الاثنين 28 جمادى الآخر 1438 هـ :: 27 مارس 2017 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج والمحاضرات والدروس عبر قناة الشيخ لليوتيوب وموقع البث الإسلامي والبالتوك
  • برنامج (مجالس الأحكام): يبث مباشر يوم الثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة على القنوات ( زاد-مكة - درر الشام- الجميلة - القصيم)
  • برنامج ( قيمنا ): يبث مباشرة يوم الأربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة على قناة (زاد - الرسالة)
  • برنامج ( بصائر ): يبث مباشرة يوم الجمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة على القنوات ( زاد - مكة - درر الشام- كيف - صفا - الجميلة - القصيم)

القلق في طلب الرزق


عناصر المادة
تكفل الله بالرزق وتسيره لأسبابه:
ظاهرة القلق على الرزق:
تطمينات وقواعد في الرزق:
الأخذ بأسباب الرزق:
التوكل على الله في الرزق:
بعض مفاتيح الرزق وأسبابه الإيمانية:
الأخذ بأسباب الرزق الإيمانية والدنيوية:
التوسط والاعتدال في الإنفاق:
تعدد مصادر الدخل وتنوعها:
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلمَ- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
تكفل الله بالرزق وتسيره لأسبابه:
00:00:46

عباد الله: إن لله -سبحانه وتعالى- أسماءً عظيمة، دالة على قدرته عز وجل، ومن أسمائه -سبحانه وتعالى-: الرزاق، يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: 37]، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: 6].
ومن أجل ذلك فإنه سبحانه لما خلق السموات والأرض خلق السموات والأرض في يومين عمومًا، ثم عمد إلى الأرض فقدر فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ [فصلت: 10]، في أربعة أيام أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا [النازعات: 31]، وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ [لقمان: 10]، وهيأ السكن للساكن سبحانه وتعالى.
وأمر عز وجل عباده أن يمشوا في الأرض، وأن يبتغوا من رزقه، وأن يطلبوا الرزق منه سبحانه لا من غيره، فهذا الكوكب الذي نعيش عليه كوكب غني للغاية فيه من أنواع المعايش ما لا يخطر ببال، ولا يزال البشر يكتشفون من المعايش التي أودعها الله في هذا الكوكب العجيب الأمور الكثيرة في أرضه، وفيما يخرج من زرعه، وفي الدواب التي بثها، وهذه الثروة الحيوانية، وفي هذه الكائنات البحرية، والبحر الذي تستخرجون منه لحمًا طريًا، وفي هذه الجبال وما أنزل فيها من الحديد، وخلق فيها من المعادن، ذهب وفضة، ونحاس، وغير ذلك، كوكب غني للغاية.
ظاهرة القلق على الرزق:
00:02:51

وما يحصل في الأرض من المجاعات فإنما هو بذنوب العباد، واحتباس المطر كذلك، ما يحدث من المجاعات بظلم بعضهم لبعض، وتسلط بعضهم على بعض، وإلا فإن في الأرض ما يكفيهم وزيادة والذي لا إله غيره، نقول هذا الكلام في الوقت الذي يدب القلق في نفوس كثير من الناس على أرزاقهم، وعندما تضيق فرص المعيشة تقل الوظائف، أو تسرح الشركات موظفيها، أو بعضهم، أو تخفض من رواتبهم، أو يتأخر صرفها، ونحو ذلك، فإن القلق يساور الكثيرين، وبالذات أصحاب الأسر والأولاد، والذين عندهم مسؤوليات، وأناس ينفقون عليهم، ويريد هو أيضاً أن يعيش ويتزوج، ويسكن، ويفرش السكن، ونحو ذلك.
وإن هذا القلق -يا عباد الله- لا بدّ من علاجه، وقد كثر في العالم، فالاضطرابات النفسية تصيب أكبر من نصف سكان العالم، وثلث البشر مصابون بالقلق، ويموت شخص كل كذا ثانية بسبب الانتحار، وحالات الاكتئاب في العالم تقدر بثلاثمائة وخمسين مليون حالة، تؤدي إلى قرابة مليون حالة انتحار كل عام، ولا تسل أيضا عن الحالات والأمراض الأخرى المتصلة بهذا، جزء من القلق متعلق بقضية الرزق، وتوفير الاحتياجات الأساسية والمتطلبات، وخصوصًا في زمن يوجد فيه فواتير للصرف وأبواب لم تكن من قبل في الإنفاق على الصحة والتعليم، وغير ذلك من الاحتياجات.
تطمينات وقواعد في الرزق:
00:05:32

