الأربعاء 12 ربيع الآخر 1440 هـ :: 19 ديسمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

الاستمتاع بالقرآن 2


عناصر المادة
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
منزلة رمضان وفضائله
00:00:44

عباد الله: ها قد أظلكم الشهر العظيم، الشهر الذي جعل الله فيه هذا الركن العظيم من أركان الدين.
الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن.
الشهر الذي يعتق الله في كل ليلة منه عتقاء من النار.
الشهر الذي فيه تعلم التقوى، فرض الله الصيام من أجل التقوى.
الشهر الذي ذكره الله في كتابه، وذكر فيه العبادات العظيمة: الصيام، والقرآن، والدعاء، والاعتكاف.
هذا الشهر له حق علينا.
الكريم إذا نزل به ضيف أكرمه، ونحن قد نزل بساحتنا ضيف عظيم، فلا بدّ من القيام بحقه: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه [رواه البخاري: 6135، ومسلم: 182].
ونحن محتاجون جداً إلى هذا الشهر؛ لتكفير السيئات، ورفع الدرجات، ومضاعفة الحسنات.
نحن محتاجون إلى الصيام حقًا؛ لأجل التقوى، ولأجل أنه جُنَّة، وحصن حصين من النار، ولأجل أن الله يضاعف فيه الأجر بلا حساب: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] الصابرون هم الصائمون؛ كما جاء عن الصحابة في تفسيرها.

نزول القرآن ومدارسة جبريل والنبي -صلى الله عليه وسلم- له :
عباد الله: هذا الشهر أنزل الله فيه القرآن في ليلة منه جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل مفرقًا منجمًا بحسب الوقائع والأحداث على محمد -صلى الله عليه وسلم- في الأرض على مدى ثلاث وعشرين سنة.
هذا القرآن ارتباطه برمضان ارتباط عظيم، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يقبل فيه على القرآن ويتدارسه مع جبريل كل ليلة، كان الرسول البشري والرسول الملكي يتدارسان كتاب الله كل ليلة، فلا بدّ أن يكون لنا من القرآن نصيب عظيم في هذا الشهر، تلاوة وتفسيرًا وتدبرًا ومدارسة، ولا بأس أن يكون للإنسان ختمة التلاوة، وختمة تدبر، أو أكثر من ختمة تلاوة، وختمة تدبر، يتفهم فيها كتاب الله.
بعض جوانب إعجاز القرآن
00:03:47

لأن هذا القرآن -يا عباد الله- معجز بلفظه ونظمه، ووعده ووعيده، وأحكامه حلاله وحرامه، وقصصه وأمثاله، حتى تعجبت الجن منه: فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا [الجن: 1] قال ابن عباس: "لا تنقضي عجائبه".
ومن تأمل فيه -يا عباد الله- وجد العجب العجاب!
تأمل فيه وهو يدلك على قواعد الإيمان: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] ما قال: نعبدك ونستعين بك إِيَّاكَ يقدم المفعول إِيَّاكَ أنت بالذات يا ربنا لا غير نَعْبُدُ هذا تجريد التوحيد، العبادة له فقط وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ؛ لأنه لا يمكننا أن نعبد إلا بمعونة منه، فلما ذكر العبادة وهي القصد ذكر الوسيلة المعينة وهي الاستعانة، فقال: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وانظروا إلى نون الجمع نَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ أمة واحدة، والعبادة واحدة، جميعًا يصلون صلاة جماعة، يصومون في شهر واحد جميعًا، يحجون إلى مكان واحد جميعًا نَعْبُدُ.
تأمل المناسبات التي فيه من ختم الآيات: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء ماذا قال؟ أَفَلَا تَسْمَعُونَ [القصص: 71] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ماذا قال في آخرها؟ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص: 72].
هل رأيتم المناسبة؟ في الليل سلطان السمع أقوى، في النهار سلطان البصر أقوى، فختم كل واحد بما يناسبه، فقال في الليل: أَفَلَا تَسْمَعُونَ وقال في النهار: أَفَلَا تُبْصِرُونَ.
لما أمر الأزواج بمعاشرة الزوجات بالحسنى، ذكر العلاج لو تمردت هذه الزوجة واستعصت، وذكر الثلاث الإجراءات من الزوج مرتبة: فَعِظُوهُنَّ ثم الثانية وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ثم الثالثة وَاضْرِبُوهُنَّ لكن بدأ بالأخف؛ لأن هذه طريقة العلاج الحكيمة لا تبدأ بالأشد ولا بالأثقل.
وحيث أن بعض الرجال يطغون في الضرب، فيضرب على الوجه وهو حرام، ويضرب ويكسر وهو حرام، ويضرب ويجرح وهو حرام، ويضرب ويعلم في الجلد، وهذا لا يجوز، وبعضهم يهجر بلا سبب، وبعضهم يهجر إلى الحرام -والعياذ بالله- ويترك زوجته الشرعية، حتى لا يكون هناك طغيان من الزوج، بماذا ختم الآية؟ قال: إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء: 34] يا أيها الزوج إذا كنت أعلى منها: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء [النساء: 34] فإن الله أعلى منك فلا تتعالى عليها وتتكبر، وإذا كنت أكبر منها فإن الله أكبر منك، وهو قادر عليك لو طغيت أن يزيلك ويأخذك، فختم الآية باسمين عظيمين مناسبين جداً لموضوع الآية، فيقول للزوج: لا تطغى إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا موعظة بذكر أسمائه سبحانه وتعالى.
القرية وصفاتها وصفات أهلها في القرآن:
00:08:02
 
