الخميس 5 شوّال 1438 هـ :: 29 يونيو 2017 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج والمحاضرات والدروس عبر قناة الشيخ لليوتيوب وفيس بوك وتويتر ومكسلر
  • برنامج (هدى وبينات ): يبث مباشرة كل يوم الساعة 5 مساءً بتوقيت مكة المكرمة على القنوات ( زاد - مكة )

كيف كانوا


عناصر المادة
عِظمُ شأن السابقين من هذه الأمة
حال السلف مع القرآن
حرص السلف على تعليم الصبيان التوحيد وآداب الإسلام
حال السلف مع الدعاء والذكر
حرص السلف على ختم القرآن عند المجيء إلى مكة
خشوع السلف عند الطواف بالبيت الحرام
قيام السلف بحقوق الأخوة، وتعظيمهم لحرمات الله
حرص السلف على تطبيق السنة
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عِظمُ شأن السابقين من هذه الأمة
00:00:44

عباد الله: إن للسابقين في الأمة شأن عظيمًا: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}[الواقعة : 11].
وقد أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن خير أمته قرنه الذين كان فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
هؤلاء الذين آمنوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وسمعوا كلامه ورافقوه ونصروه وأدَّوا عنه وبلغوا وفتحوا البلاد ونفعوا العباد ((خير الناس قرني)) [رواه البخاري: 3651، ومسلم: 6635]، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا[البقرة : 137] يعني الصحابة.
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ[النساء: 115]. وعلى رأسهم صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-
هؤلاء اختارهم الله لصحبة نبيه -عليه الصلاة والسلام- بعد أن نظر إلى أهل الأرض، فاختار أفضلهم، وقدّر أن يوجدوا في وقت محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، فهم أكمل الناس عقولاً، وأوسعهم علمًا، وأحسنهم عملاً، هم فوقنا في كل علمٍ
كما قال الإمام الشافعي -رحمه الله: "هم فوقنا في كل علم، واجتهاد، وورع، وعقل، وآراؤهم لنا أحمد" [الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد: 1 / 478].  
                                   فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبّه بالكرام فلاحُ
[ديوان عبد الغني النابلسي: 1 / 383]. فكيف كانت حالهم؟
حال السلف مع القرآن
00:02:42

أولاً: قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن" [تفسير الطبري: 1 / 74].
التعرّف على حالهم أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة لنا؛ لأنهم قدوتنا، ونريد أن نسير على منوالهم.
قال أبو عبد الرحمن السلمي -رحمه الله-: "حدثنا الذين كانوا يقرئونا القرآن أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا تعلموا عشر آيات لم يخلِّفوها -يعني لم يتجاوزها- حتى يعملوا بما فيها من العمل قال: فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا" [تفسير ابن كثير: 1 / 8].
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ[البقرة : 121]، ما هو حق التلاوة؟
يدخل فيه العمل بالمتلو؛ أن يحلّ حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرِّف الكلم عن مواضعه ولا يتأوّله؛ يعني: ولا يفسره بغير مراد الله -سبحانه وتعالى-، كان السلف يحرصون على الإيمان قبل القرآن.
فقال عبد الله بن عمر -رضي الله  عنهما-:" لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد -صلى الله عليه وسلم-، فيتعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيتُ اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمرُه ولا زاجرُه، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نثر الدقل" يعني التمر الرديء" [رواه البيهقي: 5073].
ومن شأنهم لهذا السبب المتقدّم أنهم كانوا يعظمون أهل القرآن، فيقول أنس -رضي الله عنه-: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا" [تفسير البغوي: 8 / 238] يعني: عظُم شأنه وارتفع قدره وفاق لماذا؟ لأنهم يأخذونه إذا أخذ بالبقرة وآل عمران معناها: قد عمل بما فيها، كانوا أهل القرآن.
حرص السلف على تعليم الصبيان التوحيد وآداب الإسلام
00:05:07

