الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 هـ :: 19 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

03- محاورة في أدلة الألوهية وتوحيد العبادة


عناصر المادة
حقيقة المعركة حول توحيد الألوهية:
بعض صور الشركعند الأمم:
شروط لا إله إلا الله:
مخاطر مخالطة ومناقشة أهل الشرك والضلال بدون علم:
شرك العلاج بالطاقة والأحجار:
الجزيرة العربية قديماً على دين إبراهيم وإسماعيل:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ففي هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن مختصر في قواعد التوحيد والإيمان، سبق الحديث عن توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء، والصفات، وسنتحدث إن شاء الله عن توحيد الألوهية، والذي مضمونه إفراد الله تعالى بالعبادة، وأن يعبد وحده لا شريك له، وقلنا: إن هذا هو ميدان المعركة التي كانت بين المسلمين وكفار العرب،
أو مشركي العرب.
حقيقة المعركة حول توحيد الألوهية:
00:00:56
هناك معركة الآن تدور قريبة من هذا بين المسلمين، وبين الملاحدة، لكن الملاحدة أنواع، الملاحدة الجدد الآن طائفة منهم تعرف بالربوبيين، وهذه تسمية فيها مغالطة؛ لأنهم لو كانوا ربوبيين فعلاً لعبدوا الرب –عز وجل- لكنهم قوم ظهروا الآن يقولون: نحن نقر بالرب، ونعترف بالرب، وأن الرب هو الخالق، ولكنه لا علاقة له بالخلق، ولا واجب له على الخلق، ولا حق له على الخلق، والخلق يفعلون ما يشاؤون، فكأنهم يقولون: إذا كنتم تريدون نقاشنا في موضوع التوحيد، موضوع الربوبية يعني أن هناك إله، فنحن نقر، لكن في الأخير نحن فقط ربوبيون، يعني نؤمن برب، ولكنه لا حق له علينا، وهذا من جهة أسوأ من مشركي العرب.
مشركو العرب كانوا يعبدون الله، ويشركون معه غيره، هؤلاء لا يعبدون الله أصلاً، ونحن يجب أن نفهم خارطة الإلحاد في عصرنا، والكفر الموجود حتى نعرف كيف نتعامل معه؛ لأن هؤلاء الكفرة كما قلنا أنواع، الملاحدة أنواع، والزنادقة أنواع، الكفار أنواع، المشركون أنواع.
وطبعًا هذه المبادئ تتغلل وسط كثير من الشباب، ومن المهم معرفة هذا حتى نعرف كيف نحارب هذا المنكر.
إذًا، ما يقوله العلماء في الكتب في مسألة توحيد الألوهية يتعلق بقوم الذين خالفوا فيه يعبدون الله، ويعبدون معه غيره، لكن نحن الآن ابتلينا بقوم يقرون بوجود الله، ولكن لا يريدون أن يعبده أصلاً.
موضوع توحيد الألوهية قائم على اعتقاد أن لله حق على الخلق، وهو الذي خلقهم من أجله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
فهذا إذًا، محور فاصل بيننا، وبين من يسمون أنفسهم الآن في هذا الزمان بالربوبيين.
وأصل الموضوع هو قضية العبادة التي لا يرونها حقًا لله، والمؤمنون يرونها حقًا واجبًا لله تعالى، فإذا تبين أن الله –عز وجل- هو الرب، وآمن الإنسان بذلك، وجب عليه أن يعبده، وأن يوحده ويفرده بالعبادة.
فلاحظوا إذًا هذا الانحراف الموجود الآن ينتشر قوم يؤمنون بالربوبية، ولا يرون شيئًا في الألوهية البتة، وكفار قريش يؤمنون بالربوبية: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت: 61] ويعبدون الله؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- سأل والد عمران بن حصين: كم إلهًا تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض، وواحد في السماء، فقال: فأيّهم الذي تدخر لرغبتك ورهبتك لو ركبت الفلك، وجرت بك الريح، وعصفت وهاجت الأمواج؟ قال: الذي في السماء [رواه الترمذي: 3483، وقال: حديث حسن غريب: 3730].
هو الذي عند الشدائد، أقيمت الحجة إذا كان هذا هو الذي تلجأ إليه عند الشدة فما الحاجة للآخرين؟ ثم أسلم بعد ذلك.
