، ولذلك الصائم لا يمكن أن يفطر على أي صوت من أي إذاعة، ومن أي قناة، ومن أي جوال، ومن أي صبي صغير في حوش البيت؛ لأنه يترقب مغرب الشمس عنده، فهو يتحراها وليس لأي صوت يهجم على الطعام والشراب، ولذلك فهو لا يمكن أن يعصي، بل يصبر عن هذه المعاصي، والصبر على القضاء والقدر، أو على المصائب متحقق في قضية الصبر على الجوع والعطش؛ لأن الصبر على الجوع والعطش هو النوع الثالث من أنواع الصبر، فصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على القضاء والمشقة والبلية التي تلحق الإنسان، والذي يمنع الصائم في الحقيقة من إتيان المحرمات خوفه من ربه، وكان بعض السلف لهم وقفات مع الآيات، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَالصافات:24، يرددونها، وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًاالكهف:53، يرددونها، وكذلك عندما كانوا يتدبرون في قول الله تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَآل عمران:131، من خاطب تعالى بهذه الآية؟ خاطب المؤمنين، قال: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَآل عمران:131، وهذا شيء مخيف؛ لأنه يمكن أن تلحقنا، ولذلك حذرنا منها، قال للمؤمنين: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَآل عمران:131، ولذلك كان بعض السلف كثير البكاء، طويل الصمت، كثير العبادة، ما الذي حملهم على مثل هذا الخوف من الله، الذي طير النوم من أعينهم؟، وكذلك فإن العبد عنده رجاء يرجو الله واليوم الآخر حسن الظن بالله، وإذا صام يرجو قبول طاعته، وأن الله لن يضيع عمله، ولن يجعله هباء منثوراً، ولن يذهبه سدى، وأنه سيثيبه عليه، وأنه سيضاعف أجره، فالإنسان لا يستطيع أن يقطع بأجره، لكن يرجو، فهو حسن الظن بربه، (أنا عند ظن عبدي بي)[رواه البخاري7405 ومسلم2675]، ولذلك لما حضر النبي صلى الله عليه وسلم شاباً في سياق الموت قال: (كيف تجدك؟) قال: أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وآمنه مما يخاف)[رواه الترمذي983 وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب3383]، ولذلك نحن لا نغتر بالدنيا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُفاطر:5، ولذلك أيها الإخوة يشفق الإنسان من هؤلاء الضحايا المساكين الذين عدا عليهم لصوص رمضان فأضلوهم؛ لأنهم قالوا: تنافس بين الكوميديا والدراما في المسلسلات الرمضانية، وهذا حديث الناس، وصفحات بالجرائد وإعلانات وكلام، كلام في ماذا؟! هل هذه عبودية التي يعيشها من ينام طيلة نهاره، ويهرب من الدوام، ويشتري، ويبيع، ويذهب، ويترك العمل الذي أوكل إليه، وهذا الجو السمح كما يقولون رمضان كريم، فيستحلون بها أشياء من المحظورات، ويخلون بالواجبات، وفي الليل تنزيلات، وتخفيضات، وصفق بالأسواق، ومسلسلات، وورق اللعب، وشلة تجتمع على أي شيء؟ لا ندري، ثم يضيع الوقت في الليل، ويضيع الوقت في النهار، فأي عبودية يحس بها هذا المسكين، أي بيئة وجو يعيش فيها هذا المحروم، صحيح أن الإنسان يحتاج إلى ترويح لكن بالمباح، ترفيه مع الأهل والأولاد، وينتهز هذه الفرصة للتعليم، فيذكر أولاده بخلق الإيثار الذي جعل الصحابي يطوي على جوع هو وزوجته، نومي الأولاد، وأطفئي السراج، ونتظاهر أننا نأكل، ونضع الطعام لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عندنا غيره، يتذكر في أوقات الجوع الفقراء، فيسعى في حاجاتهم، ويتذكر في هذا الوقت ما يحتاج إليه الإسلام في نشر الدعوة، ولدينا كثير من خلق الله الذي أوتي بهم في الأعمال المختلفة لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، فهذه فرصة للدعوة، ولذلك ينبغي أن يكون الإحسان، واللين، والرفق هو شعارنا في دعوتنا في هذا الشهر، فإن العبد إذا جرب اللذة في العبادة من محبته الخير للآخرين أنه يريدهم أن يدخلوا فيها، ويحب الخير للكافر، فيريده أنه يسلم، ويحب الخير للفاسق فيريده أن يهتدي، ويحب الخير للضال فيريده أن يعود، وأن يذوق من الحلاوة مثل ما ذاق في العبادة، وربما يسمع عن شباب ضلال قد يكون بعضهم يتعمد الفطر، أو يفسقون، ويفجرون، ويحولون ليالي رمضان إلى أنواع من المعاصي، وتراهم هكذا في الشوارع، والطرقات، والأرصفة، اتخذوا دينهم لهواً ولعباً، غرتهم الحياة الدنيا، بل لا هدف أحياناً في الله هدف يسيرون للا شيء، وإنما مجرد قضاء الوقت صرعات وموضات.

