الأربعاء 5 جمادى الآخر 1439 هـ :: 21 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

كيف تربينا الشريعة على الانضباط


عناصر المادة

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

تمييز الشريعة الإسلامية بالانضباط
00:00:44
عباد الله: إن هذه الشريعة كلها محاسن، وتربي المسلمين فيما تربيهم عليه على: الانضباط والانتظام، وعدم الفوضى والعشوائية، وإذا نظرت إلى أحكام الله القدرية، الكونية والشرعية الحكمية، لتجدن في ذلك ما يذهل!

فالله -سبحانه وتعالى- خلق الكون في غاية الانتظام والانضباط: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 2] كل شيء عنده بميزان.

خلق هذه الكواكب والأفلاك تدور في مساراتها بهذه السرعات المعينة، في هذه المسارات المعينة لا تخرج عنها، وبذلك ينتظم الكون: لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[يــس: 40].

إذن، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يــس: 38 - 40].

هل ترى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ [الملك: 3]؟ لا. مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ [الملك: 3].

انضباط وانتظام أوقات العبادات
00:02:44

وإذا نظرت إلى شرعه كيف علمنا الانضباط في الشرع، وجعل لنا آيات فيه: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ[البقرة: 189].

هذه الصلاة -يا عباد الله- دخول أوقاتها بأي شيء يكون؟

آيات تضبط لنا العبادات؛ إذا طلع الفجر دخل الوقت، إذا طلعت الشمس خرج الوقت، إذا زالت عن كبد السماء دخل الوقت، ظل كل شيء مثله خرج الوقت ودخل العصر الذي بعده، ظل كل شيء مثليه؛ اصفرت الشمس لا يجوز تأخير العصر إليه، غربت انتهى الوقت، وقت الاختيار ووقت الاضطرار، غاب الشفق وجاء الليل الأسود البهيم، خرج وقت المغرب، ودخل وقت العشاء، انتصف الليل خرج العشاء، وبقي وقت الاضطرار إلى الفجر، وهكذا في مسلسل بديع من ضبط العبادات.

الصيام إذا طلع الفجر كل المسلمين يمسكون، إذا غربت الشمس كل مسلم في المكان يفطر.

وهكذا انظر في صفوف الصلاة لا يتقدم ولا يتأخر، المحاذاة بين المناكب والأكعب، في مؤخرة الأقدام، فتنتظم الصفوف، لا أمام ولا خلف، ولا ثغرات، الاتجاه إلى القبلة، إذا كنت في المسجد الحرام إلى عين الكعبة، إذا كنت في مكة إلى جهة المسجد، إذا كنت خارج مكة إلى مكة، إذا كنت خارج الأرض إلى الأرض.

هذا الانتظام العجيب، تجده في الحج، البداية من الحجر، والنهاية في الشوط إلى الحجر، وهكذا لا زيادة ولا نقصان، من الصفا إلى المروة، سبعة يعني سبعة، لا زيادة ولا نقصان، الحصيات، ترتيب الجمرات: صغرى وسطى، كبرى، لا يجوز العكس، ولا العشوائية في الترتيب.

وهكذا أعمال منظمة، أعداد معينة، أوقات محددة.

عباد الله: إنه شرع يربي على النظام، ويربي على الانضباط، ويمنع العشوائية، ويمنع الفوضوية.

الانضباط في اللسان
00:06:31

وهكذا في الأشياء، في اللسان ضبط غاية الانضباط، أنت تبيع بكلمة، وتشتري بكلمة، وتتزوج بكلمة، وتطلق بكلمة. الكلمة لها مسؤولية في الإسلام، وماذا قال؟ ومتى قال؟ وماذا كان حالها عندما قال؟ وماذا كان حاله عندما قال؟

عباد الله: الانتظام نتعلمه حتى في هذا العدل بين الزوجات، ليلة بليلة، والنفقة، والمبيت، ومن لم يعدل جاء يوم القيامة وشقه مائل [انظر الحديث رواه أبو داود: 2135، والنسائي: 3942، وصحح إسناده الألباني في صحيح أبي داود: 1851].