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56 – 58].
فيحتاج المسلم إلى نصائح وتطمينات بشأن هذا القلق واليقين: بأن الله -سبحانه وتعالى- قد ضمن أرزاق العباد، هذا ركن أساس في معالجة هذا القلق، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58].
عندما نؤمن أن الله خلق كوكبًا غنيًا، وأنه يوجد فيه بالتأكيد زراعة وثروة حيوانية ومعادن، إلى آخره، بالتأكيد يوجد للعباد ما يكفيهم وزيادة، ولما قال: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك: 15] هو عز وجل يعلم ماذا سينتج عن المشي في مناكبها من الفرص والأرزاق والأموال: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: 20]، فهذه الأسفار، وتغيير المكان، والانتقال من مكان إلى آخر، لا شك أنه يولد أيضاً سعة، هذا كما نص الله -سبحانه- عمن ينتقل في الأرض يجد مراغمًا كثيرًا وسعة: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات: 22 – 23].
ثم تفكر في الكائنات غير العاقلة الدواب: وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ [العنكبوت: 60] لا تطيق جمعه وتحصيله، ولا تؤخر شيئًا لغد اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت: 60] يقيض لها الرزق على ضعفها، وييسره لها، ويخرجه، ويبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه، حتى الذر في قرار الأرض، والطير في مرتفعات الجو والهواء، هذا رزق الله لا يستطيع أن يمنعه أحد، إذا أرادك الله برَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا [فاطر: 2]، رزق الله لا يرده كراهية كاره.
ولو أن في صخرة صماء ململمة *** في البحر راسية ملس نواحيها
رزقا لعبد براها الله لانفلقت  *** حتى تؤدي إليه كل ما فيها
أو كان فوق الطباق السبع  *** مسلكها لسهل الله في المرقى مراقيها
حتى ينال الذي في اللوح خط له  *** فإن أتته وإلا سوف يأتيها
من الأشياء التي تسكن القلق: أن الله أول ما خلق الله القلم وقال له: اكتب، فكتب مقادير السموات والأرض، كتب المقادير، وكتب ما هو كائن قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وجف القلم على هذا المكتوب، وطوى الله عنا الغيب، أمران عجيبان، كتب المقادير كلها قبل أن يخلق الخلق، وطوى عنا الغيب فلا نعلمه، وأمرنا باتخاذ الأسباب، والدعاء، وأخبرنا أنه كتب المقادير، ومنها: أرزاقنا: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد: 23]، وأن تعلم أنه شيء مقسوم، مكتوب، مقدر، مفروغ منه، وزيادة على ذلك ما من نفس تنفخ في جسدها وهي جنين في بطن أمها إلا وملك يرسل لنفخها، ويكتب رزقها وأجلها وعملها، وشقي أو سعيد [بمعناه رواه البخاري: 3208، ومسلم: 2643] يكتب رزقها وهذا شيء يريح الإنسان جداً.
وأيضاً أخبر عليه الصلاة والسلام: أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، ما في شيء مكتوب لك إلا سيأتيك قبل أن تموت قطعًا، قال: فاتقوا الله وأجملوا في الطلب [رواه ابن ماجه: 2144، وقال الألباني: "صحيح لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 1698]، أجملوا في الطلب يعني إذا دعوت ادع بالجملة، ادع بالعموم كما في دعاء: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201] وحسنة الدنيا تشمل: الرزق الوفير، والمركب الهانئ، والدار والواسعة، والزوجة الصالحة، والأولاد البررة، والذكر الحسن، وهكذا..
عباد الله: من القواعد العظيمة: قوله عليه الصلاة والسلام: ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله قوله في الحديث: ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته [رواه الطبراني في الكبير: 7694، وهو في السلسلة الصحيحة: 2866]، اغسل يدك من باب رزق حرام، ولو ضاقت عليك اغسل يدك من باب رزق حرام، لو حصل فهو عقوبة وبلاء، وشؤمه إذا ما طالك في الدنيا ولا بدّ أن يطال، فسيأتي شؤمه في الآخرة عذابًا أليمًا.
الأخذ بأسباب الرزق:
00:11:28