وجوب إفراد الله –سبحانه وتعالى- بالعبادة، هذا الإقناع به من عدة جهات، يعني إذا قال طيب لماذا يجب أن أعبده؟ فالمنطلق في النقاش هو إذا كنت تؤمن أنه خلقك، ورزقك، أوجدك من العدم، وأنعم عليك، وأعطاك الحواس إلى آخره، فماله حق عليك؟ أليست هذه نعم؟ فأين شكرها؟
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 21 - 22]، وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [يس: 22]، لاحظ هذا المنطلق في الحجة الإبراهيمية: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي.
فإذًا، لا نعبد إلا الله، أن لا نعبد إلا الله.
فإذًا، إثبات العبادة، ثم إثبات الوحدانية، إثبات الإفراد التوحيد في العبادة: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: 84 - 89]، فالله يمنع من يشاء من خلقه، يمنعهم، يجيرهم، فلا يستطيع أن يتسلط عليهم أحد.
 لكن إذا أراد الله عبدًا بسوء يجيره من دون الله؟، ولذلك قال: يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ دارت المعركة بين الأنبياء وكثير من أقوامهم في مسألة التوحيد في العبادة: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: 5].
 إذًا، كان عند هذه الأمم قابلية تعدد الآلهة، ومسألة تعدد الآلهة نوقشت في القرآن الكريم: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: 42]، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: 22].
 كل واحد يريد أن يحدث شيئًا، يفعل شيئًا، يمنع شيئًا، والآخر بعكسه، فتتضارب أوامرهم فيعم الفساد، لا يمكن، لكنك ترى كل هذا الكون منتظمًا متسقًا ليس فيه عوج: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك: 3].
قبل هؤلاء المشركون وجود مبدأ تعدد الآلهة، لكنهم كانوا إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، ودخلت على البشرية فكرة عبادة الأوثان من عهد قوم نوح، وإلا فقد كانوا قبل ذلك عشرة قرون كلهم على الإسلام.
بعض صور الشرك عند الأمم:
00:07:58
مبدأ موضوع الإشراك مع الله في العبادة أخذ صورًا كثيرة جداً، منهم من عبد معه الشجر، ومن عبد معه الكواكب، من عبد معه الأصنام الأوثان، من عبد معه الأشخاص، ومن أشرك معه في الحكم، فجعلوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، يحلون لهم، ويحرمون عليهم، والشرك في العبادة أخذ عند قوم آخرين منحى صرف أنواع من العبادة للمقبورين، للأموات، للأولياء، فأشركوا مع الله الأولياء، كل هذه صور لشيء واحد، الشرك.
والدعوة إلى إفراد الله تعالى بالعبادة هي أصل دعوة الرسل؛ لأن أكثر ما وقعت فيه البشرية من الكفر هو الشرك، شرك العبادة في ملاحدة في البشرية، لا يقرون بوجود الله أبدًا، لكن أكثر انحراف جذري وأساسي في موضوع العقيدة كان في شرك الألوهية شرك العبادة، واتفقت شرائع الأنبياء في الإنكار على أقوامهم في هذا.
وقال عليه الصلاة والسلام: نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد [رواه البخاري: 3442، ومسلم: 6279].
وأولاد علّات في مقابل أولاد الأخياف، ما هي الحالات المتصورة لأولاد العلات؟، أولاد من أب وأم، أولاد من أب واحد، وأمهات مختلفات، أولاد من أب لكن أم واحدة، وآباء مختلفين على اعتبار أنها تزوجت وطلقت وتزوجت، ومات زوجها، فتزوجت فيمكن أن تتزوج بعدة رجال، فأولاد الأعيان، وأولاد العلات، وأولاد الأخياف.
وأولاد الأشقاء أولاد العلات أمهات مختلفة، وأبوهم واحد، ماذا أراد بوصف الأنبياء بأولاد العلاّت لأبوهم واحد وأمهاتهم مختلفة؟ أن الأصل واحد والشرائع مختلفة، أب واحد وأمهات مختلفات، يعني: مثل أصل واحد وشرائع مختلفة هذا حال الأنبياء، أصل واحد في الدين، والعقيدة، والتوحيد، أما في الشرائع  فتوجد اختلافات.
أخبر الله عن اتفاق دعوة الرسل في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36]، شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13].
وكانت المعركة بين النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمشركين في الجهاد من أجل هذا النوع من التوحيد، وهو  توحيد الألوهية، فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة يعني شرك: أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله الحديث [رواه البخاري: 25، ومسلم: 138].
