الاثنين 6 صفر 1440 هـ :: 15 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

سيول جدة المصيبة الثانية


عناصر المادة
الابتلاء الواقع من الله
حكمة الله في الابتلاء.
قد تكون المصائب بسبب تقصير الناس.
أهمية إتقان الأعمال.
وقفات مع الذين غرقوا في السيول.
من فوائد المحن والأزمات.
بعض الأحكام الفقهية في مثل هذه الأزمات.

الخطبة الأولى.

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

الابتلاء الواقع من الله
00:00:27

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَسورة البقرة:155-157، ماذا دهى؟

غرق، وهلع، ونقص في الأموال، والأنفس، والثمرات، طوفان جارف، ومستنقعات، وسيول جرارة تكتسح، طرقات مسدودة، ومحاصرون كثيرون، ولادات في البيوت، ومرضى بلا أجهزة، وأسر بلا مأوى، ولا كهرباء، قد انقطعت بالناس اتصالات كثيرة، وجاء أمر الله، إنه يذكرنا باليوم الآخر، فلا بد أن نستوعب الرسالة التي تأتي من الله، إنه عز وجل يذكرنا بأن هذه الدنيا فانية، وأنها لا تبقى.

لكل شيء إذا ما تم نقصان *** فلا يغر بطيب العيش إنسان

وهذه الدار لا تبقي على أحد *** ولا يدوم على حال لها شان

فجائع الدنيا أنواع منوعة *** وللزمان مسرات وأحزان

وهكذا يعرف الناس حقيقة الدنيا، وأنها مهما علت، ومهما تزينت، فإنها ذاهبة، إذا حلت أوحلت، وهكذا رأى الناس الوحل والطين.

حكمة الله في الابتلاء.
00:02:31

يصيب الله به من يشاء، ويبتلي من يشاء، ويعاقب من يشاء، إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم هذا من جهة، وقال في الآية:وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍسورة الشورى:30، ولذلك يكون القدر الواحد الواقع لأناس رحمة وتكفيراً ورفعة، ولأناس بضد ذلك بما كسبت أيديهم، وعندما قال في كتابه:قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْسورة الأنعام:65قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهك)[رواه البخاري (4628)] وقال تعالى:أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ سورة الأعراف:97-98، وهكذا يتذكر العباد.

فإن قال قائل: أي خير في مصيبة؟

 

قال العلماء: مصيبة تُقبل بها على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله.

 

قال العلماء: مصيبة تُقبل بها على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله.

قال الحسن رحمه الله: لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك.

هذا الماء رحمة من الله، لكنه أيضاً فيه إغراق،وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَسورة النحل:65، وفي المقابل قال:وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْسورة الفرقان:37.

ومن العبر العظيمة: قوة الله عز وجل، وقدرة الله سبحانه وتعالى، ونحن مسلمون نؤمن بالقضاء والقدر،لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْسورة الحديد:23 .

قد تكون المصائب بسبب تقصير الناس.
00:04:32

ولكن هناك نظرة شرعية مهمة بين قدر الله، وإهمال البشر، فإن بعض ما يصيب الناس يقع بسبب تقصير بعضهم ولا بد، فبعض ما يتعرضون له من الكوارث هو بسبب إهمال وتفريط، ولذلك كان لا بد من المحاسبة، ولا بد من المعاقبة، ولا بد من المراجعة، ولا بد من التصحيح، وإذا جاء مثل هذا الأمر فلا بد أن نخاف من الله عز وجل، فيخاف كل مسؤول من الله أينما كانت رتبته، ويخاف كل عامي من الله أينما كان موقعه، وهذا هو لب التذكير في هذه الآية، التخويف،وَنُخَوِّفُهُمْسورة الإسراء:60، فبعض الناس يرجع إلى الله ويتوب، وبعضهم ما يزيده إلا طغياناً كبيراً.

أهمية إتقان الأعمال.
00:05:35

عباد الله:

إن الإتقان في العمل والأمانة فيه شرع منزل، فيتبين من خلال بعض الكوارث إهمال بعض الناس، ولا عجب أن تسمع عبارات مثل: مَن المهندس الذي يستلم المشروع في الموقع؟ وحسب المواصفات، بلا رشوة تنال، ولا إغضاء، وتنازل لمعرفة، فهنا وقفة في المحاسبة، وظهور الأمانة في العمل، وكيف تؤدي الخيانات إلى الكوارث.