تأملوا -يا عباد الله- فيما يذكر سبحانه من صفات القرية في القرآن: وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً [الأنبياء: 11]. فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحـج: 45] -طبعًا- المقصود أهل القرية، إلا قرية واحدة، ما وصفها بالظلم، وصف قرى بالظلم، وصف قرية بطرت معيشتها، لكن في مكة ماذا؟ قال عن المستضعفين مثل ابن عباس وأمه وغيرهما، هؤلاء لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فهم محبوسون في تلك القرية، في مكة، لكنهم يدعون الله: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا [النساء: 75] ولم يقل: الظالمة؛ لأن مكة حبيبة إلى الله، ما وصفها بالظلم، وإنما وصف أهلها في ذلك الوقت من المشركين بالظلم، حتى لا تتصف حبيبته من البلدان بالظلم مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا.
تأملوا -يا عباد الله- في هذا الكتاب كيف كانت القراءات، والقراءات وحي، فيها تعدد معاني عجيب: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: 146] هذه الآية نزلت بمناسبة غزوة أحد، ومقتل سبعين من الصحابة، ومصيبة عظيمة ألمت بالمسلمين، والله يواسيهم بآيات سورة أحد متوالية، وقد أشيع في الغزوة أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- قتل وحصل انهزام وانكشاف، فقال الله: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ من حواريه وأنصاره، ولكل نبي حواريون وأصحاب: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ [آل عمران: 146] بل أكملوا المشوار، في قراءة: {وكأين من نبي قُتل معه ربيون كثير} يعني من أصحابه فَمَا وَهَنُواْ يعني البقية وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وإنما أكملوا الطريق {وكأين من نبي قُتل} فاصلة مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ النبي نفسه قتل، ما توقف المشوار وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ  قال الله: وَلَكِن كُونُواْ في آية أخرى رَبَّانِيِّينَ تربون الناس بالقواعد والأسس قبل التفصيلات والفروع، تربون الناس بقواعد الإيمان قبل تفاصيل الأحكام رَبَّانِيِّينَ تأخذون من الرب -عز وجل- المنهج، فتربون به الناس ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تُعلمون وفي قراءة تَعلَمون وفي قراءة تَعلَّمون يعني تتعلمون، بما كنتم تتعلمون، وبما كنتم تَعلمون، وبما كنتم تُعلمون، وكل واحدة لها معنى، وكل واحدة لها أثرها في النفس.
الأمثال في القرآن
00:12:04