فمضمون شهادة ألا إله إلا الله مهم معرفته؛ لأن بعض الناس إذا قلت له ما معنى لا إله إلا الله؟ يقول: لا خالق إلا الله، وهذا غير صحيح، هذا غير دقيق، ليس معنى أشهد ألا إله إلا الله، أو معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله؛ لأن هذا ليس عند كفار قريش مشكلة فيه، كفار العرب ليس عندهم مشكلة فيه، مشركو العرب يقولون: لا خالق إلا الله، والربوبيون اليوم هؤلاء الكفرة الجدد يقولون: لا خالق إلا الله، لكن هؤلاء كما قلنا لا يعبدونه، يقرون له بالخلق، ولا يعبدونه، وأولئك يعبدونه، ويعبدون معه غيره.
إذًا، ما هو الجهاد صار أصلاً في دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- أصلاً، قام لأجل أي شيء لأجل مسألة الشرك في العبادة، محاربة المشركين في العبادة؛ لأن معنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، لا إله يعني: لا معبود بحق؛ لأنه هناك معبودات بالباطل، يعني إذا قلت: لا معبود إلا الله يقول: هناك معبودات أخرى، لكن المعنى الدقيق لكلمة لا إله إلا الله  لا معبود بحق إلا الله، هذا التفسير لا معبود بحق إلا الله معناها نفي المعبودات الأخرى بالباطل، والتبرؤ منها، وبالتالي هبل، اللات، العزى، الأولياء المقبورين، يعني صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله لملك لجني أي نوع من أنواع العبادة العرب كان إذا نزل وادي استغاث بسيد الوادي، أعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه.
قال: لكي يجيره، يعني: فيستجيرون بالجن، ويلوذون بهم: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: 6]، هذا نوع من الشرك، وهذا كثير، ووصل بهم الأمر إلى أنهم اشتقوا لمعبوداتهم أسماء من أسماء الله؛ وبالذات الأشياء المؤنثة، يعني: اللات مؤنث الله، العزى مؤنث العزيز، مناة مؤنث المنان، وهكذا تعالى الله عن قولهم، فمن شهادة ألا إله إلا الله إذًا تجريد التوحيد، ويتطور الأمر إلى الجهاد من أجله، وإراقة الدماء من أجله هذا العهد الذي ذكره الله: لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: 87].
إذًا، هناك شرك الشفاعة، إنما كان هذا التوحيد عظيمًا؛ لأنه ينجي من الخلود في النار، ويؤدي إلى دخول الجنة، ولو بعد حين، وهو أعظم نعم الله، وهو العروة الوثقى، والعهد الذي أخذه الله على بني آدم على الناس، وهو الحسنى المذكورة في قوله: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى [الليل: 6]، وكلمة الحق المذكورة في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: 86]، وكلمة التقوى المذكورة في قوله تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح: 26]، وهو القول الثابت المذكور في قوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: 27]، وهو الكلمة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم: 24]، وهو أفضل ما ذكر به الله –عز وجل-، وهو أعظم الأعمال الصالحات، وأثقل شيء في الميزان، وسبب الأمان في الدنيا والآخرة، وأعلى شعب الإيمان.
شروط لا إله إلا الله:
00:15:33
ولا إله إلا الله هذه الكلمة العظيمة التي يظن عدد من الناس اليوم أن من قالها بمجرد القول أن هذا يعتبر مسلماً، له كامل الحقوق، معصوم الدم، إلى آخره.
وقد يقولها وعدد من مشركي الطوائف، يقولونها الباطنية وغيرهم يقولونها، يقول لك: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ولكن اعتقادته وأعماله تنافيها، ولذلك لا بدّ من توضيح ما هي الشروط، فعندما يصير نقاشاً مع بعض المبتدعة الباطنية المشركين كأهل الرفض مثلاً، هو يتماشى معك، يقول: كيف لا نشهد ألا إله إلا الله؟ نشهد ألا إله إلا الله، ونشهد أن محمدًا رسول الله.
إذاً، أين المشكلة؟ ويقول لك: أليس من قال لا إله إلا الله دخل الجنة؟ أنا مثلي مثلك، أنت تقول لا إله إلا الله، وأنا أقول لا إله إلا الله، نقول: ما معنى لا إله إلا الله؟ هنا الكلام؟ ما هي شروط لا إله إلا الله؟ هذه مسألة مهمة في النقاش، فيجب الإحاطة بها؛ حتى تكون لك سلاحًا في النقاش، كيف ترد على مشرك يقول: أشهد ألا إله إلا الله؟ بعض غلاة الصوفية عندهم شركيات في الأولياء، وفي المقبورين، لكن يقول أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، لا ينكر هذا أبدًا، فمن أين يبدأ النقاش؟ ما معنى لا إله إلا الله؟
فعندما تقول: لا معبود بحق، هو الآن يصرف عبادات بغير حق إلى غير الله، صار واضح  الانحراف في الأصل، فإذا قلت له: هذه الكلمة لها شروط؛ العلم، اليقين، القبول، الانقياد، الإخلاص، المحبة، فالعلم المنافي للجهل، فاعلم أنه كل واحدة لها دليل، فلا يأت من يقول: من أين أتيت بهذه الشروط؟ هذه شروط ما أنزل الله بها من سلطان،!