كان من شأنهم -يا إخواني- أيضًا، أنهم كانوا يعلمون صبيانهم التوحيد، وحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ومغازيه، قال إبراهيم التيمي -رحمه الله-: "كانوا يستحبّون أن يلقنوا الصبي الصلاة، ويعربوا أول ما يتكلم يقول: لا إله إلا الله" [مصنف ابن أبي شيبة: 1 / 348].
يستحبون أن يكون أول كلام الصبي: لا إله إلا الله، سبع مرات، فيكون ذلك أول شيء يتكلم به الصغار كما يقول ابن سيرين: "كانوا إذا رأوا إنسانًا يدعو بإصبعيه ضربوا إحداهما، وقالوا إنما هو إله واحد" [مصنف ابن أبي شيبة: 10 / 382]، إذًا، يعلمونه أن يشير بالتوحيد.
قال الإمام مالك بن أنس -رحمه الله-: "كان السلف يعلمون أولادهم حُبّ أبي بكر وعمر كما يعلمونهم السورة من القرآن" [الموطأ: 1 / 15].
وأيضاً مشاهده عليه الصلاة والسلام التي شهدها، فقال علي بن الحسين: "كنا نعلم مغازي النبي -صلى الله عليه وسلم- وسراياه كما نعلّمُ السورة من القرآن" [البداية والنهاية: 3 / 297].
وأيضاً كانوا يحافظون على السواك أشد المحافظة وحتى يروحون والسواك من الأذن موضع القلم من أذن الكاتب فيستاكون لأجل أن يقوموا لله برائحة طيبة.
ومن شأنهم أيضاً قال ابن جريج -رحمه الله-: "حُدّثتُ أن أناسًا كانوا فيما مضى، كانوا ينصتون للتأذين كإنصاتهم للقرآن؛ ينصتون للأذان كإنصاتهم للقرآن، فلا يقول المؤذن شيئًا إلا قالوا مثله" [مصنف عبد الرزاق: 1 / 480].
هذه إذا جعلناها في أولادنا، إنه إنجاز عظيم والله، الإنصات لله، كالإنصات للقرآن، والترديد مع المؤذن.
وكان من شأنهم أيضاً كما وصف الله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[الذاريات: 17- 18].
وقال الله: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة : 16].
كانوا كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "قلّ ليلة تمر بهم إلا صلّوا فيها" [مصنف ابن أبي شيبة: 2 / 239]، كانوا يستحبون قيام الليل.
وكذلك قال بلال بن سعد: "أدركتهم يشتدون بين الأغراض؛ أي في التمرين، ويضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل، كانوا رهبانًا" [السنن الكبرى للنسائي: 10 / 406].
فإذًا، لم يكن من شأنهم العبوس، ولم يكن من شأنهم أن الوجه مكفهّر، بل كان يضحك بعضهم إلى بعض.
وكان لهم مران ودربة واستعداد، كما قال الله: وَأَعِدُّوا[الأنفال : 60]، ولكن كان يضحك بعضهم إلى بعض، فإذا صار الليل كانوا رهبانًا، وقال الحسن -رحمه الله- في شأن إخلاصهم: "إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الضيوف الزوّر وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه سرًا فيكون علانية أبدًا" [الزهد لابن المبارك: 1 / 45].
حال السلف مع الدعاء والذكر
00:08:49

كانوا يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوت إلا كان همسًا بينهم وبين ربهم.
قال الحسن: "إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته -يعني دمعته- من خشية الله فيردها، فإذا خشي أن تسبقه قام، وكان الرجل يتعبّد عشرين سنة وما يعلم به جاره، وكانوا يخفون العمل حتى عن أهليهم، فينطلق الواحد في أول اليوم صائمًا، يأخذ معه إفطاره في الصباح تظن زوجته أنه سيفطر في عمله، فيذهب، ويتصدق به في الطريق، فيرجع قبل المغرب، فيتغدى، وهو في الحقيقة إفطاره.
كانوا يذكرون الله -عز وجل- بعد الفجر، فقال الأوزاعي -رحمه الله-: "كان السلف إذا صدع الفجر أو قبله شيئًا كأنما على رؤوسهم الطير، مقبلين على أنفسهم، حتى لو أن حميمًا لأحدهم غاب عنه حينًا، ثم قدّم ما التفت إليه، فلا يزالون كذلك حتى يكونون قريبًا من طلوع الشمس" [مختصر تاريخ دمشق: 4 / 499].
وقال الوليد بن مسلم: "رأيتُ الأوزاعي يثبت في مصلاّه، يذكر الله حتى تطلع الشمس ويخبرنا عن السلف أن ذلك كان من هديهم، فإذا طلعت الشمس قام بعضهم إلى بعض فأفاضوا في ذكر الله، والتفقه في الدين" [سير أعلام النبلاء: 7 / 114]، فحينٌ خلوة بربهم وحين آخر مدارسة مع بعضهم.
حرص السلف على ختم القرآن عند المجيء إلى مكة
00:10:41
كانوا يحرصون على ختم القرآن إذا جاؤوا مكة؛ كما قال إبراهيم النخعي -رحمه الله-: "كانوا يحبون إذا دخلوا مكة ألا يخرجوا حتى يختموا بها القرآن".
وكانوا يشهدون الجنائز فتؤثر فيهم أيامًا كما قال الأعمش: "إن كنا لنحضر الجنازة فما ندري من نعزي من وجد القوم" يعني من حزنهم جميعًا ما نعرف أولياء الميت كلهم في حزن.
وقال إبراهيم: "كانوا إذا شهدوا الجنازة عرف ذلك فيهم ثلاثًا" [مصنف عبد الرزاق: 3 / 453]. يعني ثلاثة أيام أثر المشهد في وجوههم! فكيف بقوم يضحكون ويعبثون في وقت الدفن؟!
قال ثابت البناني: "لقد كنا نتبع الجنازة، فما نرى حول السرير -يعني سرير الجنازة- إلا متقنعًا باكيًا، أو متفكرًا كأنما على رؤوسهم الطير" [مصنف ابن أبي شيبة: 14 / 53].
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أكثروا من ذكر هادم اللذات [رواه ابن ماجة: 4258، وصححه الألباني: 682].
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يقتدي بهم يا رب العالمين، اللهم اجزهم عن الإسلام وأهله خيرًا، إنك أنت الكريم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله الحي القيوم، نزّل الكتاب بالحق، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، فدعا إلى الله، وترك الأمة على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين، اللهم صلّ وسلّم وبارك على عبدك ونبيك إمام المتقين، وعلى خلفائه الميامين، وذريته الطيبين، وآله وزوجاته وأصحابه أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
خشوع السلف عند الطواف بالبيت الحرام
00:13:07