عباد الله: الأمثال في القرآن مدهشة، في موضوع الصدقة يقول الله: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ هنا المشبه المنفق والنفقة، أي الصدقة، والمشبه به الباذر الفلاح والبذرة، ما ذكر الأربعة تطويلاً؛ لأن القرآن بليغ، قال: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ يعني المنفقون أنفسهم، وهؤلاء هم الركن الأهم هنا في المشبه كَمَثَلِ حَبَّةٍ الفلاح الآن غير مهم أن يذكر، المهم الحبة التي سيرى المفعول، ماذا سيحدث لها أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ  سَبْعَ هذه الأعداد: ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، هذه أعداد تمييزها يكون عادة من جموع القلة، يعني سُنبُلاَتٍ ومذكورة في سورة يوسف وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ [يوسف: 46] سَنَابِلَ جمع كثرة في اللغة، كيف سَبْعَ سَنَابِلَ؟ العادة في اللغة: "سبع سنبلات" لكن لأن هذه السبع سيكون منها سبعمائة، ولذلك عبر بجمع الكثرة، فقال: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّة [البقرة: 261] فالحبة الواحدة كم صارت؟ سبعمائة. هل تتوقف مضاعفة الكريم لعبده المخلص على السبعمائة؟ لا. قال: وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء [البقرة: 261] فوق السبعمائة، لكن -يا إخواني أيها الأحبة- ألا ترون أن ذكر الحبة هنا أيضاً فيه فائدة بليغة، أين توضع الحبة في العادة فوق الأرض أو تحت الأرض؟ تحت الأرض. هل تكون ظاهرة أو تكون مخفية؟ مخفية.
إذًا، هذا فيه إشارة إلى إخفاء الصدقات مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة: 261] الحبة مخفية، فالصدقة مخفية. من أسباب مضاعفة أجر الصدقة سبعمائة وأكثر: أن تكون الصدقة خفية، كما أن الحبة في الأرض خفية.
هذا القرآن مدهش، حتى قال واحد من بطارقة الروم لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لقد جمع الله ما أنزل على عيسى في آية واحدة من كتابكم: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ وقال في آخرها: فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النــور: 52].
اللهم إنا نسألك أن تعلمنا كتابك يا رب العالمين، اللهم اجعلنا من أهل القرآن يا أرحم الراحمين، علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، الحمد لله الذي أنزله حكمًا عربيًا. الحمد لله. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الرحمة المهداة والبشير والنذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته الطيبين، وخلفائه الميامين، وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك إمام المتقين، وخاتم النبيين والمرسلين، وقائد الغر المحجلين، والشافع المشفع يوم الدين، اللهم أوردنا حوضه، واجعلنا من أهل شفاعته، واجمعنا به في جنات النعيم.
التقديم والتأخير في حروف وألفاظ القرآن:
00:16:24
جنات النعيم -يا عباد الله- قال عنها: حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: 73] والنار قال: حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: 71] فتحت في وجوههم! عنصر المفاجأة الذي سيكون بعده العذاب الأليم! إنها المفاجأة المخزية! والهول العظيم الذي سينفتح عليهم! لكن الجنة قال: مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ [ص: 50] حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وقد فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا، فقد فتحها محمد -صلى الله عليه وسلم- فسيأتونها ويجدون أبوابها مفتحة.
تقديمات وتأخيرات أحيانًا تلامس أشياء، أحيانًا تبين تنبه على أمور من الضلالات من الجاهليات: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ [الشورى: 49] لماذا قدم الإناث؟ إشارة إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من تأخير الإناث، وكره الإناث، ووأد الإناث، فقدم الإناث دلالة على أن لهن شأنًا عنده، وأن من أكرمهن فإنه سبحانه سيكرمه، من كان له ثلاث بنات -أخوات- فأحسن تربيتهن، أدبهن، علمهن، كساهن، أنفق عليهن، كن له سترًا من النار.
يقول: لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء: 7] لماذا لم يقل: للرجال والنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وإنما فصل فصلا كاملاً: لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ؟ هذا فيه إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم توريث النساء، ويقولون: الإرث للرجال الأقوياء المحاربين الكاسبين فقط، يستحقون، والنساء لا، ما قال: للرجال والنساء نصيب، بينها بعبارة أبلغ، وفصل لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ فلا تسقطوا نساء النصيب، ولا تأكلوا نصيب النساء.
بلاغة القرآن وحديثه عن آداب الضيافة
00:18:45