 تقول: لا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19]، إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: 86] اليقين.
ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات: 15]، فالشاك وضعه غير القبول، القبول المنافي للرد: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات: 35]، يعاندون، يرفضون، الانقياد المنافي للاستعصاء، والإباء؛ لأن من شروط لا إله إلا الله: وَأَنِيبُوا [الزمر: 54]، وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [النساء: 125]، الصدق المنافي للكذب، الإخلاص المنافي للرياء.
مخاطر مخالطة ومناقشة أهل الشرك والضلال بدون علم:
00:18:21
هنا لنا بعض الوقفات في موضوع الشرك، وأنواعه قلنا إن ظهور الشرك في بني آدم حصل بعد عشرة قرون كانت البشرية فيها على التوحيد: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [يس: 60]؛ لأن الله حذر منه، وقرر عداوته: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر: 6]، وعدم الحذر من الشيطان، وعدم الحذر من الشرك، يمكن أن يقع الشباب وغير الشباب في انحرافات خطيرة جداً فبعضهم يتساهل في مخالطة المشركين، والتداخل معهم.
يعني: لو كانت العلاقة فقط علاقة دراسية، علاقة تجارية، ربما كان الأمر أسهل، لكن عندما يكون عنده تداخل فكري، الآن موضوع المبتعثين مثلاً من المخاطر، يعني: ما هي التداخل الفكري؟ يعني هو لم يذهب يأخذ فقط الفيزياء، والرياضيات، وهندسة التحكم، ويأخذ علوم معينة في الطب، وكذا، ويرجع لا، المسألة أن العلاقة تتطور، وليست فقط علاقة شهوات، لا، علاقات شبهات، يعني يقول: دعني أنظر ماذا عندهم؟ أو يفتح الموضوع الطرف الآخر ماذا تقول عن كذا؟ نحن نقول كذا كذا، هل صحيح كذا؟ تحت حجة الاطلاع على ما عندهم، ومعرفة أقوال الآخر، والتجريب، والفضول، وكذلك الانفتاحات في النقاشات من قبل أشخاص غير مؤهلين للنقاش في لقاءات عبر الشبكات، ومواقع التواصل أدى ذلك إلى حصول إيقاع تشكيكات كبيرة في نفسيات عدد من الشباب والشابات.
والمعسكرات الأخرى العلمانية الشركية التغريبية إلى آخره، لها انتاجات كثيرة فكرية، نقاشات حوارات، مقاطع يوتيوب، كتب إلكترونية، كتب رقمية،  إلى آخره، ونقاشات مفتوحة، حوارات مجالس حوارات، وناس تسمع النقاش ابن الراوندي المتوفى عام 298 ألحد بهذا السبب.
والسبب في إلحاده قال الذهبي: كان يلازم الرافضة، والملاحدة فإذا عوتب قالوا له: كيف تجلس معهم؟ قال: إنما أريد أن أعرفهم أقوالهم، ثم إنه كاشف، وناظر، وأبرز الشبه والشكوك، كما قال الذهبي في السير، وانتهى حاله إلى أن ألّف كتابًا سماه الدامغ -والعياذ بالله-، زعم أنه يدمغ به القرآن قاتله الله، وكتاب الزمردة، يزري فيه على النبوات حتى علق الذهبي على ذلك، فقال: لعن الله الذكاء بلا إيمان، ورضي الله عن البلادة مع التقوى" [سير أعلام النبلاء: 14/62].
وإذا اجتمع الذكاء والتقوى هذا المنى، لكن إذا خيّرت بين ذكاء، وكفر، وبلادة، وإيمان، وإسلام تختار الثاني، يؤدي إلى الجنة، الأول إلى النار، ماهي الفائدة إذا دخل النار وهو عبقري، وخلد فيها، وهو عبقري؟.
وهناك نماذج أخرى، يعني أناس خالطوا في هذا القرن الماضي الشيوعيين، والاشتراكيين، وسقطوا في شباكهم، وألحدوا، وألّفوا كتبًا، وبعضهم برر فيه إلحاده، ولكن انتهى الأمر ببعضهم إلى جثة طافية على مياه البحر ما استطاع أن يتحمل الإلحاد الشقاء النفسي فانتحر.