عباد الله: هذه قضية الرزق مكتوب حتى لا يحمل الإنسان نفسه فوق ما تحتمل، فهو مطالب بالأخذ بالأسباب: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ [الملك: 15]، لن ينزل من السماء أن تمطر ذهبًا أو فضة، نعم في السماء أرزاق تنزل، وفي مطر ينزل، لكن لن تمطرك ذهبًا وفضة، لكن هناك قدر بالرزق ينزل، وهناك مطر يعين على الرزق ينبت الله به ما ينبت، يعين على الرزق، ولذلك إذا ابتغيت السبب، يعني ضربت في الأرض، مشيت في مناكبها، وسعيت، وولجت الأبواب، وما يتعلق بذلك من دراسة وسعي وسؤال وتقديم، ونحو ذلك، بل عمل مباشر في هذه الأرض: زراعة، صناعة، واستيلادًا لهذه الثروة الحيوانية، ونحو ذلك، أو الإجارة بتأجير النفس فيما يسمى بعالم الوظائف، كلها عوالم، عوالم جعلها الله، زراعة صناعة  تجارة، إجارة أسباب، أبواب، المطلوب أن يجلها الإنسان.
وبعضهم على طبق دون تعب، لا -يا إخواني- هذا ليس مسلك العقلاء، وإذا نجحت عند بعض الناس لسبب أو لآخر فإنها لن تنجح عند الأكثر.
أبواب الرزق حتى فيما فجره الله -تعالى- في هذا الزمن من هذه الشبكات، فإنها تحمل، وفيها أبواب للزرق أيضا.
واعلم أن الله إذا سد عليك بحكمته طريقًا فإنما يفتح لك برحمته طريقًا آخر قد يكون أنفع منه، وأوسع رزقًا.
تذكر -يا مسلم- أن من أسماء الله -تعالى-: المقيت، ومعنى المقيت الذي يوصل إلى كل مخلوق رزقه المناسب له، وما يقتات به وعليه، فهو المقيت سبحانه، وهو خير الرزاقين، يرزق المسلم والكافر، وإذا كان يرزق حشرة أفلا يرزق الإنسان؟ وإذا كان يرزق الكافر أفلا يرزق المؤمن؟
القلق على الرزق من الشيطان: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ [البقرة: 268]، يقيم لك هذا الهاجس دائمًا منصوبًا أمامك في ذهنك حتى يجعلك تحزن، وربما يفوت عليك بالاكتئاب فرصًا للرزق، فتنبه.
ولذلك إذا بذلت الأسباب أزل هذا القلق تمامًا؛ لأن المسألة الآن رزق من الله -عز وجل-، وقد يؤخره لحكمة، وقد يقلله لحكمة، يضيق بالرزق لأسباب، وقد تكون في مصلحة العبد، فقد يعصي بالرزق فيمنع منه فيتوب ويؤوب ويعود، وينسد باب للمعصية، ويفتح باب للتوبة، ويشعر الإنسان بالحاجة إلى الله، وكان من قبل مستغن عن ربه: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6 - 7]، فعندما يضيق عليه يشعر بالحاجة، فيدعو ويدعو، ويأتيه من أنواع الحسنات، والصبر على البلاء، حتى ذكر الإمام أحمد -رحمه الله-: "لروعة صاحب العيال يبكون في حجره أحب إلي من كذا وكذا"، يعني من العبادات، بما يكتب الله له بذلك من الحسنات.
التوكل على الله في الرزق:
00:15:49