آداب كاملة في باب كامل من الآداب الشرعية بآيات وجيزة من كتاب الله في آداب الضيف: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات: 24] أول ما وصفهم: أنهم مكرمون، إذًا إبراهيم يكرم الضيفان، ضيوفه مكرمون، من الإيمان إكرام الضيف إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ [الذاريات: 25] كأنه ما في أبواب مغلقة، الضيف يدخل في أي وقت في أي ساعة من ليل أو نهار، الباب مفتوح: وحياك الله إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ حتى قيل: إن بيت إبراهيم الخليل -عليه السلام- كان له أربعة أبواب من الجهات الأربعة: شمال، جنوب، شرق، غرب، الضيف من أي مكان من أي جهة جاء سيجد بابًا مفتوحًا: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا نسلم سلامًا سَلَامًا مفعول مطلق، جملة فعلية، فقال: سلام سلام جملة اسمية، والثبات في الجملة الاسمية والاستمرار أكبر من الجملة الفعلية، ولذلك إِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: 86] على الأقل، ما جلسوا إلا قليلاً وإذ بإبراهيم -عليه السلام- يذهب خفية: فَرَاغَ ما قال: فذهب فَرَاغَ ذهب خفية حتى لا يقولوا: لا، اجلس، لا نريد شيئًا، انسل فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء [الذاريات: 26] بسرعة جاء، معناه مستعد، عنده العدة، جاهزة أصلاً، والضيفان ليس من تكريمهم أن تطول عليهم الضيافة: فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: 26] بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود: 69] في الآية الأخرى، مشوي على الحجارة، قالوا: هذا ألذه وأصحه، حَنِيذٍ على الحجارة لا تباشره النار، لا يحترق بلهبها، قالوا: ألذه وأصحه {بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} [الذاريات: 27] ما قال: تعالوا. ومن الإكرام الأكبر: أن تقرب الطعام إليهم، لا أن تقربهم إليه، والكل صحيح، لكن هذا الأكرم لو استطاعه، كيف آداب الضيافة تأتي من خلال آيات قليلة قصيرة، لكن فيها واضح ما فعله الخليل -عليه السلام-.
عباد الله: الآيات أنت تسير معها، فهي تدخلك في الجو لتعيشه بكامل أحاسيسك: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ [البقرة: 266] بستان عظيم ملتف الأشجار، ما أنواع الأشجار النوعية؟ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ أعناب هذه من أنفس الأشجار، تؤكل طعامًا وفاكهة، وتدخر قوتًا، على مدار العام، التمر والزبيب، والرطب فاكهة، والعنب كذلك تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ما تحتاج إلى مطر، ولا تحتاج إلى استخراج من آبار، وإنما الأنهار سارحة فيها طيلة العام، لا مؤونة ولا انقطاع، ولَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ بالإضافة إلى ذلك ليس فقط النخيل والأعناب كُلِّ الثَّمَرَاتِ كيف هي نفيسة تعلق القلب بها وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ في السن، فالآن لا يستطيع أن يعمل، رزقه -بعد الله- كله على هذا البستان وهذه المزرعة، وبالإضافة إلى ذلك وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء نساء مرضى، أمراض مزمنة، أو أيتام صغار، لو مات الآن يضيعون، إذا لم يكن لهم شيء، فهو يعتمد على هذا البستان لأجل عياله أيضا، وليس فقط لأجل نفسه الكبيرة بالسن، فمن كم وجه تعلق قلبه بهذا البستان؟ بستان جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ [البقرة: 266] مفاجأة مؤلمة جدًا وخيبة أمل صاعقة، كيف يكون شعوره في الإحباط والألم والحسرة؟ مثال ضربه الله لمن يعمل الحسنات ثم ينتكس ويعمل السيئات، أو لصاحب الرياء الذي يعمل ثم يرائي ويرائي بعمله، فيذهب إعصار الرياء حسنات العمل، فيوم القيامة يأتي ماله شيء، فيصاب بالخيبة الكاملة، هذه أمثال وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: 25] لعلهم يعقلون.
العيش مع القرآن في شهر القرآن
00:24:03

إخواني: هذا الكتاب، هذا شهرنا معه، نقبل عليه، مع الأهل مع الأولاد، نعيش معه في قصصه، في أمثاله بعث اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ [المائدة: 31] علمه الله بحيوان بطائر يدفن غرابًا آخر ميتًا، يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ والآية فيها اختصار يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ الغراب ليواري غرابًا آخر ميتًا، يحفر فعلمه كيف الدفن، أول ميت يدفن في البشرية، تحت الأرض بالتراب.
نعيش مع القرآن في الإيمان، في الجنة والنار، عظمة الله، أسماء الله الحسنى، هذه الأشياء التي يطوف بنا القرآن، والله الرحلة الممتعة، وما ندم أهل العلم على شيء ندمهم على اشتغالهم بأشياء غير القرآن، فالدرس العظيم أن نلازمه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}
 [البقرة: 185]، وقال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186]، وقال: وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[البقرة: 187] عبادات في رمضان.
والترتيب في الآية بالمناسبة أوحى الله إلى إبراهيم وإسماعيل: أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ[البقرة: 125] تأمل في الترتيب: الطائفين ألصق عبادة بالحرم بالمسجد الطواف؛ لأنه لا يوجد مسجد آخر في العالم فيه هذه العبادة، ثم قال: "العاكفين"؛ لأن الاعتكاف لا بدّ له من مسجد، ثم قال: "الركع السجود" الصلاة تكون في أي مكان في أي بقعة في العالم، ولكن المساجد أفضل البقاع لأداء الصلاة فيه، تأمل الترتيب! سبحان الله!.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم إنا نسألك يا ربنا أن تخرجنا من ذنوبنا  كيوم ولدتنا أمهاتنا، اللهم اجعل هذا القرآن شفيعًا لنا يوم الدين، واجعل هذا الصيام شفيعًا لنا يوم الدين، اللهم إنا نسألك أن تغنينا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، نعوذ بك من المآثم والمغرم يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير، أن تعتق رقابنا من النار، يا غفار أدخلنا الجنة بغير حساب، أدخلنا الجنة مع الأبرار، أدخلنا الجنة يا كريم يا وهاب.