الذين يدخلون في مناظرات ومناقشات بلا سلاح، بلا تهيؤ بلا عدة، بلا علم، بلا حجة، ينتهي به الأمر إما أنه يتبعهم، وإما أنه يصبح شاكًا فيما عنده، وما دخل فيما عندهم لكن صار شاكًا فيما عنده، وبعض أهل الباطل يكفيه أن يوصل مسلمًا إلى هذه المرحلة.
والعلماء لما اشترطوا في مسألة السفر إلى بلاد الكفر الحاجة، وألا تكون في بلاد المسلمين اشترطوا أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات، وعقل يدفع به الشهوات.
يحكي بعض الدعاة قال: كنتُ ألقي محاضرة في أحد المراكز الإسلامية في إيطاليا، وتكلمت عن تربية الأولاد، والمسؤولية نحوهم، وكان أغلب الحاضرين من المغتربين، وفجأة قام رجل كبير جاوز الثمانين، وصاح بأعلى صوته تعال عندي بنت تزوجها خذها تزوجها أرجوك، وبكى بكاء شديدًا، فسأله لماذا تبكي؟
قال: نحن كنا أربعة أصدقاء أتينا إلى هذه البلاد مع أولادنا طلبًا لحياة مادية أفضل، وظروف وأوضاع أفضل من بلادنا كبر أولادنا، وبدأوا يتفلتون من أيدينا، ومضت السنوات، ومات أصحابي، وتنصّر جميع أولادهم، وأنا أنظر وأما أنا فقد كبر الآن سني، واقتربت منيتي، وعندي بنت هي اليوم في المسجد، لكن غدًا لا أدري أين تكون؟
الذين يتهاونون في مسألة الدخول في مناقشات بزعمهم حرية النقاش، وحب الاستطلاع هم على خطر.
قال الله عن القرآن: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: 52]، وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ [الأنعام: 83].
فإذاً، الله آتى الإنسان حجة، هذا لها، لكن إذا لم يكن عنده حجة، وبعض الذين يخرجون كل خلفيتهم عن الدين  مقررات دراسية، أخذوا فيها مختصر المختصر، واختبروا فيه لأجل الاختبار، وخرجوا، ماذا بقي؟ فيقول مثلًا: المدرس حذف لنا هذه، الفصل الذي بعده أو السنة اللي بعدها يقول: المدرس قال: هذه عشرين سؤال، سيأتي الاختبار منها   الذي بعده يقول: هذه أسئلة الاختبار، هو ذاكر لنا الأسئلة قبل الاختبار، والذي بعده ربما مر عليهم، وغششهم في الاختبار، ففي الأخير ما هي الحصيلة؟ بالتأكيد تلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأوثان، وكذلك في الشرك في الأولياء، والتلاعب هذا يصل إلى درجات متقدمة من الشياطين.
وذكر ابن تيمية -رحمه الله- طرفًا من هذا، فقال: "كثيرًا ما تتمثل للمستغيثين بالأولياء في صور الأولياء ليخيلوا لهم أن الولي الميت سمع دعاءهم، واستغاثتهم، واستجاب لهم،  ليثبتهم على الشرك، ويقوي اعتقادهم في هذا الميت أو الولي" [الرد على البكري: 2/480].
وكثير من المشركين إذا قلت لهم: إن الاستغاثة بالأموات شرك يحتج عليك بقصص فيقول: لقد استغثت أو استغاث فلان بالولي الفلاني، فجاءه لابسًا رداء أبيض على فرس أبيض إلى آخره،  وقد يكون كذب، وقد يكون تخيلات، وقد يكون الشيطان تشبه بهؤلاء، وجاء فعلاً، وقد الشيطان جاء إلى كفار قريش بصورة شيخ، وفي معركة بدر قال: إني جار لكم؛ حتى يحمسهم على الذهاب إلى المعركة، وأنا أكفيكم بني فلان وبني فلان، إذا تخافون منهم، اذهبوا أنا ردئ لكم، ولما رأى الملائكة: نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ [الأنفال: 48].
ولما يأتي الدجال إلى واحد أعرابي، ويقول له: إن أحييتُ لك أبويك، يعني: أخرجتهما من قبريهما تؤمن بي؟ فيشير إلى القبرين، فيقوم شيطانان يتمثلان بصورة أبوا هذا الأعرابي، فيقولان له: يا بني، إنه على الحق اتبعه.