وهنا أمر من أعمال القلوب نتحدث عنه وكثيرًا ما لا نحسنه، أي عملاً في الواقع وتطبيقًا، ألا وهو: التوكل: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3]، التوكل يصب عليك الرزق صبًا، هناك أدلة يقينية لكن القضية في العمل بذلك: لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله وهذه: حق توكله فيها المربط والسر حق توكله هذه قضية تفريغ القلب إلا من الله، ولا اعتماد إلا على الله، ولا لجوء إلا إلى الله، وطلب الرزق منه لا من غيره، وتفويض الأمور إليه: لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا تذهب في أول النهار جياعًا وتروح بطانًا [رواه الترمذي: 2344، وابن ماجه: 4164، وأحمد: 205، وهو في السلسلة الصحيحة: 310] تعود في آخر النهار مملوءة البطون، حديث صحيح.
العلماء قالوا: هذا الحديث أصل في التوكل  وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق.
توكل على الرحمن  في الأمر كله *** فما خاب حقًا من عليه توكل
وكن واثقًا بالله وارض بحكمه *** تفز بالذي ترجوه منه  تفضلاً
والتوكل هذا توحيد، وتوحيد الله أعظم مذهبات القلق؛ لأن توحيد الله أمن: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ [الأنعام: 82]، وَلَمْ يَلْبِسُواْْ إِيمَانَهُم توحيدهم بِظُلْمٍ بشرك لا أكبر ولا أصغر ولا خفي، أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام: 82] ومن ضمن الأمن: الأمن النفسي، والأمن النفسي يعني طيب النفس أخبر عليه الصلاة والسلام أنه من النعيم، أن الإنسان تكون طيبة نفسه، وهذا متعلق بمسألة مهمة وهي غنى القلب والقناعة، فقد يكون غنيًا من جهة كثرة المال، لكن ما عنده طمأنينة، ولا أمن نفسي، ولا عنده رضا، ما عنده قناعة بما قسم الله له، وقد يكون قليل المال لكن طيب النفس، منشرح الصدر، عنده نعيم نفسي بالقناعة، وغنى القلب، والاستغناء بالله عن غيره.
بارك الله لي ولكم  في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ومصطفاه، دعا إلى الله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأزواجه وذريته الطيبين، وخلفائه الميامين، وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
بعض مفاتيح الرزق وأسبابه الإيمانية:
00:18:56