وبين الأولاد لا بد من عدل، ولا يجوز أن تعطي ولدًا دون الآخرين، بلا سبب شرعي، وإذا كانت العطية ما لها سبب شرعي، لا بد من التساوي، ولا بد من العدل، والسلف كانوا يعدلون حتى في القبلات، إذا قبل هذا قبل الآخر؛ لأنك لو قبلت واحدًا ستجد الآخر يرمقك، وينظر إليك، ماذا ستفعل له؟

انضباط الملائكة في أعمالهم
00:08:04

العدل، نتعلم الانضباط، الانضباط من الملائكة: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ[مريم: 64] كل ملك له مهام، وظائف، هذا سفير الله إلى خلقه بالوحي، وهذا موكل بالقطر والمطر والنبات، وهذا ملك بالجبال، وهذا يسجل الأعمال، وهذا عند نفخ الروح، وهذا عند قبض الروح، وهذا خازن الجنة، وهذا خازن النار، وملائكة وتحتهم أعوان، وملك الموت له أعوان.

الكون خلقه الله مرتبًا منظمًا منضبطًا، العبادات، المعاملات في الإسلام.

انضباط خلفاء المسلمين في الولايات العامة والقضاء
00:09:16

أيها المسلمون -يا عباد الله-: إن الناظر -والله- في هذه الشريعة، وفي هذا الدين، ليتملكه العجب، يتملكه العجب من هذه الأحوال، وكان الحساب للولاة في الشرع في غاية الانتظام، يحضرهم عمر فيقول لأبي موسى: تعال أنت وعمالك؟ فهذا الوالي الكبير وتحت الولاة الصغار، عمر  -رضي الله عنه- قبل أن يولي أي والي يحسب ماله قبل أن يدخل في الولاية، كم هو؟ وبعد أن يعزله يحسب ماله كم هو؟ ثم يشاطره، فيقول: يا أمير المؤمنين كسبته بتجارتي، كسبته بعملي، فيقول: وما أدراك أنهم ما حابوك؟ باعوك بأرخص؟ أو اشتروا منك بأغلى؟ لمكانك؟ حتى الحذاء، فردة له وفردة لبيت المال، مرة من المرات استدعى عمر -رضي الله عنه- أبا موسى ومن تحته، فصفهم، فإذا جاء الدور قدم الأول، ماذا تلي لنا من الأعمال؟ قال: على البحرين، قال: كم رزقك في اليوم؟ قال: خمسة دراهم، قال: كثير، ماذا تفعل فيها؟ قال: يا أمير المؤمنين أتقوت منها وعيالي، وما فضل فعلى قراباتي، وما زاد فعلى فقراء المسلمين، حسنًا، ارجع، الذي بعده، كانت أمور المسلمين تمشي في الانضباط، تمشي في الانتظام، لا عشوائية، ولا فوضوية.

وهكذا -يا عباد الله- نجد هذا الشرع المبين، هذا الشرع الحنيف، إنه عجب!

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا ممن يهتدي بالحق، اجعلنا ممن يهدون بالحق وبه يعدلون، وبارك لنا فيما آتيتنا، واجعله عونًا لنا على طاعتك يا ربنا.

أقول  قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، البشير والنذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك ورسولك إلى خلقك، وخاتم أنبيائك، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، والشافع المشفع يوم يقوم الشهود، اللهم صل وسلم عليه، وعلى آله وذريته الطيبين، وأزواجه وخلفائه الميامين، وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

انضباط وانتظام المسلمين في ساحات الجهاد
00:13:13

عباد الله: هكذا نتعلم من شرعنا، وفيما يربينا عليه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان في غاية الدقة والانضباط مع أصحابه، وعندما كان يرصهم للقتال: كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: 4].

وفي بدر لما صفهم رأى واحدًا تقدم، فقال: معي معي [رواه أحمد: 23613، 23615، وهو حديث صحيح]، كونوا معي كما أريدكم، كونوا معي، بلا تقدم ولا تأخر.

وفي أحد قال الله:وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[آل عمران: 121] تُبَوِّئُ تحدد.

وجعل على الأوس فلانًا لهم راية، وعلى الخزرج فلانًا لهم رواية، والمهاجرين جعل لهم راية، والمقدمة والمؤخرة، والميمنة والميسرة، والقلب.