ما هذا؟ إذًا، الشياطين تصل إلى درجة التلبس، أو التشكل لإغواء البشر، قال بعضهم: كنتُ مريضًا، وزرتُ ضريح سيدي فلان الولي، وشكوتُ إليه حالي، فلما رجعتُ إلى بيتي، وآويتُ إلى فراشي جاءني يرتدي معطفًا أبيض، ومعه عدد من الأولياء، وأجرى لي عملية جراحية وأنا أنظر، وأصبحت وأنا معافى! هذا لو صدق مَن الذي جاءه؟ شيطان وهذا معروف.
قال شيخ الإسلام: "وأعرف من ذلك وقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي، وبغيري في حالات غيبتنا عنهم، فرأوني أو ذلك الآخر الذي استغاثوا به قد جئنا في الهواء، ودفعنا عنهم، ولما حدثوني بذلك بينتُ لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي، وصورتي غيري من الشيوخ الذي استغاثوا بهم؛ ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ، فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين، والميتين، وهذا من أكبر الأسباب التي بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان" [مجموع الفتاوى: 1/360].
وقال رحمه الله أيضاً: "وذكر لي غير واحد أنه استغاثوا بي كل يذكر قصة غير قصة صاحبه، فأخبرتُ كلاً منهم أني لم أُجب أحدًا منهم، ولا علمتُ باستغاثته، فقيل: هذا يكون ملكًا، فقلت: الملك لا يغيث المشرك، إنما هو شيطان أراد أن يضله". وقد يسمع الشيطان المستغيث صوتًا.
قال شيخ الإسلام: "ومن هؤلاء الشيوخ من يقول أنه يسمع صوت ذلك الشخص المستغيث به، ويجيبه، وتكون الشياطين أسمعته صوتًا يشبه صوت الشيخ المستغيث له، فأجابه الشيخ بصوته، فأسمعت المستغيث صوتًا يشبه صوت الشيخ، فيظن أنه صوت الشيخ، وهذا جرى لمن أعرفه، وأخبر بذلك عن نفسه" هذا كلام ابن تيمية في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 2/322].
ولذلك الشعراني الضال المضل في طبقات الأولياء يقول: تخلّفت عن ميعاد حضوري للمولد، فأخبروني أن سيدي أحمد البدوي كان ذلك اليوم يكشف الستر عن الضريح، ويقول: أبطأ عبد الوهاب الشعراني -اسمه عبد الوهاب- أبطأ عبد الوهاب، ما جاء، وأردت التخلّف عن مولد البدوي فرأيتُ سيدي أحمد -يعني البدوي- معه جريدة خضراء، وهو يدعو الناس من سائر الأقطار، والناس خلفه، ويمينه، وشماله، أمم لا يحصون، فمر عليّ فقال: أما تذهب؟ فقلتُ: بي وجع، فقال: الوجع لا يمنع المحب!
شرك العلاج بالطاقة والأحجار:
00:30:17
واليوم تفتح شياطين الإنس والجن للشباب أنواعًا من الشركيات في موضوع العلاج بالطاقة، والعلاج بالأحجار الكريمة، والعلاج بالأشكال الهرَمية، وقانون الجذب، ونحو ذلك من  أبواب الشرك العصري أو المعاصر.
ويؤلهون العقل الباطن، والخروج من الجسد، ومصائب في الإسقاط النجمي، والتخاطر، والاستبصار، وأسماء يضعونها لنظرياتهم ودوراتهم، وقديمًا كانت الشياطين تتلاعب بأصحاب الرقى الشركية وتساعدهم.
ولذلك لما قال عبد الله يروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الرقى والتمام والتولة شرك التولة شيء يحبب المرأة إلى زوجها من السحر، فقالت المرأة: "فإني خرجتُ يومًا فأبصرني فلان فدمعت يعني التي تليه، فإذا رقيتها سكنت دمعتها، وإذا تركتها دمعت يعني الرقية الشركية.
قال: "ذاك الشيطان، إذا أطعته تركك، وإذا عصيته طعن بإصبعه في عينيك، ولكن لو فعلت كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان خيرًا لك، وأجدر أن تشفين، تنضحين في عينك الماء وتقولين: أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر -يعني لا يترك- سقمًا [رواه أبو داود: 3883، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح: 2/1284].
هذه المرأة العجوز التي صادف وجودها في بيت ابن مسعود لما جاء وتحدث، كانت مشكلتها عين، قالت: نظر إليّ فلان، فدمعت عيني التي تليه، يعني من جرّاء نظرته، واضحة أنها كانت إصابة بالعين، وكنتُ اختلف إلى فلان اليهودي، هي قصة أخرى، وأنه يرقيها فتسكن طبعًا هذه رقاهم شركية.