مقام العبودية.
00:34:10

أيها الإخوة:

العبودية مقام سام، العبودية مقام عظيم، مهما عمل فيه الإنسان يحس أنه مقصر فيعمل زيادة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضات الله عز وجل لحقره يوم القيامة)[رواه أحمد17197 وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير5249]فهو لا زال يحس أنه مقصر،وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌالمؤمنون:60، يخاف أن لا يقبل منه، مع أنه يصوم ويصلي ويتصدق وإذا سمع عن جنازة اتبعها وذهب يصلي عليها، يريد يطعم مسكين، غني يخدم الفقراء عند باب المسجد، فسبحان من سخر لعبادته من شاء من خلقه سبحانه وتعالى، وعندما يتأمل المسلم في هذه العبودية، ويجد أنه لابد من تخلية قبل التحلية، وأن يطرد من قلبه كلاب الشهوات، لأجل أن تدخلها ملائكة الخير، فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، فمن أدخل كلاب الشهوات والشبهات إلى قلبه، فكيف تدخله الملائكة، ثم من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، أن تعرف صفاته ثم لا تقبل عليه، أن تسمع داعيه المؤذن ثم تتأخر عن الإجابة، أن تعرف قدر الربح في معاملته، (الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)[رواه الترمذي764 وصححه الألباني في صحيح الجامع 4538]ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه إذا انتهكت حدوده ثم تتعرض لها وتغشاها، وأن تذوق ألم الوحشة في المعصية ثم لا تطلب الأنس بالطاعة، وأن تذوق عسرة القلب عند الخوض في غير حديثه وترى ما في بعض كلام الناس من الإيذاء وهم يخالط بعضهم بعضاً سباً وشتماً وقدحاً وقذفاً ثم لا تشتاق إلى انشراح صدرك بذكره ومناجاته، وإذا ذقت العذاب على أيدي الخلق عجباً أن لا تهرب إليه وتنيب وتتوب وترجع وتؤب، فطالب الله والدار الآخرة لا يستقيم له سيره إلا بحبس قلبه في طلب محبوبه، وأن يحبس نفسه عن الالتفات إلى غيره فيحبس الجوارح عن المعاصي والشهوات ولا يفارق هذا الحبس حتى يلقى ربه ليخرج إلى الفضاء الواسع، فالجنة حفت بالمكاره فلا سبيل إليها إلا باختراق المكاره، والنار حفت بالشهوات ولذلك لا يدخل النار إلا من ولج الشهوة.

العبودية فيها استغناء القلب عن الخلق، واللجوء إلى الرب، إن قلب المؤمن دائم التعلق بالله، وإذا حُرم نعمة من النعم ينظر ماذا أذنبت؟ ماذا قصرت؟ ماذا عملت؟ يتوب، يؤب، يستغفر، ينيب، ويعلم المؤمن أن الناس يعجزون عن النفع والضر إلا ما شاء الله فهو النافع الضار، وكذلك يسعى لمرضاته تعالى، (من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس)[رواه الترمذي2414 وصححه الألباني في صحيح الجامع 6097]والمؤمن شكور لله، والله تعالى من أسمائه الشكور، فيعطي العبد، ويوفقه، ويشكر القليل من العمل فلا يستقله تعالى، فأنت لو دعيت إلى إفطار، وقدم لك تمرة واحدة، ما هو شعورك؟ وهل تشكر المضيف؟ فالله سبحانه وتعالى إذا قدمت له تمرة، وطريقة التقديم عن طريق الصدقة، يأخذها، ويربيها بكفه حتى تكون مثل الجبل، ولذلك لما قال النبي عليه الصلاة والسلام:(اتقوا النار ولو بشق تمرة)[رواه البخاري1417]يقول: الواحد التمرة لا تستر، شق التمرة لا يستر من النار، لكن إذا علمت أن تمرة تصبح كالجبل فلماذا لا يقيك جبل؟ فكيف لو كانت جبالاً؟

عباد الله:

من العبودية أن تثني على من تعبده، وتكثر من ذكر المحبوب، جاء رجل أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله، إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك الله عز وجل)[رواه الترمذي3267]الذي حمده زين دائماً، وذمه شين هو الله، ولذلك فالله يحب المدح، ويحب الثناء، فما هو هذا بالنسبة لنا؟ هذه الأذكار، سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، الله أكبر، سبحان الله العظيم وبحمده، (سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته) ثلاث مرات بعد الفجر زنتها عظيمة عند الله.[رواه مسلم2726]، سبحان الله والحمد لله تملأن ما بين السماء والأرض وتثقلان الميزان، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، هذا هو الثناء، إذا قلنا العبودية أن تكثر من ذكر المحبوب المعبود وتثني عليه، والله يحب المدح فهذا هو مدحه، والعبد في أربعة أحوال لا خامس لها: النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية، فمن كان وقته الطاعة فليشكر ربه أن وفقه إليها ويزداد منها، ومن كان وقته النعمة فليشكر ربه على ما أنعم عليه ويسأله المزيد من فضله، ومن كان وقته المعصية فالسبيل هو التوبة والاستغفار، ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا والصبر وهكذا تجتمع العبودية بأطرافها، دعاء، خوف، رجاء، إحسان، توكل، رغبة رهبة، خشوع، خشية، إنابة، استعانة، استغاثة، والعبادات تتولى بعد ذلك لله خالصة من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وذبح، ولا ترى شيئاً من الخير إلا وهو داخل في العبادة حتى رعاية الإنسان لأهله وأولاده؛ لأن الله أمره بذلك، والخلاصة أنه ينبغي للعبد أن يعيش مع الرب.

مع اللهِ في القلب لمّا انكسَرْ *** مع الله في الدمع لما انهمَرْ

مع الله في التَّوب رغم الهوى *** مع الله في الذّنْب لما استتَرْ

مع الله في نسمات الصباحِ *** وعند المسا في ظلال القمرْ

مع الله في يقظةٍ في البكور *** مع الله في النوم بعد السهرْ

مع الله فجراً.. مع الله ظهراً *** مع الله عَصراً.. وعند السحَرْ

مع الله سرّاً.. مع الله جهراً *** وحين نَجِدُّ، وحين السَّمَرْ

مع الله عند رجوع الغريبِ *** ولُقيا الأحبَّة بعد السّفرْ

مع الله في عَبْرةِ النادمين *** مع الله في العَبَرات الأُخَرْ

مع الله في جاريات الرياحِ *** تثير السحاب فيَهمي المطرْ

مع الله في الجُرح لما انمحى *** مع الله في العظم لما انجبرْ

مع الله في الكرب لما انجلى *** مع الله في الهمِّ لما اندثرْ

مع الله في سَكَناتِ الفؤادِ *** وتسليمهِ بالقضا والقدرْ

مع الله حين يثور الضميرُ *** وتصحو البصيرةُ.. يصحو البصرْ

وعند الركوعِ.. وعند الخشوعِ *** وعند الصَّفا حين تُتلى السُّوَرْ

مع الله حين نجوز الصراطَ *** نلوذُ.. نعوذ به من سَقَرْ

مع الله في سدرة المنتهى *** مع الله حين يَطيبُ النظرْ.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌالقيامة:22-23.

اللهم اجعلنا ممن ينظر إلى وجهك الكريم، نسألك الإخلاص في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بالقضاء وبرد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقاءك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا ودعاءنا اللهم اجزنا به الجزاء الأوفى، اللهم إنا نسألك أن تعيننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادك، اجعلنا لك مسلمين لك مؤمنين، لك تائبين، لك ذاكرين، لك شاكرين، إليك أواهين منيبين، تقبل توبتنا واغسل حوبتنا، اللهم نور قلوبنا واسلل سخائم صدورنا، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اغفر لنا ولوالدينا، اللهم اغفر لنا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، اللهم إنا نسألك عيش السعداء وموت الشهداء ومرافقة الأنبياء، نسألك الفردوس الأعلى.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه البخاري (50)، ومسلم (8).
2 - رواه الترمذي223 وصححه الألباني في صحيح الجامع2823.
3 - رواه البخاري660 ومسلم1031.
4 - رواه البخاري7405 ومسلم2675.
5 - رواه الترمذي983 وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب3383.
6 - رواه أحمد17197 وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير5249.
7 - رواه الترمذي764 وصححه الألباني في صحيح الجامع 4538.
8 - رواه الترمذي2414 وصححه الألباني في صحيح الجامع 6097.
9 - رواه البخاري1417.
10 - رواه الترمذي3267.
11 - رواه مسلم2726.