عباد الله: كانوا يخشعون في الطواف خشوعًا عظيمًا، فقال نافع مولى ابن عمر: "لقد أدركتُ أقوامًا يطوفون بهذا البيت كأن على رؤوسهم الطير خشَّعا" [أخبار مكة للفاكهي: 1 / 202]، ليس يأتونه كأنه مزار سياحي.
كانوا أصحاب زهد في الدنيا كما قال إبراهيم -رحمه الله-: "إن من كان قبلكم كانوا يفرون من الدنيا وهي مقبلة عليهم، وإنكم تتبعونها وهي مدبرة عنكم، فقيسوا أمركم وأمر القوم" [مصنف ابن أبي شيبة: 13 / 431].
وقال الحسن: "أدركتُ أقوامًا كانت الدنيا تعرض لأحدهم حلالها فيدعها، ويقول: والله ما أدري على ما أنا من هذه إذا صارت في يدي" [الزهد لابن المبارك: 1 / 178]، يعني: ماذا سيكون حالي إذا اشتغلت بهذا المال وصار في يدي؟!
وكانوا إذا لقي بعضهم بعضًا سألوا عن أحوالهم ليحمدوا الله، فقال عون بن عبد الله: "كانوا يتلاقون فيتساءلون، وما يريدون بذلك إلا أن يحمدوا الله -عز وجل-" [حلية الأولياء: 4 / 242]، أي ليس حباً في الاستطلاع ومعرفة الأخبار وأحوال كل واحد بخصوصياته، إنما يريدون أن يحمدوا الله -عز وجل-.
قيام السلف بحقوق الأخوة، وتعظيمهم لحرمات الله
00:14:35
وكانوا يقومون بحقوق الأخوة، فيقول الحسن -رحمه الله-: "والله لقد أدركتُ أقوامًا كان أحدهم يخلف أخاه في أهله أربعين عامًا بعد موته ينفق عليهم" [حلية الأولياء: 4 / 242].
من حق الإخوة: أن يبقى مهتمًا بحال أخيه الذي توفي؛ وفاء له وحسن العهد من الإيمان [رواه البخاري: 6492].
كانوا يعظّمون حرمات الله، فقال الحسن: "أدركنا أقوامًا إذا أصاب أحدهم الذنب الذي تحتقرونه كبُر عليه واستغفر" ثم أدركنا أقوامًا يصيب أحدهم الذنب العظيم فما يكترث له"[رواه البيهقي: 182، وحسّنه الألباني: 3819].

وقال أنس -رضي الله عنه-: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- من الموبقات" [رواه البخاري: 6492].
هكذا كانوا يتعاظمون الذنب فتعظم التوبة ويكثر الاستغفار، وأما إذا استهان الإنسان بذنبه لا يلقي له بالاً، فمتى يتوب؟
حرص السلف على تطبيق السنة
00:15:41

عباد الله: كانوا يحرصون على سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى كان ابن عمر يفعل ما يفعل في الحضر وفي السفر يتبع ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفي الصلاة شهد أنس -رضي الله عنه- لعمر بن عبد العزيز أنه كان أشبه الناس في وقته بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في صلاته فقال: "فحزرنا في الركوع والسجود، حزرنا في ركوعه وكذلك في سجوده عشر تسبيحات" [مسند البزار: 14 / 41].
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا ممن يقتدي بأولئك، نسأله سبحانه أن يجعلنا من أهل سنة محمد -صلى الله عليه وسلم-.