فأخبرها أن الشيطان ينخس أن له تسلط على الأعصاب يمكن أن يسكن الألم في حال استعمال الرقية الشركية.
فإذًا، التعاون بين شياطين الإنس والجن، فيقول لك بعضهم: ذهبنا واستفدنا، كلامه صحيح من جهة الأثر، نعم فعلاً سكن الألم، لكن كيف سكن الألم؟ أليس بالرقية الشركية، بتدخل الشيطان أن ينخس العرق أو العصب فيسكن الألم، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فيصل إلى هذا.
وكذلك من يقول مثلاً رقيناه بالصليب أو ذهبنا به إلى القسيس فقرأ عليه نصوصًا من الإنجيل، وحرك عليه الصليب فسكن، وربما يقول في مصروع سكن المصروع، شيطان يستجيب لشيطان ليغوي هذا الإنسان.
قال شيخ الإسلام: "ويوجد لأهل البدع، وأهل الشرك المتشبهين بهم من عباد الأصنام، والنصارى، والضلاّل من المسلمين أحوال عند المشاهد، يظنونها كرامات وهي من الشياطين، مثل أن يضعوا سراويل عند القبر، فيجدونه قد انعقد، أو يوضع عنده مصروع، فيرون شيطانه قد فارقه، يفعل الشيطان هذا ليضلهم، يقول: يعني يذهبون به إلى الولي المقبور، فيخرج الشيطان ويتحسن حال هذا الإنسان، فيقول: انظر الولي كيف أفاده الولي!.
قال: يفعل الشيطان هذا ليضله، فإذا قرأتَ آية الكرسي هناك بصدق بطل هذا، فإن التوحيد يطرد الشيطان،
ثم ذكر طرفة قال: "ولهذا حمل بعضهم في الهواء، فقال: لا إله إلا الله فسقط" [مجموع الفتاوى: 11/293].
الجزيرة العربية قديماً على دين إبراهيم وإسماعيل:
00:34:19
الشرك الأكبر هذا واضح، والشرك الأصغر هو الرياء، الشرك الأكبر أن تجعل لله ندًا، وقد يكون من أنواعه كما قلنا الشرك في التشريع: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: 31].
إذًا، موضوع الشرك  هذا دخل جزيرة العرب.
وكان إبراهيم -عليه السلام- قد قرر فيها التوحيد، هو وإسماعيل، وصارت دعوة عظيمة، وكان العرب موحدين نستطيع أن نقول: كان العرب على دين إبراهيم واسماعيل، إبراهيم رسول، وإسماعيل نبي عظيم، وإسماعيل تزوج من قبيلة جرهم، ونزلت العرب عند هاجر عند زمزم في مكة، ونشأت البلد، قال إبراهيم: اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا [البقرة: 126]، قبل أن تنشأ مكة، وفعلاً بني البلد، فكان له دعوة أخرى: اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا بعد قيامه فله دعوة في الأمان قبل قيام مكة، وله دعوة بعد أن قامت مكة.
انتشرت دعوة التوحيد في جزيرة العرب، وبقي العرب ردحًا من الزمن على التوحيد دين إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-، حتى جاء شخص اسمه عمرو بن لحي، وعمرو بن لحي هذا مصيبة عظيمة من مصائب الدهر.
كان كاهنًا، وكان له رئي من الجن، فقال له مرة كما روى الكلبي عجل السير والضعن من تهامة بالسعد والسلامة ائت جدة تجد فيها أصنامًا معدة، فأوردها تهامة، ولا تهب، ثم ادع إلى عبادتها العرب تجب، فأتى نهر جدها فاستشارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عدن بن زيد اللات  فدفع إليه ودًا، صنم ود من المستخرجات، فحمله، وزع عمرو بن لحي الأصنام التي استخرجها على قبائل العرب، وقيل: إنه ذهب للشام في إحدى رحلاته، ورأى الأوثان، وجلبها إلى جزيرة العرب، أول شخص أدخل الشرك على العرب الذين كانوا على دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
 قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: رأيتُ عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه يعني: أمعاؤه في النار، وكان أول من سيب السوائب، وفي رواية: وغير دين إبراهيم، من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: تضطرب آليات نساء دوس حول ذي الخلصة [رواه مسلم: 7482].