انضباط وانتظام المسلمين في الطعام
00:14:29

وهكذا عليه الصلاة والسلام حتى في إطعام الصحابة، مع وجود البركة، لكن ما كانت الكلمة تستعمل عشوائيًا، كما تستعمل الآن: الأمور ماشية بالبركة! مثال جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- في وقت جوع، ومعه ثمانون من الصحابة، إلى أبي طلحة، أبو طلحة هرع إلى زوجته: ماذا لديك؟ قالت: هذا الخبز، وعندي عكة سمن باقي منها شيء، وعصرت هذه العكة على هذا الخبز، وهذا طعامنا يا رسول الله، وسمى، قال: ادع عشرة ودخلوا وجلسوا وأكلوا وانصرفوا، قال: ادع عشرة ودخلوا وجلسوا وأكلوا وانصرفوا [رواه ابن حبان: 5285، وأبو يعلي: 174، وقال حسين سليم أسد: "إسناده حسن"].

القصعة تتسع لعشرة، يوجد بركة، حلت البركة بسببه عليه الصلاة والسلام، ولكن البركة لم تكن تعني العشوائية والفوضوية، حتى أكل الثمانون جميعًا بالبركة، لكن بالنظام.

انضباط وانتظام المسلمين في صلاة الجماعة
00:15:56

الإمام: إنما جعل الإمام ليؤتم به، إذا ركع فاركعوا، إذا رفع فارفعوا، إذا سجد فاسجدوا [رواه البخاري: 378، ومسلم:  948].

ومن الدقة يخبرك الفقهاء بالأحوال الأربعة: المسابقة حرام، والموافقة مكروهة، والمخالفة أن يتأخر عنه كثيرًا ممنوعة، والمتابعة المطلوبة، إذا انتهى من "راء": الله أكبر، تتحرك.

تحذير الإسلام من العشوائية وبعض صورها
00:16:33

والله -يا إخوان- دين عظيم، والله إن هذا دين نفيس، ما يوجد في الأرض مثله أبدًا، لكن التقصير منا نحن.

وهذا الخلل في الانضباط له آثار كثيرة، السالبة على إنتاجنا وحياتنا واستقرارنا.

العشوائية في الأكل، العشوائية في النوم، العشوائية في الدوام، العشوائية في الدراسة.

قال نصراني لعلي بن الحسين: ليس كتابكم شيء من الطب؟ قال: كيف تقول هذا وقد جمع نصف الطب في بعض آية؟ قال: وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ [الأعراف: 31] فقال النصراني: ما ترك كتابكم لجالينوس شيئًا؟ -جالينوس هذا أبو الطب عندهم!

عباد الله: هذه العشوائية مكلفة، هذه العشوائية وعدم الانضباط -مثلاً- في حوادث المرور، ماذا يوجد لدينا؟

سبعة عشر وفاة يوميًا.

ثمانية وستين ألف إصابة سنويًا.

ثلاثة عشر مليار خسائر بسبب الحوادث سنويًا.

من عدد حوادث.

ثلثمائة ألف حادث سنويًا.

ما هو المعدل الحقيقي للانتاجية في الدوام؟

ساعتان من ثمانية فقط، وقس على ذلك.

تقصير المسلمين في التمسك بالإسلام:

الدين واضح، لكن نحن المقصرون -والله-.

في عبادات الله، في عباداتنا تقصير وعشوائية وفوضوية، وبعض الناس لما يقوم يصلي لا يعتني بالأوقات ولا بالخشوع.

وهكذا تجد في الحج وفي غيره.

الدين -والله- جميل، لكن أين من يعقله ويعمل به؟

وهذا ما نريد أن نتعلمه، ونربي أنفسنا وأولادنا عليه.

اللهم أحيينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واقض ديوننا، وكفر عنا سيئاتنا، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، أخرجنا من الظلمات إلى النور، علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا.

اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.

نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك.

يا رب العالمين، نسألك الغوث لإخواننا المستضعفين، يا الله! يا قوي! يا الله! يا رحيم! الطف بإخواننا المستضعفين، اللهم أغار عليهم العدو وأنت فوق العدو، اللهم انصر عبادك، اللهم انصر عبادك، اللهم انصر عبادك يا رب العالمين، عجل الفرج لهم ولأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.

آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، واجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنًا سخاءً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين.

اللهم أحسن خاتمتنا، وتب علينا.

اللهم أدخلنا الجنة بلا حساب ولا عذاب يا وهاب.

اعتق رقابنا من النار.

اغفر لنا لوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: 180 - 182].