عباد الله: ما نحتاجه في تسكين النفس أهم مما نحتاج إليه  في تسكين البطن، تسكين القلب أعظم من تسكين البطن، عندما يقول الله -عز وجل-: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: 97].
إذًا، عمل الصالحات.
لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم [رواه البخاري: 6346، ومسلم: 2730] كلمات للكرب تقولها، حتى لو خشيت أن تطرد من عملك: اللهم رحمتكك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله [رواه أبو داود: 5090، وأحمد: 20430، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1823]، وهذا يشمل رزقك لا إله إلا أنت.
عندما تقول دعاء المكروب: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك الحديث.. [رواه أحمد: 3712، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1822] هذا فيه زوال الكرب وتنفيس هذا والحزن والغم والهم زوالاً. عندما يتوكل الإنسان على الله -سبحانه وتعالى- حقيقة ويؤمن اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت [رواه البخاري: 844، ومسلم: 593] هذه أشياء تستجلب الرزق.
عندما تتسلح بذكر الله -عز وجل-، ومنه: الاستغفار، الاستغفار هو بالأصل لطلب مغفرة الذنوب، ومحو الذنوب، مرادك أخروي، لكن له بركات دنيوية، له فوائد تبعية، من هذه الفوائد التبعية: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10 - 12]، وهذه أرزاق دنيوية، من فوائد الاستغفار التبعية في الدنيا مع أن أصل ما يقوله الإنسان لأجل الآخرة، لكن الله كريم، يعطي هنا ويعطي هناك.
عندما يكون هناك تعلق حقيقي بالله –سبحانه- وهناك صلاة حقيقية خاشعة تزول أنواع كثيرة من القلق: إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا [المعارج: 19 - 20] يحبط بسرعة ييأس يسقط في يده، ينهار، يتحطم، يكتئب إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج: 19 – 21] إلا طائفة واحدة: إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج: 22 - 23] دَائِمُونَ فجر وعصر كل الصلوات.
المسلم الذي إذا أخذ مضجعه، وهو يقول: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك [رواه البخاري: 247، ومسلم: 2710] الحديث.. هذه الكلمات إذا كانت عن إيمان واعتقاد حقيقي، وهو يتفكر في معانيها، ويقصدها بما يقول حقًا، ما لها أثر؟ على الأقل في تسكين نفسه، فضلاً عن جلب الرزق.
الحمد، هذه العبادة العظيمة ما لها أثر؟ عندما يقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي [رواه مسلم: 2715] كفار ما عندهم رب يؤمنون به، ملاحدة، زنادقة، ما عندهم رب يتوكلون عليه، ولا يثقون به، ولا يدعونه، ولا يلجؤون إليه، لكن عندنا إيمان، وعندنا تفويض وعندنا توكل: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله هذا  أصل دعاء الخروج من البيت فيه أن الملك يقول: هديت وكفيت ووقيت [رواه أبو داود: 5095، والترمذي: 3426، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1605].
عندما يقول الإنسان: لا حول ولا قوة إلا بالله حقًا، لا حول لا استطاعة ولا قدرة، ولا قوة إلا بالله، ثم لا يقع شيء في الكون إلا بأمر الله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49] هناك مصائب يعني لا بدّ أن يمر بالإنسان مصائب إذا ما ضاق عليه في الصحة ضاق عليه في الزرق، ما ضاق عليه في الرزق ضاقت أشياء، لكن مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن: 11].
ثم الدنيا طلوع ونزول وحركة موجية، وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: 140]، لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ [الانشقاق: 19] شدة ورخاء، صحة ومرض، فقر وغنى، فإذا تأملت حالها صبرت على النزول كما استمتعت بالطلوع والصعود، وسيأتيك رزق بعد ذلك تصعد به مرة أخرى.
ثم الضيق الذي تجده ما هو ببلاش؟ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: عجبًا لأمر المؤمن أن أمره كله خير قال: وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًاا له [رواه مسلم: 2999].
ثم لا يهولنك أي مؤامرة عليك، فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف [رواه الترمذي: 2516، وأحمد: 2669، وصححه  الألباني في مشكاة المصابيح: 5302] لا تقف واجماً قلقًا.
سهرت أعين ونامت عيون *** في شؤون تكون أو لا تكون
إن ربا كفاك بالأمس ما كان *** سيكفيك في غد ما يكون
لما يقول فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت: 17] يقدم: عِندَ اللَّهِ على الرزق، ما قال: فابتغوا الرزق عند الله، فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ، فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ [الملك: 15]، وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ [النساء: 32] كم مرة سألت الله من فضله؟ نحن الآن في دعاء خروج المسجد نعرف أننا نقول إذا خرجنا: اللهم إني أسألك من فضلك [رواه مسلم: 713] لكن هل نقولها بحضور قلب؟ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [آل عمران: 74] يعني إذا سئل يعطي كريم -سبحانه وتعالى-.
الأخذ بأسباب الرزق الإيمانية والدنيوية:
00:25:11