صنم معروف كان موجودًا أزيل، وسيعود، كل هذه المتواليات من الشرك في مثل وزرها على عمرو بن لحي الخزاعي، قال ابن إسحاق: "واتخذ أهل كل دار في دارهم صنمًا يعبدونه، فإذا أراد رجل منهم سفرًا تمسح به، فيكون آخر عهده، وأول عهده آخر شيء يودع الصنم ويذهب، وأول ما يرجع من السفر يبدأ بالصنم.
فلما بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتوحيد، قال قريش: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [السيرة النبوية لابن هشام: 1/209].
وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة، وحجاب، ويهدى لها كما يهدى للكعبة، يعني كان هناك كعبات، وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلاً أخذ أربعة أحجار، فنظر في أحسنها فاتخذه ربًا، وجعل الثلاثة أفافي لقِدره، فإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلاً آخر فعل مثل ذلك هذا في غاية السقوط" حتى روى البخاري في المغازي في باب وفد بني حنيفة، عن أبي رجاء العُطاردي قال: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرًا هو خيرًا منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعًا جثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة نحلبها عليه، ثم طفنا به"[رواه البخاري: 4376]، يعني اعمل أي شيء.
ومنهم من عبد الكواكب، وقصة سليمان، وقصة بلقيس، وقصة سبأ معروفة: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النمل: 24]، هذا من أيام سليمان- عليه السلام، هذا موضوع الشرك الأكبر، الشرك في العبادة زاد عليه مشركو زماننا أشياء، كلمة مشركو أزماننا دعنا نقول: يعني القرن الماضي الذي قبله القرون المتأخرة في الأمة، ماذا زادوا على شرك مشركي العرب؟ زادوا على شرك مشركي قريش والعرب شرك الرخاء، وشرك الشّدة، يعني معروف أن مشركي العرب كان شركهم شرك الرخاء: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ، وعصفت الأمواج، واضطربت السفينة: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت: 65].
زادت الأجيال المؤخرة في الأمة شرك الشدة على شرك الرخاء، فصاروا يشركون في الشّدة وفي الرخاء، حتى قيل: إن رجلاً من الموحدين ركب سفينة في البحر، فركب معه أناس منتسبين إلى الإسلام، فلعب الموج بهم، وعصفت الريح، وأوشكت السفينة على الغرق، فهذا الموضع الذي كان فيه كفار قريش ينسون اللات، والعزى، ومناة، ويدعون الله مخلصين له الدين، فإذا نجاهم إلى البر، وصاروا في الرخاء والأمن يشركون، ما كان عندهم شرك الشدة، أما هذه الأجيال المتأخرة في هذه الأمة صار عندها شرك الشدة، وزادوا على شرك العرب الأولين، يقول هذا: فلما لعب الموج  بالسفينة، وأوشكوا على الغرق، جعل هذا يقول: مدد أغثنا يا بدوي، والآخر: أغثنا يا جيلاني، والآخر: أغثنا يا رفاعي، وذاك يقول: أغثنا يا عيدروس، وذاك يا أبا العباس، يا مرسي، الحقنا، قال الموحد: اللهم أغرق أغرق، فما بقي أحد يعرفك.
إذًا، زادوا شرك الشدة على شرك الرخاء، وصاروا في الشدة يذبحون للولي ذبائح.
ويا خائفين من التتر، لوذوا بقبر أبي عمر، ينجيكم من الضرر.
يعني لما جاءوا التتر يذبحون هؤلاء، يذهبون إلى الأولياء الذين في القبور!، هذا ما فعلته الأجيال الأخيرة.
وكذلك اعتقادهم متصرفين مع الله فيما لا يقدر عليه إلا هو، وإعطاؤهم كثير من صفات الربوبية  يعني بعض مشركي الصوفية الغلاة، وبعض مشركي الرافضة يعتقدون أنه ما تتحرك ذرة في الكون إلا بإذن القطب الأعظم فلان أو بإذن الأئمة الاثني عشر ما تتحرك ذرة في الكون هذا النوع من الغلو ما كان معروف عند مشركي العرب الذين قاتلهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذه مستجدات دخلت على الأمة في عصورها المتأخرة.
يوم القيامة تقول حجر شجر بقر بشر كله: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 98]، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ: 40 - 41]، ويتبرأ المتبوع من التابع.
هذه نبذة في موضوع توحيد الألوهية، وما يقابله في الشرك، وقلنا: إن هنالك نماذج عصرية من الشرك، وعرّضنا لها في دورات سابقة في كلامنا عن المستجدات الشركية في الطاقة وما شابهها من الأنماط الشركية الحديثة.
نسأل الله –سبحانه وتعالى- أن يرزقنا الإخلاص، والتوحيد، وحسن المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، والفقه، والعلم النافع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.