نعم إن كله قدر من الله، لكن بعضه لا يطيقه البشر، ولو جاءت كارثة في أقوى بلاد العالم، لكان فيها كوارث وخسائر، ولكن عندما تكون هناك تقصيرات تكون الخسائر أعظم، فهذا القدر الزائد من الخسائر يحاسب عليه أولئك الناس.

وقفات مع الذين غرقوا في السيول.
00:06:45

عباد الله:

الغريق شهيد، والشهادة منزلة من الله، ونحن أمام إخواننا الذين أصيبوا بالمصائب لا بد لنا من وقفات، وواجبات، نصبر ونُصبِّر غيرنا، وهذه مهمة فإنك ترى كثيراً من الناس الآن في نقص حصل لهم من جراء المصيبة، فتذكرهم بقوله تعالى:وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَسورة البقرة:155-157، يفزعون إلى الاحتساب عند الله عز وجل، والواجب إعانة كل من تستطيع إعانته، قال تعالى:وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍسورة التوبة:71، ولذلك كانت المواساة من أعظم ما يقدم ويبذل في مثل هذا، فطوبى لمن فتح بيته لإيواء من لا بيت له، وطوبى لمن بذل المال وبذل الأجهزة، ألم يقل الله:وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَسورة الماعون:7، كان المفسرون يقولون: الفأس، والدلو، والقدر، ونحن الآن نقول: مضخات، وشاحنات، وسيارات تسحب، طوبى لمن فتح مطعمه ومحله لأجل أناس ما طعموا أو شربوا شيئاً، طوبى لمن كان يوزع الماء على صفوف السيارات، طوبى لمن لم يظهر أمام أحداً، أخفى نفسه وهو يخوض غمار السيول لإنقاذ الأرواح البريئة، والأجر في ذلك عظيم، قال تعالى:وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًاسورة المائدة:32، الذي ينقذ نفساً واحدة كأنما أحيا الناس جميعاً، فنسأل الله أن يجزل الأجر لمن بذل من رجال الأمن، ومن عامة الناس في إنقاذ أرواح الأبرياء، وانتشالهم، وأخذهم، ورفعهم، وهكذا أُجلي المئات.

عباد الله:

  الاستضافة من أصحاب الفنادق، والشقق المفروشة للناس الذين ليس لهم ظهر ولا زاد، وقد قال نبينا: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له)،[رواه مسلم (1728)] طوبى لأطباء شاركوا في إنقاذ الناس، طوبى للشباب الذين كانوا يستعملون ما وهبهم الله من القوة، والخبرة، والدربة في السباحة، والغطس، والعوم لإجلاء هؤلاء المنكوبين.

إن احتساب الأجر في التقديم والبذل عظيم، وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًاسورة الإنسان:8-9، وهكذا إذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه، وإذا استطعت توفير الدواء له فوفره، وهكذا دعاء المسلمين والمسلمات لإخوانهم وأخواتهم، وهكذا الكلمة الطيبة في موقع الألم وقعها عظيم.

وعندما يتهيب المؤمن من هذه المناظر كي يبذل، ويقدم، فإن الله عز وجل يضاعف له أضعافاً مضاعفة.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، اللهم إنا نسألك الأمن والأمان، وحسن العاقبة يا أرحم الراحمين.

الخطبة الثانية.

الحمد لله على كل شيء قدير، الحمد لله يفعل ما يشاء، فعال لما يريد، الحمد لله يقضي ما يشاء، علام الغيوب، له الحكمة البالغة في أمره، وشرعه، وقدره سبحانه وتعالى.

أشهد ألّا إله إلا هو وحده لا شريك له، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، حبيبنا، وإمامنا، وقدوتنا، وسيدنا صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، وذريته، وأزواجه، وخلفائه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله:

من فوائد المحن والأزمات.
00:11:23

في مثل هذه الأحوال يبرز تلاحم المسلمين، وعنايتهم بمجتمعهم، وبلدهم، وبعضهم البعض، وتظهر الأخوة الحقيقية،إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌسورة الحجرات:10، ومن ذلك: الإعانة في البحث عن مفقود، وإيصال الناس بعضهم لبعض وقد تقطعت بهم السبل، فهذا يوصل زوجة هذا وابنته، وهذا يوصل ولد هذا، وهؤلاء ينتشلون صغاراً من روضة أطفال محصورين ساعات طويلة، وهم يجلونهم، يسبح بالولد يأخذه، ثم بالثاني، والثالث، وهكذا، وكذلك الهمة في نقل المصابين، وتهنئة الناجين، وتظهر الواجبات الشرعية في حماية الممتلكات، وتعريف الملتقطات؛ لأن هذه السيول جرفت ممتلكات، والممتلكات لها حكم اللقطة، فما كان تافهاً يسيراً لا يجب تعريفه، وما كان ذا قيمة يجب تعريفه ولا يجوز أخذه، ولا التقاطه، ولا ظهور سوق سوداء للشاحنات، وإنما رد الأمانات، وإيصال الأشياء إلى أهلها، وحتى الإثباتات، والبطاقات، وتسلم للجهات المختصة إذا لم يعرف أصحابها، وحقوق الجيران، واتخاذ الاحتياطات اللازمة، والإسعافات الأولية، ومن كان يعرفها كان له قدر عظيم من الأجر، ومراجعة الحسابات، وغرس المعاني في نفوس الأولاد، وتحديد الاحتياجات، وتوزيعها على المحتاجين، ومكافحة الأوبئة التي تنشأ.

عباد الله:

إن لهذا الدين أحكام عظيمة في الهندسة، والمقاولات، والمشاريع، والمنشآت، والأراضي، والمخططات، فمن أخل بها حلت به الكارثة عاجلاً، أو آجلاً، وفي رقبته مما أصاب إخوانه الوزر العظيم.

عباد الله:

تظهر معادن الناس في الأزمات، وتظهر المروءة والشهامة، وفي المقابل يظهر الاستغلال البشع من رفع أسعار ونحو ذلك على الناس أضعافاً مضاعفة، وهم في كرب، وفي حاجة، ليس رفعاً على أغنياء لكن رفعاً على ناس ربما لا يملكون شيئاً غير هذه الأموال، أو غير هذا المبلغ البسيط الذي يشتري به، فعندما يضطر المحتجزون، أو مثل هؤلاء الذين لا مأوى لهم إلى الشراء، فالمسلم لا يستغل الكارثة لكي يضاعف الأسعار أضعافاً مضاعفة، وأيضاً فإن كف أيدي السفهاء، والسرَّاق الذين يظهرون في مثل هذه الأحوال؛ هو من حفظ الأمن للمجتمع، وهو أمر واجب.

إنقاذ الغريق من الواجبات، وأيضاً إذا احتاج الناس إلى بذل شيء عامٍ، فإنه يجب بذله بثمن المثل، أو بالمجان لمن أراد وجه الله.

بعض الأحكام الفقهية في مثل هذه الأزمات.
00:15:01

وكذلك فإن هذه الأحداث تظهر بها مسائل فقهية، فيسأل الناس عن حكم طين الشوارع، والمياه التي تكون في هذه المستنقعات الحادثة؟

والجواب: أن الأصل فيها الطهارة كلها، فالأصل في الأشياء الطهارة، والأصل في الأشياء الإباحة، ولا وسوسة، ولا موقع للموسوسين في هذا.

وكذلك فإن الصدق شأنه عظيم، وبعض الناس مع الأسف صاروا يكذبون حتى في التعويضات، وهذا لا يجوز،إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَاسورة النساء:58 .

اللهم ارحم موتى المسلمين، واشف مرضاهم، وداوي جرحاهم، واجبر كسرهم، وعوض مصابهم، واخلفهم بخير يا أرحم الراحمين.

اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، احفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، نعوذ بك من عذابك، قنا عذابك في الدنيا وفي الآخرة.

اللهم إنا آمنا بك، وتوكلنا عليك، فاحفظنا لا إله إلا أنت، عليك يتوكل المتوكلون، اللهم إنا توكلنا عليك في حفظ بلدنا، وأنفسنا، وأهلينا، وأموالنا، وبيوتنا، اللهم احفظنا بحفظك يا أرحم الراحمين، اللهم احفظنا بحفظك يا أكرم الأكرمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه البخاري (4628) .
2 - رواه مسلم (1728) .