ثم -يا عباد الله- هذه المفاتيح الإيمانية: التقوى، والعمل الصالح، والذكر، والاستغفار، إلى آخره، هذه يستجلب بها أقوى وأكثر من المفاتيح الأرضية؛ مثل: قضية الضرب في الأرض والسفر والانتقال، والسعي، وأن يزرع، وأن يصنع، وأن يستخرج، إلى آخره.
وكذلك فإن الله -سبحانه وتعالى- قد أمرنا بالحكمة، وأمرنا بالأخذ بالأسباب التي خلقها، وجعل من التوكل الأخذ بالأسباب.
وأنت -يا أخي- أسبابك الإيمانية بالإضافة إلى أسبابك الدنيوية ستأتي لك بالنتيجة، لما تصل الرحم هذه مثراة في المال. لما تحافظ على الصلاة وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طـه: 132]، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2 - 3] هذه أشياء ليست عبثية، ولا مجرد تسلية نفسية وهمية، هذه أشياء حقيقية، يعني لما يقول: الحج والعمرة ينفيان الفقر [رواه الترمذي: 810، والنسائي: 2630، وأحمد: 3669، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 2524] لا تغفل عن أذكار الله الخفية، أرزاق الله الخفية.
أيضاً نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس [رواه البخاري: 6412] عندك حواس، وعندك صحة، وعندك زوجة، وعندك أولاد، وعندك أمن.
نسأل الله أن يزيدنا أمنًا وإيمانًا، وعندك عافية، وسل الله العافية، وأيضاً إذا جاءتك البركة والله يكفيك الذي هو أقل، ربما يقل على الإنسان الراتب، لكن إذا ابتغى أسباب البركة هذا حل كبير للمشكلة، سيكفيه الأقل، وإن كان أقل عددًا ورقمًا، لكنه سيكون أكثر من جهة الكفاية والسعة والقيام بحاجاته، والصلاح هذا صلاح النفس، وصلاح الزوجة وصلاح الأولاد، وصلاح البيت، إنه يأتي بأشياء لا تخطر بالبال.
التوسط والاعتدال في الإنفاق:
00:27:27

عباد الله: كل ما قلنا عندما يجتمع معه اعتدال في الإنفاق، وترك الإسراف، فضلاً عن التبذير؛ لأن التبذير الإنفاق في الحرام ولو ريال، والإسراف مجاوزة الحد في الحلال، وعندما يجتمع الاقتصاد، والاقتصاد من النبوة، وأسألك القصد في الفقر والغنى [رواه النسائي: 1305]، و"الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة"، كما قال السلف، ويجتمع مع ذلك حسن التدبير، وعندما يقسط المال الموجود على هذه الاحتياجات، وعندما يكون هناك رفق المعيشة، هذه تدابير شرعية قد جاءت في الشرع أيضاً.
وكذلك أن تترك ورثتك أغنياء، وفي أشياء تعد للمستقبل، وأيضا الرفق في المعيشة شيء عظيم.
واحذروا -رحمكم الله- من السفه، فالله لا يحب السفهاء.
تعدد مصادر الدخل وتنوعها:
00:28:29

عباد الله: الصدقة تزيد في المال، واعلم بأنك في فرصة في تنويع مصادر الدخل والالتفات إلى مصادر قد غفلت عنها، والانتقال من عالم الوظيفة إلى عالم المتاجرة والصفقات، وكل بيع مبرور تذكر أحاديث البيع المبرور، وفائدة البيع المبرور، والبركة في البيع المبرور، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وتشتري شيئًا وتبيعه بالصدق والتبيين بورك لهما في بيعهما [رواه البخاري: 2079، ومسلم: 1532]، أفضل الكسب بيع مبرور [رواه أحمد: 15836، وهو في السلسلة الصحيحة: 607].
عباد الله:إن هذه القضية جديرة بالتفكر والتأمل والنظر إليها من الزوايا الشرعية، وما قد جعل وما هو منزل في الكتاب والسنة بهذا الشأن سواء من جهة الأسباب الإيمانية، أو الأسباب الدنيوية، حتى الأسباب الدنيوية موجودة مذكورة في القرآن والسنة.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يبارك لنا فيما آتانا، وأن يوسع لنا في أرزاقنا، وأن يقضي عنا ديوننا.
اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، واجمع على الحق كلمتنا.
اللهم إنا نسألك لبلدنا هذا الأمن والإيمان ولسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعلها آمنة بشرعك، عاملة بأمرك، قائمة بذكرك.
اللهم اجعل عيشنا رغدًا، وصب علينا الرزق صبًا، ولا تجعل عيشنا كدا كدا، يا رزاق يا كريم يا واسع الفضل، يا ذا الفضل العظيم أغث إخواننا المستضعفين يا رحمن يا رحيم، احمل حافيهم، واشف مرضيهم، وأبرئ جرحيهم، وارحم ميتهم، اللهم إنهم في هذا البرد في البلاء مما لا يعلمه إلا أنت فاكشف ما نزل بهم من ضر يا رحمن يا رحيم، عجل الفرج لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور.